قوة الصين تعيد قراءة طه حسين من المستقبل

صيغة «إما... أو» التي سادت في القرن الماضي سقطت مع عصر العولمة

أوغسطين كورنو
أوغسطين كورنو
TT

قوة الصين تعيد قراءة طه حسين من المستقبل

أوغسطين كورنو
أوغسطين كورنو

صعود الصين كقوة عظمى يمثل نقطة فاصلة في العقود الأخيرة؛ حيث استطاعت أن تعيد النظر في موازين القوى الفكرية في العالم، بما في ذلك علاقتنا الجدلية مع الغرب، أو قل ذلك «الآخر» الذي يقطننا منذ قرون.
ويعد كتاب طه حسين «مستقبل الثقافة في مصر» عام 1938، أحد أهم العلامات التي ساهمت في تأكيد هذه العلاقة مع أوروبا تحديداً، ومن ثم فإن مراجعة القضايا التي أثارها العميد تصبح ضرورة، قبل القيام بأي مغامرة فكرية جديدة في القرن الحادي والعشرين، خاصة أن الصيغ الفكرية التي سادت في القرن الماضي مثل صيغة (إما... أو) سقطت مع عصر العولمة حيث يزداد العالم تقارباً وانكماشاً، وبات من الصعب اليوم استبدال الشرق الجغرافي بالغرب التاريخي.
من أبرز القضايا التي أكدها طه حسين (1889 – 1973) في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» أن «العقل المصري القديم ليس عقلاً شرقياً إذا فهم من الشرق الصين واليابان والهند وما يتصل بها من الأقطار» (حسين: ص – 22» وإنما هو عقل بحر متوسطي «إن تأثر بشيء، فإنما يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط» (حسين: ص – 19).
هذه القضية التي قتلت بحثاً على مدار قرن كامل ليست هي الأهم اليوم، في تصوري.
وإنما «حيرة المثقف» طه حسين وقتئذ، ودهشته من موقف المصريين وقناعتهم بأنهم شرقيون، بل من نظرة الأوروبيين أيضاً التي لا تختلف كثيراً عن موقف المصريين لأنفسهم!
يقول: «يرى المصريون أنفسهم أنهم شرقيون، وهم لا يفهمون من الشرق معناه الجغرافي اليسير وحده، بل معناه العقلي والثقافي، فهم يرون أنفسهم أقرب إلى الهندي والصيني والياباني منهم إلى اليوناني والإيطالي والفرنسي» (حسين: ص 22)
من جهة أخرى، فإن الأوروبيين «يبذلون الجهود الخصبة الشاقة في تحقيق الصلات بين المصريين القدماء والحضارة اليونانية التي هي أصل حضارتهم، ثم هم بعد هذا كله يعرضون عن الحق، ويتجاهلون هذه الأوليات، ويرون في سيرتهم وسياستهم أن مصر جزء من الشرق، وأن المصريين فريق من الشرقيين» (حسين: ص 24).

تبصرات كورنو الثاقبة
على الضفة الأخرى من البحر المتوسط، وتحديداً في فرنسا التي فتن بها طه حسين، كان يعمل «أوغسطين كورنو» (1801 – 1877م)، أحد الآباء المؤسسين لما بعد الحداثة في الفلسفة والتاريخ والاقتصاد والسياسة، على فك طلاسم هذا اللغز مبكراً، الذي تحير في فهمه عميد الأدب العربي عام 1938.
وعلى الرغم من أن كتاب «كورنو» الصادر عام 1861م «مقدمة في الأفكار الأساسية في العلوم والتاريخ» (وهو المصدر في مقالنا)
Traite de l›enchainement des idees fondamentales dans les sciences et dans l›histoire.
لم يكن مخصصاً لمصر، لأن اهتمامه انصبّ على فلسفة التاريخ والتاريخ العالمي المقارن، فإن تبصراته الثاقبة فيما يتعلق بـ«مستقبل الماضي» و«تاريخ المستقبل»، حيث شكلت مصر أحد محاور هذا التاريخ، كانت دقيقة للغاية.
فقد طرح في منتصف القرن التاسع عشر تقسيماً لمستقبل العالم، كان أقرب إلى الأساطير والأوهام من وجهة نظر معاصريه، تسوده «الصين» كقوة عظمى في الشرق، والولايات المتحدة كقوة عظمى في الغرب، وهو ما تحقق بالفعل في القرن الحادي والعشرين.
رأى «كورنو» التشابه الكبير بين مصر والصين قديماً، على العكس تماماً مما رآه طه حسين؛ حيث يشير كورنو إلى «تشابه الكتابة الإيديوغرافية في مصر والصين، التي تختلف عن الكتابة الأبجدية». (كورنو: ص 101). كما أن «الأسرات الحاكمة كان يخلف بعضها بعضاً في كل من مصر والصين عبر آلاف السنين، دون تغيير نظام المؤسسات الوطنية بشكل عميق». (كورنو: ص – 468)
«وباستثناء الإغريق والهنود والعرب، لم يكن لدى أي شعب قديم آخر اهتمام بالعلوم الرياضية والفلكية، مثل الصين ومصر» (كورنو: ص 360، 361).
بل إن الميل المشترك «لدى مصر والصين إلى علم التنجيم والملاحظات الدقيقة للظواهر الفلكية، إضافة إلى الكلدانيين، يختلف تماماً عن الميل لدى الإغريق فيما يخص علم الفلك الذي استخدم أساساً في أغراض التجارة» (كورنو: ص 361).

نقطة التقاء وافتراق بين حسين وكورنو
من المفارقات اللافتة أن النقطة الوحيدة التي يلتقي فيها كورنو مع العميد هي نفسها مصدر الفرقة بينهما! ذلك أن «مصر الفرعونية تشكل الحلقة الأولى في سلسلة الحضارات الغربية» (كورنو: ص 362)، لكنها لأسباب كثيرة تم استيعابها لاحقاً داخل المركزية الأوروبية كما يقول كورنو، وبالتالي لم تستطع أن تظل القوة المقابلة للصين في الشرق، أو قل؛ لقد اضطرت مصر إلى التوقف عن مسايرة الحضارة الصينية في صيرورتها التاريخية حتى اليوم، كقوة مستقلة لها خصوصيتها.
ويري كورنو أن أهم هذه الأسباب هي «أن الحضارة المصرية لم تكن معزولة جغرافياً مثل الحضارة الصينية، ولم تستطع أن تقاوم بلا توقف هجمات الجيوش الغازية مثل الحضارة الصينية، لذا انتهت حضارة مصر الفرعونية منذ فترة طويلة، لكنها تركت الآثار التي صمدت أمام الزمن، والأكثر مجداً من آثارها هي الإسهامات الثقافية والعلمية والفنية التي قدمتها لليهود واليونانيين، والتي كان لها أبلغ الأثر في التحضير لظهور الحضارة الأوروبية» (كورنو: ص 359، 360).
ويتبنى كورنو فكرة وجود قوتين دائماً في مسار التاريخ الإنساني، ويتشابه في ذلك إلى حد ما مع «ليبنتز» و «فولتير»، و«هيغل»، حيث تميزت مسارح الحضارة الإنسانية بسمة أساسية، هي «التناقض بين الجزأين الشرقي والغربي للعالم القديم».
بمعنى أنه لم يكن مطروحاً من قبل أن يكون هناك مسرح وسط أو «بين بين»، رغم تأكيد كورنو على ما قامت به «مصر وسوريا والفينيقيون وبين النهرين والكلدان والعرب في شبه الجزيرة العربية؛ حيث شكلوا نقطة الالتحام الحقيقية بين الشرق والغرب، في وقت من الأوقات، لكن كل ذلك سوف يتطور في العصور التالية (كورنو: ص 362).
ربما يفسر هذا جزئياً، في تصوري، لماذا يرسخ في وعي المصريين العميق حتى اليوم أنهم شرقيون، من الناحية الجغرافية والذهنية أيضاً، وهو ما انتقده طه حسين في كتابهً.
النموذج الغربي – حسب كورنو - يطبع كل شيء بطابعه ويستوعبه بالكامل، وإن حمل بعض السمات الشرقية، مثل روسيا والهند أيضاً، وهو ما يختلف في حال الصين اختلافاً جذرياً حيث تبرز خصوصية الصين ككتلة واحدة منسجمة تحمل سمات شرقية أصيلة.
وتتميز الصين بأنها تستطيع أن تفيد من الآخر أياً كان هذا الآخر، وأن تستوعب منجزاته وتهضم أفكاره، ثم تفرز هذا الوافد شيئاً صينياً خالصاً وفقاً لنموذجها الحضاري الخاص.

علاقات تتقاطع في الشرق الأوسط
عودة ظهور الصين كقوة عظمى في عصرنا الراهن، وتغلغلها في مسام جهات العالم الأربع، أوشكت أن تغير مفهوم العلاقات بين الشرق والغرب، التي شغلت معظم المؤرخين والمفكرين في القرون السابقة، بما في ذلك «أوغسطين كورنو» و«طه حسين»، فضلاً عن تغيير العلاقات الرأسية بين الشمال والجنوب في عصر العولمة، والعلاقات الأفقية الناشئة، التي تتشكل في رحم العالم الآن، وتتقاطع مجدداً في الشرق الأوسط، ولا سيما المنطقة العربية، وهو تحول تاريخي كبير.
فكيف نستطيع اقتناص هذه الفرصة التاريخية من جديد، وابتكار صيغة جديدة كـ«مركز» التقاء الأقطاب المتعددة، يساهم في ملء الفجوات والثغرات وبناء جسور التواصل العالمي؟
لا أنسى أبداً أثناء العمل على كتابنا المشترك «العالم أفقياً... أميركا والصين والسعودية»، الدكتور عثمان الصيني وأنا (صدر عام 2019) ما قاله مهندس العلاقات التاريخية بين أميركا والصين وأكبر الخبراء الاستراتيجيين في العالم، هنري كيسنجر، إن «الثغرات الثقافية» بين أميركا والصين ستشكل دائماً مصدراً للخلافات السياسية بينهما؛ حيث اعتبر أن «الثقافة» هي المدخل الصحيح لفهم الخصوصيات الجوهرية بين القوتين العظميين.
هل نحن على استعداد للقيام بهذا الدور التاريخي، خاصة أن الصين تقدم لنا اليوم نموذجاً مغايراً يتحدى معارفنا التقليدية؟
* باحث مصري


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً