كيف أثّرت «السوشيال ميديا» في اللغة العربية؟

وسط سيادة الـ«فرانكو آراب» والعامية «الركيكة»

كيف أثّرت «السوشيال ميديا» في اللغة العربية؟
TT

كيف أثّرت «السوشيال ميديا» في اللغة العربية؟

كيف أثّرت «السوشيال ميديا» في اللغة العربية؟

تعترف داليا القاضي (43 عاماً)، موظفة بأحد بنوك العاصمة المصرية القاهرة، بإحباطها من عدم استطاعتها إقناع ابنها طالب المرحلة الثانوية (15 عاماً) بأن يراسلها بحروف عربية خلال محادثاتهم السريعة عبر وسائط التواصل الاجتماعي، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «يتمسك ابني بكتابة الكلمات العربية ولكن بحروف لاتينية، ورغم أنني أفهم المقصود، فإنني أجد صعوبة كبيرة في فهمه بسلاسة، وأشعر بأنني أقوم بحل ألغاز، بينما يبرر ابني أسلوبه هذا بأنه أسهل في التواصل».
ولا تبدو ما تتحدث عنه الأم هنا بعيداً عن سياقات يومية تبدو فيها اللغة العربية المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي في حالة فوضى كتابية، حائرة بين حروف «فرانكو آراب» وميلٍ للكتابة بالعامية السريعة الغارقة في الأخطاء الإملائية، وسط عزوف عن استخدام الفُصحى في المشهد العام لتلك الوسائط.

تخفٍّ لغوي
ويرى الدكتور خالد فهمي، أستاذ اللغويات في كلية الآداب جامعة المنوفية والخبير بمجمع اللغة العربية في مصر، أن ما تمسى بـ«الفرانكو آراب» و«اللغة الموازية التي تميل للركاكة»، لا تحمل دلالات لغوية فحسب، وإنما تتصل بأبعاد نفسية وسوسيولوجية وحضارية، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الطرق الجديدة الشائعة في كتابة العربية نمط من التهجين اللغوي الذي يلجأ إليه عادةً الشباب من أجل التواصل، بحثاً عن السهولة والخصوصية، وهو بمنزلة اختراع للغة على هامش المجتمع، تتيح لهم قدراً أكبر من التخفي، وهو انعكاس في حد ذاته لفكرة الجُزر المنعزلة التي تعيشها طبقات وفئات عمرية مختلفة داخل المجتمعات العربية، وتتجلى تلك الانعكاسات في اللغة التي تظهرها وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص».


دردشة على واتساب بـ«الفرانكو آراب
»

ولا تقتصر انعكاسات فوضى التعامل مع اللغة العربية على «التهجين اللغوي» كما يصفه الدكتور خالد فهمي، بل يمتد إلى الاستخفاف بها عمداً أو جهلاً، وهو ما عبّر عنه الكاتب والسيناريست المصري عبد الرحيم كمال قبل أيام في تدوينة له عبر «تويتر»، يغلب عليها طابع الرثاء، قال فيها: «لقد انتصر الذين يكتبونها (لاكن) على الذين يكتبونها (لكن) وصاروا أغلبية، بل صاروا نخبة تتحكم وتحكم على أذواق وسلوك الآخرين، لقد صارت الصفوف الأولى يجلس فيها من يكتبون (إنشاء الله) و(الله وأكبر)، ولا عزاء للباقين سوى يوم القيامة».
https://twitter.com/officialakamal/status/1615205821310271489
وقد راجت خلال الأيام الماضية على وسائل التواصل الاجتماعي عاصفة من الانتقادات بعد تداول صور لامتحان في مادة «الدراسات الأسلوبية» بكلية الألسن جامعة عين شمس في مصر، تتناول جزءاً من أغنية «البخت» لمغني الراب المثير للجدل «ويجز»، وسط دفاع من الكلية، في بيان رسمي، قالت فيه إن «من أسس امتحانات الدراسات اللغوية الاعتماد على تعدد اللهجات، واستخدام اللغة الفصحى والعامية لتنمية مهارات الطلاب للتعامل مع مختلف طرق الترجمة». وهو ما أثار تساؤلات حول مدى تأثير لغة «السوشيال ميديا» والمؤثرين بها في اللغة العربية، والحركة الثقافية المرتبطة بها بشكل عام.

سؤال العصرية
يلفت الدكتور خالد فهمي إلى السياقين الحضاري والثقافي اللذين لا نجد فيهما، حسب تعبيره، «مؤسسة تطلب ضمن شروط عملها إجادة اللغة العربية الفصحى»، في مقابل اشتراط اللغة الأجنبية كشرط للعمل، وهذا السياق جعل العصرية كأنها منافية لإتقان اللغة العربية، وجعل المستخدم يميل للغة يراها أقرب لطبيعة وسائل الاتصال والسياق المحيط بها».
ووفقاً لأحدث إحصائيات موقع «إحصائيات عالم الإنترنت» فإن اللغة العربية احتلت عام 2022 المرتبة الرابعة ضمن أكثر 10 لغات استخداماً على الإنترنت، مسجلةً نحو 237 مليون مستخدم نشط للإنترنت، بواقع 5.2 في المائة على مستوى العالم، لتأتي بعد كلٍّ من مستخدمي اللغات الإنجليزية والصينية والإسبانية.
وقد نشرت مجلة «الرسالة للدراسات والبحوث الإنسانية»، في أبريل (نيسان) الماضي، دراسة بعنوان «اللغة العربية في وسائل التواصل الاجتماعي بين مآلات الاضمحلال ومقوّمات الصمود»، للباحث الجزائري بلعباس يوسف، تناولت تأثيرات «فيسبوك» على اللغة العربية، راصدة التغيّرات في مستوى اللغة في دردشات الشباب عبره، وأفادت بأن «الخليط اللغوي الجديد من الرموز والأحرف والأرقام واللّهجة العاميّة، سمح باستحداث لغة جديدة غريبة تعبّر في جوهرها عن فقدان الهوية وإفراغ اللّغة من قيمتها، أطلق عليها اللغة (الفيسبوكية)، ويراها مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي سهلة وسريعة ومفهومة».
واستخدمت الدراسة أداة الاستبيان لجمع المعلومات عن عيّنة قوامها 100 طالب وطالبة من كلية اللّغة والآداب قسم اللّغة العربية بجامعة «غليزان» بالجزائر، وتوصّلت إلى وجود تأثيرات عميقة تهددّ اللغة العربية، وأن «فيسبوك» يشكل خطراً على مستقبلها.

وكانت دراسة أخرى أجرتها الباحثة السعودية ظافرة الأحمري، بكلية العلوم والآداب بجامعة «الملك خالد» السعودية، عام 2015، قد استقصت «الجانب السلبي والتأثير البالغ على اللغة العربية من مستخدمي وسائل التواصل»، وعززت بحثها باستطلاع للرأي قوامه 460 شخصاً من مستخدمي وسائل التواصل تراوحت أعمارهم من 16 إلى 40 عاماً، وأوضحت نتائج الدراسة أن 52 في المائة منهم يرون أن تلك الوسائل أثّرت بشكل سلبي على اللغة العربية.

أزمات يومية
وحسب الكاتب والصحافي المصري حسام مصطفى إبراهيم، مؤسس مبادرة «اكتب صح» التي تهتم برصد الأخطاء اللغوية في وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن أبرز الأخطاء التي تشوب اللغة على مواقع التواصل سببها «السرعة والخفّة التي يتعامل بها رواد (السوشيال ميديا) من ناحية، وافتقارهم من ناحية أخرى لأساسيات الإملاء والنحو، وعدم إدراكهم أهمية ذلك، بالإضافة إلى طغيان العامية على تعاملاتهم، ومع ذلك فكثيرون منهم يسعون للتعلم، ويقصدون صفحات المبادرات اللغوية مثل (اكتب صح) و(نحو وصرف) و(صحح لغتك) و(كبسولات لغوية) التي حققت نجاحات لا يمكن إغفالها، وتنشر يومياً تقريباً دروساً لغوية بلغة بسيطة ومشتبكة مع استخدام اللغة اليومي»، كما يقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط».
ويضيف مصطفى: «من أشهر الأخطاء التي يقع فيها مستخدمو شبكات التواصل الخلط بين الهاء والتاء المربوطة، وكتابة ألف الوصل وهمزة القطع خطأ، وعدم التمييز بين الألف المقصورة (ى) والياء الشامية، لكن المثير للدهشة أنهم ليسوا وحدهم من يفعلون هذا، فالخطأ يمتد للمواقع الإخبارية الكبيرة وبعض الصفحات الشهيرة، بالإضافة إلى الأخطاء اللغوية التي تحاصرنا ليل نهار في مترو الأنفاق وماكينات صرف الأموال، ولافتات المرور والمحال التجارية، مما يشي بأنها مشكلة عامة ولا تخص فئة دون غيرها».

ويجتهد بعض مستخدمي «السوشيال ميديا» المتحدثين بالعربية، في تطويع مصطلحات «وسائل التواصل» الإنجليزية الأكثر تداولاً ضمن تركيبات عربية هجينة، مثل: «أبلّك» المأخوذة عن مصطلح block، و«أشيّر» المأخوذ من تعبير share، و«أَكَبْيَر» من copy، و«أدلّت» من delete... وهي التعبيرات التي يقول عنها الباحث في مجال الإعلام الرقمي خالد البرماوي إن «المستخدمين عادةً ما يبتكرون استخدامات يرون أنها مناسبة لإيقاع منصات التواصل الاجتماعي، سواء باستخدام ألفاظ مُحرَّفة عن الأجنبية أو لاتينية مُعربة»، والأخطر، على حد تعبيره هو «اللجوء للتشويه، فيصبح اللفظ لا هو من اللغة الأم ولا هو أجنبي»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».
ويرى البرماوي أن وسائل التواصل الاجتماعي بما لها من خصوصية السرعة في التواصل، أثّرت بالسلب في الكثير من اللغات وليس العربية فقط: «أثرت (السوشيال ميديا) على اللغات، خصوصاً مع طبيعة الإيقاع السريع لتلك الوسائل، والحاجة المستمرة لاختصار الكلمات، وتلك السرعة لم يكن معظم علماء اللغويات مستعدين لاستيعاب خصوصيتها».
ويرى الخبير الرقمي أن مشكلة اللغة العربية تعد مضاعفة مع «عدم وجود علاقة قوية بين المبرمجين واللغة العربية، علاوة على أننا دخلنا عصر (السوشيال ميديا) في وقت تعاني فيه المحتويات العربية من ضعف لافت، حتى الترجمة التي توفرها بعض المواقع إلى العربية تتسم بالركاكة حتى الآن». وأشار إلى أن «غالبية مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي هم من جمهور الشباب، ما يعطي مؤشرات حول استهلاك اللغة والميل لاستخدام المصطلحات السائدة في ثقافة (السوشيال ميديا) دون تعريب»، على حد تعبيره.

لِسان العرب
أما الدكتور مصطفى عبد المولى، الباحث في مجمع اللغة العربية، فيدعو لتأمل كثير من صفحات المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي قائلاً: «كثير من تلك الصفحات هي لصناع محتوى لديهم آلاف وأحياناً ملايين المتابعين، ويمكن من خلالها رصد أخطاء إملائية فادحة وصياغات ركيكة، تكاد تقترب من الأخطاء التي كان يرتكبها من يتعلمون القراءة والكتابة»، مضيفاً: «قرأت منذ قليل في منشور يتابعه آلاف المتابعين كلمة (الكبره) بدلاً من (الكبرى)، وهذا خطأ يمكن مصادفته عشرات المرات في اليوم الواحد»، كما يقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط».
ويرى عبد المولى أن «المفردات التي خرجت من جعبة ثقافة (السوشيال ميديا) لها في الغالب مرادفات عربية، فبدلاً من كلمة (أبلّك) هناك بديل فصيح وهو (أحظر) وبدلاً من (عملت سيرش) هناك كلمة (أبحث)»، موضحاً أن «المشكلة ليست في إتاحة البديل العربي، بقدر ما هي أزمة ثقافية في تلقي البديل العربي بنوع من الشعور بالدونية أو الخوف المجتمعي من الاتهام بعدم العصرية».
«ركاكة» التعبيرات المتداولة أو عدم الاعتناء باستخدام اللغة العربية هما انعكاس لحالة أشمل من الانحدار الثقافي بشكل عام، حسب عبد المولى الذي يُشبّه الوقت الراهن بالظروف التي واكبت كتابة الأديب والمؤرخ ابن منظور لكتابه العلامة «لسان العرب»، الذي كتبه في وقت كانت تعاني فيه اللغة العربية من تشتت وانحدار ثقافي واستغناء من جانب أهلها واللجوء للغات الأجنبية، وهو الكتاب الذي صاغ في مقدمته سبب كتابته له، وقال فيه: «جمعت هذا الكتاب في زمنٍ أهلُه بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفُلك وقومه منه يسخرون، وسمّيته لسان العرب».
ويصف الباحث اللغوي «السوشيال ميديا» بأنها آلة تأثيرية أكبر من أي وسيلة إعلامية أخرى، قائلاً: «أتصوّر أن الحديث عن تفصيح (السوشيال ميديا) كمبادرة لن تنجح دون مخاطبة المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي أنفسهم ومحاولة جذبهم لاستخدام مفردات عربية سليمة، فالمتابعون لصفحة (مجمع اللغة العربية) نفسها لا يتجاوزون 110 آلاف متابع، وجمهورها هم من محبي اللغة العربية بالأساس، لذلك فاللجوء لمبادرات مثل (قل ولا تقل) سيظل تأثيره محدوداً في النهاية، إذا ظلت بمعزل عن المؤثرين الحقيقيين على (السوشيال ميديا)، وتصبح عندها كالسباحة ضد التيار».


مقالات ذات صلة

«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

يوميات الشرق لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)

«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

العنف قد يتسلَّل عبر عبارة أو نظرة أو سلوك داخل بيت يُفترض أنه مساحة أمان...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)

الحب بتوقيت «لينكد إن»... من منصة مهنية إلى تطبيق تَعارُف ومواعدة

منصة «لينكد إن» المهنية ملاذٌ جديد للباحثين عن علاقات عاطفية والسبب المصداقيّة في مواصفات المستخدمين، والإرهاق من تطبيقات المواعدة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الحوار لا يحتاج إلى أكثر من مساحة تسمح له بأن يحدث (الطاولة الثالثة)

«الطاولة الثالثة»... ذوو الاحتياجات الخاصة في موقع صنَّاع الحوار

يقود الحلقات إلياس طوق وإليسا حريق فيُقدّمان نموذجاً مختلفاً لحضور ذوي الاحتياجات الخاصة في الإعلام.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق المجتمع الذكوري والتحدّيات بين المرأة والرجل (الشرق الأوسط)

«شي تيك توك شي تيعا»... طارق سويد يُحرز المختلف

اختار طارق سويد أبطال المسرحية من بين طلابه الموهوبين في أكاديمية «بيت الفنّ» التي تديرها زميلته الممثلة فيفيان أنطونيوس...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مساحة تُعيد صياغة علاقة الفنّ بجمهوره (شاترستوك) p-circle 02:50

المنصّات الرقمية والفنّ العربي... جمهور جديد أم امتحان الإبداع؟

لم تعُد المنصّات الرقمية مجرّد وسيط حديث لعرض الأعمال الفنية، بل تحوّلت إلى عنصر فاعل في صناعة المحتوى وفي إعادة تشكيل العلاقة بين الفنان والجمهور.

أسماء الغابري (جدة)

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».