النفايات الإلكترونية: سوق بمليارات الدولارات تنتظر التنظيم

نفايات من مخلفات أجهزة إلكترونية (شاترستوك)
نفايات من مخلفات أجهزة إلكترونية (شاترستوك)
TT

النفايات الإلكترونية: سوق بمليارات الدولارات تنتظر التنظيم

نفايات من مخلفات أجهزة إلكترونية (شاترستوك)
نفايات من مخلفات أجهزة إلكترونية (شاترستوك)

أعلنت السلطات الإسبانية مطلع سنة 2023 عن نجاحها في تفكيك مجموعة قامت بتهريب أكثر من 5 آلاف طن من النفايات الإلكترونية الخطرة إلى غانا وموريتانيا ونيجيريا والسنغال. وتستغل عصابات الجريمة المنظمة البلدان الأفريقية، التي لا تتبنى معايير بيئية صارمة للتعامل مع النفايات الخطرة، كمقصد نهائي للتخلص من هذه النفايات واسترجاع موادها الثمينة في ظروف لا تحقق متطلبات الصحة العامة.
ويشهد العالم زيادة مطردة في إنتاج الأجهزة الإلكترونية بسبب الثورة الرقمية واتساع نطاق وأساليب التواصل. وتترافق هذه الزيادة مع نمو كبير في كميات النفايات الإلكترونية التي لا يجد أغلبها سبيله للتدوير، رغم ما يحتويه من معادن ثمينة. ويمثّل قطاع تدوير النفايات الإلكترونية مجالاً واعداً للاستثمارات، شريطة لحظ المخاطر الصحية والأضرار البيئية التي تنشأ خلال دورة حياة المنتَج.

- نمو متسارع
وفقاً لآخر تقارير المرصد العالمي للنفايات الإلكترونية، أنتج العالم 53.6 مليون طن من النفايات الإلكترونية عام 2019. بزيادة بلغت 21 في المائة في خمس سنوات فقط. ويتنبأ المرصد أن تصل كمية النفايات الإلكترونية العالمية إلى 74 مليون طن بحلول 2030. مما يجعلها أسرع أنواع النفايات المنزلية نمواً في العالم.
ويُعزى النمو المتسارع للنفايات الإلكترونية إلى المعدلات المتزايدة لاستهلاك المعدات والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، ودورة حياة المنتج القصيرة (كما في حالة الأجهزة الإلكترونية المحمولة)، والخيارات المحدودة لإصلاح الأجهزة. ويشير تقرير المرصد إلى أن 17.4 في المائة فقط من النفايات الإلكترونية تم جمعها وتدويرها خلال 2019. رغم ما تحتويه من الذهب والفضة والنحاس والبلاتين وغيرها من المواد ذات القيمة العالية.
وتُنتج آسيا أكبر كمية من النفايات الإلكترونية (نحو 24.9 مليون طن)، تليها الأميركيتان (13.1 مليون طن) وأوروبا (12 مليون طن). فيما تُنتج أفريقيا وأوقيانوسيا 2.9 مليون طن و0.7 مليون طن على التوالي. وفي العالم العربي ارتفع توليد النفايات الإلكترونية بنسبة 61 في المائة خلال عشر سنوات، من 1.8 مليون طن (4.9 كيلوغرام لكل شخص) في 2010 إلى 2.8 مليون طن (6.6 كيلوغرام لكل شخص) في 2019.
وتعكس كميات النفايات الإلكترونية مستويات المعيشة المتباينة بين البلدان العربية، حيث سجلت السعودية أعلى معدل فردي لتولد النفايات الإلكترونية بلغ 13.2 كيلوغرام للشخص، فيما سجلت جزر القمر المعدل الأدنى بمقدار 0.7 كيلوغرام للشخص.
ووفق المعطيات المتوفرة لعام 2019. تقترب نسبة جمع واسترداد النفايات الإلكترونية في العالم العربي من 0.1 في المائة، أو ما مجموعه 2200 طن في السنة. ويوجد عدد من الشركات العاملة في هذا القطاع في الأردن وفلسطين وقطر والإمارات. وفي مصر، توجد سبع منشآت مرخصة لمعالجة النفايات الإلكترونية، إلى جانب 6 منشآت جديدة قيد الترخيص حالياً.
وفي السعودية، تأسست شركة تدوير البيئة الأهلية (تدوير) عام 2015. كإحدى الشركات الرائدة والمتخصصة في إعادة تدوير مخلفات الأجهزة الإلكترونية والكهربائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبحسب أرقامها، نجحت الشركة في إعادة تدوير ما يزيد عن 100 ألف طن النفايات الإلكترونية والكهربائية على مدى 5 سنوات. وتسعى الشركة لرفع طاقتها الإنتاجية من 15 ألف طن عند انطلاقتها إلى 128 ألف طن بحلول 2025.
وتتبنى معظم الدول العربية تشريعات تتعلق بإدارة النفايات الصلبة، بما فيها النفايات الخطرة التي تشمل النفايات الإلكترونية. ولكن قلّة من الدول العربية، مثل الأردن والبحرين والإمارات مثلاً، تملك تشريعات أو سياسات صريحة لإدارة النفايات الإلكترونية ومعالجتها والتخلُّص منها.

- قطاع واعد، ضمن شروط
من المرجح أن تؤدي الكلفة المتزايدة للمعادن الثمينة، مثل الذهب والفضة والبلاتين وغيرها، إلى زيادة الطلب على تدوير النفايات الإلكترونية في السنوات المقبلة. علاوة على ذلك، تُعتبر الزيادة الكبيرة في النفايات الإلكترونية إحدى المخاطر البيئية الرئيسية، مما سيعزز سوق استرداد المواد من النفايات الإلكترونية. وتساهم مبادرات الشركات في إطار مسؤولية المنتج الممتدة وتحسين مبيعاتها في دعم هذا القطاع.
وكانت شركة «إيون ماركت ريسيرتش» (Eon Market Research) نشرت مطلع 2023 تقريراً تتوقع فيه نمو حجم السوق العالمية للتخلص من النفايات الإلكترونية من نحو 12 مليار دولار في 2021 إلى أكثر من 23 مليار دولار بحلول 2028، بمعدل نمو سنوي يبلغ 10 في المائة.
وفي مقابل الأرباح المنتظرة من قطاع استرداد المواد من النفايات الإلكترونية، يمكن أن تؤدي الإدارة غير السليمة والممارسات غير الآمنة إلى مخاطر صحية جسيمة على العاملين في هذا القطاع. وتحتوي النفايات الإلكترونية على مجموعة من مواد سامة، مثل الزئبق والرصاص والنيكل والهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات، التي يسبب التعرض لها مشكلات صحية متعددة، كتغيُّر وظائف الغدة الدرقية واختلال وظائف الرئة وعواقب وخيمة على حديثي الولادة.
وتشير منظمة الصحة العالمية، في تقرير صدر منتصف العام الماضي، إلى أن نحو 12.9 مليون امرأة يعملن في قطاع النفايات غير النظامي، مما يعرّضهن للنفايات الإلكترونية السامة ويهدد صحتهن وصحة أجنّتهن عند الحمل. كما يعمل أكثر من 18 مليون طفل ومراهق في القطاع الصناعي غير النظامي، الذي تعدّ معالجة النفايات جزءاً منه، وكثيراً ما تتم الاستعانة بالأطفال في إعادة تدوير النفايات الإلكترونية لأن أيديهم الصغيرة أبرع في التعامل معها.
ويدعو تقرير المنظمة المصدّرين والمستوردين والحكومات إلى اتخاذ إجراءات فعالة وملزمة لضمان التخلص السليم بيئياً من النفايات الإلكترونية، وضمان صحة وسلامة العاملين وأسرهم ومجتمعاتهم، ورصد التعرُّض للنفايات الإلكترونية وعواقبها على الصحة، وتيسير إعادة استخدام المواد على نحو أفضل، والتشجيع على تصنيع معدات إلكترونية وكهربائية أكثر استدامة.
وفي مسألة حماية البيئة، تمثّل النفايات الإلكترونية قمة جبل الجليد المرتبطة بمخلّفات الأجهزة الإلكترونية طيلة دورة حياتها. وعادة ما تتجاهل البيانات الخاصة بتوليد النفايات المخلّفات التي تنشأ خلال التعدين والتصنيع، وهي تفوق بكمياتها حجم النفايات الإلكترونية. وعلى سبيل المثال، يتسبب استخراج كيلوغرام واحد من النحاس، الذي يدخل في تصنيع الأجهزة الإلكترونية، فيما لا يقل عن 210 كيلوغرامات من نفايات المناجم.
وفيما نجح الاتحاد الأوروبي في جمع 3.1 مليون طن من النفايات الإلكترونية المنزلية في 2014. نشأ داخل الاتحاد في العام ذاته 16.2 مليون طن من تصنيع المنتجات الإلكترونية. وهذا يعني أنه حتى لو تمكن الاتحاد الأوروبي من إعادة تدوير جميع النفايات الإلكترونية المنزلية، تبقى نفايات التصنيع أكبر بكثير من النفايات المعاد تدويرها.
وتُظهر البيانات الواردة من الشركات المصنِّعة للهواتف وأجهزة الكومبيوتر والأجهزة اللوحية أن منتجاتها تطلق أغلب كمية ثاني أكسيد الكربون أثناء عملية الإنتاج قبل أن تصل إلى أيدي المستهلكين، لا سيما في مرحلتي تعدين المواد الأولية وتصنيع المكوّنات.
إن النمو المتسارع لاستهلاك المنتجات الإلكترونية وما يستتبعه من زيادة في النفايات، يستوجب اتخاذ تدابير سريعة لتنظيم هذا القطاع بدءاً من تعدين المواد الأولية التي تدخل في الإنتاج، وانتهاءً بعمليات المعالجة والتخلُّص. وتظهر أهمية هذه المسألة في العالم العربي، على وجه الخصوص، حيث تواجه الدول المنخفضة الدخل مخاطر النفايات الإلكترونية المستوردة فيما تواجه الدول الأخرى مصاعب في التعامل مع طوفان الأجهزة المستهلكة.


مقالات ذات صلة

دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

تكنولوجيا يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)

دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

تُظهر دراسة أن تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات قد يخفض تكاليف الكهرباء؛ لكن أثره البيئي يختلف حسب مصادر الطاقة المحلية.

نسيم رمضان (لندن)
بيئة ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)

«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

أكد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ألفارو لاريو، أن السعودية ترتبط مع الصندوق بشراكة استراتيجية طويلة الأمد تعود إلى بداية المؤسسة عام 1978،…

غازي الحارثي (الرياض)
الولايات المتحدة​ الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الأربعاء إنه ينبغي للحكومات وضع مكافحة تغير المناخ ضمن أولوياتها ​الرئيسية، مع ازدياد حدة المخاطر المناخية

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أشخاص يحتمون بالمظلات من أشعة الشمس مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فعاليات أسبوع الموضة في ميلانو بإيطاليا 22 يونيو 2026 (رويترز)

دراسة: عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير يرتفع عالمياً

ارتفع عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير بشكل حاد عالمياً خلال السنوات الخمسين الأخيرة بسبب التغيّر المناخي، وفق ما كشفت دراسة نُشرت نتائجها الاثنين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

أوروبا تشهد موجة حر شديد وفرنسا تعقد اجتماعات طارئة

أدت موجة من الحر الشديد تجتاح معظم أنحاء أوروبا إلى عقد اجتماعات طارئة في فرنسا، وإصدار تحذيرات على مستوى البلاد في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (باريس)

موجة الحر متواصلة في أوروبا وسط تحذيرات من موجة جديدة مقبلة

أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)
أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)
TT

موجة الحر متواصلة في أوروبا وسط تحذيرات من موجة جديدة مقبلة

أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)
أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)

تواصل موجة الحرّ التأثير على عشرات الملايين في أوروبا، مع تسجيل درجات قياسية في عدد من الدول، فيما توقّع خبراء موجة حرّ جديدة في عدد من المناطق في الأيام المقبلة، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم أن موجة الحر الحالية بدأت تتراجع في أوروبا، يواجه أكثر من 95 مليون نسمة، خاصة في شرق القارة وجنوبها، درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، وفقاً لبيانات أعدتها أو جمعتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

في سلوفاكيا، بلغت الحرارة مستوى قياسياً إذ وصلت إلى 41.3 درجة، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية، بحسب إيفان غارتشار، المتحدث باسم المعهد السلوفاكي للأرصاد الجوية.

أشخاص يقفون في الظل خلال موجة حر أمام القلعة الملكية في المدينة القديمة في وارسو 27 يونيو 2026 (رويترز)

وفي كرواتيا، سجّلت مدينة سبليت، الثلاثاء، رقماً قياسياً أيضاً مع بلوغ الحرارة 39.5 درجة مئوية، بحسب ما أفادت هيئة الأرصاد الجوية الكرواتية «وكالة الصحافة الفرنسية»، متجاوزة الرقم القياسي السابق البالغ 38.6 درجة المسجل في يوليو (تموز) 1950.

ويقول خبراء إن موجة الحرّ الحالية هي الأشدّ على الإطلاق في أوروبا، وأنها ناجمة عن التغيّر المناخي.

وتلقي موجة الحر ظلالها على الجنوب الأوروبي أيضاً، حيث يواجه 19 مليون شخص في إيطاليا وأكثر من 15 مليون في جنوب غربي إسبانيا درجات مرتفعة.

أما في شرق القارة ووسطها، ولا سيما المجر، فيواجه معظم السكان حرارة تزيد عن 35 درجة.

وفيما بدا أن موجة الحر تنحسر، في بعض المناطق على الأقل، حذّر خبراء من موجة جديدة قد تسود في الأيام المقبلة.

أشخاص يسبحون في البحر الأسود في أوديسا بأوكرانيا في 30 يونيو 2026 وسط موجة حرّ تشهدها أوروبا والغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

مستوى قياسي

وقال الخبير في الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية الفرنسية، باتريك غالوا، لوكالة الصحافة الفرنسية: «ابتداء من يوم الجمعة، وخلال عطلة نهاية الأسبوع، نتوقع مرتفعاً جوياً... ستكون درجات الحرارة فيه مرتفعة جداً، ومن المرجح أن تتجاوز 35 درجة»، وذلك في وقت بدأت فيه موجة الحرّ الاستثنائية التي شهدتها فرنسا في الآونة الأخيرة بالانحسار.

وما تزال 4 مقاطعات في جنوب شرقي البلاد في حالة الإنذار البرتقالي بسبب موجة الحرّ الحالية، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الفرنسية.

وفي البرتغال، التي ظلّت بمنأى نسبياً عن موجة الحرّ في الأسبوعين الماضيين، يتوقع أن تحلّ موجة حر اعتباراً من الأربعاء، تؤثر بشكل خاص على السواحل بشدّة، بحسب هيئة الأرصاد الجوية.

وقال خبير الأرصاد، خورخي بونتي، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن مناطق عدة في الداخل ستكون تحت الإنذار البرتقالي، على أن يمتد هذا الإنذار لمعظم أنحاء البلاد.

لكن درجات الحرارة المرتفعة المتوقعة ستظل دون الرقم القياسي التاريخي البالغ 47.3 درجة مئوية، المسجل عام 2003.

وقال الخبير: «ما يلفت انتباهنا في هذه التوقعات ليس درجات الحرارة القصوى فقط، بل استمرار هذه المستويات المرتفعة جداً لأيام متتالية».

رجل يستريح على مقعد بالظل في بلغراد 30 يونيو 2026 حيث تعاني صربيا من موجة حر شديدة (أ.ف.ب)

موجة حر بحريّة «تاريخية»

ويشهد شمال غربي البحر المتوسط موجة حرّ بحريّة بلغت مستوى قياسياً من حيث الشدة، مع تسجيل ارتفاع بمعدل 5.2 درجات عن المعدلات الطبيعية، وفقاً لبيانات معهد علوم البحار الإسباني.

وقال خوستينو مارتيينيز، الباحث في معهد علوم البحار لوكالة الصحافة الفرنسية: «إنْ قمنا بحساب متوسط شدّة هذه الظاهرة، نحصل على 5.2 درجة، وعندما نجري الحساب نفسه للسنوات السابقة نلاحظ أن هذا الرقم يمثل مستوى قياسياً».

وأشار إلى أن هذا الرقم القياسي يعود بدرجة كبيرة إلى موجة الحر الشديدة التي اجتاحت أوروبا في الآونة الأخيرة.

وأوضح أن «موجة الحر هذه... هي الأكثر شدّة مقارنة بأيّ متوسط يومي سجلناه سابقاً»، في إشارة إلى المنطقة الممتدة شمال جزر البليار الإسبانية وغرب كورسيكا وسردينيا.

سكان بوخارست يبردون أنفسهم في أحد أكثر أيام شهر يونيو حرارة من خلال المرور عبر جهاز رش المياه المثبت وسط مدينة بوخارست في رومانيا 30 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وقال إن القياس اعتمد على درجات حرارة السطح فقط باستخدام بيانات الأقمار الاصطناعية.

ولفت إلى أن تسجيل الرقم القياسي في شمال غربي المتوسط جاء بعد انتقال ذروة موجة الحر الجوية نحو شرق أوروبا.

وبحسب العلماء، فإن المحيطات امتصّت نحو 90 في المائة من الحرارة الزائدة الناتجة عن النشاط البشري منذ بداية العصر الصناعي، بينما تُعد أوروبا أسرع قارات العالم احتراراً.

مدفع مياه تابع للشرطة المجرية يرش رذاذاً منعشاً على المارة خلال موجة حر في بودابست 30 يونيو 2026 (أ.ب)

كما أن ارتفاع حرارة الغلاف الجوي يزيد من قدرته على الاحتفاظ بالرطوبة، ما يؤدي إلى عواصف أشد، وبالتالي ارتفاع خطر الفيضانات، وهي من الظواهر الجوية المتطرفة التي يُفاقمها تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية.

وكان ارتفاع حرارة البحر المتوسط ساهم في تغذية عاصفة عنيفة أدّت إلى أسوأ فيضانات تشهدها إسبانيا منذ عقود في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حيث سُجّلت معظم الوفيات، التي تجاوزت 230، في منطقة فالنسيا، شرق البلاد.


حرّ أوروبا يتخطى 35 درجة... ويطول 150 مليون شخص على الأقل

امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
TT

حرّ أوروبا يتخطى 35 درجة... ويطول 150 مليون شخص على الأقل

امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)

من المتوقع أن تتخطى موجة الحر التي تجتاح أوروبا 35 درجة مئوية لفترة، الجمعة، وأن تطول 150 مليون شخص على الأقل، بينهم أكثر من 50 مليوناً في ألمانيا و30 مليوناً في فرنسا، وفق تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشير تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أنَّ الحرارة ستتخطى 30 درجة مئوية بالنسبة إلى أكثر من 420 مليون شخص في أوروبا (من دون احتساب تركيا)، ما يعني أنها ستطول نحو 7 أشخاص من كلّ 10 بالقارة، حسب أرقام تستند إلى توقعات خدمة الأرصاد الجوية الألمانية ومركز الأبحاث المشتركة، وتتقاطع مع أرقام منظمة «كليماداشبورد» النمساوية غير الحكومية.

وهذه الأرقام تتجاوز التوقعات الصادرة عن المعهد الألماني للأحوال الجوية، والتي حُسبت بالنسبة إلى الخميس في الساعة 3.00 بتوقيت غرينتش. وتوقَّعت أن تتجاوز الحرارة 35 درجة مئوية وأن تطول 101 مليون نسمة.

امرأة تدفع عربة أطفال وسط المدينة خلال موجة حارة في فيينا بالنمسا 26 يونيو 2026 (رويترز)

وعلى عكس الخميس، لم تعد المنطقة الأكثر تضرراً من موجة الحر هي البر الفرنسي بل ألمانيا، حيث من المتوقع أن تصل درجات الحرارة إلى أكثر من 30 درجة مئوية، الجمعة، وأن تطول نحو 82 مليون نسمة، بينهم 52 مليوناً ستطولهم درجات حرارة تصل إلى 35 مئوية.

ولا تزال التوقعات تشير إلى أنّ درجات الحرارة ستتجاوز 35 مئوية لنحو 34 مليون نسمة في فرنسا و17 مليوناً في إيطاليا و15 مليوناً في هولندا. وأصدر «المعهد الهولندي للأرصاد الجوية» أول إنذار له بشأن موجة الحر الشديد، الذي يسري مفعوله الجمعة في معظم أنحاء البلاد.

ومن المتوقع أيضاً أن تؤثر مستويات درجات الحرارة هذه بشكل كبير على كل من المجر وبلجيكا ولوكسمبورغ.

ويُتوقع أن تطول موجة الحرّ التي شهدتها أوروبا الغربية في الأيام الأخيرة منطقة البلقان اعتباراً من السبت، فيما كان كامل ساحل البحر الأدرياتيكي مشمولاً، الجمعة، بتحذيرات من المستوى الأحمر، حسب وكالة «ميتيو ألارم».

ومن المنتظَر أن تصل مستويات الحرارة إلى 39 درجة، اعتباراً من الأحد حتى الاثنين على الأقل، في بعض مناطق صربيا ومقدونيا الشمالية والبوسنة ومونتينيغرو، وفق مختلف الهيئات الوطنية للأرصاد الجوية.

رجل يضع غطاءً على رأسه لتخفيف أثر الحرارة في روتردام بهولندا (إ.ب.أ)

وفي بلغراد، يُفترَض أن تصل الحرارة إلى 36 درجة السبت، و38 الأحد، و39 الاثنين والثلاثاء، متجاوزة الرقم القياسي البالغ 38.7 درجة الذي سُجّل في العاصمة في يونيو (حزيران) 2021.

وفي صربيا التي شهدت في السنوات الثلاث الأخيرة معدلات الحرارة الأشدّ صيفاً منذ بدء القياسات عام 1951، يعمل أكثر من عامل من كل خمسة في الهواء الطلق، حسب موقع «كليما 101» المتخصص، وشوهد عمّال في ورش البناء ظهر الجمعة تحت الشمس الحارقة. ورغم الحرّ، يُتوقَّع أن يشارك آلاف الأشخاص في بلغراد السبت في تجمّع ينظمه الحزب التقدمي الصربي الحاكم، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومع تجاوز درجات الحرارة 35 درجة، قصد كثير من السكان، الجمعة، الأماكن المظَلَّلة وتلك التي يتوافر فيها الماء. وقال ألكسندر (60 عاماً) وقد غمر قدميه في نافورة بوسط المدينة، لوكالة الصحافة الفرنسية: «أعاني كثيراً من الحر الشديد، وهذا المكان هو الأنسب لي».

وفي بريشتينا، عاصمة كوسوفو، كان الشارع الرئيسي الذي يكون عادة مزدحماً بالمارة شبه خالٍ ظهر الجمعة، فيما كان القلائل الذين يمرّون فيه يسرعون الخطى كي لا يمكثوا طويلاً في الحرّ.

وقالت الموظفة الحكومية (41 عاماً) مايليندا التي كانت تشتري أدويتها سريعاً قبل عطلة نهاية الأسبوع لوكالة الصحافة الفرنسية: «من المتوقع أن تشتدّ موجة الحر خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأريد أن أؤمّن كل ما أحتاج إليه حتى لا أضطر للخروج غداً وبعد غد».

وعلى الساحل الأدرياتيكي، امتد الحرّ إلى مياه البحر أيضاً؛ إذ تجاوزت حرارة المياه في بولا بكرواتيا صباح الجمعة 27 درجة عند الساعة الثامنة.

رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)

وسبق أن شهد صيف 2025 موجات حرّ عدة في البلقان، وسُجِّل في كوسوفو في يوليو (تموز) 2025 أشد يوم حرّ على الإطلاق مع تسجيل 42.4 درجة مئوية. وتعرضت ألبانيا لحرائق عدة التهمت عشرات آلاف الهكتارات واضطر آلاف السكان إلى إخلاء منازلهم.

التغير المناخي مسؤول

وخلصت شبكة علمية دولية في دراسة نشرت نتائجها الجمعة، إلى أن التغير المناخي مسؤول «في شكل لا لبس فيه» عن موجة الحرّ الشديدة التي تضرب أوروبا الغربية راهناً، والتي كانت ستكون شبه مستحيلة الحدوث قبل نحو 50 عاماً.

وأكّد علماء شبكة «وورلد ويذر أتريبيوشن» (دبليو دبليو إيه) الذين يدرسون مسؤولية الاختلالات المناخية الناجمة عن الأنشطة البشرية في الظواهر المناخية القصوى، أن درجات الحرارة المرتفعة جدّاً خلال النهار والليل أيضاً كانت ستكون «شبه مستحيلة» في هذه الفترة من عام 1976 الذي شهد بدوره قيظاً استثنائياً.

ولو وقعت موجة حرّ من هذا القبيل، لكانت ألطف بـ3.5 درجات مئوية نهاراً و2.4 درجة ليلاً، حسب حسابات العلماء.

وقال تيودور كيبينغ من جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن الذي شارك في هذه الأبحاث: «خلصنا إلى أنه خلال السنوات الخمسين الأخيرة التي زادت فيها حرارة الكوكب 1.1 درجة مئوية، تغيّرت أرجحية وقوع موجة قيظ كهذه بدرجة فائقة».

وصرّح خلال عرض الدراسة على وسائل الإعلام بأن «موجة كهذه ما كانت ممكنة في يونيو من دون التغيّر المناخي».

وأشارت فريديريكه أوتو من جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن إلى أن «هذه الظاهرة المناخية ليست غير الاعتيادية لكن درجات الحرارة كذلك» بسبب التغيّر المناخي البشري المصدر.

«مزعج وخطير»

يتأتّى هذا التغيّر المناخي البشري المصدر من الاستخدام الكثيف لمصادر الطاقة الأحفورية، من فحم ونفط وغاز أحفوري، فضلاً عن قطع الغابات.

واستند العلماء المقيمون في عدّة بلدان أوروبية في أبحاثهم إلى بيانات أرصاد جوية حالية وتوقّعات الأيام المقبلة؛ إذ إن موجة الحرّ ما زالت متواصلة، وقارنوها بالمعطيات المسجّلة في 2003 و1976.

طفل يحاول التخفيف من أثر الحرارة بالوقوف داخل نافورة ماء في تورين بإيطاليا (إ.ب.أ)

ولم تلق هذه الأبحاث التي أجريت بوتيرة متسارعة مراجعة من باحثين خارجيين، وفق الإجراءات المعمول بها في إطار المنشورات العلمية. غير أن المنهجية المعتمدة سبق أن صادقت عليها الأسرة العلمية، حسبما ذكّر القيّمون على هذه الأبحاث.

وباتت الليالي الحارة أكثر ترجيحاً بمائة مرّة اليوم مما كانت عليه الحال خلال موجة الحرّ القياسي في 2003. وباتت الحرارة القصوى خلال النهار أكثر ترجيحاً بعشر مرّات، حسب الباحثين.

واستبعد العلماء مسؤولية ظاهرة «إل نينيو» الطبيعية التي ترفع الحرارة على سطح الأرض في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، متسبّبة بموجات جفاف وفيضانات وحرارة قياسية في العالم. ولاحظوا أن هذه الظاهرة لم تؤد «أيّ دور» في موجة الحرّ الحالية.

ويجعل «الإجهاد الحراري» الناجم عن درجات حرارة ومستويات رطوبة عالية هذا القيظ «مزعجاً وخطيراً بشكل خاص»، حسب فريديريكه أوتو.

وكشفت الدراسة أن نحو 45 في المائة من المدن الـ854 المشمولة بالتحليل في 30 دولة أوروبية حطّمت المستويات القياسية للإجهاد الحراري أو أنها على وشك تحطيمها.

وتستند هذه الخلاصات إلى مؤشّر حرارة يعرف بـ«مقياس حرارة ذي بُصيلة مخضّلة» يقوم على الحرارة والرطوبة ونسبة الإشماس والغطاء السحابي. ويستخدم هذا المؤشّر خصوصاً في عالم الرياضة.

و​ذكر مكتب الأرصاد الجوية البريطاني أن ‌درجة ‌الحرارة ​في ‌سوفوك بشرق ​إنجلترا بلغت 36.9 درجة مئوية، اليوم الجمعة، ‌لتحطم الرقم ‌القياسي ​لأشد ‌أيام ‌يونيو حرارة لليوم ‌الثالث على التوالي، وذلك مع اقتراب موجة الحر من نهايتها.


«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)
ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)
TT

«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)
ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)

أكد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ألفارو لاريو، أن السعودية ترتبط مع الصندوق بشراكة استراتيجية طويلة الأمد تعود إلى بداية المؤسسة عام 1978، مشيراً إلى أن المملكة كانت عضواً مؤسساً وأحد أوائل الداعمين للصندوق.

وقال لاريو لـ«الشرق الأوسط» إن أول رئيس للصندوق الدولي للتنمية الزراعية كان السعودي عبد المحسن السديري، موضحاً أن العلاقة بين الجانبين تطورت على مر السنين إلى شراكة تشغيلية واسعة تشمل التعاون الفني وتبادل المعرفة والاستثمارات المشتركة الرامية إلى تعزيز التنمية الزراعية والأمن الغذائي والتحول الريفي، مشدّداً على أن إنشاء مكتب الاتصال التابع للصندوق في الرياض يعكس العمق والأهمية الاستراتيجية المتزايدة لهذا التعاون، لافتاً إلى أن السعودية تعد من بين أكبر 20 دولة مانحة للصندوق، بمساهمات بلغت نحو 536.4 مليون دولار منذ عام 1978.

رؤية السعودية والأمن الغذائي وإدارة المياه

وأشار لاريو إلى أن «رؤية السعودية 2030» تعترف بأن الأمن الغذائي، وإدارة المياه المستدامة، والاقتصادات الريفية المرنة، ضرورية للازدهار طويل الأمد، مؤكداً أن تجربة الصندوق تظهر أن الاستثمار في المنتجين الصغار والمجتمعات الريفية يعد من أكثر الوسائل فاعلية لتحقيق هذه الأهداف.

أكد لاريو أنه يمكن للصندوق دعم طموحات مبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر (واس)

وأوضح أن الصندوق، استناداً إلى خبرته العالمية في الزراعة الصغيرة وأنظمة الغذاء المقاومة للمناخ والتنمية الريفية، قادر على تقديم حلول عملية تدعم أولويات المملكة ومستهدفات رؤية 2030، مشيراً إلى الشراكات القائمة مع «وزارة البيئة والمياه والزراعة» و«صندوق التنمية الزراعية السعودي»، قائلاً إنها يمكن أن تسهم في تعزيز الشركات الصغيرة والمتوسطة في المناطق الريفية، وخلق فرص للنساء والشباب، وتسهيل الوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.

التوافق مع السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر

وحول مبادرتي «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر»، أكد رئيس «إيفاد» بأنهما مبادرتان طموحتان وتحوليّتان تتوافقان بشكل وثيق مع مهمة الصندوق في تعزيز الزراعة المستدامة والمرنة مناخياً والتنمية الريفية المستدامة، وتابع: «يمكن للصندوق دعم هذه الطموحات من خلال جلب خبرة عالمية في الزراعة المقاومة للمناخ، وكفاءة المياه، واستعادة الأراضي»، واستعرض لاريو شراكة الصندوق مع وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية في جازان (جنوبي السعودية)، لافتاً إلى أنها دعمت سلاسل قيمة القهوة والمانجو الذكية مناخياً، إلى جانب 60 مزرعة ذكية مناخية، مما عزّز تقنيات توفير المياه وممارسات الزراعة المستدامة التي قدمت نموذجاً مستداماً وقابلاً للتوسُّع يساهم في أجندة السعودية الخضراء.

مكتب للتنسيق في الرياض

وأكد لاريو أن الصندوق يرى إمكانات قوية لتعميق التعاون مع السعودية في السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن ذلك يأتي بالتزامن مع توسع دور المملكة وريادتها العالمية في مجالات المناخ والبيئة، واستدرك أن «إيفاد» يتطلع إلى التعاون مستقبلاً مع صندوق التنمية الزراعية السعودي من خلال تبادل المعرفة وبناء القدرات وإطلاق مبادرات مشتركة في التمويل، خصوصاً في أفريقيا، فضلاً عن تعزيز التعاون مع مراكز البحث والقطاع الخاص والمؤسسات في منطقة الخليج عبر مكتب التنسيق في الرياض.

تهديد تغيّر المناخ لسبل العيش الريفية

وعلى الصعيد الدولي، شدد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية على أن تغير المناخ أصبح أحد أكبر التهديدات لسبل العيش الريفية في العالم النامي، محذراً من أن إنتاجية المحاصيل الزراعية قد تنخفض بأكثر من 25 في المائة في بعض المناطق بحلول نهاية القرن، وأوضح أن ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجويّة المتطرّفة باتا يؤثران بالفعل على المحاصيل والثروة الحيوانية ومصايد الأسماك، ويفرضان ضغوطاً متزايدة على الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات الريفية.

شراكة الصندوق مع وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية دعمت سلاسل قيمة القهوة (إيفاد)

وأشار لاريو إلى أن صغار المزارعين هم الأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي، نظراً لافتقار كثير منهم إلى المدخرات أو أدوات التأمين أو شبكات الحماية التي تمكنهم من التعافي من الخسائر المتكررة، مؤكداً أن الاستثمار في بناء القدرة على الصمود لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحة لحماية سبل العيش والاقتصادات الريفية وأنظمة الغذاء، وكشف عن أن الصندوق يعد من أكبر مزودي التمويل المناخي للزراعة الصغيرة في العالم، موضحاً أن تمويل المناخ شكّل 60 في المائة من برنامج القروض والمنح المعتمد خلال السنة الأولى من دورة التجديد الحالية، بقيمة بلغت 616.2 مليون دولار، متجاوزاً الهدف المحدد عند 45 في المائة.

يؤكد الصندوق أن الاستثمار في المنتجين الصغار والمجتمعات الريفية من أكثر الطرق فاعلية لتحقيق أهداف رؤية السعودية في التنمية الزراعية والريفية (إيفاد)

وأضاف أن الصندوق يدعم مجموعة واسعة من الحلول، تشمل المحاصيل المقاومة للجفاف، والري الموفر للمياه، والإدارة المستدامة للأراضي، وحفظ التربة والمياه، فضلاً عن تطوير البنية التحتية المقاومة للمناخ، مثل الطرق والتخزين وأنظمة الإنذار المبكر، وأكد أن التحدي الرئيسي لم يعد يكمن في إيجاد الحلول التقنية، بل في إيصال التمويل إلى المجتمعات الريفية التي تحتاج إليه على نطاق واسع، مشيراً إلى أن كل دولار يُستثمر في التكيف مع تغير المناخ يمكن أن يولد أكثر من عشرة دولارات من الفوائد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

استعادة التربة وتأهيل أحواض المياه

وشدّد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية على أهمية الحلول القائمة على الطبيعة، مثل استعادة التربة وتأهيل أحواض المياه والتوسع في أنظمة الزراعة الحرجيّة، موضحاً أن هذه الاستثمارات تسهم في تعزيز الإنتاجية والدخل والقدرة على الصمود أمام الجفاف والفيضانات وموجات الحرارة الشديدة، ونوّه بأن مشاريع الصندوق أسهمت في وضع 2.5 مليون هكتار تحت إدارة زراعية مقاومة للمناخ، كما ساعدت على تجنب أو احتجاز ما يعادل 48.2 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

الشراكة بين السعودية والصندوق عززت تقنيات توفير المياه وممارسات الزراعة المستدامة في 60 مزرعة بمنطقة جازان (إيفاد)

وجاءت تصريحات لاريو على هامش مشاركته في الاحتفال باليوبيل الذهبي لمرور 50 عاماً على تأسيس صندوق «أوبك للتنمية الدولية»، واعتبر في هذا الصدد أن «صندوق أوبك» واحد من الأمثلة على توجيه الدول النامية والمنتجة للنفط مواردها نحو التنمية إلى الجنوب العالمي، مضيفاً أن الصندوق لعب دوراً مهماً في تشكيل الاستقرار الاقتصادي العالمي والتنمية والمرونة، حيث خصص أكثر من 32 مليار دولار أميركي لمشاريع في أكثر من 125 دولة.

وذكّر لاريو بأن دول «أوبك» الأعضاء، هم المؤسسون للصندوق الدولي للتنمية الزراعية، ودعا لاريو في رسالة إلى القادة العالميين خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، إلى النظر للتكيّف المناخي وبناء القدرة على الصمود باعتبارهما استثماراً في النمو والاستقرار والازدهار المشترك، وليس مجرد تكلفة تنموية، مؤكداً أن مستقبل الأمن الغذائي العالمي يتوقف على زيادة الاستثمارات الموجهة إلى المجتمعات الريفية وصغار المنتجين.