كيري: يمكن لحلفائنا الاعتماد علينا في ضمان أمن المنطقة على المدى البعيد

وزير الخارجية الأميركي أكد لـ «الشرق الأوسط» عزم بلاده على تنسيق استراتيجية مع الخليج لصد إيران

كيري: يمكن لحلفائنا الاعتماد علينا في ضمان أمن المنطقة على المدى البعيد
TT

كيري: يمكن لحلفائنا الاعتماد علينا في ضمان أمن المنطقة على المدى البعيد

كيري: يمكن لحلفائنا الاعتماد علينا في ضمان أمن المنطقة على المدى البعيد

بعد أن وقّعت الولايات المتحدة وباقي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا اتفاقًا مع إيران للحد من برنامجها النووي وضمان طبيعته السلمية، تواجه إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تحديا في إقناع الكونغرس من جهة، وحلفاء في منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى، بأنها ما زالت ملتزمة بسياستها التقليدية في مواجهة طموحات إيران الإقليمية. وفي أول مقابلة له مع صحيفة عربية منذ توليه منصب وزير الخارجية الأميركي في فبراير (شباط) 2013، شرح جون كيري لـ«الشرق الأوسط» سياسة الإدارة الأميركية تجاه طهران، مؤكدا أن واشنطن «لم تغير شيئًا» في تلك السياسة رغم فتح قنوات اتصال للمرة الأولى بين البلدين منذ أكثر من 3 قرون. وشدد كيري على أن واشنطن جدية في سعيها لـ«صد» إيران في المنطقة، موضحا أن لقاءه المرتقب يوم 3 أغسطس (آب) الشهر المقبل مع نظرائه من مجلس التعاون الخليجي في الدوحة ليس فقط من أجل إطلاعهم على جميع تفاصيل الاتفاق النووي، بل سيتركز على الخروج باستراتيجية لصد طهران و«تحركاتها غير المشروعة في المنطقة». وكان كيري حازمًا في إجاباته حول إيران، مكررًا خطابه الذي وجهه في جملة من المقابلات مع وسائل الإعلام الأميركية منذ التوقيع على الاتفاق النووي في 14 يوليو (تموز) الحالي بأن الاتفاق ح هو أفضل خيار لمنع مواجهة عسكرية أو سباق تسلح.
وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته «الشرق الأوسط»، مساء أول من أمس، عبر الهاتف مع وزير الخارجية الأميركي:

* بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران، ما مدى ثقتكم في أنه سيكون راسخًا؟
- ما دام يتم تطبيقه، وإيران تتخذ الخطوات الضرورية للالتزام، سيكون راسخًا. لن نذهب إلى أي مكان، وأعتقد أننا سنقنع الكونغرس بأنه (الاتفاق) أمر جيد لأمن الولايات المتحدة وجيد للمنطقة وسيحمي المنطقة من سباق تسلح، كما سيمنع إيران من تأمين سلاح نووي. وأعتقد أن ذلك يجعل إسرائيل ودول الخليج والجميع أكثر أمنًا. إذا لم يتم التوصل إلى هذا الاتفاق، فورا سنكون أمام مواجهة، لأن إيران كانت ستقول: «جئنا إلى طاولة المفاوضات وأنتم رفضتم الاتفاق، والآن لسنا ملتزمين أمام أحد». وبالمناسبة، كانت العقوبات ستنهار، لأن شركاءنا (في نظام) العقوبات وافقوا عليها من أجل الوصول إلى الطاولة للتفاوض، ولو فشلنا في المفاوضات، كانوا سيتخلون عنها. فالواقع أن حينها كانت إيران حرة للسعي وراء أهدافها، ما عدا التدخل (العسكري)، مما كان ربما أدى إلى نزاع، أو أن دولا أخرى (في المنطقة) تقول: «ما داموا سيسارعون للحصول على سلاح (نووي)، فعلينا أن نفعل ذلك أيضا». فكانت فرص حدوث سباق تسلح نووي أكبر بكثير من دون التوصل إلى اتفاق. مع إبرام الاتفاق، هناك قدرة كبيرة على معرفة ما تقوم به إيران، ونجد إيران تحت قيود كبيرة، وهم يعيشون مع ضوابط على مستوى تخصيب «اليورانيوم» وقيود على أعداد أجهزة الطرد المركزي ومخزوهم (العسكري). لا يمكن صناعة قنبلة (نووية) مع مثل هذه القيود، ومع هذا النوع من التفتيش.
* من المؤكد أنك سمعت من نظرائك العرب أن الكثير من العرب قلقون من التوصل إلى اتفاق ترفع بموجبه القيود من على إيران؛ إذ ترفع العقوبات، وتنتهي العزلة الدبلوماسية.. الخوف من أن سياسات إيران تصبح مصدر المزيد من المشكلات..
- لا نتفق مع هذا الرأي.. لا نتفق لأن الواقع أن إيران ستبقى معزولة بسبب دعمها للإرهاب، بسبب دعمها لتجارة السلاح ودعمها للحوثيين ودعمها لحزب الله. حزب الله منظمة إرهابية، وما داموا يدعمونها فسنصدهم. سنصد التحركات التي تدعمها في دول أخرى. السبب وراء قمة «كامب ديفيد» (التي جمعت بين الرئيس أوباما وقادة دول مجلس التعاون الخليخي في منتجع كامب ديفيد في مايو (آيار) الماضي) كانت لجمع الناس حول جهد نظامي لصد إيران. ففي الواقع، ميزانية إيران العسكرية 15 مليار دولار، ودول الخليج تصرف 130 مليار دولار سنوية. ماذا يحدث كي لا يظهر هذا الفرق في الميزانية من حيث الواقع على الأرض؟ لأنه من الضروري أن تكون هناك جهود أكبر لتدريب وتنظيم والعمل على مكافحة الإرهاب والتواصل على الأرض من خلال جهود مختلفة. مقاتلات «إف 16» لا تؤثر على الدعم الخفي للإرهابيين. يجب أن يكون هناك جهد أكثر فعالية في مكافحة «التصرفات الإيرانية»، وهذا ما نقترحه. نعتقد أن لدينا خطة أكثر فعالية وعلى الناس أن ينظروا نظرة ثاقبة للوقائع من دون هذه القيود (على إيران). من المستحيل أن تصنع إيران قنبلة مع قيود لخمسة عشر عاما على التخصيب بنسبة 3.67 في المائة، ومن المستحيل ذلك مع 300 كيلوغرام من المخزون (النووي). والسؤال هو: هل الوضع أفضل مع 15 عامًا من القيود، بدلا من المواجهة غدًا؟ وعلاوة على ذلك، لدينا قيود بـ25 عاما على تصنيعهم لليورانيوم وقيود مدى الحياة بسبب البروتوكول الإضافي والقدرة على الوصول إلى ما يقومون به. هناك شفافية كبيرة ومحاسبة في هذه القضية. وسأتوجه إلى الدوحة خلال الأسبوعين المقبلين للقاء مع كل دول مجلس التعاون الخليجي، وأعتقد أننا سنستطيع إقناعهم بأنهم سيكونون أكثر قوة مستقبلا من خلال صدنا (إيران) بطريقة أكثر كفاءة، بالإضافة إلى فرض القيود المذكورة.
* لقاؤك مع الدول الخليجية يأتي في وقت مهم، يبدو أن هناك عدم وضوح في سياسة الولايات المتحدة من حيث التعامل مع إيران..
- لم يتغير شيء. لقد أوضحنا ذلك كليا، وقلنا ذلك. لم يتغير شيء. نحن نعارض الدعم الإيراني لحزب الله، نعارض دعمهم للحوثيين، نعارض تدخلهم في الميليشيات الشيعية في العراق، ونعارض دعمهم للإرهاب. لم يتغير شيء. لقد فاوضنا للتوصل إلى اتفاق نووي للسبب البسيط بأننا نؤمن بأنه إذا كنت ستصد إيران، فمن الأفضل أن تصد إيران من دون سلاح نووي بدلا من إيران مسلحة بالنووي.
* ولكن التغيير هو أنك التقيت وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف مرات عدة، والقناة باتت مفتوحة الآن للتعامل مع إيران حول سياساتها في المنطقة. بعد التوصل إلى الاتفاق النووي، هل سيكون هناك انفتاح لمناقشة ذلك؟
- ليس لدينا فكرة عن ذلك، ولن نتخيل القيام بذلك من دون حلفائنا، ومن دون وجودهم، ولقد قلنا لهم ذلك.
* هل بإمكان الولايات المتحدة أن تجلب الطرفين إلى طاولة الحوار، هل تريد القيام ذلك؟
- لا أعلم، سيعتمد ذلك على ما يريده حلفاؤنا، ويعتمد على إذا كانت إيران ستفعل ذلك أم لا. ولكن هذا ليس موضوع هذه المفاوضات. الرئيس (الإيراني حسن) روحاني أشار في تصريحاته حول الاتفاق إلى أنه على استعداد لأن تكون هناك علاقة مختلفة (مع دول الخليج)، ولكن هذا ليس ما تفاوضنا عليه. المفاوضات كانت حول قدرتهم النووية وحرمانهم منها.
* نعم، ولكن بعد انتهاء المفاوضات، ما الخطوة المقبلة؟
- سنجلس مع حلفائنا وأصدقائنا، لن نتقدم بشكل لا يتناسب معهم وأو لا يدعمهم.
* هناك قلق في بعض الدول العربية بأن اعتبار إيران شريكة في هزيمة «داعش» يأتي بتكلفة سياسية. هناك قلق من أن الولايات المتحدة تعطي إيران شيكًا على بياض لنرى مجموعات وميليشيات مثل حزب الله تخرج في العراق. ما موقفكم من ذلك؟
- نحن نؤمن بأن كل الجنود والقوات الأجنبية يجب أن تخرج من سوريا، كل القوات الأجنبية.
* وماذا عن العراق؟
- لا نعتقد أنهم يجب أن يكونوا موجودين على الأراضي العراقية إلا في حال الحكومة العراقية (طلبت ذلك).. إنه أمر يعود للحكومة العراقية. إذن لا يريدونهم هناك، يمكن للحكومة العراقية أن تقول لهم ذلك. أعتقد أن الحكومة العراقية أعطتهم تصريحًا بذلك، الأمر لا يعود لنا، بل يعود للحكومة العراقية. نحن لا ندعوهم لذلك ولا نتعاون معهم.
* ولكن هل ترون دورهم يساعد الوضع في العراق؟
- أعتقد أن أي طرف يقتل «داعش» يساعد، ولكنه ليس أمرا نطلبه أو ننسقه.
* لنعد لأجواء اجتماعاتك مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، هل تعتقد أنه من الممكن أن تكون لديكم علاقة بناءة مع الإيرانيين، خصوصا بعد إبرام الاتفاق؟
- الأمر ليس موضوع علاقات شخصية. إنها مسألة التفاوض في مفاوضات صعبة جدا والتوصل إلى اتفاق. بتفاوضنا بنية حسنة. وكان بإمكاننا أن نبقي الأجواء بناءة جدا حتى عندما احتدم النقاش، كانت هناك نقاشات عدة محتدمة. ولكننا اعتقدنا أنه من الضروري أن نبقي الأجواء بناءة. ولكن الهدف لم يكن بناء العلاقات، الهدف كان بناء الاتفاق.
* على الصعيد الشخصي، ماذا يعني الاتفاق لك؟
- أعتقد في حال تنفيذه، وأركز على هذه النقطة، سيكون هذا الاتفاق تاريخيًا؛ فقد قررت دولة أن تتفاوض طوعًا لعدم صناعة سلاح نووي. هذا أمر في غاية الأهمية. أعتقد أنه في حال تم تطبيقه، هذه هي الأهمية، عدم صناعة سلاح نووي. بالطبع، الزمن سيختبر ذلك، ولكننا سنكون على بينة. إذا حاولوا أن يطوروا سلاحًا نوويًا، هذا الاتفاق يعني أننا سنعلم، وسنكون في الوضع الذي نحن عليه الآن، قبل أن يتم تطبيق الاتفاق. ففي الواقع، هذه فرصة، فرصة للمنطقة، وفرصة لنا وللإيرانيين أن نكون على مسار مختلف، الذي قد يفتح الباب لاحتمالات أخرى، وقد لا يحدث ذلك. ليس لدينا الإجابة عن ذلك بعد.
* صحيح أننا على مسار مختلف. بينما تتصاعد وتيرة التوترات الطائفية وتزداد المصاعب في منطقة الشرق الأوسط، كانت الغالبية تقول إن علينا أن ننتظر في حال توصلنا إلى اتفاق نووي مع طهران. بعد التوصل إلى الاتفاق، ما الأولوية المقبلة؟
- الأولوية المقبلة ضمان أن يفهم أصدقاؤنا وحلفاؤنا كليا هذا (الاتفاق)، وأنه سيساعد على (ضمان) أمنهم، وأننا موجودون لضمان ما قلناه في السابق من حيث إمكانية صد (إيران)، وأنه بإمكانهم الاعتماد على الولايات المتحدة لتكون جزءًا من الأمن الطويل الأمد والدفاع عن المنطقة.
* هذه كانت رسالتكم في قمة «كامب ديفيد»، والرئيس أوباما قال ذلك تكرارا وأنتم أيضا قلتم ذلك تكرارا. ولكن الشكوك ما زالت قائمة، هل الأمر يعود لانعدام الثقة في الولايات المتحدة؟
- لا، أعتقد أن هناك مصادر قلق يمكن تفهمها. الناس غير متأكدة، وواجبنا أن نجعلهم أكثر ثقة. علينا أن نضاعف الوقت والجهود المبذولة لضمان معرفة الآخرين ما يحدث. الاتفاق بنّاء وحقيقي، وسيكون له تأثير في حياتهم. نحن لا نعبث في هذه المسألة، القضية جدية وتتعلق بأمنهم، وعليهم أن يعلموا بكل تأكيد ما يحدث، وسنتأكد من حدوث ذلك.
* قلت إن إيران دولة راعية للإرهاب، وهذا الموقف الرسمي للولايات المتحدة بناء على القانون. ولكن هل ما زلت تؤمن بذلك أم هذه فقط «صفة تقنية»؟
- لا، الأمر ليس فقط تقنيًا، فهم يدعمون حزب الله ويدعمون أعداء آخرين. إنهم يدعمون الحوثيين، والحوثيون يطلقون صواريخ باتجاه السعودية، وهم يدعمون أناسًا توجهوا إلى السعودية وقاموا بتفجيرات. لقد دعم الحرس الثوري الإيراني أعمالاً إرهابية، بما فيها هجوم عام 1996 على أبراج الخبر. إنه أمر جدي.
* ما خيارات التعامل مع هذا الإرهاب؟
- هناك خيارات كثيرة. بالطبع زيادة جمع المعلومات الاستخباراتية، وزيادة تبادل المعلومات، وزيادة القدرة على اعتراض «العمليات»، منع تدفق هذه الأسلحة. هناك جملة من العمليات التي نقوم بها.
* كانت عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين أولوية بالنسبة لك على الرغم من المصاعب. ومع الانتهاء من التفاوض حول الاتفاق النووي؛ هل من الممكن أن نتوقع إعادة تركيز على جهود إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط؟
- ما زالت أولوية كبيرة. مكافحة «داعش» الأولوية الأولى حاليا، ومواجهة المتطرفين في المنطقة وضمان شعور حلفائنا وأصدقائنا بأمان أكبر. هذه هي الأولوية الآن. بالطبع سنبقى مهتمين بالقضية السورية وقضية إسرائيل وفلسطين وقضية مكافحة التطرف الإقليمي. هذه كلها أولويات لنا.
* لنختتم برسالتك لدول الخليج قبل اجتماع الدوحة أن عليهم الشعور بالأمان، وأن بإمكانهم الاعتماد على الولايات المتحدة؟
* الرسالة أن نطلعهم على كل تفصيلة في الاتفاق، وأن نشرح لهم الاتفاق كليا كي يشعروا بأنهم يفهمونه كليا، وأن يدركوا لماذا يجعلهم أكثر أمنًا ولا يعرضهم لمخاطر. الرسالة ليست فقط لإظهار تفاصيل الاتفاق لهم، بل كل الاستراتيجية حول كيف سنشترك معهم في صد كل العمليات غير الشرعية، إن كانت من إيران أو جهة أخرى، والعمل معهم من أجل الدفاع والأمن المشتركين في المنطقة.

* يوم تاريخي في واشنطن
* على الرغم من أن الحوار مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري لـ«الشرق الأوسط» كان مخصصًا للملف النووي الإيراني وسياسات واشنطن تجاه طهران، فإن بداية الحوار تطرقت إلى اليوم التاريخي الذي شهدته واشنطن، أول من أمس، مع إعادة فتح السفارة الكوبية في واشنطن، بعد 54 عامًا من إغلاقها.
وأجرت «الشرق الأوسط» الحوار مع كيري عبر الهاتف من مكتبه في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بعد ساعات قليلة من استقباله نظيره الكوبي برونو دورديغيز، ليصبح أول وزير خارجية كوبي يزور الخارجية الأميركية منذ عام 1958. وقبل بدء الحوار، تحدثت «الشرق الأوسط» مع كيري حول اليوم التاريخي ورفع العلم الكوبي رسميًا في واشنطن بعد 5 عقود من إنزاله، ليقول: «إنه أمر مثير.. إنه أمر جيد». وأضاف كيري والارتياح ظاهر على صوته: «لقد طال الوقت لهذه الخطوة.. إنها خطوة جيدة».



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended