حصاد مسلسلات 2022 العالمية: «مو» ظاهرة العام، وشهية مفتوحة على الألغاز والجريمة

«مو» ظاهرة السنة، و«دامر» من الأعلى مشاهدةً (نتفليكس)
«مو» ظاهرة السنة، و«دامر» من الأعلى مشاهدةً (نتفليكس)
TT

حصاد مسلسلات 2022 العالمية: «مو» ظاهرة العام، وشهية مفتوحة على الألغاز والجريمة

«مو» ظاهرة السنة، و«دامر» من الأعلى مشاهدةً (نتفليكس)
«مو» ظاهرة السنة، و«دامر» من الأعلى مشاهدةً (نتفليكس)

بين الدراما الواقعية وتلك التاريخية، تأرجحت أذواق مشاهدي المسلسلات التلفزيونية خلال 2022. أما غالبية الأنظار فكانت متّجهة إلى الخيال والجريمة والرعب، في ما يبدو شهية متزايدة لدى جمهور منصات البث على كل ما هو مشوِّق ومثير للاستغراب والاستفهام.

Mo... إجماع غير مسبوق

من بين كل الإنتاجات الدرامية هذه السنة، شكّل مسلسل «مو Mo» بحلقاته الثماني حالةً استثنائية، فالعمل الذي يمزج بين الدراما والكوميديا يصوّر يوميات المهاجر الفلسطيني مو نجار، المقيم مع عائلته في هيوستن الأميركية. لا تختلف الحكاية كثيراً عن سيرة الممثل مو عامر، الذي يؤدي دور البطولة ببراعة.
لا تنتصر المعاناة على الفرح في المسلسل الذي عرضته منصة «نتفليكس»، وشارك في كتابته الممثل والمنتج المصري الأصل رامي يوسف. صحيح أن مو يصارع وضعه بصفته لاجئاً غير شرعي، متنقلاً بين وظيفة وأخرى، لكن ذلك لا يحُول دون تغليب الكوميديا الهادفة والنص الذكي. وقد أجمع النقّاد شرقاً وغرباً على أن «مو» هو أحد أهم إنتاجات العام، خصوصاً أنه يصوّر واقعاً يعيشه كثيرون في الولايات المتحدة ممّن يقيمون في البلد منذ عشرات السنين، ولا ينتمون قانونياً إليه.

Better Call Saul… حبٌ يلطّف الجريمة

بلغ «Better Call Saul»، هذه السنة، عامه السابع وموسمه السادس والأخير. وفي وقتٍ تهافتت المنصات العالمية على عرضه، أجمع النقّاد على تميُّز هذا الموسم بأداء بارع للممثلين، وبنص متين لا يخلو من الثقل العاطفي. دخلت قصة حب على خط الجريمة والحبكة القانونية، كما أن الشخصيات شهدت تطوراً درامياً فتمكّن البطل المزدوج «ساول» أو «جيمي» أن يتعايش مع تلك الثنائية التي تتحكم بهويته.
المسلسل المحبوب بسبب جرأته على الغوص في الأخلاقيات البشرية، وعلى فضح عيوب النظام القانوني الأميركي، نال في موسمه الأخير استحسان النقاد و7 ترشيحات إلى جوائز «إيمي».

House of the Dragon... عطشٌ إلى الفانتازيا

لم يجد عشّاق سلسلة «لعبة العروش (Game Of Thrones)» كل ما يشفي غليلهم في «House of the Dragon». ورغم أن أحداث حلقاته اﻟ10 مرتبطة بشكل أو بآخر بالمسلسل الخيالي الأشهر على الإطلاق، فإنه لم يرتقِ إلى مستواه، لكن ذلك لم يحُل دون تحقيقه أرقام مشاهدات مرتفعة جداً. ففي الولايات المتحدة وحدَها شاهد 10 ملايين شخص المسلسل في أولى ليالي عرضه في أغسطس (آب) 2022. وليس ذلك مستغرباً؛ إذ إن حملة تسويق عالمية ضخمة سبقت إطلاق «House of the Dragon».
جاء بعض تعليقات النقّاد سلبياً وتمحور حول العنف المفرط والحبكة المعقّدة والشخصيات التي لم تَعلق في الأذهان ولا في القلوب. أما على الضفة الإيجابية فحصد المسلسل إعجاباً بصورته الممتازة، وبالكتابة والإخراج الجيّدَين. وسيكون محبّو المسلسل على موعد مع موسم ثانٍ منه، لم تتردد منصة «HBO» في اتخاذ قرار إنتاجه بعد نجاح الموسم الأول.


ملصَق مسلسل House of the Dragon (HBO)

The Rings of Power... عودة سيّد الخواتم

بالتزامن مع بدء عرض «House of the Dragon» أطلقت منصة «أمازون برايم» مسلسل «The Rings of Power». لم يكن هذا التوقيت عنصراً مساعداً لنجاح المسلسل، بما أن الأضواء كلها كانت مسلَّطة على مُنافسه. الحلقات اﻟ8 المقتبسة من الرواية الخيالية «The Lord of the Rings» خُصصت لها ميزانية إنتاجية وتسويقية هي الأضخم على الإطلاق. نتحدث هنا عن مليار دولار أميركي... لكن رغم هذا الرقم الخيالي، فإن العمل لم يَرُق النقّاد، ولم يجذب المشاهدين بقدر ما كان متوقّعاً.


شخصية غالادرييل تؤديها الممثلة مورفيد كلارك (أمازون برايم)

Stranger Things... الموسم الأقوى

إذا كانت المواسم الثلاثة الأولى من «Stranger Things» قد شكّلت ظاهرة درامية، فإن الموسم الرابع ما قبل الأخير استحقّ أكبر كمٍ من التصفيق والثناء، إضافةً إلى 13 ترشيحاً لجوائز «إيمي» التلفزيونية.
بين الخيال والرعب والتشويق تنقّلت أحداث الحلقات الـ9، والتي تميّزت بأداء ممتاز للممثلين، كما تحكّمت بالمسلسل ثيمات أكثر واقعية ممّا سبق، أفردت مساحة للمشاعر الإنسانية، الأمر الذي راقَ النقّاد والمشاهدين على حد سواء. منح هذا الثقل العاطفي وتماسُك الحبكة عمقاً للشخصيات ونضجاً للعمل الذي يُعدّ من أهم مسلسلات «نتفليكس» على الإطلاق.

Euphoria... زيندايا نجمة كل المواسم

افتتحت منصة «HBO Max» عام 2022 بموسم ثانٍ من مسلسل «Euphoria» ضاربةً موعداً مع النجاح. فبعد سنتيْن من التوقف القسري عن التصوير جرّاء جائحة كورونا، كان جمهور المسلسل يترقب تتمّة الحكاية وبطلتها الممثلة والمغنية الأميركية زيندايا. وقد تميزت الأخيرة من خلال أدائها دور الفتاة التي تحاول أن تجد لها مكاناً في هذا العالم، بعد أن صارعت من أجل التخلص من الإدمان.
الموسم الذي يغوص في أفكار الجيل الصاعد وسعيهم المستمر وراء العاطفة والاهتمام، لن يكون الأخير ضمن السلسلة، إذ من المتوقع أن يُعرض الموسم الثالث خلال سنة 2023.

Inventing Anna... ميني مسلسل بحلقات طويلة

نادراً ما تُخطئ شوندا رايمز عندما تُخرج أرنباً جديداً من بين دفاترها، على هيئة مسلسل. وها هي المُنتجة والكاتبة الأميركية التي سبقَ أن أتحفت الجماهير بمسلسليْ «Grey’s Anatomy» و«Bridgerton»، تقدّم بالتعاون مع «نتفليكس» دراما قصيرة بعنوان «Inventing Anna».
بحلقاتٍ 9 امتدّ معظمها أكثر من ساعة، روَت رايمز حكاية معقّدة إنما مسلّية، ومقتبسة من الواقع. هي رواية الروسية آنا سوروكين المعروفة بآنا ديلفي، والتي احتالت على مجتمع نيويورك المخملي مُقنعةً إياهم بأنها من أثرياء ألمانيا. وقد تطرّق المسلسل إلى إشكالية الصورة الزائفة التي تتحكم بالعالم حالياً، والتي عززتها منصات التواصل الاجتماعي.


الممثلة جوليا غارنر بدور آنا ديلفي (نتفليكس)

The Crown... الصفحة ما قبل الأخيرة

بعد مرور أسابيع على وفاة الملكة إليزابيث، بدأت «نتفليكس» بث الموسم الخامس من «The Crown»، وسرعان ما احتلّ المسلسل المرتبة الأولى حول العالم، سارداً أحداثاً كادت تهز عرش بريطانيا، وأظهرت الملكة في أضعف لحظات حياتها وحُكمها. وفي حين شكّلت الأميرة ديانا محطّ الأنظار، يُنتظر أن توثَّق وفاتُها التراجيدية في الموسم السادس والأخير الذي يجري تصويره حالياً.
وحدها حكاية الثنائي هاري وميغان، التي صُوّرت من خلال وثائقي بثّته «نتفليكس»، جاءت لتهدّد موقع «ذا كراون». فقد استطاع الوثائقي جمع عدد كبير من المشاهَدات مع بدء بثه في آخر شهر من السنة.


الممثلة إليزابيث ديبيكي بدور الأميرة ديانا (نتفليكس)

Dahmer... العطش إلى الدم

بعيداً عن الدراما التاريخية والروايات الخيالية، تصدّرت مادة تلفزيونية جديدة الأرقام واستحوذت على اهتمام المشاهدين. إنها حكايات القتلة المتسلسلين برُعبها وإثارتها وتوحّشها، وقد اختصرها، هذه السنة، جيفري دامر. رغم محتواه الدموي، فإن المسلسل المقتبس من قصة حقيقية لقي رواجاً غير مسبوق على منصة «نتفليكس».



«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.