النفايات الإلكترونية: سوق بمليارات الدولارات تنتظر التنظيم

نفايات من مخلفات أجهزة إلكترونية (شاترستوك)
نفايات من مخلفات أجهزة إلكترونية (شاترستوك)
TT

النفايات الإلكترونية: سوق بمليارات الدولارات تنتظر التنظيم

نفايات من مخلفات أجهزة إلكترونية (شاترستوك)
نفايات من مخلفات أجهزة إلكترونية (شاترستوك)

أعلنت السلطات الإسبانية مطلع سنة 2023 عن نجاحها في تفكيك مجموعة قامت بتهريب أكثر من 5 آلاف طن من النفايات الإلكترونية الخطرة إلى غانا وموريتانيا ونيجيريا والسنغال. وتستغل عصابات الجريمة المنظمة البلدان الأفريقية، التي لا تتبنى معايير بيئية صارمة للتعامل مع النفايات الخطرة، كمقصد نهائي للتخلص من هذه النفايات واسترجاع موادها الثمينة في ظروف لا تحقق متطلبات الصحة العامة.
ويشهد العالم زيادة مطردة في إنتاج الأجهزة الإلكترونية بسبب الثورة الرقمية واتساع نطاق وأساليب التواصل. وتترافق هذه الزيادة مع نمو كبير في كميات النفايات الإلكترونية التي لا يجد أغلبها سبيله للتدوير، رغم ما يحتويه من معادن ثمينة. ويمثّل قطاع تدوير النفايات الإلكترونية مجالاً واعداً للاستثمارات، شريطة لحظ المخاطر الصحية والأضرار البيئية التي تنشأ خلال دورة حياة المنتَج.

- نمو متسارع
وفقاً لآخر تقارير المرصد العالمي للنفايات الإلكترونية، أنتج العالم 53.6 مليون طن من النفايات الإلكترونية عام 2019. بزيادة بلغت 21 في المائة في خمس سنوات فقط. ويتنبأ المرصد أن تصل كمية النفايات الإلكترونية العالمية إلى 74 مليون طن بحلول 2030. مما يجعلها أسرع أنواع النفايات المنزلية نمواً في العالم.
ويُعزى النمو المتسارع للنفايات الإلكترونية إلى المعدلات المتزايدة لاستهلاك المعدات والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، ودورة حياة المنتج القصيرة (كما في حالة الأجهزة الإلكترونية المحمولة)، والخيارات المحدودة لإصلاح الأجهزة. ويشير تقرير المرصد إلى أن 17.4 في المائة فقط من النفايات الإلكترونية تم جمعها وتدويرها خلال 2019. رغم ما تحتويه من الذهب والفضة والنحاس والبلاتين وغيرها من المواد ذات القيمة العالية.
وتُنتج آسيا أكبر كمية من النفايات الإلكترونية (نحو 24.9 مليون طن)، تليها الأميركيتان (13.1 مليون طن) وأوروبا (12 مليون طن). فيما تُنتج أفريقيا وأوقيانوسيا 2.9 مليون طن و0.7 مليون طن على التوالي. وفي العالم العربي ارتفع توليد النفايات الإلكترونية بنسبة 61 في المائة خلال عشر سنوات، من 1.8 مليون طن (4.9 كيلوغرام لكل شخص) في 2010 إلى 2.8 مليون طن (6.6 كيلوغرام لكل شخص) في 2019.
وتعكس كميات النفايات الإلكترونية مستويات المعيشة المتباينة بين البلدان العربية، حيث سجلت السعودية أعلى معدل فردي لتولد النفايات الإلكترونية بلغ 13.2 كيلوغرام للشخص، فيما سجلت جزر القمر المعدل الأدنى بمقدار 0.7 كيلوغرام للشخص.
ووفق المعطيات المتوفرة لعام 2019. تقترب نسبة جمع واسترداد النفايات الإلكترونية في العالم العربي من 0.1 في المائة، أو ما مجموعه 2200 طن في السنة. ويوجد عدد من الشركات العاملة في هذا القطاع في الأردن وفلسطين وقطر والإمارات. وفي مصر، توجد سبع منشآت مرخصة لمعالجة النفايات الإلكترونية، إلى جانب 6 منشآت جديدة قيد الترخيص حالياً.
وفي السعودية، تأسست شركة تدوير البيئة الأهلية (تدوير) عام 2015. كإحدى الشركات الرائدة والمتخصصة في إعادة تدوير مخلفات الأجهزة الإلكترونية والكهربائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبحسب أرقامها، نجحت الشركة في إعادة تدوير ما يزيد عن 100 ألف طن النفايات الإلكترونية والكهربائية على مدى 5 سنوات. وتسعى الشركة لرفع طاقتها الإنتاجية من 15 ألف طن عند انطلاقتها إلى 128 ألف طن بحلول 2025.
وتتبنى معظم الدول العربية تشريعات تتعلق بإدارة النفايات الصلبة، بما فيها النفايات الخطرة التي تشمل النفايات الإلكترونية. ولكن قلّة من الدول العربية، مثل الأردن والبحرين والإمارات مثلاً، تملك تشريعات أو سياسات صريحة لإدارة النفايات الإلكترونية ومعالجتها والتخلُّص منها.

- قطاع واعد، ضمن شروط
من المرجح أن تؤدي الكلفة المتزايدة للمعادن الثمينة، مثل الذهب والفضة والبلاتين وغيرها، إلى زيادة الطلب على تدوير النفايات الإلكترونية في السنوات المقبلة. علاوة على ذلك، تُعتبر الزيادة الكبيرة في النفايات الإلكترونية إحدى المخاطر البيئية الرئيسية، مما سيعزز سوق استرداد المواد من النفايات الإلكترونية. وتساهم مبادرات الشركات في إطار مسؤولية المنتج الممتدة وتحسين مبيعاتها في دعم هذا القطاع.
وكانت شركة «إيون ماركت ريسيرتش» (Eon Market Research) نشرت مطلع 2023 تقريراً تتوقع فيه نمو حجم السوق العالمية للتخلص من النفايات الإلكترونية من نحو 12 مليار دولار في 2021 إلى أكثر من 23 مليار دولار بحلول 2028، بمعدل نمو سنوي يبلغ 10 في المائة.
وفي مقابل الأرباح المنتظرة من قطاع استرداد المواد من النفايات الإلكترونية، يمكن أن تؤدي الإدارة غير السليمة والممارسات غير الآمنة إلى مخاطر صحية جسيمة على العاملين في هذا القطاع. وتحتوي النفايات الإلكترونية على مجموعة من مواد سامة، مثل الزئبق والرصاص والنيكل والهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات، التي يسبب التعرض لها مشكلات صحية متعددة، كتغيُّر وظائف الغدة الدرقية واختلال وظائف الرئة وعواقب وخيمة على حديثي الولادة.
وتشير منظمة الصحة العالمية، في تقرير صدر منتصف العام الماضي، إلى أن نحو 12.9 مليون امرأة يعملن في قطاع النفايات غير النظامي، مما يعرّضهن للنفايات الإلكترونية السامة ويهدد صحتهن وصحة أجنّتهن عند الحمل. كما يعمل أكثر من 18 مليون طفل ومراهق في القطاع الصناعي غير النظامي، الذي تعدّ معالجة النفايات جزءاً منه، وكثيراً ما تتم الاستعانة بالأطفال في إعادة تدوير النفايات الإلكترونية لأن أيديهم الصغيرة أبرع في التعامل معها.
ويدعو تقرير المنظمة المصدّرين والمستوردين والحكومات إلى اتخاذ إجراءات فعالة وملزمة لضمان التخلص السليم بيئياً من النفايات الإلكترونية، وضمان صحة وسلامة العاملين وأسرهم ومجتمعاتهم، ورصد التعرُّض للنفايات الإلكترونية وعواقبها على الصحة، وتيسير إعادة استخدام المواد على نحو أفضل، والتشجيع على تصنيع معدات إلكترونية وكهربائية أكثر استدامة.
وفي مسألة حماية البيئة، تمثّل النفايات الإلكترونية قمة جبل الجليد المرتبطة بمخلّفات الأجهزة الإلكترونية طيلة دورة حياتها. وعادة ما تتجاهل البيانات الخاصة بتوليد النفايات المخلّفات التي تنشأ خلال التعدين والتصنيع، وهي تفوق بكمياتها حجم النفايات الإلكترونية. وعلى سبيل المثال، يتسبب استخراج كيلوغرام واحد من النحاس، الذي يدخل في تصنيع الأجهزة الإلكترونية، فيما لا يقل عن 210 كيلوغرامات من نفايات المناجم.
وفيما نجح الاتحاد الأوروبي في جمع 3.1 مليون طن من النفايات الإلكترونية المنزلية في 2014. نشأ داخل الاتحاد في العام ذاته 16.2 مليون طن من تصنيع المنتجات الإلكترونية. وهذا يعني أنه حتى لو تمكن الاتحاد الأوروبي من إعادة تدوير جميع النفايات الإلكترونية المنزلية، تبقى نفايات التصنيع أكبر بكثير من النفايات المعاد تدويرها.
وتُظهر البيانات الواردة من الشركات المصنِّعة للهواتف وأجهزة الكومبيوتر والأجهزة اللوحية أن منتجاتها تطلق أغلب كمية ثاني أكسيد الكربون أثناء عملية الإنتاج قبل أن تصل إلى أيدي المستهلكين، لا سيما في مرحلتي تعدين المواد الأولية وتصنيع المكوّنات.
إن النمو المتسارع لاستهلاك المنتجات الإلكترونية وما يستتبعه من زيادة في النفايات، يستوجب اتخاذ تدابير سريعة لتنظيم هذا القطاع بدءاً من تعدين المواد الأولية التي تدخل في الإنتاج، وانتهاءً بعمليات المعالجة والتخلُّص. وتظهر أهمية هذه المسألة في العالم العربي، على وجه الخصوص، حيث تواجه الدول المنخفضة الدخل مخاطر النفايات الإلكترونية المستوردة فيما تواجه الدول الأخرى مصاعب في التعامل مع طوفان الأجهزة المستهلكة.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».