قريتان في شرق لبنان تشكوان «استباحة» سارقين ونازحين لبيوتهما

إفراغ منازل من أثاثها... وتدوين شعارات مسيئة

صورة من موقع «القوات اللبنانية» لمدخل بلدة دير الأحمر
صورة من موقع «القوات اللبنانية» لمدخل بلدة دير الأحمر
TT

قريتان في شرق لبنان تشكوان «استباحة» سارقين ونازحين لبيوتهما

صورة من موقع «القوات اللبنانية» لمدخل بلدة دير الأحمر
صورة من موقع «القوات اللبنانية» لمدخل بلدة دير الأحمر

رفعت قريتان، تسكنهما أغلبية مسيحية، في البقاع، شرق لبنان، الصوت بوجه «استباحة تقوم بها عصابات منظمة» لبيوت السكان الذين ينزحون منها شتاءً باتجاه بيروت، إذ نفذت عمليات سرقة للعديد من المنازل الفارغة من سكانها، كما وجدت بعض الكتابات المسيئة على الجدران، واستغل السارقون المنازل الفارغة من السكان لقضاء أمسياتهم فيها، حسب ما يقول السكان.
ولم تسلم بلدة برقا ربيعة الواقعة على السفح الشرقي لجبل المكمل والمواجهة لسهل البقاع في شمال شرقي لبنان، من سرقات و«غزوات لصوص الليل والنهار»، حسب ما يقول السكان، حيث «استباحوا حرمات المنازل والغابات والمحميات فأمعنوا وسرقوا كل ما خف حمله وغلا ثمنه». وافتضح أمر السارقين عندما انقلبت سيارة محملة بالمسروقات، وبقيت في جرود البلدة شاهداً على عملية السرقة على طريق البلدة.
وقال سكان البلدة التي تسكنها أغلبية من آل جعجع، إن «ما يحصل يندرج ضمن عمليات السرقات والإمعان المنظم بحق الشجر والبشر»، ويشكو هؤلاء من «تقاعس الأجهزة الأمنية عن المتابعة والملاحقة بعدما تكشف كل شيء من خلال الوثائق المضبوطة بالسيارة التي انقلبت أثناء فرارها بعد عملية السرقة». ولفت هؤلاء إلى تحقيق أجراه عناصر قوى الأمن الداخلي في مخفر نبحا «توصلت من خلاله لكشف الجناة وتفاصيل أبعاد وأهداف الاعتداءات»، وسط مخاوف أهلية من تكرار الاعتداءات.
وتتحدث مصادر محلية عن «عملية سرقة ممنهجة»، حيث أفرغ اللصوص خلال أربع ساعات سبعة منازل من محتوياتها، وفككوا ألواح الطاقة الشمسية من على أسطح المنازل، وقطروا مولدات الكهرباء بسياراتهم، كما طاولت السرقات ماكينات تشغيل الإنترنت. وقدرت قيمة المسروقات ما بين 50 إلى 60 ألف دولار.
وفي الوقت نفسه، انسحبت الاعتداءات على أشجار اللزاب المعمرة في جرود البلدة، وهي من أكبر محميات شجر اللزاب المعمر في الشرق الأوسط، حيث يصل عمر الشجر إلى 4 آلاف عام. وأجهز تجار وبائعو الحطب على ثلاثة آلاف شجرة معمرة في جرود نبحا، برقا وربيعة وهم يتطلعون للقضاء على المزيد مما تبقى منها.
ورأى رئيس بلدية ربيعة برقا غسان جعجع، أن ما يحصل في المنطقة «يمثل عمليات استباحة تقوم بها عصابات منظمة خلفت وراءها عدداً كبيراً من الأضرار، فاستباحوا كرامات وأرزاق وممتلكات الناس». وطالب الأجهزة الأمنية بالتحرك.
وشكلت فعاليات المنطقة من المسيحيين، وفداً يضم فعاليات قرى غربي بعلبك وعقدت لقاءات مع نائب مسؤول منطقة البقاع في «حزب الله» الشيخ فيصل شكر، وطالبته بمعالجة ما يحصل من اعتداءات.
ولم تكن جريمة برقا ربيعة، هي الوحيدة، فامتدت يد العبث إلى جارتها دير الأحمر الواقعة إلى شمال البلدة، حيث أقدم عدد من النازحين السوريين الذين يسكنون في بلدة دير الأحمر على السطو على عدد من منازل دير الأحمر التي يقيم أبناؤها في العاصمة، كما قاموا بكتابة شعارات مسيئة ونابية غير أخلاقية استهدفت أصحاب المنازل.
وطالب أهالي بلدة دير الأحمر بترحيل الجناة الذين أصبحوا بعهدة القوى الأمنية، وقد ضبطوا بالجرم المشهود وهم يبيعون مسروقاتهم من سجاد وأوانٍ ومولدات كهرباء ومدافئ وغيرها لأبناء المحيط.
وقال راعي أبرشية البقاع الشمالي ودير الأحمر المطران حنا رحمة لـ«الشرق الأوسط»، «هناك بصمات موجودة حول تورط لبنانيين وسوريين في عملية قطع الأشجار وسرقة المنازل، هذا أمر مؤسف، ومن الطبيعي أن هناك مارقين لبنانيين يتعاونون مع نازحين سوريين ويشكلون عصابات سلب وسرقة، فالتساهل مع السوريين في هذه الجرائم أمر مرفوض»، داعياً السلطات اللبنانية لـ«اليقظة وللمسؤولين بحماية البلاد بقرارات جدية».
ونفى رحمة أن تكون القضية طائفية، مشيراً إلى أن النازحين يتصرفون اليوم وكأنهم أبناء البلد ويتصرفون كأنهم في منازلهم. وقال: «للأسف أصبحت أي دورية لقوى الأمن الداخلي قبل أن تتحرك تعد للعشرة بسبب غلاء المحروقات، وهناك مستفيدون من هذه الحالة للقيام بالسرقة، فالدولة اللبنانية توقفهم وتفرج عنهم، والمفروض عند ضبط وتوقيف أي مجرم ومخل بالأمن تسليمه للدولة السورية وترحيل المرتكبين الذين هم فوق القانون إلى بلدهم، ولتساعدهم الأمم المتحدة في بلدهم».
وأضاف: «هذا القدر من الاستهتار بالقيم والمبادئ رفع الصوت في دير الأحمر برفض وجود أي خيم بالقرب من محيط المنازل». وأضاف: «مع ترحيبنا باليد العاملة من السوريين، لكن ما يحصل هو إيذاء، ويدعونا للتكاتف من أجل الوصول إلى حل».
وأشار رحمة إلى أن بلدية دير الأحمر «بصدد اتخاذ إجراءات أمنية بالعمل على توسيع نطاق الشرطة البلدية للقيام بدورها من أجل مساندة قوى الأمن الداخلي والجيش والأمن العام، ومن بعض الحلول التي ندرسها هي أن نرفع الصوت في الاغتراب لجمع أموال بهدف تأمين رواتب لحراس ونواطير في كل قرية من أجل حماية أرزاقنا وحياتنا».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

الرئيس اللبناني: لا صحة للحديث عن إقالة قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ب)
TT

الرئيس اللبناني: لا صحة للحديث عن إقالة قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ب)

نفى الرئيس اللبناني جوزيف عون، الأربعاء، ما يشاع عن الرغبة في إقالة قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية.

ونقل بيان للرئاسة اللبنانية عن عون قوله، خلال استقباله وفوداً من نقابتي محامي بيروت والشمال والهيئات الاقتصادية: «لا صحة لما يشاع عن الرغبة في إقالة قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية ودورهم أساسي في حفظ الأمن وبسط سيادة الدولة»، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضاف أن صيغة الإطار التي انبثقت عن مفاوضات واشنطن تحقق منطق الدولة من خلال البنود التي تضمنتها، مؤكداً أن «لبنان دولة ذات سيادة ويفاوض عن نفسه، وذهبنا إلى خيار المفاوضات لأنه أفضل الممكن بعد فشل تجربة الحروب».

وأشار إلى أن «صيغة الإطار تحفظ حقوق لبنان قضائياً وميدانياً ولم نستسلم ولم نتنازل عن حقوقنا»، منوّهاً بـ«موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري لدرء الفتنة... جميعنا متفقون على أن الفتنة والمساس بالجيش ممنوعان».

وأكد الرئيس عون أنه «يحق للجنوبيين من كل الطوائف العيش بأمان وعدم دفع ثمن باهظ من قتل وتدمير ونزوح بين فترة وأخرى».

وكان نبيه بري حذّر الاثنين من إقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، قائلاً: «لا يمزحن أحد هذه المزحة، ولا يلعبن أحد بالجيش»، مشدداً على أن المؤسسة العسكرية «خط أحمر وتشكل أحد أعمدة الاستقرار الوطني والضمانة الأساسية لحماية السلم الأهلي».


مجمع الموهوبين في مأرب... من قلب الحرب إلى صناعة المستقبل

التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)
التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)
TT

مجمع الموهوبين في مأرب... من قلب الحرب إلى صناعة المستقبل

التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)
التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)

في المدينة التي اعتادت وقع الصواريخ أكثر من جرس المدرسة، يبدأ صباح مختلف في مجمع الموهوبين النموذجي بمأرب، الذي أنشأه وموله بالكامل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، حيث ينشغل عشرات الطلاب داخل الفصول بالعلوم والرياضيات، في مشهد يلخص انتصار المعرفة على سنوات الصراع.

التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)

قبل 4 سنوات، وفي ذروة الهجمات الحوثية على مأرب عام 2022، زارت «الشرق الأوسط» المكان للمرة الأولى، يومها كان المبنى لا يزال في مراحله الأخيرة من التجهيز، بينما كانت الأحياء المحيطة به، ومنها الروضة والمطار، تتعرض لقصف متكرر بالصواريخ الباليستية الحوثية، أحد تلك الصواريخ سقط على منزل لا يبعد سوى نحو 500 متر عن مركز الموهوبين، في مفارقة اختزلت صراعاً بين مشروعين متناقضين؛ أحدهما يبني الإنسان، والآخر يدمره.

ورغم أن الحرب كانت في أشد مراحلها، مضى البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في تنفيذ المشروع دون أن يتراجع، وما بدا آنذاك مغامرة تعليمية وسط ساحة معركة، تحول اليوم إلى أحد أبرز نماذج الاستثمار في الإنسان باليمن.

مجسم لمجمع الموهوبين في مأرب قام بإعداد أحد الطلاب المتفوقين (الشرق الأوسط)

لم يكن المركز مشروعاً تعليمياً عادياً، بل كان حلماً يراود الشيخ سلطان العرادة، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، الذي روى كيف طرح فكرة إنشاء المركز على السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، فجاء التجاوب حينها سريعاً بالموافقة على إنشاء المشروع وتجهيزه بالكامل.

عادت «الشرق الأوسط» اليوم إلى المركز، وكان المشهد هذه المرة مختلفاً تماماً، المبنى الذي كان عام 2022 صامتاً تحت ظلال الحرب، أصبح يعج بالحياة، المختبرات امتلأت بالطلاب، والفصول بأصوات النقاش والتجارب العلمية.

والتحق بالمركز منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق، كثير منهم من مختلف المحافظات اليمنية التي دفعتهم الحرب إلى النزوح نحو مأرب.

يضم المجمع حالياً الصفين الأول والثاني الثانوي بينما يفتتح الصف الثالث الثانوي العام المقبل (الشرق الأوسط)

هنا، وسط مدينة توصف بأنها خط الدفاع الأخير عن الجمهورية، تخوض السعودية معركة من نوع آخر؛ معركة بناء العقول، انطلاقاً من قناعة بأن إعادة إعمار الإنسان تسبق إعادة إعمار الأوطان.

يقول الدكتور محمد القيري، مدير مجمع الموهوبين في مأرب، إن افتتاح المركز عام 2024 شكّل نقطة تحول في مسيرة التعليم النوعي بالمحافظة، موضحاً أن الإقبال على الالتحاق به فاق التوقعات منذ اليوم الأول.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدفعة الأولى شهدت تقدم 246 طالباً للمفاضلة، جرى اختيار 120 منهم فقط بعد سلسلة من الاختبارات العلمية، بينما تقدم خلال العام الدراسي الحالي 213 طالباً، وقُبل 90 طالباً فقط، بعد أن قررت إدارة المجمع خفض عدد المقبولين للتركيز بصورة أكبر على جودة المخرجات التعليمية.

الدكتور محمد القيري مدير مجمع الموهوبين النموذجي في مأرب (الشرق الأوسط)

ويؤكد القيري أن المجمع لم يعد يستقبل أبناء مأرب وحدهم، بل أصبح يمثل اليمن كله، إذ يضم طلاباً نزحوا مع أسرهم من معظم المحافظات اليمنية، لتتحول مأرب إلى حاضنة للنخبة العلمية في ظل ظروف الحرب.

ويخضع المتقدمون لاختبارات دقيقة في اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم، إضافة إلى اختبار خاص لقياس الذكاء، بينما يشترط استمرار الطالب في المجمع بالحفاظ على معدل لا يقل عن 80 في المائة.

ويقول الدكتور محمد إن مأرب كانت تُعد لسنوات طويلة من المحافظات البعيدة عن مشاريع التعليم النوعي، ولم يكن كثيرون يتخيلون أن تحتضن مدرسة نموذجية للمتفوقين بهذا المستوى.

حقق طلاب المجمع المركزين الأول والثاني في الفيزياء والكيمياء خلال الملتقى العلمي بمأرب (الشرق الأوسط)

وأضاف: «كانت لدينا تجربة محدودة في العاصمة صنعاء، لكن إنشاء مجمع للموهوبين في مأرب لم يكن في حسبان أحد، ما تحقق هنا جاء بفضل دعم الأشقاء في المملكة العربية السعودية، الذين لم يقتصر دورهم على تنفيذ مشاريع خدمية، بل استثمروا في الإنسان، وكان مجمع الموهوبين أحد أبرز هذه المشاريع».

ويضم المجمع حالياً طلاب الصفين الأول والثاني الثانوي، بينما يجري الاستعداد لافتتاح الصف الثالث الثانوي العام المقبل، في خطوة يصفها القائمون عليه بأنها الاختبار الحقيقي الأول للتجربة، مع طموح واضح بأن يخرج من بين طلابه أوائل الجمهورية اليمنية.

شكّل مجمع الموهوبين نقطة تحول في مسيرة التعليم النوعي في محافظة مأرب (الشرق الأوسط)

ورغم حداثة التجربة، بدأت نتائجها تظهر سريعاً، فقد حقق طلاب المجمع المركز الأول على مستوى محافظة مأرب في الفيزياء، والمركز الثاني في الكيمياء خلال الملتقى العلمي، وهي نتائج يعتبرها القائمون على المشروع مؤشراً مبكراً على نجاح الفكرة.

ويقول القيري: «نحن لا نزال في بداية الطريق، لكننا نطمح إلى أن يكون هذا المجمع مصنعاً لأوائل الجمهورية، وأن يصبح نموذجاً يحتذى به في بقية المحافظات».

ولا تتوقف الطموحات عند الطلاب الذكور، إذ كشف مدير المجمع عن وجود خطط للإعلان قريباً عن إنشاء مجمع مماثل للطالبات المتفوقات، بما يوسع دائرة الاستفادة من التعليم النوعي.

يضم المجمع طلاباً من معظم المحافظات اليمنية ممن نزحوا مع أسرهم جراء الحرب (الشرق الأوسط)

وأوضح أن المبنى مجهز بالقاعات الدراسية والمختبرات والأثاث والأجهزة الإدارية، لكنه لا يزال بحاجة إلى بعض المرافق المساندة، مثل إنشاء مظلات لحماية الطلاب من حرارة الشمس، واستكمال غرفة للحراسة، وهي متطلبات يرى أنها لا تقلل من قيمة المشروع بقدر ما تعزز بيئته التعليمية.

ويختم بقوله: «في بلد أنهكته الحرب، يصبح اكتشاف طالب موهوب، أو إعداد باحث أو طبيب أو مهندس، شكلاً آخر من أشكال إعادة الإعمار».


ما هي الخطوات القانونية الواجب اتخاذها بعد توقيع لبنان اتفاق الإطار مع إسرائيل؟

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

ما هي الخطوات القانونية الواجب اتخاذها بعد توقيع لبنان اتفاق الإطار مع إسرائيل؟

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

لا يزال اتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان مع إسرائيل في واشنطن، الجمعة الماضي، يشكل محور الاهتمام الأساسي للقوى السياسية اللبنانية، التي تواصل التدقيق في بنوده وانعكاساته على المشهد الداخلي، في ظل تمسك الثنائي الشيعي بموقفه الرافض له وعدّه اتفاقاً لا يحقق المصلحة اللبنانية وغير قابل للتنفيذ، مقابل موقف داعم من رئاستَي الجمهورية والحكومة اللتين تعدّانه «إنجازاً»ن وتؤكدان المضي به حتى النهاية.

وبعدما قرر «الثنائي الشيعي» المتمثل بـ«حزب الله» وحركة «أمل» تأجيل أي تحرك تصعيدي في الشارع لمواجهة الاتفاق، والاتجاه بدلاً من ذلك إلى البحث عن السبل القانونية لإسقاطه، تتجه الأنظار إلى المسار الدستوري الذي يُفترض أن يسلكه الاتفاق بعد توقيعه في واشنطن، وما إذا كان سيُعامل بوصفه اتفاقاً إطارياً ذا طابع سياسي، أم معاهدة دولية مكتملة الأركان تستوجب استكمال إجراءات الإبرام المنصوص عليها في الدستور اللبناني؟

على ماذا ينص الدستور اللبناني؟

واستناداً إلى المادة 52 من الدستور اللبناني، يتولى رئيس الجمهورية منفرداً التفاوض في عقد المعاهدات والاتفاقيات الدولية. أما إبرامها، فيتم بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. أما الإبرام الإجرائي، واستناداً إلى المادة 65 من الدستور، ولا سيما الفقرة الأخيرة منها، فيتطلب موافقة مجلس الوزراء بأغلبية ثلثي عدد الأعضاء الذين تتألف منهم الحكومة وفقاً لمرسوم تشكيلها.

وحسب المادة 52 أيضاً، إذا كانت المعاهدة من فئة المعاهدات التي تتجدد سنة فسنة، أو ترتب أعباءً مالية أو تجارية على الدولة اللبنانية، فيجب أن يوافق عليها مجلس النواب مسبقاً.

إبرام على المستوى الإجرائي

انطلاقاً من ذلك، يرى الخبير الدستوري الدكتور عادل يمين أن «اتفاق الإطار يجب أن يسلك مسار المعاهدات الدولية؛ لأنه يرتب التزامات على الدولة اللبنانية، كما أن مفاعيله تتجاوز لا شك مدة السنة، فهو اتفاق مفتوح أو متجدد؛ الأمر الذي يوجب أيضاً عرضه على مجلس النواب والحصول على موافقته»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «وبناءً عليه؛ وبعد انتهاء المفاوضات، فإن الإبرام على المستوى الرئاسي يستوجب توقيع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، في حين يتطلب الإبرام على المستوى الإجرائي موافقة مجلس الوزراء بأغلبية الثلثين من عدد أعضائه».

ويضيف يمين: «كما يجب أن يمنح مجلس النواب الإجازة للحكومة أو للسلطة التنفيذية لإبرام الاتفاق بصورة نهائية. وهذا يعني أنه بعد توقيع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الاتفاق على المستوى الرئاسي، يفترض أن يقوم مجلس الوزراء بإعداد مشروع قانون يطلب بموجبه من مجلس النواب منح السلطة التنفيذية الإجازة اللازمة للإبرام».

وعليه، يتابع يمين: «إذا وافق مجلس النواب على مشروع القانون وصدر وفق الأصول، يعود الأمر إلى السلطة التنفيذية، ويقرر مجلس الوزراء، بأغلبية الثلثين، المضي في الإبرام الإجرائي للاتفاق، ليصار بعد ذلك إلى نشره في الجريدة الرسمية، وعندئذ يصبح نافذاً، ما لم ينص الاتفاق على تاريخ آخر لدخوله حيز التنفيذ»، موضحاً أن «الأغلبية المطلوبة في مجلس الوزراء هي أغلبية ثلثي عدد الأعضاء الذين تتألف منهم الحكومة وفقاً لمرسوم تشكيلها، أما في مجلس النواب، فإن منح الإجازة للسلطة التنفيذية لإبرام المعاهدة يحتاج إلى الأغلبية العادية، شرط توافر النصاب القانوني لانعقاد الجلسة، أي حضور الأكثرية المطلقة من أعضاء المجلس، أي 65 نائباً من أصل 128».

وأغلبية الثلثين المطلوبة في الحكومة الحالية هي 16 وزيراً من أصل 24، وبالتالي حتى ولو اعترض الوزراء الشيعة الخمسة على الاتفاق ورفضوا السير به ومعهم وزيرَا الحزب «التقدمي الاشتراكي»، فلا إمكانية لتعطيل مساره حكومياً.

موافقة مجلس النواب غير ملزمة؟

وبخلاف رأي يمين، يرى المحامي الدولي أنطونيو أبو كسم أن «على الحكومة إطلاع مجلس النواب على هذا الاتفاق؛ كون الأمر يتعلّق بمصلحة البلاد وسلامة الدولة، لكن هذا النوع من الاتفاقيات لا يتطلب موافقة مجلس النواب لإبرامها؛ كونها لا تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة وليست معاهدات تجارية، أو من فصيلة المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة».

ما هو اتفاق الإطار؟

ويشرح أبو كسم لـ«الشرق الأوسط» الفرق بين الاتفاق العادي واتفاق الإطار، لافتاً إلى أن الأخير «يُعدّ اتفاقاً مبدئياً أو توجيهياً. يهدف إلى وضع مبادئ عامة، وأهداف مشتركة، وهيكل مؤسسي للتعاون المستقبلي بين الأطراف. وهو لا يضع حلولاً تفصيلية، بل يؤسس لإطار عمل يلتزم الأطراف بموجبه بالتفاوض لاحقاً لاعتماد بروتوكولات أو اتفاقيات تكميلية. الأحكام فيه تكون مرنة وغالباً ما تفتقر إلى الأثر القانوني المباشر دون وجود اتفاقيات لاحقة تفصلها».

أمّا الاتفاق العادي، فهو اتفاق موضوعي وتفصيلي مباشر يهدف إلى تنظيم مسألة محددة بشكل نهائي، والالتزامات فيه تكون محددة بدقة وقابلة للتطبيق الفوري بمجرد الدخول حيز التنفيذ. كما أنّه ينشئ حقوقاً والتزامات قانونية صارمة ومباشرة. والإخلال بنصوصه يشكل خرقاً واضحاً للقانون الدولي تترتب عليه المسؤولية الدولية المباشرة.