الخردة الإلكترونية... غذاء للكائنات الدقيقة ومحفزات في صناعة الدواء

رسم توضيحي لنفايات إلكترونية يفوق حجمها سور الصين العظيم
رسم توضيحي لنفايات إلكترونية يفوق حجمها سور الصين العظيم
TT

الخردة الإلكترونية... غذاء للكائنات الدقيقة ومحفزات في صناعة الدواء

رسم توضيحي لنفايات إلكترونية يفوق حجمها سور الصين العظيم
رسم توضيحي لنفايات إلكترونية يفوق حجمها سور الصين العظيم

تخلّص البشر في عام 2021 مما يقدر بـ57.4 مليون طن من النفايات الإلكترونية، التي تفوق أثقل بناء أنشأه البشر في العالم؛ وهو سور الصين العظيم، وفق تقرير لمنتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية «WEEE»، صدَر الخريف الماضي.
ووفقاً للتقرير، فإن جبل نفايات 2021 لم ينشأ من العدم، ففي عام 2019، أنتج البشر 53.6 مليون طن، بزيادة 21 % عن عام 2014، وإذا لم يتغير شيء، فمن المفترض أن يصل هذا الرقم إلى حوالي 81.6 مليون طن بحلول 2030، مما يعني أن النفايات الإلكترونية تتزايد بحوالي 3 إلى 4 % كل عام.
معادن نادرة
وبينما دعا التقرير لإعادة تدوير هذه النفايات لأهداف بيئية، حيث إن كل طن من نفايات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية المُعاد تدويره يتجنب حوالي 2 طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فإن هناك أهدافاً سياسية واقتصادية دفعت فِرقاً بحثية حول العالم لاقتحام هذا المجال.
ومن بين الأهداف السياسية كسر الاحتكار الصيني لإنتاج المعادن النادرة، التي تدخل في كثير من الصناعات، ويمكن استخراجها من الخردة الإلكترونية، كما أن هذه المعادن تستخدم كمحفزات للتفاعلات الكيميائية في الأبحاث العالمية.
والمعادن النادرة عددها 17 معدناً؛ مثل البلاديوم واللانثانم والسيريوم والنيوديميوم والإيتريوم، يأتي ما بين 90 و95 % من إنتاجها العالمي من الصين.
وتأسّس في 2018 مشروع «ريجين»، المموَّل من صندوق التنمية الإقليمية الأوروبية «ERDF»؛ بهدف كسر الاحتكار الصيني لإنتاج هذه المعادن، عن طريق إنتاجها من النفايات الإلكترونية، عبر طريقة مبتكرة توصّل لها باحثو المشروع الذي تشارك فيه 3 جامعات بالنمسا هي: «أي إم سي» للعلوم التطبيقية، و«الدانوب كريمس»، و«كارل لاندشتاينر»، بالتعاون مع الأكاديمية التشيكية للعلوم.
ووفق دراسة استعرضها الباحثون في مؤتمر المعهد القانوني للإيكولوجيا والإدارة البيئية «cieem»، في أبريل (نيسان) من العام الماضي، نجحت طريقتهم المبتكرة التي تعتمد على استخراج المعادن النادرة من الكائنات الدقيقة، بعد تقديم مسحوق الخردة الإلكترونية لها كغذاء، في استعادة المعادن بنسبة 83.5 %.
وشرح الباحثون، خلال المؤتمر، طريقتهم التي تعتمد على استخدام البكتيريا القولونية (Escherichia coli)، وعصيات القش (Bacillus subtilis)، لتقوم بالتغذية على الخردة الإلكترونية بعد تحويلها إلى مسحوق مُذاب في حمض النيتريك، حيث يعمل هذا الحمض كمصدر للنتروجين للكائنات الدقيقة، بعد ذلك تجري إضافة محلول مغذٍّ بتركيبة محددة بدقة إلى المسحوق المُذاب، ويجري التحكم في نمو الكائنات الحية عن طريق تعديل بعض العناصر مثل درجة الحرارة أو قيمة الأس الهيدروجيني أو تركيز الأكسجين في وسط المغذيات، وبعد هذه الخطوات، وعبر طريقة لفتح الخلايا ميكانيكياً، يجري استخراج المعادن الأرضية النادرة من البكتيريا.
بطاريات الليثيوم
ومن المعادن النادرة أيضاً الليثيوم؛ وهو معدن غير متجدد، لكنه شائع نسبياً، ويمكن العثور عليه في كل مكان تقريباً. ويستخدم الليثيوم على نطاق واسع في عدد من الصناعات، لكنه يشتهر بأهميته في إنتاج البطاريات القابلة لإعادة الشحن للسيارات الكهربائية، وأدى الاهتمام العام المتزايد بالمركبات الكهربائية كوسيلة لإزالة الكربون من وسائل النقل، إلى ارتفاع الطلب على الليثيوم.
ومع ذلك فشلت السوق في مواكبة هذا الارتفاع المفاجئ في الطلب، مما تسبَّب في نقص المعروض من الليثيوم، ليس بسبب الندرة ولكن نتيجة بطء وتيرة الاستخراج والتنقية، لهذا السبب يمكن أن توفر إعادة تدوير بطاريات الليثيوم أيون إمدادات إضافية من الليثيوم للسوق، مما يسمح للشركات بإنتاج بطاريات بسعر أقل.
وفي هذا الإطار توصّل فريق بحثي من الجامعة الأميركية بالقاهرة، يقوده ناجح علام، أستاذ علوم وهندسة المواد بالجامعة، في إعادة تدوير هيدروكسيدات «الكوبالت الثنائي» و«المنغنيز الثنائي» و«النيكل الثنائي» و«الليثيوم»، من بطاريات الليثيوم أيون، واستخدامها كأقطاب موجبة لبناء أجهزة تكثيف فائقة الأداء، وجرى الإعلان عن هذا الإنجاز في دورية «علم الكيمياء الكهربائية».
وقال علام، في تقرير نشره الموقع الإلكتروني للجامعة في يوليو (تموز) الماضي: «ستوفر هذه التكنولوجيا وسيلة جديدة للحصول على المواد الخام اللازمة لتصنيع أجهزة تخزين للطاقة التي ستفيد صناعة السيارات الكهربائية، وكذلك ستعظم الفائدة الاقتصادية للمخلفات الإلكترونية».
صناعة الدواء
وذهبت تقنيات إعادة التدوير أيضاً إلى منطقة غير معتادة؛ وهي صناعة الدواء، حيث جرى استخدام الذهب المستخلص من الأجهزة الإلكترونية كمحفز للتفاعل الكيميائي في صناعات الدواء. وغالباً ما تُصنع المحفزات الحالية التي تستخدم في التفاعلات الكيميائية من معادن نادرة يجري استخلاصها باستخدام عمليات تعدين باهظة الثمن ومستهلِكة للطاقة، لكن فريقاً بحثياً مشتركاً من جامعتي كالياري في إيطاليا، وإمبريال كوليدج لندن في بريطانيا، نجح في إنتاج أحد المحفزات من خام الذهب الموجود في النفايات الإلكترونية، واستخدامه في التفاعلات الخاصة بصناعة الأدوية، مما يقلل الحاجة إلى تعدين مواد جديدة، وجرى الإعلان عن هذا الإنجاز، في العدد الأخير من دورية «الكيمياء والهندسة المستدامة».
كان الباحثان أنجيلا سيربي وباولا ديبلانو، من جامعة كالياري، قد طوّرا طريقة منخفضة التكلفة لاستخراج الذهب والمعادن القيّمة الأخرى من النفايات الإلكترونية؛ مثل لوحات الدوائر المطبوعة «PCBs»، وبطاقات «SIM»، ومع ذلك فإن الذهب المنتَج من هذه العملية هو جزء من مركب جزيئي، ومن ثم لا يمكن إعادة استخدامه مرة أخرى للإلكترونيات دون استثمار الكثير من الطاقة للحصول على المعدِن الذهبي.
وسعياً لاستخدام هذا المركب من الذهب المستعاد، قام فريق البروفيسور ويلتون إيلي، وزميله البروفيسور كريس برادوك، من إمبريال كوليدج لندن، بالتحقيق فيما إذا كان يمكن استخدامه كعامل مساعد في تصنيع المركبات المفيدة، بما في ذلك المركبات الصيدلانية الوسيطة.
واختبر الفريق البحثي مركب الذهب في عدد من التفاعلات الشائعة الاستخدام في صناعة الأدوية، على سبيل المثال لصناعة الأدوية المضادة للالتهابات وتسكين الآلام، ووجدوا أن أداء مركب الذهب أفضل من المحفزات المستخدمة حالياً، كما أنه قابل لإعادة الاستخدام. ويقترح الباحثون أن جعل استعادة الذهب من النفايات الإلكترونية مجدياً اقتصادياً يمكن أن يخلق استخدامات للمكونات الأخرى التي يجري استردادها في هذه العملية، فعلى سبيل المثال، في هذه العملية يجري أيضاً فصل النحاس والنيكل، وكذلك البلاستيك نفسه، مع احتمال استخدام جميع هذه المكونات في منتجات جديدة.
ويعمل الفريق البحثي حالياً على توسيع هذا النهج ليشمل استعادة محتوى البلاديوم وإعادة استخدامه في المحولات الحفازة للسيارات المنتهية الصلاحية، وهذا أمر مُلح بشكل خاص؛ لأن البلاديوم يستخدم على نطاق واسع في التحفيز، وهو أغلى من الذهب.



مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.


اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف
TT

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

في تطورين علميين لافتين، أعلن باحثون اكتشافين يسلطان الضوء على أسرار الحياة من جانبين متناقضين. ففي حين نجح فريق علمي في بناء واحدة من أكثر المحاكاة الرقمية اكتمالاً لخلية حيّة، تمكَّن فريق آخر من تحديد المفتاح الجزيئي الذي يحدد متى تتوقف الخلايا البشرية عن الانقسام، والتكاثر.

ورغم اختلاف المسارين يجتمع هذان الإنجازان ليقدما صورة أوضح للحياة سواء في أبسط صورها أو أعقدها، هي أنها تعمل وفق نظام دقيق ومترابط يفوق ما كان يُعتقد سابقاً.

خلية «حيّة» على شاشة الكمبيوتر

لأول مرة تمكن الباحثون بقيادة زين ثورنبورغ، من معهد «بيكمان للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة» في جامعة «إلينوي» بالولايات المتحدة الأميركية، من إنشاء نموذج حاسوبي يتتبع كل جزيء داخل خلية بكتيرية بسيطة في أثناء عملية نسخ حمضها النووي «دي ان ايه DNA» وانقسامها إلى خليتين، في دراسة نُشرت في مجلة «سيل Cell» في 9 مارس (آذار) 2026. وقد تم تقليص المادة الجينية لهذه الخلية إلى 493 جيناً فقط مما جعلها نموذجاً مثالياً لفهم كيفية نشوء الحياة من مكوّناتها الأساسية.

وأعادت المحاكاة الرقمية بناء جميع العمليات الحيوية بما فيها تضاعف الحمض النووي (دي إن إيه)، وتصنيع البروتينات ونشاط الريبوسومات وتغيرات الغشاء الخلوي. ومع تحرّك الجزيئات واصطدامها داخل «الخلية الافتراضية virtual cell» فإنها اتبعت نفس السلوك الذي تفعله الخلايا الحقيقية. وبعد محاولات عديدة لتحسين النموذج، استطاعت الخلية الافتراضية إكمال دورة خلوية كاملة. واستغرقت 105 دقائق، وهو وقت مطابق تقريباً لوقت الخلية الحقيقية.

ولم تكن هذه العملية مجرد رسوم متحركة بل خريطة تفصيلية لما يجعل الخلية حيّة. ويفتح ذلك الباب أمام ابتكار مضادات حيوية جديدة وفهم تطور الحياة المبكرة وتصميم كائنات دقيقة مبرمجة لأغراض طبية أو بيئية. لكن فهم كيفية بدء الحياة لا يقل أهمية عن فهم كيفية توقفها.

بروتين واحد يتحكم بساعة الشيخوخة داخل خلايانا

كانت دراسة منفصلة نُشرت في مجلة «Molecular Cell» بتاريخ 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025 قد اكتشفت أن بروتيناً واحداً يسمّى «ATM»، هو المسؤول عن اتخاذ القرار المصيري الذي يُجبر الخلايا البشرية على التوقف عن الانقسام في عملية تُعرف بـ«الشيخوخة التكاثرية أو التشيّخ replicative senescence». وقاد الدراسة تيتيا دي لانغ، رئيسة مختبر بيولوجيا الخلية وعلم الوراثة في جامعة «روكفلر» في نيويورك.

ولفترة طويلة اعتقد الباحثون أن بروتينَي «ATM» و«ATR» يعملان معاً لاستشعار قِصَر التيلوميرات، وهي الأغطية الواقية في نهايات الكروموسومات التي تقصر مع كل انقسام خلوي. لكن الدراسة الجديدة نقضت هذه الفكرة تماماً. وأكدت أن بروتين «ATM» هو وحده المسيطر على عملية التوقف.

وعندما عطّل العلماء هذا البروتين واصلت الخلايا الانقسام حتى عندما أصبحت تيلوميراتها قصيرة جداً. والأدهى من ذلك أن تعطيل بروتين «ATM» في خلايا «مسنّة» أعاد قدرتها على الانقسام، مما يعني أن الشيخوخة الخلوية ليست نهاية حتمية بل مفتاح يمكن تشغيله ووقفه.

نقطة التقاطع: البيئة المحيطة تغيّر مصير الخلية

ما يجمع بين الاكتشافين هو عنصر واحد مهم وهو الأكسجين، حيث أظهرت الخلية الافتراضية أن التغيرات البسيطة في بيئة الخلية تؤثر بعمق على سلوك مكوّناتها الجزيئية. وينطبق الأمر نفسه على الخلايا البشرية.

وتعيش معظم الأنسجة في جسم الإنسان في بيئة تحتوي على 3 في المائة فقط من الأكسجين. لكن في المختبر تُزرع الخلايا عادةً في 20 في المائة منه وهو مستوى الهواء المحيط. ولطالما حيّر العلماء سبب «شيخوخة» الخلايا في المختبر بسرعة أكبر مما يحدث داخل الجسم.

وقدّمت الدراسة الجديدة الإجابة، حيث إن نسبة الأكسجين العالية تجعل بروتين «ATM» حساساً بشكل زائد، فيدفع الخلايا إلى التوقف عن الانقسام أسرع من الطبيعي. ولكن عند مستويات الأكسجين الهادئة داخل الجسم يصبح البروتين «ATM» أقل نشاطاً وتتمكن الخلايا من الانقسام لفترات أطول.

رسالة موحّدة: الحياة تعمل وفق شبكة دقيقة من القواعد

وعند جمع النتائج معاً تتضح صورة مذهلة هي أن الحياة، من أبسط الخلايا إلى أعقدها، محكومة بدوائر جزيئية دقيقة تتأثر بكل ما يحيط بها. فالخلية الافتراضية تكشف عن كيف تنشأ الحياة من مجموعة صغيرة من الجينات. واكتشاف بروتين «ATM يوضح كيف يمكن لجزيء واحد أن يتحكم بالحدّ الفاصل بين الشباب والشيخوخة. وكلاهما يُظهر أن سلوك الخلايا ليس قدراً ثابتاً بل استجابة مرنة للبيئة.

تمهيد لعصر جديد في علم الأحياء

تُبشّر هذه الاكتشافات بمرحلة متطورة تتيح لنا اختبار الخلايا افتراضياً قبل إجراء التجارب الفعلية عليها. والنظر إلى الشيخوخة بوصفها حالة قابلة للتعديل وليس كمصير محتوم. ومن ثم تصميم علاجات أكثر دقة للأمراض كالسرطان والأمراض التنكسية والعدوى.

سواء من خلال محاكاة خلية بكتيرية كاملة أو فك أسرار الساعة البيولوجية للشيخوخة، تُؤكّد لنا هذه الإنجازات حقيقة واحدة هي أن قوانين الحياة لم تعد طيَّ الكتمان بل تُفكَّك طلاسمها خطوة بعد خطوه وبوتيرة أسرع من أي وقت مضى.