العجائبية في أدب الرحلات.. رحلة ابن فضلان نموذجًا

بحث يقسمها إلى نوعين حقيقي وخيالي

غلاف «العجائبية في أدب الرحلات»
غلاف «العجائبية في أدب الرحلات»
TT

العجائبية في أدب الرحلات.. رحلة ابن فضلان نموذجًا

غلاف «العجائبية في أدب الرحلات»
غلاف «العجائبية في أدب الرحلات»

صدر عن دار السويدي للنشر والتوزيع في أبوظبي كتاب «العجائبية في أدب الرحلات: رحلة ابن فضلان نموذجًا» للدكتورة الخامسة علاوي. وقد حاز هذا الكتاب القيّم على جائزة ابن بطوطة للدراسات عام 2008 - 2009.
يتألف الكتاب من مقدمة وثلاثة فصول رئيسة وخاتمة، كما اعتمدت الباحثة على أكثر من 130 مصدرًا عربيًا وأجنبيًا بينها رسائل جامعية ووثائق ودوريات أثرتْ البحث وأوصلت الدراسة إلى مستوى علمي رصين.
أوردت الخامسة علاوي تعريف عبد الفتاح كيليطو لأدب الرِّحْلات الذي يقول بأنه «مجموعة من الآثار الأدبية التي تتناول انطباعات المؤلف عن رحلاته في بلاد مختلفة وقد يتعرّض فيها لوصف ما يراه من عادات وسلوك وأخلاق، وتسجيل دقيق للمناظر الطبيعية التي يشاهدها أو يسرد مراحل رحلته مرحلة مرحلة، أو يجمع بين كل هذا في آنٍ واحد».
تُقسِّم الباحثة الرحلات إلى نوعين، الأول الرحلة الحقيقية مثل رحلة ابن بطوطة، ورحلة ابن جبير، ورحلة العبدري. والرحلة الخيالية مثل قصة ابن طفيل لحي بن يقظان، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وروبنسون كروزو لدانيال ديفو وسواها من الرحلات المستقرة في الذاكرة الجمعية للقرّاء.
تقترح الباحثة إطلاق مصطلح، «الأدب الجغرافي» على أدب الرحلات، وذلك لغلبة منهج الجغرافيا الوصفية عليه ولكن هذه التسمية لا تجرّده من خصائصه الأدبية وطابعه الفني الذي يشدّ القرّاء ويمدّهم بعنصري المتعة والفائدة.
لابد من الإشارة إلى أن أدب الرحلات قريب جدًا من السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات، بل إن الباحث كيليطو يرى من الصعوبة بمكان أن يفصل الرحلة عن السيرة الذاتية.
تسعى هذه التغطية إلى تسليط الضوء على رحلة ابن فضلان نفسها بوصفها نموذجًا تحليليًا يقدِّم صورة حيّة ومباشرة قائمة على الخبرة ومعايشة الآخر. لذلك سوف ينصّب تركيزنا على الفصل الثالث من هذا الكتاب بعد أن نتوقف قليلاً عند بعض التعاريف والمفاهيم الأساسية التي لا يمكن تفاديها أو غضّ الطرف عنها لعل أبرزها العجب الذي يعرّفه ابن منظور بأنه «إنكار ما يرِد عليك لقلة اعتياده والنظر إلى شيء غير مألوف ولا معتاد». أما المعجم الوسيط فيعرّف العجب: «بأنه روعة تأخذ الإنسان عند استعظام الشيء». في حين يذهب الفراهيدي إلى القول: «أما العجيب فالعجب. وأما العُجاب فالذي جاوز حدّ العجب». ويعرّف زكريا القزويني العجب بأنه «حيرة تعرض للإنسان لقصوره عن معرفة سبب الشيء أو عن معرفة كيفية تأثيره». وثمة تعريفات أخرى تؤكد بأن «العجب انفعال النفس عمّا خفي سببهُ»، وهو لا يكون إلا في النادر الوقوع، وإنما يسقط للأنس وكثرة المشاهدة. قد يكون تعريف تودوروف هو الأكثر دقة حينما يصور «التردد والحيرة كميزة خاصة بالمحكي العجائبي. فالعجائبي حسب تودوروف هو «التردد الذي يُحُسهُ كائن لا يعرف غير القوانين الطبيعية فيما هو يواجه حدثًا فوق طبيعي حسب الظاهر». وبما أنّ التردد هو السمة الأساسية لتعريفه، فإن ذلك يدعو إلى التساؤل: هل أن ما يحدث هو وهم أم حقيقة؟ والبطل مثل القارئ يبقى مترددًا بين تفسيرين أحدهما عقلي والآخر غيبي. وحالما يختار القارئ أحد التفسيرين فإنه يغادر العجائبي ليدخل في أحد الجنسين المجاورين: العجيب والغريب على حدّ قول تودوروف.
العجائبية في رحلة ابن فضلان
ثمة أسئلة منطقية تطرحها الباحثة الجزائرية الخامسة علاوي من بينها: لماذا اكتفى ياقوت الحموي بذكر ابن فضلان في معجم البلدان ولم يُذكر في معجم الأدباء؟ وإذا كانت القصة الفضلانية معروفة بين الناس فهل طال نُسَخُها الضياع بعد وفاة الحموي عام 626هـ؟ وأكثر من ذلك: كيف أهمل المؤرخون الكبار من أمثال ابن الأثير والخطيب البغدادي أرخنة هذا الوفد المهم الذي خرج بأمر من الخليفة نفسه؟
يعْرف المختصون بأدب الرحلات بأن الخليفة العباسي المقتدر (295 - 320هـ) قد تلّقى رسالة من ألمش بن يلطوار، ملك البلغار الذين يقطنون على ضفاف الفولغا، يطلب منه أن يرسل له فقيهًا يعلّم الصقالبة شرائع الدين، وبناء المساجد، وإقامة المآذن في جميع أنحاء المملكة. وقد تكون هذه النقاط الثلاث إضافة إلى أخرى غيرها هي الهدف الرئيسي للرحلة. فقبل أن ينطلق الوفد الذي كان يرأسه سوسن الرسّي كان ابن فضلان قد اُنتُدِب لقراءة الكتاب الذي بعثه الخليفة، وتسليم ما أُهدي إلى ملك البلغار، ثم الإشراف على الفقهاء والمعلمين الصقالبة.
تؤكد الباحثة بأن للرحلة مسارين: الأول عام ويبدأ من بلاد العجم، الأتراك، الصقالبة، الروسيّة وينتهي بالخزر. والثاني خاص يبدأ ببغداد ويمرّ بـ23 مدينة قبل أن ينتهي بالخزر. علما بأن طريق العودة هو نفس طريق الذهاب.
غادر الوفد 11 صفر 309هـ (21 يوليو (تموز) 921م). ذاقَ أفراد البعثة الأمرين بسبب سوء الأحوال الجوية في بلاد العجم والترك، حيث منعهم أمير خوارزم من المغادرة وإلقاء أنفسهم في التهلكة. ورب سائل يسأل: لماذا كان ابن فضلان يكرر إثر خروجه من بغداد سِرنا وأقمنا، ثم رحلنا وقطعنا من دون أن يتوقف عند التفاصيل الجغرافية، الأمر الذي يكشف عن احتمالية كون ابن فضلان فارسي الأصل وهذه المضارب مألوفة إليه، فلا غرابة أن يكتفي بالإشارة إليها أو التلميح العابر لها.
لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن ابن فضلان كان قادمًا من بغداد حاضرة الدنيا وقد حلّ في بلدان متخلفة آنذاك، ولا بد أنه كان يشعر بالتفوق الحضاري والديني فلا غرابة أن يركِّز على ثلاثية الوثنية والعنف والشبقية التي تقصاها بشكل دقيق. فهؤلاء كانوا يعبدون السمك والكراكي والحيّات وتماثيل الأعضاء الذكرية. وقد شبههم غير مرة بـ«الحمير الضالة». وقد قال عن الأتراك إن الواحد منهم «لا ينزع الثوب الذي يلي جسده حتى ينتثر قطعًا» كما أنهم لا يغتسلون من بول وغائط وأن نساءهم لا يستترن عند الجلوس. أما الصقالبة فهم يستحمون في الأنهار عراة، ويمارسون الحُب أمام الآخرين من دون أن يشعروا بالحرج. ولا يقتصر هذا الأمر على عامة الناس وإنما يمتد إلى الملك الذي يواقع زوجته أو جاريته أمام 400 من أفراد حاشيته وجنوده.
اعتمد ابن فضلان على الوصف العجائبي الذي يثير دهشة القارئ مثل سقوط الحيّات الضخمة من الشجرة الباسقة، وهي للمناسبة تشبه حكاية السندباد في وادي الحيّات. وقصة الرجل الضخم الذي يصل طوله إلى 12 ذراعًا، أو السمكة الكبيرة التي تخرج من البحر ويقطع الناس من لحمها على قدر حاجتهم ثم تتحرك وتعود إلى البحر، أو قصة الجن المسلمين والكفار الذين يتقاتلون في السماء ويسببون الرعب لابن فضلان ورجاله. وقد يكون تفسير الجاحظ هو الأقرب للصواب حيث يقول: «إذا استوحش الإنسان تمثّل له الشيء الصغير في صورة الكبير، وارتاب وتفرّق ذهنه، وانتفضت أخلاطه فرأى ما لا يُرى، وسمع ما لا يُسمع، وتوهم الشيء الحقير أنه عظيم جليل». ثمة مواقف عجائبية كثيرة لا يمكن حصرها في هذا المجال الضيق ولكنها لا تمنع من كون هذه الرسالة رسالة تحليلية، استكشافية عن الآخر المتمثل في تلك المضارب النائية. وقد كُتبت بأسلوب شيّق لا يبتعد فيه ابن فضلان عن أسلوب الأديب، ولا يقترب من أسلوب الجغرافي الذي يصف عناصر الطبيعة بدقة بالغة. ونختم بقول المستشرق الروسي كراتشكوفسكي الذي وجد في رسالة ابن فضلان قطعة رائعة من أدب الرحلات حيث قال: «لا يمكن إنكار قيمة الرحلة الأدبية، وأسلوبها القصصي السلس، ولغتها الحيّة المصورة التي لا تخلو بين آونة وأخرى من بعض الدعابة التي لم تكن مقصودة».



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.