فيلم جديد يروي سيرة المغنية ويتني هيوستن

معالجة حذرة للموضوعات الشائكة... وأداء استثنائي للممثلة ناومي آكي

ملصق فيلم «I Wanna Dance With Somebody»... (فيسبوك)
ملصق فيلم «I Wanna Dance With Somebody»... (فيسبوك)
TT

فيلم جديد يروي سيرة المغنية ويتني هيوستن

ملصق فيلم «I Wanna Dance With Somebody»... (فيسبوك)
ملصق فيلم «I Wanna Dance With Somebody»... (فيسبوك)

أكثر ما قد يُلام عليه فيلم «I Wanna Dance With Somebody»؛ الذي يروي قصة المغنية الأميركية الراحلة ويتني هيوستن، أنه يحاذر الغوص في الأعماق. أما أكثر ما يُحسب له، فهو إبداع الممثلة البريطانية ناومي آكي في تجسيد دور هيوستن.
ليس الفيلم، الذي يُعرض حالياً في معظم دور السينما، الأول من نوعه؛ فبعد وفاة هيوستن التراجيدية عام 2012، رُويت سيرتها عبر وثائقيات وأفلام كثيرة. لذلك، فقد كان من المتوقع أن يأتي هذا العمل بما هو جديد، لكنه لم يفعل. لامس القضايا الإنسانية الحساسة بمواربةٍ وتردّد، من دون أن يضعها تحت المجهر.
ليست ويتني هيوستن صاحبة الصوت العظيم والنجاحات الغنائية العالمية فحسب؛ فهي امرأة تخبّطت وسط التحديات منذ الصغر. حاولت والدتها سيسي أن تزرع فيها ما لم تحصده هي بصفتها مغنية. أرادتها النجمة التي ما استطاعت أن تكونها. تظهر سيسي في الفيلم مدرّبة ويتني الأولى، تعاملها بصرامة وتنتقدها بقسوة، وهي التي تدفع بها إلى أحضان الشهرة. لها سطوة كبيرة على حياة ابنتها، منذ كانت مغنية تقف خلفها في الكورس وحتى صارت أيقونة الأغنية الأميركية. لا يفصّل الفيلم تلك العلاقة المعقّدة مع الوالدة، كما أنه لا يدخل إلى كواليس الوالد جون الذي أدار أعمال ابنته وتعامل معها على أنها دجاجة تبيض ذهباً. استغلّها حتى آخر دولار، لكنه لم يغفل مرةً عن مناداتها «أميرتي»...
أما أكثر موضوع يتعامل معه الفيلم بتحفّظ فهو ميول هيوستن الجنسية في بداياتها، وعلاقتها غير الاعتيادية بمديرة أعمالها روبن كراوفورد. مع أنهما يفتتحان الفيلم بسردٍ لبداية تلك العلاقة الاستثنائية، إلا إن الكاتب أنطوني ماك كارتن والمخرجة كايسي ليمونز لا يخوضان في التفاصيل العاطفية، بل يعتمدان زاويتَي المهنة والصداقة لتصوير ما يجمع بين روبِن وويتني.

يكفي الاطّلاع على قائمة الجهات المُنتجة للفيلم، لاستيعاب أسباب كل تلك المواربة والتحفّظ. للمنتج الموسيقي كلايف ديفيس (يؤدي دوره في الفيلم ستانلي توتشي)، ولعائلة هيوستن وللقيّمين على إرثها وأملاكها اليد الطولى في عملية الإنتاج، وهم أشرفوا بالتالي على السيناريو والمحتوى. تقول مخرجة العمل في حديث صحافي إنها كانت تريد تصوير العلاقة المهمة والعميقة بين ويتني وروبن، لكنها لم تفعل. تضيف: «كنت حذرة جداً لأني كنت أعمل مع الورَثة. وجب عليّ أخذ مشاعرهم في الحسبان».
يفسّر تصريح ليمونز العرضَ الأفقي للأحداث والمعالجة التقليدية لسيرة هيوستن. كادت السرديّة تغرق في الرتابة، لو لم تنقذها الفقرات الغنائية التي قدّمتها ناومي آكي باحتراف. على إيقاع أشهر أغاني هيوستن، يسير الفيلم الطويل (ساعتان ونصف الساعة). صحيح أن الأغاني بقيت بصوت هيوستن الأصلي، وصحيح كذلك أن الشبَه ضئيل بين الممثلة والمغنية، لكن هذا التباعد في الشكل يصبح تفصيلاً ما إن تحرّك آكي شفتَيها مؤديةً أعمالاً خالدة مثل «I Will Always Love You» و«I Have Nothing». لقد تقمّصت آكي شخصية هيوستن وعصبَها. وكأنّ روح المغنية سكنت الممثلة وهي تؤدي ذلك الدور، فجسّدتها ببراعة في أجمل لحظات المجد وأتعس أوقات الضعف.


الممثلة ناومي آكي بدور المغنية العالمية ويتني هيوستن (فايسبوك)
يسترسل الفيلم في إعادة إحياء عروض غنائية معيّنة، فتستحوذ تلك المشاهد على معظم الوقت. لكن رغم مدّتها الطويلة، فإنه يمكن القول إنها أقوى ما في العمل، وقد زادتها سحراً قدرات آكي التمثيلية. من افتتاح بطولة الـ«Super Bowl» بأداء هيوستن المذهل النشيد الوطني الأميركي عام 1991، مروراً بحفلها التاريخي في جنوب أفريقيا عام 1994، وليس انتهاءً بحلقتها التلفزيونية مع أوبرا وينفري عام 2009... كلها لحظاتٌ تأخذ الفيلم إلى وقفات متكررة مع الحلم، ومع موسيقى هيوستن الخالدة.
لكن ما إن تصمت الألحان حتى يعود الفيلم إلى المطوّلات والهروب من وضع القضايا الدقيقة على طاولة التشريح. فمن أبرز الموضوعات التي قاربَها «I Wanna Dance With Somebody» بطريقة هامشية وبحذر واضح، معاناة هيوستن مع الإدمان. كيف بدأت تتعاطى المخدّرات؟ مَن كان يؤمّنها لها؟ متى تحوّل الأمر إلى إدمان؟ وهل كانت لزوجها بوبي براون ولأفراد من عائلتها اليد الطولى في إيصالها إلى أسفل الدرك؟ كلها أسئلة لا يجيب الفيلم عنها.
يبقى على المُشاهد استنتاج الأسباب التي أوصلَت هيوستن إلى تدمير صحتها وصوتها بالتعاطي المفرط للمخدرات. لقد خُذلت النجمة العالمية ممّن ظنّتهم حُماةً لها ولمصالحها. لهثوا خلف ثروتها وأنكروها عندما أخطأت، فساهمت الخيبات في انحدارها نحو الهاوية. في أحد المَشاهد تقول: «الكل يستخدمني كما لو كنت صرّافاً آلياً». وفي مشهدٍ آخر تشكو من أنها تعبت من أن تكون كل شيء لكل الناس في حياتها.
منذ الصِغَر لم تُرد هيوستن سوى الغناء، لكن محيطها أراد الكثير من نجوميتها. تعرّضت للاستغلال من أقرب المقرّبين، على رأسهم والدها الذي ظل يطالبها بالملايين حتى على فراش الموت، وزوجها الذي منحته الحب فبادله بالخيانات والتبذير من مالها. مع العلم أن ظهور بوبي براون في الفيلم يبقى خجولاً، مقارنةً بسواه من شخصيات محورية في حياة هيوستن.


ويتني مع صديقتها ومديرة أعمالها روبن كراوفورد
يصوّر الفيلم محاولتها الانتصار لنفسها من خلال مواجهة والدها، والانفصال عن زوجها، والعلاج من الإدمان. لكن كل ذلك، ومعه تعلّقها الشديد بابنتها الوحيدة بوبي كريستينا، لم يُنقذها من دوّامة المخدّرات. يسترجع العمل لحظات العودة إلى الهاوية من خلال أرشيف حفل هيوستن في الدنمارك، حيث خذلها صوتها فغادر الجمهور بالمئات.
أما في «بيفرلي هيلز» حيث كانت المحطة الأخيرة، فقد نظرت ويتني بعينَين تائهتَين حولها لتجد مواهب تصعد، فيما كان صوتها العظيم يخبو. مرةً جديدة لجأت إلى المخدّرات، غير أن تلك المرة كانت القاضية.
اعتُمدت المواربة كذلك في نهاية الفيلم، الذي لم يصوّر ويتني وهي تأخذ الجرعة الأخيرة، وتَعمّد عدم إظهارها غارقةً في حوض الاستحمام داخل غرفة الفندق. اختار فريق «I Wanna Dance With Somebody» نهايةً مجيدة لصوتٍ يليق به المجد. عاد بالزمن إلى أبهى إطلالات هيوستن على مسرح جوائز الموسيقى الأميركية عام 1994، حيث تلألأت بعيداً من الهزائم والنهايات القاتمة.


مقالات ذات صلة

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

يوميات الشرق الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

بعد غيابها عن الأضواء لأكثر من 60 عاماً، رحلت الفنانة المصرية من أصول يونانية، كيتي، في العاصمة اليونانية أثينا، الجمعة، عن عمر ناهز الـ96 عاماً.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق ميسا جلّاد تُحيي حفل ختام المهرجان (نادي لكلّ الناس)

«مهرجان الفيلم العربي»... 6 أيام من العروض والندوات السينمائية

منذ تأسيسه عام 1998، يعمل «نادي لكلّ الناس» على أرشفة الأعمال السينمائية والموسيقية، وترميمها وتحويلها إلى نسخ رقمية.

فيفيان حداد (بيروت)
سينما «مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

الرحلة ليست مغامرة طفولية، بل عبورٌ من البراءة إلى الوعي.

أحمد عدلي (برلين)

فهد القحطاني: تدربت شهرين لـ«سطّام» في «كحيلان»

القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

فهد القحطاني: تدربت شهرين لـ«سطّام» في «كحيلان»

القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)

تحدَّث الممثل السعودي فهد القحطاني لـ«الشرق الأوسط» عن دوره «سطام» في مسلسل «كحيلان» التلفزيوني الملحمي الذي يعرض حالياً. وقال إنه منذ اللحظة الأولى التي قرأ فيها نصّ «كحيلان»، شعر بانجذاب واضح نحو الشخصية، وتعامل مع الدور على أنه تحدٍّ مهنيّ وشخصيّ في آن.

ومن أبرز محطات التحضير للدور تجربة تعلُّم ركوب الخيل. ويوضح القحطاني أنّ لديه خلفية عائلية قريبة من عالم الفروسية، لكن الدخول في التجربة بصفته ممثلاً فرض مساراً تدريبياً جاداً، فبدأ التدريب قبل التصوير واستمر خلاله إلى نحو الشهرين.

في مقابل تجربة الخيل، جاءت المبارزة بالسيوف لتشكّل التحدّي الأكبر، وهنا دخل القحطاني في عالم التكنيك والحركات المحسوبة، ويوضح أنّ الطاقم الفني أدّى دوراً محورياً في إدارة هذه المَشاهد لضمان سلامة الجميع.

وفي نهاية حديثه، بدا فهد القحطاني واقفاً على عتبة مرحلة جديدة؛ إذ منح مسلسل «كحيلان» تجربته دفعة واضحة، وتركت شخصية «سطّام» أثراً عميقاً في مساره عبر الأصداء الإيجابية التي حصدها من الحلقات العشر الأولى للمسلسل.


«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
TT

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)

بعد غيابها عن الأضواء لأكثر من 60 عاماً، رحلت الفنانة المصرية من أصول يونانية، كيتي، في العاصمة اليونانية أثينا، الجمعة، عن عمر ناهز الـ96 عاماً، وذلك بعد صراع طويل مع المرض، وفق وسائل إعلام محلية، وتصدَّر اسم كيتي، «الترند»، على موقع «غوغل» الجمعة، في مصر، عقب تداول خبر الوفاة بكثافة على مواقع «سوشيالية».

بدأت كيتي، العمل بالسينما المصرية في منتصف الأربعينات، وذاع صيتها خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث شاركت بالتمثيل والرقص والاستعراضات في كثير من أفلام السينما المصرية التي دُوِّنت في أرشيفها وما زالت تلقى رواجاً حتى الآن، وفق آراء نقدية وجماهيرية.

وعلى الرغم من شهرتها فإن كيتي اختفت عن الأضواء، وسافرت إلى اليونان، وسط شائعات عدة طالت اسمها حينها، وتنوَّعت بين المرض، والاتهام بالجاسوسية، والموت.

الكاتب المصري محمد الشماع، أكد خبر وفاة الفنانة والراقصة الاستعراضية، عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، وكتب: «بعد نشر تحقيق عن (كيتي) بالاشتراك مع الصديق عبد المجيد عبد العزيز منذ سنوات، والاتصالات لم تنقطع بيننا وبينها سواء بشكل مباشر، أو عبر وسطاء».

وأضاف الشماع: «عرفنا الكثير الذي يستحق أن يُنشَر ويعرفه الناس، ليس فقط لأنها مجرد ممثلة وراقصة ظهرت في السينما المصرية لسنوات، لكن لأنها جزء من تاريخ بشر عاشوا في مصر وخرجوا وهم يحملون حباً خاصاً لها».

الفنانة كيتي في مرحلتَي الشباب والشيخوخة (حساب الكاتب محمد الشماع على «فيسبوك»)

ويستكمل الشماع: «توفيت كيتي بهدوء، بعد معرفة دامت لسنوات، وكان حظنا سيئاً لأننا عرفناها في سنوات عمرها الأخيرة، على الرغم من حفاظها على صحتها وعقلها وذكرياتها»، ونوه الشماع إلى أنه علم بخبر الوفاة، من الطبيب والكاتب اليوناني مانوليس تاسولاس، وهو أحد أصدقاء كيتي المقربين منها في سنواتها الأخيرة.

وعن رأيه في أعمال كيتي، ومشوارها في التمثيل إلى جانب الرقص والاستعراضات التي اشتهرت بها في السينما المصرية، وما الذي ميَّزها بين فنانات جيلها، أكد الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي أن «حياة كيتي كانت غامضة جداً، حتى إن الناس كانوا يسألون: هل ما زالت على قيد الحياة؟».

وأضاف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «ما أفاد كيتي، أنها تميَّزت بطابع خاص وطريقة غربية نوعاً ما، وكانت تتمتع بملامح جميلة وجذابة، في ظل وجود راقصات شرقيات في حجم تحية كاريوكا، وسامية جمال، ونعيمة عاكف، وزينات علوي، وغيرهن، في ذلك الوقت».

ونوه الشناوي إلى أن «الفترة التي كانت تشهد على خلاف بين فريد الأطرش وسامية جمال كانت تتم الاستعانة بها، وهذا الأمر أفادها كثيراً»، مضيفاً: «كيتي راقصة خفيفة الظل، وكانت تتمتع بحضور قوي، لكنها لم تكن ممثلة بالمعنى الحرفي للكلمة».

اشتهرت كيتي، التي وُلدت في ثلاثينات القرن الماضي في مدينة الإسكندرية المصرية الساحلية، بخفة الدم والحركة، والرقص وتقديم الاستعراضات في الأفلام التي شاركت بها، وكان أشهر أدوارها مع الفنان الكوميدي الراحل إسماعيل ياسين، حيث قدَّمت معه مجموعة من الأفلام السينمائية المصرية الشهيرة من بينها «في الهوا سوا»، و«اديني عقلك»، و«ابن ذوات»، و«عفريتة هانم»، و«بنت البلد»، و«الظلم حرام»، و«إسماعيل ياسين في متحف الشمع»، و«أبو عيون جريئة»، بينما كان آخر فيلم جمعهما معاً «العقل والمال»، في منتصف الستينات، بجانب مشاركتها في أفلام سينمائية أخرى، حيث يضم أرشيفها أكثر من 70 فيلماً.


البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
TT

البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)

من خلال هذه البيانات الضخمة يمكن قياس معدل إنفاق السائحين في الفنادق والمطاعم والأماكن المختلفة، يمكن أيضاً التنبؤ بما يريدونه وما لا يريدونه، ويمكن متابعة وتيرة ومناطق الجرائم المتكررة والحد منها فيما يعرف بالشرطة التنبؤية بأميركا، ويمكن أيضاً التحكم في طريقة استهلاك الطاقة في بلد من البلاد كما يحدث في الإمارات. وكذلك الاستعانة بهذه البيانات الضخمة في تحليل العديد من الأمور والظواهر الاجتماعية، خصوصاً في ظل غياب البيانات التقليدية. فما هي طبيعة هذه البيانات الضخمة، وما مصادرها، وما استخداماتها بشكل عام؟

يجيب على هذا السؤال كتاب «البيانات الضخمة BIG DATA: مصادرها واستخداماتها في التنمية» للدكتورة حنان جرجس، الصادر مؤخراً عن «دار العربي للنشر والتوزيع» في القاهرة.

يعرف الكتاب في البداية أهمية علم البيانات ودوره في حصر العديد من الأمور مثل التعداد السكاني وتعداد المدارس والمنشآت وغيرها، والفارق بين البيانات التقليدية، التي يتم جمعها بشكل مباشر من الشارع أو عبر استطلاعات رأي مقصودة، والبيانات الضخمة التي يتم تعريفها مبدئياً بأنها «البيانات ذات الكميات الكبيرة التي يتم إنشاؤها/ جمعها من التفاعلات اليومية للأفراد مع المنتجات أو الخدمات الرقمية، أو من أفعال وتفضيلات الأفراد القابلة للتبع عبر وسائط متنوعة، وهي بيانات تنشأ بصورة يومية طبيعة وليست لأغراض دراسة معينة.

هذه البيانات الضخمة إذن هي كل ما يدور على الشبكة العنكبوتية من تعاملات بوسائل التواصل الاجتماعي أو التطبيقات المختلفة، أو حتى كروت الفيزا أو البطاقة الشخصية أو أي بيانات يمكن التعامل بها رقمياً، ومن ثم تصبح جزءاً من الكم الهائل من البيانات التي يمكن استخدامها لأغراض متنوعة، خصوصاً في مجال التنمية في أكثر من مجال كما أوضحنا في البداية. نحن إذن أمام كنز من المعلومات التي تساعد في فهمنا للعالم وترويضه أيضاً وتحسين صورته عبر التنمية المستدامة.

البيانات الضخمة تُستخدم في العديد من المجالات (الشرق الأوسط)

تتمتع هذه البيانات الضخمة بخصائص بعينها حتى تصبح قابلة للتعمل عليها وتحليلها، كبيرة الحجم، سريعة التواتر، عالية التنوع، لها قيمة كبيرة، على قدر كبير من الصدق. هذه الخصائص هي التي تحكم إمكانية استخدام تلك البيانات أم لا ومدى ملاءمتها للتعبير عن شأن معين أو قياس أمر ما.

وإذا كانت البيانات التقليدية مثل التعداد السكاني أو التعداد الاقتصادي أو الإحصاءات الحيوية مثل المواليد والوفيات، أو قاعدة بيانات الرقم القومي أو المسوح بأنواعها أو استطلاعات الرأي العام يمكنها أن تفيدنا في وضع خطط وسياسات بعينها تخدم الجمهور وتحقق أهداف الدولة، إلا أن البيانات الضخمة لها دور آخر أكثر دقة من سابقه، فهي يمكن أن تحدد اتجاهات عامة وشاملة في التعامل مع أحد القطاعات مثل السياحة أو الصحة أو التعليم أو الصناعة والطاقة، وتسهم في تنمية هذه القطاعات بطريقة مدروسة وعلمية، إذا توافرت شروط البيانات الضخمة ومصدرها وأمكن تحليلها وفق أحدث الطرق التكنولوجية المتاحة والتي سهلت كثيراً هذا الأمر.

يشير الكتاب ليس فقط إلى القيمة الكبيرة التي تمثلها البيانات الضخمة ولكن أيضاً لما تنبئ به من مستقبل مزدهر بناء على قراءة الواقع والاتجاهات العامة للجمهور في مجال بعينه وتغذية مفردات هذا الاتجاه ليكون مصدر جذب وتعظيم مخرجاته بكل السبل الممكنة بناء على البيانات التي تم الحصول عليها.

وتكمن هذه البيانات في كل ما يرتبط بالمفردات الرقمية من وسائل التواصل الاجتماعي للكروت الممغنطة إلى كل وثيقة أو تفاعل أو تعامل بصيغة رقمية في المجال العام أو الخاص، لتصبح هذه التفاعلات بشكل أو بآخر جزءاً من سلسلة متصلة متواصلة من إنتاج البيانات الضخمة التي يمكن الاستفادة منها بطريقة علمية في التنمية والاستدامة.

الكتاب الذي قدمه الدكتور ماجد عثمان وزير الاتصالات المصري سابقاً، وأشار في مقدمته إلى أهميته باعتباره فريداً في مجاله، فلم يسبق أن تناول أحد معالجة البيانات الضخمة بطريقة علمية تفيد خطط التنمية المحلية، يضم عدة فصول ما بين البيانات التقليدية والضخمة ومصادرها واستخداماتها، وربما استفادت الكاتبة من عملها محلياً ودولياً في مراكز لقياس الرأي العام، كما أنها شريك مؤسس لمركز بصيرة لاستطلاعات الرأي وقياس الرأي العام في مصر، وهي من الخبراء البارزين في مجالات الإحصاء والديموغرافيا والتنمية والبحوث الكمية.

ويعد هذا الكتاب بمنزلة خريطة طريق يمكن الاستفادة منه لمعرفة طريقة جمع البيانات الضخمة وتحليلها وتوجيهها بطريقة علمية وعملية للاستفادة منها في وضع سياسات وخطط تنموية في مجالات شتى.