أكد الدكتور عبد الحي عزب، رئيس جامعة الأزهر، أن «جماعات العنف تريد عرقلة مسيرة بناء مؤسسات مصر، وتزيد من عمليات العنف، مع اقتراب موعد افتتاح مشروع قناة السويس الجديد مطلع أغسطس (آب) المقبل، واستكمال الانتخابات البرلمانية»، لافتًا إلى أن «الإرهاب لا دين ولا وطن له، وهدفه إسقاط الدول والمؤسسات من خلال تفجيرات هنا، وقتل وتدمير هناك».
وأضاف الدكتور عزب في حوار مع «الشرق الأوسط» بمقر جامعة الأزهر بضاحية مدينة نصر (شرق القاهرة)، أن أعضاء تنظيم داعش المتطرف «بغاة وتجب مواجهتهم وقتالهم»، لافتًا إلى أن «الأزهر يتبنى خطابًا دينيًا وسطيًا لا يعرف تشددًا أو غلوًا». وأكد أنه لن يسمح بعودة أحداث العنف من جديد داخل جامعة الأزهر، وأنه «لا مكان للسياسة في الجامعة.. وسوف يتم فصل أي طالب ينتمي لفصيل سياسي.. وقد فصلنا أساتذة ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين».. وفيما يلي أهم ما جاء في الحوار:
* كيف ترى دور الأزهر الآن في ظل التحديات التي تواجهها مصر والأمة العربية؟
- الأزهر مؤسسة دينية نشأت للحفاظ على الوسطية والاعتدال وحماية الناس من التطرف، وتنبيههم وقت الأزمات من التحديات الطارئة حولهم، بالإضافة إلى أنها مؤسسة علمية رائدة، مما جعلها مؤسسة دينية انتقلت إلى العالمية بعد تصحيحها لبعض المفاهيم الخاطئة القادمة من منابع لا تعبر عن الدين الحقيقي. فالأزهر «صخرة» تتحطم عليها دعاوى التشدد والتطرف، وصوته لن يسكته أحد، لأنه يعمل على حفظ كتاب الله وتفسيره من الضياع، وحفظ الأحاديث النبوية الشريفة والعقيدة الصحيحة في هذه الأيام التي يحارب فيها المسلم في دينه وعقيدته. ونحن في أمس الحاجة الآن لأن نتمسك بديننا ووطننا وأن نصمد. لكن هذا الصمود يجب أن يكون بالعلم والعمل والنقاء ليظل الأزهر صوت الحق والفضيلة، المحفوظ برعاية إمامه الأكبر لنسير خلفه في ظل هذه التحديات القاسية، لأننا إذا فقدنا الرمز ضللنا الطريق، وسنصبح نأخذ تعاليم ديننا من الجماعات المتطرفة، الذين يريدون أن يصمت الأزهر لنقتل بعضنا بعضًا.. وللأسف الشديد فأقطاب هذه الجماعات أصحاب أياد آثمة، يعملون مع فكر آثم.
* ولماذا تتزايد العمليات الإرهابية هذه الأيام ونحن مقبلون على انتخابات البرلمان؟
- العمليات الإرهابية التي تستهدف عناصر الجيش أو الشرطة أو الأبرياء، هي تصرفات خسيسة تبرهن على أننا نسير في مسار صحيح لخريطة المستقبل، بدليل أننا لو نظرنا إلى من حولنا لوجدنا دولاً تعرضت للتشرذم، بسبب عدم وجود جيش قوي مثل الجيش المصري. فمصر خطت خطوات ثابتة نحو الاستقرار والنمو من خلال استحقاقين سابقين، ونحن بصدد استكمال الاستحقاق الأخير، المتمثل في الانتخابات البرلمانية خلال الأيام القادمة، وبعدها تكتمل مؤسسات الدولة ويكتمل البنيان، ولذلك تريد الجماعات الإرهابية الحيلولة دون الوصول لهذا الهدف، فضلاً عن افتتاح مشروع قناة السويس الجديد في أغسطس المقبل أيضًا، وهو الحدث الذي يعملون على ألا نصل إليه بشتى الطرق، لكن ما وصلنا إليه حتى الآن يعتبر مبشرًا نحو الاستقرار والنمو الاقتصادي.
* برأيك.. من المسؤول عن أحداث العنف؟ وكيف يكون التعامل مع تلك العناصر المتشددة؟
- المسؤول عن أحداث العنف جماعات مأجورة، ليس لديها أي انتماء للوطن، والتعامل معها يكون من خلال القوات المسلحة، وتضافر جميع جهود أبناء الوطن للتصدي لهذه الفئات المأجورة، ولا بد للجميع من الاصطفاف خلف قواتنا المسلحة، وخلف الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يقود سفينة الوطن إلى بر الأمان.
* وكيف تقيّم الأحداث الإرهابية التي تقوم بها جماعات تطلق على نفسها أسماء متعددة في الداخل والخارج؟
- العالم مليء بجماعات «الدواعش» التي أطلقت على نفسها مسميات وانتشرت في كثير من الدول، فالإرهاب لا دين له ولا وطن، والهدف منه هو إسقاط الدول والمؤسسات من خلال تفجيرات هنا، وقتل وحرق وتدمير هناك. لكن الإسلام بريء من هذه الأعمال الإجرامية التي ترفضها الأديان جميعًا، والشعب المصري قادر على مواجهة الأفكار المنحرفة والمتطرفة، والصمود أمام موجات التحديات التي تقف أمامه، والأزهر بما يحمله من فكر وسطي، قادر على مقاومة كل هذه الأفكار الهدامة التي تحمل كل شر وسوء.
* بنظرك.. هل عمليات الإرهاب التي يقوم بها تنظيم داعش والجماعات المتطرفة الأخرى تجعلهم هم الأعداء الحقيقيين للإسلام وليس غيرهم؟
- لا شك أن ما يقوم به تنظيم داعش وبعض الجماعات التي تنتمي إليه، والتي تنسب نفسها للإسلام زورًا وبهتانًا، أمر مؤسف لأن ما يحملونه من فكر متطرف يعتبر أخطر بكثير من الأعداء التقليديين لأمتنا العربية، على اعتبار أن هذه التنظيمات تدين بديننا وتتحدث لغتنا، وتتخذ الفكر سلاحًا لها، وهو أخطر بكثير من السلاح العسكري. ولذا فعلى جميع دول المنطقة أن تقف لتنظيم داعش الإرهابي، الذي ابتليت به الأمة، وتحاربه بكل ما أوتيت من قوة.
* وكيف نواجه «داعش» والجماعات المتطرفة؟
- عناصر «داعش» بغاة أشاعوا الفساد في الأرض، وكفروا الأمة، ويحق فيهم حد الحرابة؛ لذا وجبت مواجهتهم وقتالهم بكل قوة، لأن الذي يحمل السلاح ويستحل دماء المسلمين لا يجدي معه إلا السلاح.
* قام تحالف عربي بقيادة السعودية بمحاربة الحوثيين في اليمن.. كيف تنظر إلى «عاصفة الحزم»؟
- ما قام به تحالف الدول العربية، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، تجاه اليمن، واجب ديني، فـ«عاصفة الحزم» كانت حربًا على البغي والعدوان واغتصاب السلطة.. والتحالف العربي هب لرد اعتداء الحوثيين على إخوانهم اليمنيين، بغية دعم شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، واستعادة الاستقرار.
* وهل ترى أن إيران تلعب دورًا خطيرًا لضرب وحدة الدول العربية؟
- إيران تسعى إلى تحويل الكثير من الدول العربية إلى دول شيعية، ولا أدل على ذلك إلا ما يحدث في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وهو مخطط يهدد أمن المنطقة، بل يساعد مخططات خارجية أخرى تسعى لزعزعة الاستقرار في أوطاننا العربية والإسلامية.
* ما تقييمك لتصدى الأزهر لفتاوى التشدد والتطرف؟ واقتصار الفتوى على أهلها؟
- قصر الفتوى على أهلها يهدف إلى العودة لأهل التخصص حتى لا يتم تضليلنا عبر الجهلاء الذين يطلقون على أنفسهم دعاة في بعض الفضائيات، وهم في الحقيقة لا يفقهون ما يقولون، ويطلقون كلامًا معسولاً يجعل الناس تلتف حولهم، فحملوا المجتمع إلى التشدد، وغاب جوهر كلامهم لانعدام ثقافاتهم، والابتعاد عن الدين الصحيح، لذا يقوم الأزهر بإعادة الأمور إلى نصابها.
* ولماذا ما زال يتصدر «دعاة الفضائيات» الدعوة حتى الآن؟
- بسبب تعطش الناس إلى خطاب ديني لم يجدوه عند بعض الأئمة والمشايخ، وقد تم التأثير على البسطاء بحديث دعاة الفضائيات بعدما انتشروا بسبب الإبعاد المتعمد للأزهر، والتقليل من دور أبنائه؛ لكن إطلاق قناة الأزهر الجديدة ستبين للناس صحيح الدين، وتقدم لهم كل ما يحتاجونه في حياتهم.
* هل ترى أن تجديد الخطاب الديني سيحل مشكلات المسلمين وينهي العنف في المنطقة؟
- الأزهر متبني الخطاب الديني وموكل إليه رسالة تعريف الناس بالدين الوسطي المعتدل، الذي لا يعرف تشددًا ولا غلوًا، وتجديد الخطاب يحتاج إلى تضافر جهود مؤسسات الدول العربية والإسلامية كافة، وتعاون حتى الدول ذات الغالبية غير المسلمة، لأن جل أعمال الشر تنبع من هناك، بدليل أن معظم أفراد «داعش» ليسوا من الدول العربية أو الإسلامية.. والأزهر حين يعلن عن شيء فهو يعنيه، فهو يعمل كثيرًا ويتحدث قليلاً، وحين يعلن عن شيء تكون خطواته قد بدأت على الأرض.
* هل ستسمح بعودة أعمال العنف من جديد داخل أروقة جامعة الأزهر؟
- لن أقبل أن تعود أي أحداث عنف داخل جامعة الأزهر، فلا مكان للسياسة في الجامعة، ويتم طرد كل من يتأكد انتماؤه إلى فصيل سياسي أو جماعة إرهابية. وقد فصلنا كل عضو بهيئة التدريس ثبت انتماؤه لجماعة الإخوان. وهناك استعدادات كبيرة لبداية العام الدراسي الجديد. فعلى المستوى الأمني، تم تجديد التعاقد مع شركة الحراسات الخاصة، التي كان لها دور إيجابي بارز خلال العام الماضي في ضبط مداخل الجامعة بالتعاون مع إدارة الأمن المدني، كما تجرى عمليات إحلال وتجديد بعض المباني والكليات التي تعرضت لعمليات تخريب.
* وماذا عن رسالة جامعة الأزهر.. وهل تقوم بدورها في حماية المجتمع من الأفكار المتشددة؟
- الجامعة تقوم بأداء رسالتها سواء المحلية أو العالمية على الوجه الأكمل، وقد تمثل ذلك الدور في قوافل دعوية، قام بها علماء جامعة الأزهر الذين جابوا جميع محافظات مصر للتوعية بالمخططات التي كانت تحاك ضد مصر، وتهدف للنيل من وحدتنا. فضلاً عن عالمية رسالة الأزهر التي تجسدت في قبول أعداد غفيرة درست وتربت في جامعة الأزهر، مهد الوسطية والاعتدال، جاءت من شتى بقاع الدنيا. ليس هذا فحسب، بل إن هذا الدور تمثل أيضًا من خلال رؤية شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وإنشائه للرابطة العالمية لخريجي الأزهر وفروعها المنتشرة في شتى عواصم العالم، التي تتضافر من خلالها جهود فرسان الوسطية لنشر مفاهيم الدين الصحيحة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الدين الإسلامي والتصدي لها، وقد تم مؤخرًا انتخاب شيخ الأزهر رئيسًا لمجلس حكماء المسلمين، ومن خلال موقعه قام بإرسال قوافل دعوية إلى العالم الخارجي، شملت 8 عواصم عالمية ودولاً من أفريقيا، للتأكيد على سماحة الإسلام وتعايشه مع الآخر في سلام.








