عالم الموضة يرقص على دقات طبول أفريقيا

شانيل.. المكان أفريقي والتشكيلة باريسية

نظرة المصممة حيادية بنكهة باريسية - الأبيض والأسود عوض الألوان الأفريقية الصاخبة - من عرض شانيل - من تصميمات دانكل إينامو خلال أسبوع داكار
نظرة المصممة حيادية بنكهة باريسية - الأبيض والأسود عوض الألوان الأفريقية الصاخبة - من عرض شانيل - من تصميمات دانكل إينامو خلال أسبوع داكار
TT

عالم الموضة يرقص على دقات طبول أفريقيا

نظرة المصممة حيادية بنكهة باريسية - الأبيض والأسود عوض الألوان الأفريقية الصاخبة - من عرض شانيل - من تصميمات دانكل إينامو خلال أسبوع داكار
نظرة المصممة حيادية بنكهة باريسية - الأبيض والأسود عوض الألوان الأفريقية الصاخبة - من عرض شانيل - من تصميمات دانكل إينامو خلال أسبوع داكار

عندما تُذكَر أسابيع الموضة فإن اسم السنغال لا يخطر على بال سوى قلة قليلة من متابعي الموضة، لكن في شهر ديسمبر الماضي عرف الجميع أن لها أسبوعاً عمره 20 عاماً. الفضل يعود لدار «شانيل» التي قررت أن تشدّ الرحال إلى العاصمة داكار لعرض تشكيلتها لعام 2023 من خط «ميتييه داغ».
الأسبوع السنغالي يُنظمه أداما نديايي؛ وهو مصمم من أصول سينغالية يعيش في فرنسا، حيث أسس علامته «أداما باريس». كانت بداخله رغبة جامحة للتعريف بثقافته وفتح الأبواب لأبناء جلدته ليُعبروا عن مواهبهم وخبراتهم في كل المجالات الفنية، وليس فقط الأزياء. فالأسبوع السنغالي أقرب إلى مهرجان صاخب بالموسيقى والأدب، منه إلى أسبوع موضة تقليدي. عروضه تحتفل بكل ما هو محلي وأصيل، وكأن مصمِّميه خائفون على إرثهم من التلاشي والتناسي. فأفريقيا كانت ولا تزال منجم إلهام للكثير من المصممين العالميين، وليس علينا إلا أن نذكر اسم إيف سان لوران أو جون غاليانو، أو الإيطالي أنطونيو ماراس، لكي نتذكر مدى قوة ألوانها وثراء ثقافتها، لكن كل هذا لم يعد كافياً لأبنائها، ولا سيما في السنوات الأخيرة مع ظهور حركات متمردة على كل ما يمُت بصلة إلى العهد الاستعماري بكل ما يتضمنه من تعالٍ أو استغلال. بالنسبة لهؤلاء فإن قوة أفريقيا تكمن في إبداع أبنائها، وتتعدى تنوعها الكبير أو كونها سوقاً مهمة.

هناك نهضة في صناعة الموضة الأفريقية تتمثل في ازدياد أسابيع العروض التي يجري تنظيمها (أ.ف.ب)

وبالفعل فرضت أسماء نفسها على الساحة العالمية من خلال تعاونات مع شركات كبيرة. المصمم ريتش منيسي مثلاً تعاون مؤخراً مع «أديداس» التي طرحت مجموعة أزياء وإكسسوارات تعكس ثقافته وإرثه الأفريقي. هناك أيضاً اهتمام دول أفريقية لاستعراض مهارات مصمِّميها المحليين بتنظيمها أسابيع موضة، نذكر منها، على سبيل المثال، أسبوع جنوب أفريقيا، الذي احتفل مؤخراً بدورته الـ41، وأسبوع أكرا بعامه الـ6، وأسبوع لاغوس الذي تأسس في عام 2011.
لكن بالرغم من جغرافية القارة السمراء الشاسعة وما تُجسده من تنوع ثقافي، وبالرغم من ارتفاع أصوات مؤثرة مثل صوت ناعومي كامبل تطالب بردّ الاعتبار لها، ومجلة «فوغ» بمنح عارضات أفريقيات فُرصاً ليتصدرن أغلفتها، فإن دار «شانيل» الفرنسية هي التي نجحت في تسليط البريق على تنامي اهتمام صُناع الموضة بالقارة السمراء. اهتمام بدأ منذ سنوات، ووصل إلى ذروته في 2022؛ العام الذي تناسوا فيه تعهداتهم ووعودهم خلال جائحة كورونا، بالتخفيف من عدد التشكيلات التي كانوا يعرضونها في الماضي، ومن السفر إلى وجهات بعيدة حفاظاً على البيئة. ما إن فتحت أبواب السفر حتى عادوا إلى سابق عهدهم وكأن شيئاً لم يكن. بالعكس، زادت الشهية على استكشاف أماكن بعيدة، والإقبال على الموضة بكل أنواعها، المستدامة والسريعة على حد سواء. لسان حال المستهلك يقول إن الجائحة علّمته أن الحياة قصيرة ويجب الاستمتاع بكل دقيقة فيها. أما بالنسبة لصُناع الموضة، فإن النموذج القديم لا يزال هو المألوف لديهم، وهو الذي يضمن لهم إيرادات تعوّدوا عليها، ومن الصعب أن يتنازلوا عنها بسرعة. لم يجرِ تقليص عدد التشكيلات الموسمية، ولا الأسفار، بل يمكن القول إنها زادت. توجه «شانيل» إلى داكار؛ عاصمة السنغال لعرض تشكيلتها الخاصة بـ«ميتييه داغ»، أكبر دليل على هذا. بل يمكن القول إنها وجهة تثير بعض التساؤلات.

لم تستلهم مصممة شانيل من ألوان أو نقشات أفريقيا وظلت وفية لأسلوب الدار (صورة خاصة من شانيل لـ{الشرق الأوسط})

فقد جرت العادة أن تتوجه بيوت الأزياء إلى وجهات جديدة وبعيدة عندما تكون لها نية في افتتاح محالّ فيها أو هناك تعاونٌ ما بينهما، أو تعرف مسبقاً أن السوق في هده الوجهة ستنتعش قريباً، ومن ثم تريد أن تستقطب زبائنه. وفي حالة «شانيل» فإنها أيضاً عوّدتنا نسج قصص مثيرة تربطها بأية منطقة تزورها، لكنها لا تنوي افتتاح محل في داكار قريباً، ولم يربطها بالمكان أي خيط، حيث إن الآنسة غابرييل شانيل لم تُفكر يوماً بزيارتها، كما لم تستلهم من ثقافتها، بل ربما يكون في الأمر بعض المخاطرة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العيون متفتحة على أية هفوة قد يُفسرها البعض بالميز العنصري. ثم إن أي تفصيل تفوح منه رائحة إمبريالية يمكن أن يثير الكثير من الجدل تحت شعار «حياة السود مهمة»، خصوصاً أن السنغال كانت من المستعمرات الفرنسية.
كل هذه المخاوف ذابت بعد العرض، وتأكد للجميع أنه لا خوف على «شانيل» من هذا، فهي تُتقن فنون المراوغة إتقانها فنون السحر والجاذبية. راعت أن تنظم عرضها على ذيل أسبوع السنغال، فساهمت في جعله بمثابة عُرس طويل احتفل فيه السنغاليون، ومعهم العالم، بالثقافة والموسيقى والأدب. والأهم من هذا منحتهم إحساساً بالاعتزاز لأن أنظار العالم توجهت إليهم. من الناحية الفنية أيضاً حرصت على أن لا تثير أي جدل يمكن تفسيره بشكل سلبي. لم تستقِ مصممة الدار فيرجيني فيار أي شيء من ألوان أفريقيا الدافئة، باستثناء القليل من النقشات التي زيّنت الأكمام حيناً، أو الصدر حيناً آخر. ظلت نظرتها حيادية، وأسلوبها فرنسياً، لوناً وشكلاً. لم تُكلف نفسها حتى عناء التعاون مع حرفيين محليين. كانت رسالتها واضحة وهي أن انتقالها بخط «ميتييه داغ» لأية وجهة هو أولاً وأخيراً لاستعراض مهارات حرفيّي ورشات «شانيل» المتخصصة في التطريز والترصيع والحياكة مثل لوساج ولومارييه وغيرهم، وهذا ما جعل المكان أفريقياً، والتشكيلة فرنسية خالصة تختزل كل الجماليات التي تُبدعها الدار، بدءاً من التايورات، إلى فساتين المساء والسهرة والكوكتيل وغيرها.
باستثناء نية «شانيل» العودة إلى داكار، هذا الشهر، لفتح حوار مع حرفيّيها ونقل خبرة ورشاتها المتخصصة، فإنك تستنتج أن هدفها من اختيار الوجهة لم يكن سوى جذب المزيد من الأنظار والتساؤلات، تماماً مثلما حصل عندما توجهت منذ بضع سنوات إلى كوبا. فهذه الأخيرة أيضاً لم تكن معروفة بصناعة الموضة، ومع ذلك حققت للدار ما كانت ترغب فيه من تغطيات مجانية لا تُقدَّر بثمن، سلطت الضوء على مهاراتها ورسخت مكانتها عالمياً كدار أزياء جريئة في اختياراتها وواثقة من قدراتها. ثم لا ننسى أن هناك تشابهاً كبيراً بين تجربتيْ كوبا وداكار. فعدا أن الدار لم تكن تنوي افتتاح محالّ جديدة في أي منهما، هناك الصعوبة اللوجيستية التي لا يمكن تجاهلها، من توفير فنادق خمس نجوم تليق بضيوفها الـ850 (في داكار) والذين كان من بينهم فاريل ويليامز، ويتني بيك وغيرهما، إلى سرعة الإنترنت وأهميتها للحصول على التغطيات.
وفق تصريح لرئيسها التنفيذي برونو بافلوفسكي، فإن التجربة يمكن أن تشكل نموذجاً لتعاون مختلف يرتكز على تبادل ثقافي وخبرات مختلفة في حقبة تحتفي بالاختلاف «إذ من الصعب أن تكون مبتكِراً وأنت واقف في مكان واحد»، وفق قوله.

خطوات بسيطة رسّخت أقدام أفريقيا في عالم الموضة

> في شهر فبراير (شباط) الماضي، تصدرت وجوه 9 عارضات أفريقيات غلاف مجلة «فوغ» النسخة البريطانية. أثار الغلاف الكثير من الجدل الإيجابي صَبّ في صالح كل من رئيس تحرير المجلة إدوارد إيننفول، والمصور رافائيل بافاروتي. كانت الفكرة جديدة وجريئة في الوقت نفسه، رغم أن البعض انتقد اللون الأسود الذي استعمل في «الفوتوشوب» لجعل بعضهن أكثر سواداً مما هُنّ عليه في الحقيقة.
> في شهر يونيو (حزيران) نظم متحف «فكتوريا أند ألبرت» ولأول مرة في تاريخه منذ 170 عاماً، معرضاً يتتبع تاريخ الموضة الأفريقية من بدايتها إلى اليوم. ويشمل المعرض الذي يمتد إلى شهر أبريل المقبل، شتى أنواع فنون الموضة من الأقمشة والرسمات والموسيقى وغيرها.
> في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، جرى ترشيح النيجيري أديجو تومسون لجائزة «وولمارك» الأسترالية، التي سيُعلن عن الفائز بها في شهر أبريل (نيسان) المقبل. قوة المصمم تكمن في اهتمامه بصناعة الأقمشة وإتقانه تقنيات الدباغة التي يستعملها كوسيلة للحفاظ على تقاليد متوارثة في هذا المجال، علماً بأن مصممين أفارقة آخرين مثل كينيث إيزي من نيجيريا، وثيبي ماغاغو من جنوب أفريقيا كانا من بين المرشحين للجائزة في عام 2021. تجدر الإشارة هنا إلى أن ثيبي ماغاغو تعاون، هذا العام، مع كل من «ديور» و«أديداس»، إلى جانب دار «فالنتينو».


مقالات ذات صلة

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.