جسم الإنسان يتكيف بصعوبة لمقاومة متغيرات «كورونا»

أجهزتنا المناعية متعثرة ولا تزال عالقة في 2020

جسم الإنسان يتكيف بصعوبة لمقاومة متغيرات «كورونا»
TT

جسم الإنسان يتكيف بصعوبة لمقاومة متغيرات «كورونا»

جسم الإنسان يتكيف بصعوبة لمقاومة متغيرات «كورونا»

في خلال فترة امتدت لأكثر من عامين التي توفرت في الولايات المتحدة لقاحات COVID «كوفيد - 19»، لم تتغير الوصفة الأساسية لمكافحته إلا قليلاً. وفي غضون ذلك، كشف الفيروس عن خمسة متغيرات اكتسب كل منها اسماً من أسماء الحروف اليونانية الخاصة بها، تلتها مجموعة من المتغيرات الفرعية المسماة «أوميكرون» ذات الألقاب الغريبة، ويبدو أن كلاً منها ينتشر بشكل أسرع من الأخير.
واللقاحات، التي تستغرق شهوراً لإعادة صياغتها، لا تستطيع مواكبة فيروس يبدو أنه يعيد اختراع نفسه خلال أسبوع.
تعثّر جهاز المناعة
الطفرة التطورية لفيروس «سارس - كوف - 2» المسمى «كوفيد - 19» قد لا تكون السبب الوحيد لحالات تعثر المناعة في مواجهتها لمتغيرات الفيروس. إذ يبدو أن الجسم يركز على النسخة الأولى من الفيروس الذي واجهه، إما عن طريق الإصابة بالعدوى أو بعد تلقي حقن اللقاح الأول.
وهذا الانشغال بالماضي - الذي يمارسه جهاز المناعة - هو الذي يسميه الباحثون «الخطيئة الأصلية للمستضد»، قد يترك الإنسان مع دفاعات غير مصممة بشكل جيد لمواجهة متغيرات الفيروس اللاحقة. (الخطيئة الأصلية للمستضد) «original antigenic sin» تظهر عندما يحتفظ الجسم بذاكرة مناعية خاصة ضد العدوى الأولى. وتتجسد الذاكرة في النشاطات المضادة من قبل الخلايا المناعية - المحرر).
في الأشهر الأخيرة، بدأ بعض الخبراء في إبداء القلق من أن هذه «الخطيئة» قد تقوض الآن اللقاحات المحدّثة. لذا يذهب تفكير بعضهم إلى أقصى حد، مشيرين إلى أن الناس قد لا يحصلون على الكثير من الحماية من حقن لقاحات «كوفيد» الجديدة، التي لا تتطابق مع أول نسخة من الفيروس.
وتشير البيانات الأخيرة إلى هذا الاحتمال. ويبدو أن الإصابات السابقة بالفيروس، أو تلقي اللقاح الأصلي الأول، تعمل على تشكيل أو حتى إخفاء ردود أفعال الناس تجاه اللقاحات الجديدة ثنائية التكافؤ. أخبرتني جينا جوثميلر، عالمة المناعة في كلية الطب بجامعة كولورادو: «ليس لدي شك في ذلك... إذ لا يصنع الجهاز المناعي الآن الأجسام المضادة المركزة على (أوميكرون) بالكمية أو الجودة المطلوبة مثلاً لو كان الجهاز قد صادف (أوميكرون) لأول مرة».
لكنْ هناك أيضاً جانب إيجابي لهذا العناد الذي لا يمكننا العيش من دونه، كما تقول كاتلين جوستيك، عالمة المناعة ومصممة نماذج الأمراض المعدية التي درست ظاهرة الإنفلونزاـ فـ«الخطيئة الأصلية للمستضد» هي السبب في تكرار العدوى، التي تصبح في المتوسط أكثر اعتدالاً بمرور الوقت. وأضافت جوستيك: «إنه جزء أساسي من القدرة على تكوين ذاكرة مناعية».
وهكذا، فإن الانطباعات الأولى القوية عن هذا الفيروس التاجي يمكن ويجب أن تؤثر على كيف ومتى وكم مرة نعيد التطعيم ضده. ويمكن أن يساعد الفهم الأفضل لدرجة استمرار هذه الانطباعات العلماء أيضاً في معرفة سبب مقاومة (أو عدم مقاومة) الأشخاص الذين يكافحون أحدث متغيرات الفيروس - وكيف ستعمل دفاعاتهم ضد الفيروس مع استمرار تغيره.
خطيئة العدوى الأولى
ان أسوأ شيء في «الخطيئة الأصلية للمستضد» هو اسمها. ويقع اللوم في ذلك من الناحية الفنية على توماس فرانسيس جونيور، عالم المناعة الذي صاغ العبارة منذ أكثر من ستة عقود بعد أن لاحظ أن عدوى الإنفلونزا الأولية التي تعرض لها الأشخاص في مرحلة الطفولة يمكن أن تدفع الجسم لأن يتحيز في تعامله مع السلالات اللاحقة.
يقول جابرييل فيكتورا، عالم المناعة في جامعة روكفلر: «في الأساس، إن الإنفلونزا التي تصاب بها أولاً في الحياة هي التي تستجيب لها بشدة على المدى الطويل». يمكن أن يصبح ذلك مشكلة إلى حد ما عندما تأتي سلالة مختلفة المظهر تماماً. في مثل هذه السيناريوهات، قد تبدو الخطيئة الأصلية للمستضد شبيهة إلى حد كبير بالحالة البيولوجية لمراهق متحمس يتألم بسبب انهيار علاقة طيبة سابقة، أو لطالب «لم يتخرج أبداً في المدرسة الابتدائية المناعية».
ولكن من وجهة نظر الجهاز المناعي، فإن عدم نسيان الأمر الأول هو أمر منطقي. ولذا فإن المواجهات الجديدة مع أحد العوامل الممرضة تؤدي إلى مباغتة الجسم على حين غرة - وتميل إلى أن تكون الأشد في تأثيراتها.
إن رد الفعل الدفاعي عميق الجذور. إذن فهو أمر عملي، فهو يزيد من فرص مقاومة العدوى الغازية نفسها في المرة القادمة، إذ سيتم تحديدها ومجابهتها بسرعة.
وقال فيكتورا: «إن امتلاك ذاكرة جيدة والقدرة على تعزيزها بسرعة كبيرة أمر جيد جداً في بعض الأحيان. إنها طريقة الجسم للتأكد من أنه لن ينخدع مرتين».
تأتي هذه الخصائص القديمة بمزايا واضحة حتى عندما تتحول الميكروبات إلى أشكال جديدة، كما تفعل فيروسات الإنفلونزا وفيروسات كورونا في كثير من الأحيان. وبما أن المسببات الممرِضة لا تعيد تكوين نفسها دفعة واحدة، لذا فإن الخلايا المناعية التي تستوطنها مقتطفات مألوفة من الفيروس يمكنها في كثير من الحالات القضاء على عدد كافٍ من الغزاة الجدد لمنع أسوأ آثار العدوى.
ولهذا السبب فحتى لقاحات الإنفلونزا التي لا تتوافق تماماً مع سلالات الموسم الأكثر بروزاً لا تزال جيدة جداً في تقليل الدخول إلى المستشفيات، أو الوفيات. وقالت جوثميلر: «هناك الكثير من التأخير في مدى تغير الفيروس قبل أن نفقد الحماية حقاً... إن مساحة المناورة يجب أن تكون أكبر مع SARS - CoV - 2. لأن متغيراته الفرعية تميل إلى أن تكون أكثر تشابهاً مع بعضها البعض، مقارنة بسلالات الإنفلونزا المختلفة، على سبيل المثال.
مع كل الإيجابيات التي يمكن أن تقدمها الذاكرة المناعية، يميل العديد من علماء المناعة إلى توجيه أعينهم إلى الآثار الأخلاقية السلبية والغريبة لعبارة «الخطيئة الأصلية للمستضد». يقول ديبتا بهاتاشاريا، عالم المناعة في جامعة أريزونا: «أنا حقاً، أكره هذا المصطلح». بدلاً من ذلك، فهو يفضل مع آخرين استخدام كلمات أكثر حيادية مثل «الانطباعة»، كما حال انطباعة البطة الحديثة الولادة التي تلتصق بأول شخصية من الأمهات. يقول رافي أحمد، اختصاصي المناعة في جامعة إيموري: «هذه ليست ظاهرة مناعية غريبة». إنه مثال كتابي لما يفعله نظام مناعي قابل للتكيف وعالي الأداء، ويمكن أن يكون له آثار إيجابية أو سلبية، اعتماداً على السياق.
أظهرت حالات تفشي الإنفلونزا الأخيرة القليل من كل من الآثار: خلال جائحة H1N1 عام 2009. كان أداء العديد من كبار السن، الذين عادة ما يكونون أكثر عرضة لفيروسات الإنفلونزا، أفضل مما كان متوقعاً ضد السلالة المتأخرة، لأنهم قد تعرضوا لحالة مشابهة ففيروس H1N1 - مشتق من الإنفلونزا الإسبانية في جائحة 1918 - في شبابهم. ولكن في بعض المواسم التي تلت ذلك، تسبب فيروس H1N1 في إصابة البالغين في منتصف العمر بشكل غير متناسب، لأن عدم إصابتهم بالإنفلونزا في بداية حياتهم أدى ذلك إلى إبعادهم عن الاستجابة الوقائية.
جزء من ردود الفعل تلك يعود إلى الحركية المطلقة: تميل الخلايا المناعية المخضرمة، المدربة على المتغيرات والسلالات السابقة، إلى أن تكون أسرع في الاستجابة من الخلايا المناعية الجديدة، كما يقول سكوت هينسلي، عالم المناعة في كلية بيرلمان للطب بجامعة بنسلفانيا. وكلما زاد عدد الخلايا المتمرسة، زادت احتمالية قيامها بمزاحمة الخلايا المناعية المبتدئة - مما يحرمها من تجربة ساحة المعركة. وإذا عادت السلالة الفيروسية الأحدث في النهاية لتكرار العدوى، فإن تلك الخلايا المناعية الأقل خبرة قد لا تكون مستعدة بشكل كافٍ - مما يجعل الناس أكثر ضعفاً، ربما، مما قد يكونون لولا ذلك.
* ذي أتلانتيك
ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

خاص سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)

«مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

تواصل مدينة الرياض تطوير منظومة مواقف السيارات ضمن توجهات رفع كفاءة البنية التحتية الحضرية، وتحسين تجربة التنقل، في خطوة تهدف إلى تنظيم المواقف، وتقليل الازدحام

دانه الدريس (الرياض)
خاص تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

خاص الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تصاعد الأخبار الزائفة والتزييف العميق خلال الأزمات يتطلب وعياً رقمياً والتحقق من المصادر والصور والفيديوهات قبل مشاركة المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

أبحاث جديدة في جامعة MIT تطور تقنيات تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراتها لتعزيز الشفافية والثقة في الأنظمة المؤتمتة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات وليس الأمن السيبراني فقط (أدوبي)

خاص هل أصبحت مرونة البرمجيات شرطاً أساسياً لحماية الاقتصاد الرقمي في السعودية؟

توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات ومخاطر الموردين مع بروز الحساب الضامن أداةً لحماية الخدمات الرقمية الحيوية.

نسيم رمضان (لندن)

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين
TT

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

«طريقة النوم العسكرية»... للإغفاء في غضون دقيقتين

الحصول على قسط كافٍ من النوم أمر بالغ الأهمية. فقد وجدت دراسة أجريت عام 2018 أن الأشخاص الذين ينامون من خمس إلى ست ساعات أقل إنتاجية بنسبة 19 في المائة من أولئك الذين ينامون بانتظام من سبع إلى ثماني ساعات في الليلة. أما الأشخاص الذين ينامون أقل من خمس ساعات، فتكون إنتاجيتهم أقل بنسبة 30 في المائة تقريباً... صحيح أنهم يبقون مستيقظين لفترة أطول، لكنهم في الواقع ينجزون أقل.

النوم مفيد لحل المشكلات الأصعب

يعود ذلك إلى أن أبحاثاً أخرى تُظهر أن الاكتفاء بست ساعات من النوم يجعل أي مهمة تتطلب تركيزاً أو تفكيراً عميقاً أو حلاً للمشكلات أكثر صعوبة.

*النوم 4 ساعات فقط يشبه شرب 5 أقداح مشروبات كحولية*

وفي الواقع، وفيما يتعلق بجوانب مثل الانتباه وسرعة رد الفعل، فإن النوم ست ساعات فقط يُشبه شرب بضعة أقداح من مشروبات كحولية، بينما يشبه النوم أربع ساعات فقط شرب خمسة أقداح مشروبات كحولية. كما تُظهر أبحاث أخرى أن الحرمان من النوم يجعل إنجاز أي نشاط يتطلب إجراء خطوات متعددة – إذ إن أي شيء تحاول القيام به تقريباً – يضحى أكثر صعوبة.

وإن لم يكن ذلك كافياً، فقد أظهرت دراسة أخرى أن قلة النوم تُسبب زيادة في نشاط مراكز المكافأة في الدماغ المسؤولة عن الطعام. كما أن اتباع نظام غذائي سيئ يُؤدي إلى قلة النوم، ما يُؤدي بدوره، للأسف، إلى اتباع نظام غذائي أسوأ.

«طريقة النوم العسكرية»

كيف تنام أسرع وبطريقة سهلة؟ في كتاب «استرخِ واربح: أداء البطولة» (Relax and Win: Championship Performance) الصادر عام 2012، يصف لويد باد وينتر روتيناً ابتكرته مدرسة الطيران التمهيدية التابعة للبحرية، لمساعدة الطيارين على النوم بشكل أسرع وأسهل.

وظهر أنه بعد ستة أسابيع من اتباع الطريقة، تمكّن 96 في المائة من الطيارين من النوم في غضون دقيقتين أو أقل: أثناء جلوسهم على كرسي، والاستماع إلى تسجيل لإطلاق نار رشاش، وبعد شرب القهوة.

خطوات الطريقة

إليك الطريقة:

* أرخِ عضلات وجهك بالكامل. أغمض عينيك. تنفّس ببطء وعمق. ثم أرخِ جميع عضلات وجهك ببطء. (ابدأ مثلاً بعضلات جبهتك وانزل تدريجياً). أرخِ فكّك، وخديك، وفمك، ولسانك، وكل شيء... حتى عينيك؛ دعهما يسترخيان.

* أرخِ كتفيك ويديك. تخلّص من أي توتر. أرخِ رقبتك، وعضلات ظهرك؛ اشعر وكأنك تغوص في الكرسي أو السرير. ثم ابدأ من أعلى ذراعك الأيمن، وأرخِ عضلات ذراعيك، وساعديك، ويديك ببطء. كرّر ذلك على الجانب الآخر. ولا تنسَ أن تستمر في التنفس ببطء وعمق.

* ازفر وأرخِ صدرك. مع استرخاء كتفيك وذراعيك، سيكون ذلك سهلاً.

* أرخِ ساقيك. ابدأ بفخذك اليمنى؛ دعها تغوص في الكرسي أو السرير. ثم افعل الشيء نفسه مع ساقك، وكاحلك، وقدمك. كرّر العملية مع ساقك اليسرى.

* الآن صفِّ ذهنك. صحيح أن من الصعب عدم التفكير في أي شيء. إذا كنت كذلك، فحاول أن تُبقي صورة في ذهنك. اختر شيئاً مُريحاً. تخيّل نفسك مُستلقياً بشكل مريح في الظلام. لكن إن لم ينجح ذلك، فجرّب تكرار عبارة «لا تُفكّر» لمدة عشر ثوانٍ. على الأقل، سيساعدك هذا على تشتيت انتباهك عن التفكير في أي شيء قد يُبقيك مستيقظاً.

الممارسة هي المفتاح

قد لا تُساعدك طريقة النوم العسكرية على النوم أسرع في المرات الأولى، ولكن كلما استخدمتها بانتظام، درّبت نفسك على الاسترخاء والتخلص من الأفكار.

* مجلة «فاست كومباني»


هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟

هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟
TT

هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟

هل يُمكن منع ظهور الشيب… أو عكسه؟

تبدأ كل شعرة بشكل شبه شفاف، ثم يُحدد لونها بواسطة الميلانين، وهو صبغة دقيقة. فإذا كانت شعرة كثيفة التركيب، يكون الشعر داكناً، أما إذا كانت تحتوي على بقع سوداء وبنية قليلة، فيبدو أشقر، كما كتب سيمار باجاج (*).

توقف خلايا إنتاج الصبغة

مع مرور الوقت، تميل الخلايا المنتجة للصبغة في كل بصيلة شعر إلى التباطؤ أو التوقف عن العمل؛ ما يؤدي إلى ظهور الشيب، كما يقول ديزموند توبين مدير معهد تشارلز للأمراض الجلدية في جامعة دبلن في آيرلندا. وتميل هذه الشعيرات إلى أن تكون أكثر صلابة وأصعب في التحكم، وتنمو أسرع بنسبة 10في المائة من الشعر الحاملة للصبغة. ويتقبلها البعض كجزء من الشيخوخة، بينما يراها آخرون مصدر إزعاج يجب صبغه أو نتفه أو إخفاؤه.

عوامل محفزة

لكن العلماء ليسوا متأكدين من العوامل المحفزة لظهور الشيب أو مدى قدرتنا على التحكم فيه. قد يبدأ الشيب بالظهور في العشرينات من العمر، أو قد يحتفظ الشخص بلونه الطبيعي حتى الثمانينات. ورغم أن هذه العملية تبدو غير قابلة للعكس إلى حد كبير، فإن الباحثين يكتشفون أن اللون قد يعود أحياناً، على شكل بقع أو جذور داكنة.

وحتى الآن، لا يوجد حل جذري لمنع الشيب أو عكسه، لكن الخبراء يحاولون فهم هذه المشكلة وإيجاد حلول لها.

ماذا يعرف العلماء حتى الآن؟

لا يتحول شعرنا إلى اللون الرمادي دفعة واحدة؛ ولهذا فإنك قد تلاحظ ظهور خصلات فضية متفرقة، ثم تمر بمرحلة شيب جزئي. بل قد يصبح لون بعض الشعر أفتح أو أغمق مرة أخرى.

إن كل بصيلة شعر هي وحدة مستقلة، تحتوي على خلاياها المنتجة للصبغة، التي تُسمى الخلايا الصبغية، بالإضافة إلى مخزون من الخلايا الجذعية البديلة. ومع تقدمنا ​​في العمر، تتراكم الأضرار في هذه الخلايا بشكل طبيعي، نتيجة لأسباب مثل الإجهاد والتلف الخلوي.

تضرر الخلايا الصبغية واستنفاد الجذعية

عادةً ما يبدأ شيب الشعر عندما تتضرر الخلايا الصبغية في بصيلة معينة، ولكنه يصبح دائماً عند استنفاد مخزون الخلايا الجذعية، كما أوضحت إيمي نيشيمورا، أستاذة الشيخوخة والتجدد في جامعة طوكيو. وتشير الأبحاث إلى أنه إذا حدثت العملية الأولى دون الثانية، يمكن عكس الشيب.

في دراسة صغيرة أُجريت عام 2021، جمع العلماء عينات شعر من أشخاص بدأ الشيب يظهر لديهم، ووجدوا خطوطاً داكنة وبيضاء مميزة. ولأن الشعر ينمو بمقدار سنتيمتر تقريباً كل شهر؛ فقد وفرت هذه الخطوط تسلسلاً زمنياً، لذا طلب الباحثون من المشاركين تدوين تجاربهم المجهدة خلال العام الماضي. وتوافقت فترات التوتر الشديد مع الخطوط الفاتحة، بينما توافقت فترات التوتر المنخفض مع الخطوط التي عاد فيها اللون. بعبارة أخرى، يبدو أن خفض مستويات التوتر يُعكس أو يُبطئ شيب الشعر.

تنشيط الخلايا الجذعية بعد علاج السرطان

كما لوحظ لدى بعض الأشخاص الذين يعانون من الشيب عودة لون الشعر تلقائياً في بعض المناطق بعد خضوعهم لأنواع معينة من العلاج الكيميائي أو الإشعاعي أو المناعي. يشتبه الخبراء في أنه في هذه الحالات النادرة، قد تحفز علاجات السرطان الخلايا الجذعية الخاملة على إعادة بناء الخلايا الصبغية الوظيفية.

عكس عملية فقدان الصبغة

يشير هذا البحث إلى أن شيب الشعر ليس عملية خطية تماماً، وأن هناك «فرصة سانحة» يمكن خلالها عكس فقدان الصبغة، كما يقول الدكتور رالف باوس، طبيب الأمراض الجلدية في جامعة ميامي. ولا يزال من غير الواضح مدة بقاء هذه الفرصة، وما هي الطرق الآمنة لإعادة تنشيط الخلايا الجذعية.

ماذا يمكنك فعله حيال شيب الشعر؟

تقول الدكتورة جيسيكا شيو، طبيبة الأمراض الجلدية في جامعة كاليفورنيا إرفاين هيلث، إن جزءاً كبيراً من شيب الشعر وراثي. لذا؛ فإن آباءك وأجدادك يقدمون أفضل المعلومات.

* الشيب لدى البيض والآسيويين والسود. وقد وجد الباحثون أيضاً أن الشيب يبدأ عادةً في منتصف الثلاثينات لدى البيض، وفي أواخر الثلاثينات لدى الآسيويين، وفي منتصف الأربعينات لدى السود.

* تغييرات مفيدة. لكن خيارات نمط الحياة قد تُحدث فرقاً أيضاً. وتشير أقوى الأدلة إلى الإقلاع عن التدخين وتقليل مستويات التوتر. وقالت شيو إن الحصول على قسط كافٍ من النوم واتباع نظام غذائي صحي غني بمضادات الأكسدة قد يحدّان من تلف خلايا الصبغة، على الرغم من أن الأدلة غير مباشرة.

كما رُبط الشيب المبكر بانخفاض مستويات الحديد وفيتامين بي12، لكن في الولايات المتحدة، نادراً ما تحدث حالات نقص حادة تؤثر على صبغة الشعر، حسب توبين.

* وعود المكملات الغذائية. ولا يوجد دليل على أن المكملات الغذائية تساعد في علاج الشيب. ونصحت شيو بالحذر عند استخدام مكملات مكافحة الشيب عموماً؛ لأنها تُباع غالباً بناءً على وعود لا أدلة. فحتى لو احتوت هذه المكملات على مكونات مفيدة، لا يوجد دليل على أن تناول الحبوب أو استخدام الكريمات يصل إلى خلايا الصبغة في أعماق بصيلات الشعر.

لا توجد علاجات طبية للشيب

* الأدوية والشيب. على الرغم من عدم وجود علاجات طبية للشيب، يُنصح باستشارة الطبيب بشأن الشيب المفاجئ أو المبكر، إذ ترتبط نسبة ضئيلة من الحالات بأدوية موصوفة أو أمراض معينة، وقد تكون قابلة للعلاج. على سبيل المثال، ارتبطت بعض أدوية الصرع، ومضادات الملاريا، والريتينويدات الفموية، وأدوية تشنج العضلات بشيب الشعر. كما أن الكثير من أدوية السرطان تُسبب فقدان الصبغة، على الرغم من ندرة حالات استعادة التصبغ.

* الاضطرابات الصحية والشيب. يستطيع الأطباء أيضاً التمييز بين الشيب المرتبط بالتقدم في السن والحالات المرضية التي تُسببه. فقد ارتبطت اضطرابات الغدة الدرقية وغيرها من الاضطرابات الهرمونية بالشيب المبكر، وكذلك أمراض المناعة الذاتية التي تستهدف بصيلات الشعر، مثل البهاق والثعلبة البقعية. يُمكن للعلاج الحد من فقدان الصبغة، وفي بعض الأحيان يُساعد على عودة اللون.

* خدمة «نيويورك تايمز»


أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر
TT

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

تمكن علماء أميركيون من إعداد أكثر خريطة تفصيلاً حتى الآن توضح كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر. ويقدم هذا «الأطلس الجيني - اللاوراثي» الجديد الذي طوره باحثون في معهد سالك بكاليفورنيا، فهماً أعمق للعمليات البيولوجية المرتبطة بالشيخوخة، وقد يساعد العلماء في فهم أمراض مثل مرض ألزهايمر وباركنسون والتصلب الجانبي الضموري.

ويعاني أكثر من 57 مليون شخص حول العالم من أمراض تنكسية عصبية. ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم كل 20 عاماً مع تقدم السكان في العمر.

وعلى الرغم من أن الشيخوخة تُعدّ العامل الأكبر خطورة للإصابة بهذه الأمراض، فإن العلماء ما زالوا يسعون لفهم الآليات الدقيقة التي تؤدي إلى تغير الدماغ مع مرور الزمن.

وتمثل الدراسة الجديدة التي نُشرت في مجلة «Cell» في 10 مارس (آذار) 2026، خطوة مهمة نحو الإجابة عن هذا السؤال؛ إذ ترسم خريطة للتغيرات الكيميائية الصغيرة التي تطرأ على الحمض النووي «دي إن إيه» (DNA)، وكيف تؤثر في نشاط الجينات داخل الدماغ مع التقدم في العمر.

خريطة مفصلة للدماغ المتقدم في العمر

أنشأ فريق البحث أطلساً واسع النطاق يوضح كيف يؤثر التقدم في العمر في خلايا الدماغ المختلفة ومناطقه المتعددة. وباستخدام تقنيات جينية متقدمة، درس العلماء أكثر من 200 ألف خلية دماغية منفردة، كما حللوا ما يقارب 900 ألف خلية أخرى باستخدام تقنية تُعرف باسم «التحليل الجيني المكاني» أو «علم النسخ المكاني» (spatial transcriptomics) التي تتيح تحديد موقع الخلايا داخل أنسجة الدماغ بدقة.

تغيرات في 36 نوعاً من خلايا الدماغ

ويضم الأطلس 8 مناطق رئيسية في الدماغ، ويغطي التغيرات التي تحدث في 36 نوعاً مختلفاً من الخلايا الدماغية.

وقال عالم الوراثة جوزيف إيكر من مختبر التحليل الجينومي بمعهد سالك للدراسات البيولوجية في كاليفونيا وأحد المشرفين الرئيسيين على الدراسة، إن هذه الخرائط تتيح لنا رؤية كيف يعيد التقدم في العمر تشكيل الدماغ على المستوى الجزيئي، كما توفر إطاراً علمياً يمكن أن يساعد الباحثين في فهم الآليات التي تقف وراء الأمراض التنكسية العصبية.

دور التغيرات اللاجينية

كما ركزت الدراسة بشكل خاص على عملية بيولوجية تُعرف باسم التغيرات اللاجينية (Epigenetics). وعلى عكس الطفرات التي تغير تسلسل الحمض النووي نفسه، فإن هذه التغيرات تتمثل في علامات كيميائية صغيرة ترتبط بالحمض النووي، وتتحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها.

وتتراكم هذه العلامات مع مرور الزمن، ويعتقد العلماء أنها تلعب دوراً مهماً في عملية الشيخوخة. ومن أبرز هذه التغيرات ما يُعرف بـ«مثيلة الحمض النووي» (DNA methylation)، وهي إضافة علامات كيميائية إلى الحمض النووي تساعد في التحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها، والتي قد تؤثر في وظيفة الخلايا وتسهم في ظهور الأمراض المرتبطة بالعمر.

ومن خلال تحليل أنماط «مثيلة الحمض النووي» في خلايا الدماغ الفردية، اكتشف الباحثون أن الشيخوخة تؤثر في أنواع الخلايا بطرق مختلفة. وقد كانت التغيرات أكثر وضوحاً في الخلايا غير العصبية، وهي الخلايا التي تدعم الخلايا العصبية، لكنها لا تنقل الإشارات العصبية بنفسها.

تنشيط «الجينات القافزة»

وكشف الباحثون أيضاً عن ظاهرة تتعلق بما يسمى «الجينات القافزة» المعروفة علمياً باسم «Transposable elements»، وهي مقاطع من الحمض النووي «دي إن إيه» قادرة على الانتقال من موقع إلى آخر داخل الجينوم، وغالباً ما تبقى خاملة بفضل آليات تنظيم كيميائية مثل «مثيلة الحمض النووي».

وفي الظروف الطبيعية تبقى هذه العناصر غير نشطة بفضل آليات تنظيمية داخل الخلية. لكن الدراسة أظهرت أن هذه الضوابط تضعف مع التقدم في العمر، ما يسمح للجينات القافزة بأن تصبح أكثر نشاطاً. ويعتقد العلماء أن زيادة نشاطها قد تسهم في اضطراب عمل الخلايا، وتراجع وظائف الدماغ مع الشيخوخة.

كما تمكن الباحثون من تحديد مؤشرات حيوية جديدة مرتبطة بشيخوخة الدماغ تتعلق بالطريقة التي يُنظم بها الحمض النووي في بنية ثلاثية الأبعاد داخل الخلية.

مناطق الدماغ لا تشيخ بالطريقة نفسها

ومن النتائج اللافتة أيضاً أن الشيخوخة لا تؤثر في جميع مناطق الدماغ بالتساوي. فحتى النوع نفسه من الخلايا يمكن أن يشيخ بطريقة مختلفة تبعاً لموقعه داخل الدماغ.

وعلى سبيل المثال، أظهرت الخلايا غير العصبية الموجودة في المناطق الخلفية من الدماغ، مستويات أعلى من الالتهاب مقارنة بالخلايا المشابهة في المناطق الأمامية. ويعكس ذلك التعقيد الكبير في عملية شيخوخة الدماغ، وقد يساعد في تفسير سبب تأثر بعض المناطق الدماغية بالأمراض أكثر من غيرها.

مورد علمي مفتوح للعالم

ولتعزيز التعاون العلمي جعل الباحثون كامل قاعدة البيانات متاحة للعلماء حول العالم عبر منصات مثل «خدمات أمازون السحابية» (Amazon Web Services)، و«مجموعة التعبير الجيني» (Gene Expression Omnibus).

وقد بدأ الفريق بالفعل في استخدام هذه البيانات لتطوير نماذج تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنها التنبؤ بكيفية تغير نشاط الجينات مع تقدم الدماغ في العمر. وفي المستقبل قد تساعد هذه النماذج العلماء في محاكاة عملية شيخوخة الدماغ واكتشاف أهداف علاجية جديدة.

ويأمل الباحثون في أن يسهم هذا الأطلس في تسريع الأبحاث المتعلقة بالشيخوخة وأمراض الدماغ، وأن يفتح الطريق أمام تطوير استراتيجيات جديدة لإبطاء تدهور الدماغ المرتبط بالعمر وتحسين جودة حياة ملايين الأشخاص حول العالم.