أحمد الموّاس لـ«الشرق الأوسط»: أستعدّ لتصوير فيلم بين بيروت وأميركا

تأثر بفاندام وعمل مع منتج أفلام «رامبو»

يقولون إن سر نجاحي يكمن في أدائي العفوي (تصوير: نوجين بيك)
يقولون إن سر نجاحي يكمن في أدائي العفوي (تصوير: نوجين بيك)
TT

أحمد الموّاس لـ«الشرق الأوسط»: أستعدّ لتصوير فيلم بين بيروت وأميركا

يقولون إن سر نجاحي يكمن في أدائي العفوي (تصوير: نوجين بيك)
يقولون إن سر نجاحي يكمن في أدائي العفوي (تصوير: نوجين بيك)

كان أساتذة أحمد المواس في بلد والدته الأفريقي غانا يغضّون النظر عن موهبته التمثيلية، فيستعينون به فقط في خلفية الأعمال المسرحية التي يشارك بها. وعندما انتقل إلى لبنان وهو في سن الـ11 سنة لفت انتباه أحد أساتذته في مدرسة الشويفات، وبدأ يسند إليه أدواراً مهمة في مسرحيات تنظّمها المدرسة. لعب دور روميو ضمن مسرحية «روميو وجولييت»، ومن ثم جسد شخصية مارك أنطوني في مسرحية «كليوباترا». ومن هناك راح يبحث عن حلمه الهوليوودي الذي بقي يطارده لنحو عشر سنوات إلى أن بلغه.
هذه باختصار قصة اللبناني أحمد المواس، ابن مدينة طرابلس الفيحاء الذي تحول اليوم إلى ممثل عالمي، وحصد مؤخراً جائزة «أفضل ممثل» عن دوره في الفيلم القصير «بيوتي أوف وورمس» في مهرجان أوروبا للأفلام. تخصص المواس في الهندسة الكهربائية وهو ما سمح له بصرف ما يجنيه منها في أعمال سينمائية. أنتج 13 فيلماً قصيراً مثّل في بعضها، ما شرعّ أمامه أبواب هوليوود. شارك في فيلم «ذا ميسفيتس» ومن ثم في المسلسل الأميركي الشهير «إن سيس» (NCIS.LA).
وعن المصاعب التي واجهته في بداية مشواره يقول لـ«الشرق الأوسط»: «كل مشوار مهني له صعوباته ولا سيما في عالم الفن. بداية وجدت صعوبة في توفّر فرص تخولني إبراز موهبتي. كما أن اسمي (أحمد) قيّدني في أدوار العربي الإرهابي إلى حين اتخذت قراري بالانسحاب من هذه الدائرة التمثيلية. بعدها مررت بفترة جفاف بحيث لم يطلبني أحد. وصرت أسأل نفسي: ماذا ينقصني؟ وكيف يمكن أن أحصل على الفرص المطلوبة؟ وفجأة طلبوني للمشاركة في فيلم (ميسفيتس) الذي صوَّرته في دبي. فكانت أولى تجاربي الفنية خارج أميركا التي دفعتني للافتخار بجنسيتي العربية».
هذه التجربة أعادت لأحمد ثقته بنفسه، وكذلك أعادته إلى أصوله العربية من جديد. درس أحمد إلى جانب الهندسة الكهربائية فن التمثيل في أميركا، لأنه رغب في امتلاك أصول المهنة. «في صناعة السينما اكتشفت أن الوسائط موجودة صحيح، ولكن الجهد والتمسك بالحلم إلى حين تحقيقه هو الأجدى. اليوم صرت قادراً على اختيار الدور الذي يناسبني. كما أني وبفضل انكبابي على عملي الفني بإصرار وصلت لمرحلة الإنتاج السينمائي على المستوى المطلوب. وهو ما خوّلني أن أختار فريق عملي بنفسي وأنطلق في بطولات أرغب في القيام بها كممثل».
لا يندم أحمد على كل لحظة أضاعها في التفتيش عن حلمه الهوليوودي، واللحاق به رغم صعوبات كثيرة تجاوزها. «أعتقد أن لوالديَّ الدور الأكبر في حثي على المثابرة والمضي وراء حلمي. وهما اشترطا عليَّ إنهاء دراستي الجامعية بحيث تكون شهادتي سلاحي في الحياة. وبالفعل فلولا الهندسة لما استطعت تأمين الأموال اللازمة لإنتاجات سينمائية لفتت نظر الآخرين. فلقد عملت مع بيرس بروسنان والمنتج قيس قنديل ومع إليغا لونغ منتج أفلام رامبو. واليوم اسمي صار معروفاً وأشق طريقي بثبات، تماماً كما أرغب».
يجيد أحمد المواس التحدث بالعربية بطلاقة، كأنه لم يترك لبنان يوماً. غربته الطويلة بين بريطانيا التي وُلد فيها وأميركا التي درس فيها لم تمنعه من التمسك بلغته الأم. يعلق: «عندما شعرت بأني قد أفقد براعتي في التحدث بلغتي الأم، رحت أحضر مسلسلات عربية كثيرة. كما أني أخصص أوقاتاً معينة كل يوم للتحدث مع أهلي عبر تقنية «فيس تايم». نتناقش في أمور عدة وأسألهم عن أحوال طرابلس ولبنان ككل. فتطول الأحاديث بحيث صرت أتقن لغتي بشكل أفضل بكثير من قبل. هذا الأمر كان معكوساً في الماضي، فعندما قررت الذهاب إلى أميركا رحت أتابع قناة (سي إن إن) كي أجيد الإنجليزية».
أحدث المسلسلات التي تابعها أحمد «للموت» بجزأيه الأول والثاني، ويقول: «إنه مسلسل رائع أُغرمت بقصته وبأبطاله، فالمنصات الإلكترونية سرقت وهج السينما. كما أنها سهّلت الإنتاجات السينمائية التي تُعرض عبرها وتحقق انتشارات واسعة. فأنا شخصياً تعرفت إلى نادين لبكي وإلى مخرجين عرب آخرين من خلال (نتفليكس)».
موهبته في التمثيل لم تأتِ من عدم، فهو كان يرافق والده في صغره لحضور أفلام سينمائية كثيرة. «كان والدي يحب السينما وبدل أن يأخذني إلى مباراة في كرة القدم أو إلى رحلات صيد الطيور مثلاً، كما يفعل الآباء عادةً، حوّل انتباهي إلى السينما. فكبر حلمي التمثيلي منذ ذلك الوقت وأدركت أن السينما هي حلمي الأساسي».
تأثر أحمد كثيراً بالنجم الهوليوودي جان كلود فاندام وكذلك بأرنولد شوارزنجر وسيلفستر ستالون. «كانت أفلام فاندام بالتحديد تحفّزني على التمثيل، وكنت أقوم بتقليده في رياضة الكاراتيه، فهو شكّل عنوان حلمي الهوليوودي بامتياز».
وعن جائزة «أفضل ممثل» التي حصدها في المهرجان الأوروبي للسينما يقول: «كانت بمثابة مكافأة لجهدي. وفي الحقيقة قمت بعملية الـ(كاستينغ) لهذا الدور على قارعة الطريق عندما طلب مني منتج الفيلم أن أقدم له مشهداً تمثيلياً عن شاب مدمن مخدرات. فأُعجب بأدائي وطلب مني لعب دور البطولة لفيلم (بيوتي أوف وورمس)».
اليوم يستعد أحمد لتصوير فيلم عالمي من كتابته ومن إنتاج قيس قنديل الإماراتي الأصل. «عندما حدّثته عن الفكرة التي تراودني أُعجب بها وطلب منّي أن أُنجز النص كي يقرأه. هكذا حصل والقصة رومانسية تدور بين أميركا ولبنان. ونحضّر اليوم لتصوير هذا العمل في نهاية الصيف المقبل. أنوي أن تشارك فيه مواهب من لبنان كي أتيح لها تحقيق حلمها السينمائي. كما سأستعين بفريق تقني من بلادي أيضاً إلى جانب آخر أميركي كي أسهم في فتح أبواب العمل أمام أبناء وطني».
ويشير إلى أن مواقع التصوير لن تقتصر فقط على أميركا أو هوليوود بالتحديد لأن المنصات الإلكترونية حررت المنتجين من هذا الشرط كي يحقق العمل الانتشار.
«لم تعد هوليوود شرطاً أساسياً كموقع تصوير كي ينطبع الفيلم بالعالمية. وغالبية الأفلام الأميركية اليوم تُصوَّر خارج كاليفورنيا بفضل خدمة البث عبر المنصات. حتى إن الشهرة والتحول إلى ممثل عالمي تغيب عن لوس أنجليس وكاليفورنيا وغيرها للسبب نفسه».
ترنّ في ذاكرة أحمد صاحب الإطلالة الجذابة عبارات ثناء سمعها من منتجين وممثلين معروفين فيما يخص أداءه وشخصيته.
«بعضهم قال لي إن أدائي عفوي وفيه يكمن سر نجاحي، فيما قال لي آخرون إن شكلي الخارجي المنبثق من خلطة لبنانية وأفريقية تزوّدني بجاذبية غير مألوفة في عالم السينما. ولكن أكثر ما حُفر في ذاكرتي هي تلك العبارة التي قالها لي أحد المنتجين العالميين بأني أملك طاقة خام أستطيع أن أحلق معها عالياً. ولكنني في قرارة نفسي شاكر دعم والديَّ اللذين لم يتوانيا عن مساندتي طيلة مشواري الصعب هذا».
وماذا عن الحلم الذي يراوده عندما يغمض عينيه اليوم؟ يختم لـ«الشرق الأوسط»: «أحلم بأني في موقع تصوير سينمائي ضخم وإلى جانبي زوجتي وأولادي. فأكون نموذجاً لأبنائي عن الأب العصامي الذي جاهد كي ينجح. بذلك سيكونون معي على الأرض يراقبون طبيعة عملي الذي أحب».


مقالات ذات صلة

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

يوميات الشرق يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

أُدرجت محافظة العلا السعودية ضمن القائمة النهائية للمرشحين لجوائز الإنتاج العالمية 2026 في فئة «مدينة الأفلام 2026»، التي تنظمها مجلة «سكرين إنترناشونال».

«الشرق الأوسط» (العلا)
يوميات الشرق دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)

لاعبون وشعراء في الأعمال السعودية... اختبار جديد للنجومية

في مشهد أصبح يتكرر مؤخراً في الأعمال السعودية، يشارك لاعب كرة قدم في فيلم سينمائي، ويظهر شاعر في عمل درامي، ويتصدر مغنٍّ بطولة سينمائية في أول مشاركة له.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُبرز الفيلم أهمية الرهان على الموهبة (الشركة المنتجة)

فيلم «معّوز»... تجربة سينمائية تراهن على ثيمة تحقيق الأحلام

تستقبل دور العرض في مصر والعالم العربي النسخة المدبلجة من فيلم الرسوم المتحركة العالمي «معّوز (GOAT)» الذي انطلقت حملته الدعائية، أخيراً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد سعد في لقطة مع أبطال الفيلم (الشركة المنتجة)

اتهام صُنّاع «فاميلي بيزنس» بـ«اقتباس» فكرته من الفيلم الكوري «طفيلي»

لاحقت الفيلم المصري «فاميلي بيزنس» اتهامات بـ«اقتباس» فكرة الفيلم الكوري الجنوبي الشهير «طُفيلي» الذي حاز السعفة الذهبية لمهرجان «كان».

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)

«شتاء روسيا»... فيلم يرصد منفى الأسئلة وعبء الذنب

يقترب المخرج النمساوي باتريك شيها من جيل روسي وجد نفسه فجأة خارج الجغرافيا وخارج الزمن...

أحمد عدلي (القاهرة)

البيت الأبيض: ترمب يوفد فريق التفاوض مع إيران إلى باكستان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

البيت الأبيض: ترمب يوفد فريق التفاوض مع إيران إلى باكستان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض ‌كارولاين ‌ليفيت للصحافيين، اليوم ‌الأربعاء، ⁠أن الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب سيوفد فريق التفاوض ⁠مع ‌إيران، ‌بقيادة نائبه ‌جيه دي فانس، إلى باكستان ‌لإجراء محادثات، مضيفة أن ⁠الجولة الأولى ⁠من المفاوضات ستعقد يوم السبت، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفي أعقاب وقف إطلاق النار المتفق عليه في الصراع الإيراني، قال ترمب إنه يريد أن تجري واشنطن مفاوضات مباشرة مع طهران في المستقبل القريب. ونقلت صحيفة «نيويورك بوست» عنه قوله، في مقابلة هاتفية أجريت اليوم الأربعاء: «سوف يحدث ذلك قريباً جداً».

وأوضح ترمب أنه من الجانب الأميركي سيشارك جاريد كوشنر صهره، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، بالإضافة إلى نائب الرئيس جي دي فانس على الأرجح.

وكان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قد دعا في وقت سابق وفوداً من الولايات المتحدة وإيران إلى إسلام آباد يوم الجمعة لإجراء مزيد من المحادثات، حيث سيناقشون اتفاقاً نهائياً لحل الصراع.

وتقول مصادر باكستانية إن ممثلين عن تركيا ومصر يمكن أن يشاركوا أيضاً في المحادثات. وكانت هذه الدول قد تشاورت في وقت سابق بشأن كيفية خفض التصعيد.


مباحثات سعودية إقليمية ودولية ترحب بجهود تحقيق الأمن والاستقرار

الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله كايا كالاس في الرياض (واس)
الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله كايا كالاس في الرياض (واس)
TT

مباحثات سعودية إقليمية ودولية ترحب بجهود تحقيق الأمن والاستقرار

الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله كايا كالاس في الرياض (واس)
الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله كايا كالاس في الرياض (واس)

رحّب وزراء الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والقطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن والإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد والأردني أيمن الصفدي والتركي هاكان فيدان، عقب مباحثات هاتفية جرت بينهم الأربعاء، بجميع الجهود الرامية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

وكان الأمير فيصل بن فرحان تلقى اتصالات هاتفية من الشيخ محمد بن عبد الرحمن والشيخ عبد الله بن زايد وأيمن الصفدي وهاكان فيدان، جرى خلالها بحث المستجدات الإقليمية، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء السعودية (واس).

إلى ذلك، ناقش الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله كايا كالاس الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية في الرياض الأربعاء، مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة وتداعياتها الأمنية والاقتصادية على المستوى الدولي.

جاء ذلك عقب استعراض الأمير فيصل بن فرحان مع كايا كالاس خلال الاستقبال الشراكة الاستراتيجية بين السعودية والاتحاد الأوروبي.


هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس
TT

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة. يهرع القرّاء في أنحاء المعمورة إلى اقتناء مؤلفات كتّاب أمثال ستيفن بينكر ويوفال نوح هراري، باحثين في دهاليز عصور الصيد والجمع السحيقة عن إجابات لأسئلة الحاضر المقلقة. لكن المؤرخ البارز ستيفانوس جيرولانوس، أستاذ التاريخ بجامعة نيويورك ومدير معهد ريمارك، يقتحم هذا المشهد بكتابه المثير للجدل: «اختراع ما قبل التاريخ: الإمبراطورية، والعنف، وهوسنا بأصول البشر»*، مجادلاً بأن ما نسميه «ما قبل التاريخ» ليس مجرد حقبة زمنية غابرة نكتشفها بالمعاول، بقدر ما هو اختراع فكري وُلد في قلب عصر التنوير الأوروبي، وظل يُستخدم منذ ذلك الحين أداةً آيديولوجية لتمرير سياسات الاستعمار، وتبرير العنصرية، بل حتى الإبادة الجماعية. وخلاصة قوله إن كل ما نظنه عن الإنسان الأول يعكس مخاوفنا وطموحاتنا الآنيّة أكثر مما ينبئ عن حقيقة الماضي البعيد، فكأنما حوَّلنا العلم إلى مرآة نرجسية نحدق فيها فلا نرى إلا ما نريد.

غلاف الكتاب

تبدأ رحلة الكتاب الاستقصائية من منتصف القرن الثامن عشر، على حافة تلك اللحظة الحرجة التي بدأ فيها العقل الأوروبي فك ارتباطه بالسردية الدينية للخلق الأول. فقبل ذلك الزمن، كان الكتاب المقدس يوفر تسلسلاً زمنياً قصيراً وواضحاً للوجود البشري. ومع تمدد الرقعة الاستعمارية، وجد الأوروبيون أنفسهم وجهاً لوجه أمام شعوب في الأميركتين وأفريقيا لم يرد لهم ذكر في النص المقدس، فانبثقت أسئلة وجودية شائكة: من أين أتى هؤلاء؟ عندئذ وُلدت فكرة «حالة الطبيعة». ويشرح جيرولانوس كيف أن فلاسفة مثل توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو إنما صاغوا تصورات خيالية عن الإنسان الأول بهدف تدعيم نظرياتهم السياسية فحسب. ففي تصور هوبز، كان الإنسان الأول غارقاً في صراع دائم، «حرب الكل ضد الكل»، مما شرعن الحاجة إلى سلطة استبدادية تحمي البشر من غرائزهم. أما روسو فقد ابتدع أسطورة «الهمجي النبيل» الذي أفسدته الحضارة، وقيدت فطرتَه الملكيةُ الخاصة.

ولم تلبث هذه التصورات أن تجاوزت كونها جدالات نظرية في صالونات باريس ولندن، لتتحول إلى ما يشبه بياناً استعمارياً. فقد صُنفت الشعوب الأصلية على أنهم «بشر يعيشون في حالة الطبيعة»، بمعنى أنهم يجسدون طفولة الجنس البشري التي تسبق التاريخ المدون. وقد منح هذا التصنيف الرجل الأبيض صفة الإنسان «البالغ» العقلاني، وجعل من السطو على أراضي الغير «مهمة حضارية» راقية تهدف إلى تهذيب هؤلاء «الأطفال» أو إزاحتهم إذا هم أبوا الانصياع لقوانين التقدم.

ومع بزوغ القرن التاسع عشر، انتقل الهوس بما قبل التاريخ من حقل الفلسفة إلى مجالات الجيولوجيا وعلم الأحياء. وقد أدى اكتشاف الطبقات الأرضية والحفريات، ثم طرح نظرية التطور الداروينية، إلى تكريس مفهوم «الزمن العميق». وهكذا، تمدد عمر البشرية من آلاف السنين الضيقة وفق الرواية التوراتية إلى ملايين السنين المترامية. غير أن هذا الكشف العلمي الهائل سرعان ما سقط في شرك التراتبية العرقية. ويصف جيرولانوس كيف تضافرت جهود الأنثروبولوجيا مع علوم الحفريات لتكريس فكرة أن البشرية تمر بمراحل حتمية للتطور: من «الهمجية» في العصر الحجري، إلى «البربرية» في العصر البرونزي، ووصولاً إلى «الحضارة» في العصر الحديدي وما تلاه، ويرى أن هذا التقسيم الثلاثي الشهير تجاوز مجرد توصيف الأدوات ليصبح حكماً قيمياً على الأمم، حيث صُوِّر السكان الأصليون في المستعمرات بوصفهم حفريات حية، أو بقايا بشرية تجمدت في الزمن.

لقد استُخدم شعار «البقاء للأصلح» لتبرير العنف الإمبراطوري. فإذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي، فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له. ويقتبس جيرولانوس عبارات صادمة من قادة عسكريين ومنظّرين رأوا في إبادة شعوب بأكملها مجرد عملية بيولوجية محضة، لا تختلف عن انقراض أنواع حيوانية لصالح أنواع أكثر كفاءة وقدرة على التكيف.

ولعل من أمتع فصول الكتاب ذلك الذي يتناول إنسان «النياندرتال»، حيث يتتبع جيرولانوس تغيرات صورته عبر العقود لتلبية أجندات سياسية راهنة. في البدء، صور إنسان نياندرتال كوحش غبي ومنحني الظهر لتأكيد تفوق الإنسان العاقل (الهوموسابين). أما اليوم، فنشهد إعادة رسم لملامحه بمواصفات أوروبية، شقراء وزرقاء العينين، حتى لقد باتت بعض جماعات اليمين المتطرف في الغرب تتخذه رمزاً لـ«العرق الأبيض الأصلي» المهدَّد في بقائه بفعل الهجرة. كما يسلط الكتاب الضوء على مفهوم «قشرة الحضارة الرقيقة»، تلك الفكرة التي شاعت بعد الحرب العالمية الأولى، والتي تزعم أن الإنسان الحديث لا يزال يضمر في أعماقه ذلك «الهمجي» الذي تحكمه الغريزة والعنف. وقد استثمرت الدول هذه الفكرة لتبرير وحشيتها في الحروب؛ فما دام أن «الإنسان عدواني بطبعه» منذ عصور ما قبل التاريخ، فإن ممارسة العنف ما هي إلا عودة حتمية إلى «الحقيقة» البشرية المدفونة، فيغدو مفهوم ما قبل التاريخ شماعة نعلق عليها كوارثنا السياسية المصنوعة بأيدينا.

لا يكتفي جيرولانوس بالغوص في الماضي، بل يوجه سهام نقده اللاذع إلى المشهد الثقافي المعاصر، مهاجماً بحدة ظاهرة «التاريخ الكبير» التي يمثلها يوفال نوح هراري في كتابه «الإنسان العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري». يرى جيرولانوس أن هؤلاء الكتاب يمارسون نوعاً من «الحكواتية العلمية»؛ إذ ينتقون حقائق منتزعة من سياقاتها في علم الوراثة والآثار لبناء روايات شمولية تبدو مقنعة ظاهرياً، غير أنها تفتقر إلى العمق التاريخي المنهجي وتعيد إنتاج الخطيئة الفكرية ذاتها: إيهامنا بأن الطبيعة البشرية ثابتة ومحددة سلفاً منذ مئات آلاف السنين. وهذا الضرب من التفكير، وفقاً لجيرولانوس، يقتل الفعل السياسي في مهده، ويوظف «علوم الأصول» بوصفه أداة لشرعنة الأوضاع القائمة، وإجهاض أي رغبة في التغيير. فإذا كانت الرأسمالية أو العنف أو اللامساواة مسطورة في حمضنا النووي منذ العصر الحجري، فما جدوى أي محاولة لتغيير المجتمع الآن؟

إذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له

يتوقف الكتاب أمام مفارقة تكنولوجية مذهلة. مع صعود الطيران الحربي، ذاع تهديد عسكري أميركي شهير على لسان الجنرال كورتيس ليماي، وتردد في صراعات لاحقة وصولاً إلى دونالد ترمب: «سنعيدهم إلى العصر الحجري ». ويتساءل جيرولانوس بمرارة: كيف لأحدث التكنولوجيات (الطائرات والقنابل) أن تُستخدم لإلغاء زمن الآخرين وإعادتهم إلى نقطة الصفر الوجودي؟ إن هذا التفكير يفترض ضمناً أن ثمة شعوباً تقبع بالفعل في «ما قبل التاريخ» أو على مشارفه، وأن العنف التكنولوجي هو اللغة الوحيدة الممكنة للتعامل معهم.

يختتم جيرولانوس كتابه بدعوة جذرية إلى التوقف عن التماس أنفسنا في مرايا الماضي السحيق، واعتناق نوع من التواضع الراديكالي إزاء غموض البدايات. إن شظايا العظام ورسوم الكهوف الصامتة لا تملك لغة بذاتها، ونحن من نمنحها ألسنة لتنطق بما نريد سماعه، ونصنع الماضي على مقاس حاضرنا لنبرر سطوتنا وهيمنتنا. إن «اختراع ما قبل التاريخ» مراجعة أخلاقية شاملة للمسار الفكري الغربي، ومرافعة نارية ضد سوء استخدام العلم، وحثٌّ صريح على أن نبني قيمنا ونصوغ مستقبلنا انطلاقاً من تطلعاتنا الإنسانية، لا من خرافاتٍ مختلَقة عمّا كان يفعله أسلافنا قبل مئات آلاف السنين. إنه ضروري لكل من يريد فهم كيف تُصنع الأفكار، وكيف تُستخدم الأسلحة النظريّة لتشكيل العالم الذي نعيش فيه.