حصاد مسلسلات 2022 العالمية: «مو» ظاهرة العام، وشهية مفتوحة على الألغاز والجريمة

«مو» ظاهرة السنة، و«دامر» من الأعلى مشاهدةً (نتفليكس)
«مو» ظاهرة السنة، و«دامر» من الأعلى مشاهدةً (نتفليكس)
TT

حصاد مسلسلات 2022 العالمية: «مو» ظاهرة العام، وشهية مفتوحة على الألغاز والجريمة

«مو» ظاهرة السنة، و«دامر» من الأعلى مشاهدةً (نتفليكس)
«مو» ظاهرة السنة، و«دامر» من الأعلى مشاهدةً (نتفليكس)

بين الدراما الواقعية وتلك التاريخية، تأرجحت أذواق مشاهدي المسلسلات التلفزيونية خلال 2022. أما غالبية الأنظار فكانت متّجهة إلى الخيال والجريمة والرعب، في ما يبدو شهية متزايدة لدى جمهور منصات البث على كل ما هو مشوِّق ومثير للاستغراب والاستفهام.

Mo... إجماع غير مسبوق

من بين كل الإنتاجات الدرامية هذه السنة، شكّل مسلسل «مو Mo» بحلقاته الثماني حالةً استثنائية، فالعمل الذي يمزج بين الدراما والكوميديا يصوّر يوميات المهاجر الفلسطيني مو نجار، المقيم مع عائلته في هيوستن الأميركية. لا تختلف الحكاية كثيراً عن سيرة الممثل مو عامر، الذي يؤدي دور البطولة ببراعة.
لا تنتصر المعاناة على الفرح في المسلسل الذي عرضته منصة «نتفليكس»، وشارك في كتابته الممثل والمنتج المصري الأصل رامي يوسف. صحيح أن مو يصارع وضعه بصفته لاجئاً غير شرعي، متنقلاً بين وظيفة وأخرى، لكن ذلك لا يحُول دون تغليب الكوميديا الهادفة والنص الذكي. وقد أجمع النقّاد شرقاً وغرباً على أن «مو» هو أحد أهم إنتاجات العام، خصوصاً أنه يصوّر واقعاً يعيشه كثيرون في الولايات المتحدة ممّن يقيمون في البلد منذ عشرات السنين، ولا ينتمون قانونياً إليه.

Better Call Saul… حبٌ يلطّف الجريمة

بلغ «Better Call Saul»، هذه السنة، عامه السابع وموسمه السادس والأخير. وفي وقتٍ تهافتت المنصات العالمية على عرضه، أجمع النقّاد على تميُّز هذا الموسم بأداء بارع للممثلين، وبنص متين لا يخلو من الثقل العاطفي. دخلت قصة حب على خط الجريمة والحبكة القانونية، كما أن الشخصيات شهدت تطوراً درامياً فتمكّن البطل المزدوج «ساول» أو «جيمي» أن يتعايش مع تلك الثنائية التي تتحكم بهويته.
المسلسل المحبوب بسبب جرأته على الغوص في الأخلاقيات البشرية، وعلى فضح عيوب النظام القانوني الأميركي، نال في موسمه الأخير استحسان النقاد و7 ترشيحات إلى جوائز «إيمي».

House of the Dragon... عطشٌ إلى الفانتازيا

لم يجد عشّاق سلسلة «لعبة العروش (Game Of Thrones)» كل ما يشفي غليلهم في «House of the Dragon». ورغم أن أحداث حلقاته اﻟ10 مرتبطة بشكل أو بآخر بالمسلسل الخيالي الأشهر على الإطلاق، فإنه لم يرتقِ إلى مستواه، لكن ذلك لم يحُل دون تحقيقه أرقام مشاهدات مرتفعة جداً. ففي الولايات المتحدة وحدَها شاهد 10 ملايين شخص المسلسل في أولى ليالي عرضه في أغسطس (آب) 2022. وليس ذلك مستغرباً؛ إذ إن حملة تسويق عالمية ضخمة سبقت إطلاق «House of the Dragon».
جاء بعض تعليقات النقّاد سلبياً وتمحور حول العنف المفرط والحبكة المعقّدة والشخصيات التي لم تَعلق في الأذهان ولا في القلوب. أما على الضفة الإيجابية فحصد المسلسل إعجاباً بصورته الممتازة، وبالكتابة والإخراج الجيّدَين. وسيكون محبّو المسلسل على موعد مع موسم ثانٍ منه، لم تتردد منصة «HBO» في اتخاذ قرار إنتاجه بعد نجاح الموسم الأول.


ملصَق مسلسل House of the Dragon (HBO)

The Rings of Power... عودة سيّد الخواتم

بالتزامن مع بدء عرض «House of the Dragon» أطلقت منصة «أمازون برايم» مسلسل «The Rings of Power». لم يكن هذا التوقيت عنصراً مساعداً لنجاح المسلسل، بما أن الأضواء كلها كانت مسلَّطة على مُنافسه. الحلقات اﻟ8 المقتبسة من الرواية الخيالية «The Lord of the Rings» خُصصت لها ميزانية إنتاجية وتسويقية هي الأضخم على الإطلاق. نتحدث هنا عن مليار دولار أميركي... لكن رغم هذا الرقم الخيالي، فإن العمل لم يَرُق النقّاد، ولم يجذب المشاهدين بقدر ما كان متوقّعاً.


شخصية غالادرييل تؤديها الممثلة مورفيد كلارك (أمازون برايم)

Stranger Things... الموسم الأقوى

إذا كانت المواسم الثلاثة الأولى من «Stranger Things» قد شكّلت ظاهرة درامية، فإن الموسم الرابع ما قبل الأخير استحقّ أكبر كمٍ من التصفيق والثناء، إضافةً إلى 13 ترشيحاً لجوائز «إيمي» التلفزيونية.
بين الخيال والرعب والتشويق تنقّلت أحداث الحلقات الـ9، والتي تميّزت بأداء ممتاز للممثلين، كما تحكّمت بالمسلسل ثيمات أكثر واقعية ممّا سبق، أفردت مساحة للمشاعر الإنسانية، الأمر الذي راقَ النقّاد والمشاهدين على حد سواء. منح هذا الثقل العاطفي وتماسُك الحبكة عمقاً للشخصيات ونضجاً للعمل الذي يُعدّ من أهم مسلسلات «نتفليكس» على الإطلاق.

Euphoria... زيندايا نجمة كل المواسم

افتتحت منصة «HBO Max» عام 2022 بموسم ثانٍ من مسلسل «Euphoria» ضاربةً موعداً مع النجاح. فبعد سنتيْن من التوقف القسري عن التصوير جرّاء جائحة كورونا، كان جمهور المسلسل يترقب تتمّة الحكاية وبطلتها الممثلة والمغنية الأميركية زيندايا. وقد تميزت الأخيرة من خلال أدائها دور الفتاة التي تحاول أن تجد لها مكاناً في هذا العالم، بعد أن صارعت من أجل التخلص من الإدمان.
الموسم الذي يغوص في أفكار الجيل الصاعد وسعيهم المستمر وراء العاطفة والاهتمام، لن يكون الأخير ضمن السلسلة، إذ من المتوقع أن يُعرض الموسم الثالث خلال سنة 2023.

Inventing Anna... ميني مسلسل بحلقات طويلة

نادراً ما تُخطئ شوندا رايمز عندما تُخرج أرنباً جديداً من بين دفاترها، على هيئة مسلسل. وها هي المُنتجة والكاتبة الأميركية التي سبقَ أن أتحفت الجماهير بمسلسليْ «Grey’s Anatomy» و«Bridgerton»، تقدّم بالتعاون مع «نتفليكس» دراما قصيرة بعنوان «Inventing Anna».
بحلقاتٍ 9 امتدّ معظمها أكثر من ساعة، روَت رايمز حكاية معقّدة إنما مسلّية، ومقتبسة من الواقع. هي رواية الروسية آنا سوروكين المعروفة بآنا ديلفي، والتي احتالت على مجتمع نيويورك المخملي مُقنعةً إياهم بأنها من أثرياء ألمانيا. وقد تطرّق المسلسل إلى إشكالية الصورة الزائفة التي تتحكم بالعالم حالياً، والتي عززتها منصات التواصل الاجتماعي.


الممثلة جوليا غارنر بدور آنا ديلفي (نتفليكس)

The Crown... الصفحة ما قبل الأخيرة

بعد مرور أسابيع على وفاة الملكة إليزابيث، بدأت «نتفليكس» بث الموسم الخامس من «The Crown»، وسرعان ما احتلّ المسلسل المرتبة الأولى حول العالم، سارداً أحداثاً كادت تهز عرش بريطانيا، وأظهرت الملكة في أضعف لحظات حياتها وحُكمها. وفي حين شكّلت الأميرة ديانا محطّ الأنظار، يُنتظر أن توثَّق وفاتُها التراجيدية في الموسم السادس والأخير الذي يجري تصويره حالياً.
وحدها حكاية الثنائي هاري وميغان، التي صُوّرت من خلال وثائقي بثّته «نتفليكس»، جاءت لتهدّد موقع «ذا كراون». فقد استطاع الوثائقي جمع عدد كبير من المشاهَدات مع بدء بثه في آخر شهر من السنة.


الممثلة إليزابيث ديبيكي بدور الأميرة ديانا (نتفليكس)

Dahmer... العطش إلى الدم

بعيداً عن الدراما التاريخية والروايات الخيالية، تصدّرت مادة تلفزيونية جديدة الأرقام واستحوذت على اهتمام المشاهدين. إنها حكايات القتلة المتسلسلين برُعبها وإثارتها وتوحّشها، وقد اختصرها، هذه السنة، جيفري دامر. رغم محتواه الدموي، فإن المسلسل المقتبس من قصة حقيقية لقي رواجاً غير مسبوق على منصة «نتفليكس».



دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».