الإدارة الأميركية محرجة... قضية وثائق بايدن تعرقل التحقيق بفضيحة وثائق ترمب

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)
TT

الإدارة الأميركية محرجة... قضية وثائق بايدن تعرقل التحقيق بفضيحة وثائق ترمب

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)

طُرحت على البيت الأبيض، أمس (الأربعاء)، أسئلة ملحّة حول قضية محرجة مرتبطة بالعثور على وثائق سريّة تعود إلى الفترة التي كان يتولّى فيها الرئيس جو بايدن منصب نائب الرئيس في عهد باراك أوباما (2009 - 2017)، في وقت تحقّق السلطات في فضيحة أكبر متعلّقة من دونالد ترمب.
وأكّدت إدارة الرئيس الديمقراطي حتى الآن، العثور على «عدد صغير من الوثائق المصنّفة سرية» في «خزانة مُقفلة» في مركز بن بايدن، للأبحاث والمرتبط بجامعة بنسلفانيا، حيث كان لدى بايدن مكتب سابقاً.
إلّا أنّ معاونيه عثروا «على الأقلّ على مجموعة إضافية» من الوثائق، وفق ما أفادت قناة «إن بي سي نيوز» أمس، وحذت حذوها وسائل إعلام أخرى.
مع التطوّرات الجديدة، يُتوقع أن تستمرّ القضية في إثارة الضجة، وقد يتبيّن أنها تعرقل تحقيقاً حول عدد كبير من الوثائق كان دونالد ترمب يحتفظ بها في مقرّ إقامته في ولاية فلوريدا، بعد مغادرته البيت الأبيض عام 2021.
وهذه القضية أكثر خطورة؛ إذ وضع مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) يده خلال عملية دهم مذهلة على آلاف الوثائق، بعضها مصنّف تحت بند أسرار الدفاع، وكان قد رفض الرئيس السابق الجمهوري إعادتها. إلّا أن العثور على المستندات في مكتب بايدن يبقى محرجاً بالنسبة للرئيس الذي يتباهى بأخلاقياته.
وبحسب محللين، فإن هذه القضية قد تُدخل اعتبارات سياسية حسّاسة على التحقيق المرتبط بترمب، الذي دعا فوراً إلى أن يخضع الرئيس الديمقراطي للتحقيق نفسه. وسأل «متى سَيُدْهم (إف بي آي) مقرات جو بايدن الكثيرة، وحتى البيت الأبيض؟».
يؤكد البيت الأبيض، أن أخطاءً ارتُكبت، لكن الإدارة صحّحتها فوراً على الأقلّ.
ومنذ العثور على الوثائق الأولى أواخر نوفمبر (تشرين الثاني)، سلّمها محامون إلى هيئة المحفوظات الوطنية المسؤولة عن حفظ هذا النوع من الملفات.
وقالت إدارة بايدن، إن محامين ذهبوا أيضاً للبحث عن وثائق يُحتمل أن تكون ضائعة في أماكن أخرى؛ ما يفسّر الكشف عن مستندات أخرى الأربعاء قد لا تكون بالتالي الأخيرة.
لدحض الاتهامات بالتدخل السياسي، كلّف وزير العدل ميريك غارلاند القضية إلى مدعٍ في شيكاغو عُيّن في عهد ترمب.
وتطرّقت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان - بيار إلى موضوع التحقيق، لتبرير رفضها الردّ على أسئلة الصحافيين في هذا الصدد الأربعاء. لكنّ ذلك لم يكن كافياً لردعهم عن طرح المزيد.
وقالت جان - بيار «سنكون محدودين بشأن ما يمكن قوله هنا».
وبعدما طُرحت عليها أسئلة حول المسألة مرات عديدة، استحضرت التصريح الحذر الذي أدلى به بايدن الثلاثاء وأكد فيه أنه يجهل محتوى الوثائق.
وعلى هامش قمّة أميركية - كندية - مكسيكية عُقدت في مكسيكو، قال بايدن للصحافيين «لقد أُبلغت بما تمّ العثور عليه وفوجئت عندما علمت أنّ وثائق متعلّقة بالحكومة نُقلت إلى ذاك المكتب. لكنّي لا أعرف ما تحتويه تلك الوثائق... الناس يعرفون أنني آخذ المستندات والمعلومات المصنّفة (سريّة) على محمل الجدّ».



الإنفاق على مراكز البيانات قد يصل إلى 31.6 تريليون دولار حتى 2050

TT

الإنفاق على مراكز البيانات قد يصل إلى 31.6 تريليون دولار حتى 2050

31.6 تريليون دولار قد ينفقها العالم على مراكز البيانات حتى عام 2050، في واحدة من أكبر موجات الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مع تحول مراكز البيانات من بنية تحتية مساندة للاقتصاد الرقمي إلى أصل استراتيجي تتنافس الدول والشركات على تطويره.

ولا تتوقف هذه الموجة عند تشييد المنشآت؛ إذ يتطلب تسارع الحوسبة تحديثاً متكرراً للخوادم والرقائق ومعدات التقنية، إلى جانب توفير كميات متزايدة من الكهرباء وقدرات التبريد.

وحسب تقرير صادر عن شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، استناداً إلى نمذجة أجرتها «أكسفورد إيكونوميكس» وشملت 46 دولة وإقليماً، سيرتفع الإنفاق السنوي على مراكز البيانات من نحو 800 مليار دولار في 2026 إلى 1.1 تريليون دولار في 2030، ثم إلى 1.8 تريليون دولار في 2050.

ويختلف هذا الاستثمار عن دورات البنية التحتية السابقة، مثل السكك الحديدية والكهرباء والإنترنت؛ إذ لا يتراجع الإنفاق بعد اكتمال بناء المراكز، نظراً إلى الحاجة المستمرة لتحديث الخوادم ووحدات معالجة الرسوميات ومعدات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كل 4 إلى 6 سنوات.

ويستحوذ تجهيز مراكز البيانات بالمعدات التقنية على الجزء الأكبر من الإنفاق؛ إذ تمثل معدات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات نحو 70 في المائة من إجمالي الإنفاق الرأسمالي في 2026، لترتفع حصتها إلى 93 في المائة بحلول 2050. ويعكس ذلك الدور المتزايد للرقائق ووحدات معالجة الرسوميات في تشغيل أحمال الذكاء الاصطناعي.

الشرق الأوسط

ويقدر التقرير الإنفاق التراكمي على مراكز البيانات في الشرق الأوسط بنحو 1.1 تريليون دولار حتى 2050، مع تسجيل المنطقة أسرع معدل نمو سنوي مركب بين المناطق المشمولة بالدراسة.

ويربط التقرير هذا النمو بانخفاض قاعدة مراكز البيانات القائمة في المنطقة، إلى جانب قدرتها على تسريع تنفيذ المشاريع، من خلال تنسيق الطاقة والتمويل والتخطيط وسلاسل التطوير.

ويعتمد توسع المنطقة بدرجة كبيرة على مراكز البيانات المخصصة لأحمال الذكاء الاصطناعي، مع توجهها إلى استقطاب الأحمال الدولية إلى جانب تلبية الطلب المحلي. ويمنح ذلك المنطقة فرصة للنمو، ولكنه يزيد تعرضها لأي اضطرابات في إمدادات الرقائق المتقدمة.

وفي سيناريو تقييد الوصول إلى الرقائق المتقدمة، ينخفض الإنفاق التراكمي على مراكز البيانات في الشرق الأوسط بنحو 29 في المائة، مع تركز التأثير في السعودية وقطر والإمارات، نتيجة اعتماد هذه الأسواق بدرجة أكبر على استقطاب أحمال الذكاء الاصطناعي الدولية، وفق التقرير.

أما في حال أصبحت سيادة البيانات مبدأً منظماً للسوق، فينخفض الإنفاق التراكمي في الشرق الأوسط من نحو 1.1 تريليون دولار إلى تريليون دولار، مع تراجع بعض الأحمال الدولية، مقابل استفادة أسواق خليجية أصغر من زيادة استضافة الطلب المحلي.

وتبرز هذه التحولات في وقت تتجه فيه السعودية إلى توسيع قدرتها على استيعاب الحوسبة المتقدمة، مع نمو مراكز البيانات، واستقطاب شركات متخصصة في رقائق الذكاء الاصطناعي، بما يعزز الترابط بين تصنيع الرقائق وتوفير البنية التحتية اللازمة لتشغيلها. وكانت السعودية قد استقطبت شركات ذكاء اصطناعي أميركية وأخرى آسيوية لتهيئة بنيتها التحتية.

الطاقة والتبريد

ولا تقتصر متطلبات التوسع في مراكز البيانات على الرقائق والخوادم؛ إذ تمثل الكهرباء والتبريد جزءاً أساسياً من المعادلة الاقتصادية لتشغيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ويحدد التقرير توفُّر الكهرباء بأسعار تنافسية وبموثوقية عالية، بوصفه العامل الأبرز في تحديد وجهة الاستثمارات الجديدة، إلى جانب قدرة شبكات النقل ومحطات التحويل على استيعاب الطلب وسرعة توفير الطاقة.

صفوف من خوادم البيانات ووحدات معالجة الرسوميات «GPU» ووحدات المعالجة المركزية «CPU» داخل مركز بيانات الذكاء الاصطناعي التابع لشركة «نيبيوس» في المملكة المتحدة وهو منشأة جديدة تستضيف «إنفيديا» وشركات حوسبة أخرى في مركز «آرك داتا سنترز» (رويترز)

ومع ارتفاع كثافة الحوسبة، تزداد كذلك احتياجات مراكز البيانات إلى أنظمة تبريد أكثر كفاءة، ما يربط توسع الذكاء الاصطناعي مباشرة بسوق حلول التكييف والتبريد؛ خصوصاً في الأسواق ذات درجات الحرارة المرتفعة مثل السعودية.

وتكتسب كفاءة التبريد أهمية إضافية في مراكز البيانات؛ إذ يمكن لارتفاع كثافة معدات الحوسبة أن يفرض ترقيات في أنظمة الطاقة والتبريد، إلى جانب تحديث الخوادم ووحدات معالجة الرسوميات.

وتعني هذه العلاقة أن موجة الاستثمار في مراكز البيانات تمتد إلى أكثر من قطاع؛ فزيادة الطلب على الحوسبة تدفع شركات الرقائق إلى تطوير وحدات معالجة أكثر كفاءة، بينما تحتاج هذه الوحدات إلى مراكز بيانات قادرة على استيعاب أحمالها، وتتطلب تلك المراكز بدورها كميات أكبر من الكهرباء وأنظمة تبريد متقدمة.

خريطة جديدة للاستثمار

وتستحوذ الأميركتان على نحو 16.5 تريليون دولار من الإنفاق التراكمي المتوقع حتى 2050، منها 15.1 تريليون دولار للولايات المتحدة، بينما تبلغ حصة آسيا والمحيط الهادئ 8.2 تريليون دولار، وأوروبا 5.6 تريليون دولار، مقابل 255 مليار دولار لأفريقيا.

ويرى التقرير أن خريطة الاستثمار لن تتحدد بحجم الاقتصاد وحده، وإنما بقدرة الدول على توفير الكهرباء والرقائق والاتصال والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب البيئة التنظيمية اللازمة لاستضافة قدرات الحوسبة المتقدمة.

ويخلص إلى أن دورة الاستثمار في مراكز البيانات تختلف عن موجات البنية التحتية السابقة؛ إذ إن إنشاء المنشأة لا يمثل نهاية الإنفاق؛ بل بداية دورة متكررة من تحديث معدات الحوسبة، ما يجعل الطلب على الرقائق والطاقة والتبريد جزءاً مستمراً من اقتصاد الذكاء الاصطناعي حتى 2050.


خطة إسرائيلية «رمادية» للانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية

صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية تُظهر أضراراً في مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية جنوب لبنان (رويترز)
صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية تُظهر أضراراً في مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية جنوب لبنان (رويترز)
TT

خطة إسرائيلية «رمادية» للانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية

صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية تُظهر أضراراً في مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية جنوب لبنان (رويترز)
صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية تُظهر أضراراً في مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية جنوب لبنان (رويترز)

كُشف في إسرائيل عن خطة للانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، والاكتفاء بالبقاء على مسافة تتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات، ضمن خط يُسمى «الخط الرمادي»، بدلاً من «الخط الأصفر» المحتل حالياً.

فبعدما أعلن الجيش الإسرائيلي استكمال احتلاله تلة علي الطاهر في جنوب لبنان، وبدء تدمير «مدينة الأنفاق» التي بناها «حزب الله» في باطن الأرض، راح يتحدث عن «أيام حساسة» مقبلة في شمال البلاد، قد تدفع المنطقة إلى أحد مسارين متعاكسين: إما أن يرد «حزب الله»، وربما إيران أيضاً، فتشتعل المنطقة بنار الحرب من جديد، وإما أن يبتلعا الضربة، فيقدم الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من هذه المرتفعات، ومن «الخط الأصفر»، ليقيم «خطاً حدودياً رمادياً» يمتد إلى حزام الأمن.

وسيكون الاحتلال في هذه الحالة مقصوراً على مسافة 2-4 كيلومترات من الحدود الدولية، في العمق اللبناني.

تفجير إسرائيلي في بلدة أرنون بالقرب من تلة علي الطاهر بجنوب لبنان الاثنين (د.ب.أ)

وقالت مصادر عسكرية في تل أبيب، وفقاً للقناة «كان 11»، إنه عقب إعلانه «السيطرة العملياتية وتطهير أنفاق وبنى تحتية تحت الأرض في تلة علي الطاهر في جنوب لبنان، في وقت لا تزال قواته تعمل على تحييد وتدمير الأنفاق بالمنطقة، يستعد الجيش الإسرائيلي لتقليص وإعادة انتشار قواته والانسحاب إلى الوراء، ضمن منطقة «حزام أمني» جديد قريب من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية.

«الخط الرمادي»

ونقلت القناة عن هذه المصادر قولها إن المؤسسة الأمنية عقدت جلسات في الأيام الأخيرة بشأن إقامة «منطقة أمنية جديدة» قريبة من الحدود، والتي من خلالها سيقوم الجيش بحماية البلدات الحدودية. وبموجب الخطة المطروحة، فإنه بدلاً من «الخط الأصفر» في لبنان، الذي يشمل «المنطقة الأمنية» وفي مناطق معينة تمتد إلى شمال نهر الليطاني أيضاً، مثل قلعة الشقيف وتلال علي الطاهر، ستنسحب قوات الجيش الإسرائيلي إلى الخلف، وتتمركز على مسافة أقرب إلى الحدود.

وقد أطلق على المنطقة «الخط الرمادي»؛ حيث ستُقام مواقع عسكرية يتمركز فيها جنود الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، يكون استخدامها ممكناً للانطلاق إلى عمق الأراضي اللبنانية في حال اكتشاف نشاط لـ«حزب الله».

مرتفعات «علي الطاهر» الواقعة شرق مدينة النبطية كما تبدو من بلدة ميفدون جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

وسيطلب الجيش من الحكومة أن تستثمر الوضع الجديد، بالتوصل إلى اتفاق سياسي مع الحكومة اللبنانية يتيح الوصول إلى تفاهمات حول نزع سلاح الحزب، علماً بأن الأمين العام، نعيم قاسم، كان قد صرح بأنه سيسلم أسلحته فقط للدولة اللبنانية، ضمن خطوات عملية تظهر انسحاباً للجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، «ومن دون انسحاب لا مجال لتفكيك السلاح».

ويضع الجيش مطالب عينية محددة في هذا السياق، مثل أن يتسلّم الجيش الرسمي هذه المناطق، ويتعهد بألا يتيح لـ«حزب الله» أن يعود إلى مواقعه في الجنوب، والاتفاق على آلية تتيح لإسرائيل مراقبة هذه العملية والتدخل لمنع هذه العودة بالقوة إذا لم يقم الجيش اللبناني بضبطها.

بانتظار المصادقة

وحسب «كان 11»، فإن الخطة لا تزال غير مكتملة، ولم تتم المصادقة عليها بعد من قبل المستوى السياسي.

وهناك العديد من الأسئلة حولها، أبرزها ما يتعلق بتسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني والمفاوضات بين البلدين، لكن الخلاصة هي أن الجيش الإسرائيلي يستعد لتقليص قواته بصورة كبيرة.

ويأتي ذلك، بعدما عملت قوات «الفرقة 36» خلال الأسابيع الأخيرة في تلة علي الطاهر من خلال الكمائن ومهاجمة فتحات الأنفاق واستخدام القنابل اليدوية والطائرات المسيّرة، بالإضافة إلى النيران الجوية والبرية؛ وفق ما أعلن الجيش الإسرائيلي.

وقال إن القوات عثرت داخل مجمع بالتلة على غرف قيادة وسيطرة ومستودعات أسلحة وغرف مولدات كهربائية ومطابخ وحمامات وغرف مبيت، أتاحت لعناصر «حزب الله» إدارة عمليات قتالية لفترة طويلة تحت الأرض.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن الحديث يدور عن بنية تحتية استراتيجية أنشئت على مدى نحو عقدين بتخطيط وتمويل إيراني.


«مهرجان رمّان»... دعوة إلى تخيّل مدننا من زاوية جديدة

طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)
طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)
TT

«مهرجان رمّان»... دعوة إلى تخيّل مدننا من زاوية جديدة

طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)
طرابلس كما بدت في فيلم «فأر أسود» (الشرق الأوسط)

يومان من الموسيقى الشبابية أنعشا القلوب في طرابلس (شمال لبنان). فِرَق من لبنان وسوريا وفلسطين والأردن ومصر أحيت أمسيتين حافلتين ضمن النسخة الخامسة من «مهرجان رمَّان» السنوي. ورش عمل وعروض ولقاءات وموسيقى وغناء؛ فالترفيه ليس هدفاً وحيداً، إذ سعى المهرجان، منذ انطلاقته، إلى دعم الفنانين الصاعدين في المقام الأول، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعريف بإبداعاتهم، إلى جانب استضافة فرق معروفة في مدينة تضيق فيها المساحات المتاحة للموسيقى المستقلة.

من فيلم «فأر أسود» حيث يظهر جانب من معرض رشيد كرامي (الشرق الأوسط)

افتُتحت دورة السنة الحالية، في 4 سبتمبر (أيلول)، بعرض سينمائي موسيقي بعنوان «فأر أسود»، تختلط فيه الصورة بصوت السوبرانو منى حلَّاب، التي رافقت شريطاً شبه وثائقي من كتابة أحمد النابلسي وإخراجه. ويواكب الشريط راكب دراجة يجوب شوارع طرابلس، فيما تلتقطه الكاميرا من علوّ، في مشاهد تتيح رؤية المدينة من زوايا قد لا تخطر في البال. أما الموسيقى الجنائزية المصاحبة للشريط، فتتسم بطابع درامي يوحي بشرّ مستطير. ويصعب فصل هذه الأصوات الصاخبة عن العنف المحيط بنا، من حروب ودمار؛ فكلٌّ يعبِّر بطريقته عن بؤس بات يتجاوز قدرة العقول على الاحتمال.

عُرض الفيلم على أحد أوجه صندوق كبير غُطِّيت جوانبه بقماش أبيض، وهو مكعّب كبير يذكّر بفكرة صندوق الفرجة، أطلقت السوبرانو منى حلَّاب، من داخله، العنان لصوتها، مرافقة جزءاً من العرض بالغناء والكلام.

لا يكتفي الفيلم بالتجوال في المدينة، آخذاً المُشاهد إلى بحرها وجسورها وشوارعها الضيقة وقطارها المهمل، بل يدخل به إلى واحد من أبرز معالمها المتروكة، مسلّطاً الضوء على معرض رشيد كرامي الدولي، الذي صممه المهندس البرازيلي الشهير أوسكار نيماير، ليكون واحداً من أغنى المعالم الحديثة في المدينة. ومع ذلك، لا يزال غارقاً في سكون الموت. ويصوّر الفيلم كل مبنى وزاوية في المعرض بأساليب مختلفة، بحيث يبدو غياب البشر عن هذا المكان الجميل كأنه اغتيال له وطعنة لحيويته المفترضة.

المخرج أحمد النابلسي يأخذنا في رحلة على دراجة (الشرق الأوسط)

ويخبرنا مخرج العمل، أحمد النابلسي، أن الفيلم عُرض بصيغته الوثائقية الأولى في أكثر من 30 بلداً، قبل أن تُدخل عليه تعديلات أخرجته من وظيفته الأصلية. وكان الفيلم قد صُوّر عقب الانتفاضة اللبنانية، وصدر عام 2022. أما في نسخته المجددة التي قدّمها «مهرجان رمّان»، فتحوّل من فيلم قصير إلى عرض حي وتجربة سمعية بصرية تتداخل فيها الموسيقى والصوت والإضاءة والذاكرة، في محاولة لإعادة التفكير في أمكنة أُقصيت ووُضعت على هامش حياة المدينة، على الرغم من أهميتها.

وبالتعاون مع السوبرانو اللبنانية منى حلّاب، والمنتج الموسيقي جوي مغني، والسينوغراف فراس الحلاق، يطرح الفيلم على متلقّيه أسئلة متداخلة، من بينها حرمان المواطن من نعمة المساحات العامة وإمكان استعادتها، وما إذا كان فهم المدينة بطريقة مختلفة قد يساعدنا في العثور على إجابات غابت عن البال.

تلا الفيلم حفل فرقة «شم الهوا»، الآتية من جنوب لبنان، في أول ظهور لها. وهي لم تكن الفرقة الوحيدة المشاركة من الجنوب؛ إذ أُريد لهذه الدورة، التي تنعقد في ظرف أليم يعيشه أهالي الجنوب، أن تكون تحية إليهم من أهل الشمال، من خلال استقبال موسيقييهم وفرقهم.

فرقة «السّلك» والثنائي رومي ملحم وخالد عمران (الشرق الأوسط)

كذلك قدّمت فرقة «السّلك» مجموعة من أغنياتها. وهي ثنائي موسيقي يضم رومي ملحم وخالد عمران، اللذين قدّما مزيجاً من العزف على الكمان والكونترباص والموسيقى الإلكترونية الحيّة، مع كلمات أغنيات من تأليفهما. ويشكّل الثنائي صوتاً متمرداً على السائد، ويمزج في أدائه بين الفلامنكو والإيقاعات الشرقية و«التريب هوب».

واختُتم اليوم الأول مع فرقة «صنم» البيروتية، التي تجمع بين الروك البديل والموسيقى الإلكترونية والفولكلور والارتجال الحر، وتمزج ذلك بالأغنية المصرية التقليدية والشعر العربي الحديث.

وحسب المنظمين، فإن اللقاء هو «دعوة إلى تخيّل مدننا من زاوية جديدة. ما الذي يمكن أن يخبرنا به الجنوب بصوته لو قال كل ما في قلبه؟ وما المستقبل الذي تصنعه طرابلس بعيداً عن كل القصص التي تُحكى عنها؟ وكيف يمكننا أن نستعيد رؤيتنا لمنطقتنا العربية بوصفها مساحة واحدة حيّة، تجمعها الموسيقى وحركة الناس واهتمامنا بعضنا ببعض؟».

طرابلس من علٍ (الشرق الأوسط)

وبهذه الروح، عُقدت ورش عمل عدّة في اليوم الأول، ونظّم المهرجان، نهار اليوم الثاني، في مبنى «مرسح» المجاور، يوماً مفتوحاً للفنانين العاملين في مجال الموسيقى في بلاد الشام، ما أفسح المجال أمام التنسيق والتعارف والتعاون الفني بين المواهب المشاركة.

وعادت الموسيقى مساءً لتضجّ في أنحاء «ستريو كواليس»، المكان الذي كان إحدى دور السينما في منطقة الميناء، قبل أن يمرّ بمخاض ويتحوّل، في النهاية، إلى دارة تستقبل الموسيقيين والفنانين.

وقدّمت الفنانة الفلسطينية - المصرية «ما بين»، برفقة عدد من الموسيقيين، أعمالاً تمزج بين الهيب هوب والجاز والروك البديل والموسيقى الإلكترونية والبوب التجريبي، وتتناول في كلماتها الذاكرة والانتماء والبحث عن المعنى وآفاق المستقبل.

وعبّر مغنّي الراب الطرابلسي بلال، الذي أصبح أحد الأسماء الصاعدة في مشهد الراب اللبناني، عن صوت المدينة بأسلوبه الخاص، من خلال أداء يمزج بين صدق الكلمة والحيوية اللافتة.

وشارك في الأمسية مغنّي راب آخر هو الأردني - الفلسطيني مسلّم، الذي يجمع إلى الغناء الرسمَ والفنَّ السمعي البصري، مستفيداً من خلفيته الأكاديمية في الفنون الجميلة والسيراميك.

كما شارك في الليلة الختامية مغنّي الراب اللبناني جمّول، الذي تختلط في موسيقاه السخرية بالنقد السياسي وقسوة الحياة اليومية.

واختُتمت النسخة الخامسة من «مهرجان رمَّان» الموسيقي وسط تأكيد منظّميها أنها أكثر من مجرد مجموعة حفلات؛ فهي «دعوة إلى استعادة الخيال بوصفه فعلاً جماعياً، وليس وسيلة للهرب من الواقع، بل خطوة أولى نحو إعادة تشكيله». ويريد المنظّمون للمهرجان أن يكون «حواراً مفتوحاً يبدأ من لبنان ويمتد إلى منطقتنا العربية بأسرها».