2022... عام تأرجح بين طموحات مثالية وواقع مضطرب

جدل واستغناءات... وتغير مناصب

من عرض شانيل في السنغال
من عرض شانيل في السنغال
TT

2022... عام تأرجح بين طموحات مثالية وواقع مضطرب

من عرض شانيل في السنغال
من عرض شانيل في السنغال

أحداث وتغيرات كثيرة أثرت في عالم الموضة هذا العام، وستنعكس آثارها طويلاً على ثقافتنا ككل... ثقافة تحركها نوايا طيبة من المطالبة بحقوق العاملين في صناعة الموضة، وحماية البيئة بسن قوانين صارمة، إلى البحث عن حلول بعيدة المدى، من دون أن ننسى مطالب الجيل الجديد. فهذا الأخير أصبحت له قوة تأثير يستمدها من تمكُّنه من أدوات العصر، أي وسائل التواصل الاجتماعي.
شريحة من هذا الجيل لها تطلعات مثالية في مجالات البيئة والأنشطة الاجتماعية وغيرهما، بينما هناك أيضاً شريحة أخرى متمردة على الوضع، إن لم نقل «غاضبة» من الجيل السابق، وتلقي عليه باللوم فيما آل إليه الوضع حالياً، وتطالبه بتحمل المسؤولية في تصحيح الوضع.
الإقبال على شراء منتجات رخيصة من دون التحقق من مصدرها وطرق صناعتها له مبرراته بالنسبة لهذه الشريحة من هذا الجيل.

من تصاميم توم فورد قبل تقاعده (أ.ب)

فهو من جهة يعاني من شُح الإمكانيات المادية التي تسمح له بشراء منتجات باهظة الثمن تحترم معايير الاستدامة، ومن جهة أخرى، لا يمكنه الاستغناء عن متعة الموضة.
هذه الازدواجية تضع المطالبين بالاستدامة وإحداث تغييرات جذرية في مجال الموضة، في حيرة من أمرهم، وتُبطئ من عملية الدفع بمفهوم الاستدامة إلى الأمام بالوتيرة التي يطمحون إليها.
هناك أيضاً المجموعات الكبيرة التي حققت، لعقود من الزمن، أرباحاً هائلة باعتمادها على النموذج القديم. هي الأخرى تتخبط في هذا المجال وإن كان يُحسب لها أنها بدأت فعلياً بالبحث عن طرق فعالة وجديدة سواء في ابتكار خامات صديقة للبيئة أو من خلال التقليل من إنتاجها وما شابه ذلك، بيد أنها لا تستطيع أن تستغني عن أرباح تعودت عليها طويلاً.
أكبر دليل على هذا أن وعودها خلال الجائحة بالتقليل من السفر للخفض من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تلاشت مع الهواء بمجرد عودة الحياة إلى سابق عهدها.
لم تتوقف عروض الكروز بل زاد عددها سواء بدخول بيوت لم تكن تُقدم هذا الخط من قبل الجائحة أو بعدم رغبة بعض بيوت الأزياء التقيد ببرامج أسابيع الموضة الرسمية.
دار «شانيل» التي بدأت هذا التقليد وبرعت فيه، مثلاً، قدمت خطها الخاص المعروف باسم «ميتييه داغ»، والذي تحتفل به بالأنامل الناعمة من الحرفيين المتخصصين في مجالات مهمة لا تكتمل أركان الموضة من دونهم، في السنغال. وكأن هذا لا يكفي فإنها أعلنت أنها ستعيد تقديمه قريباً في اليابان.
هذه الرغبة في عودة الحياة إلى سابق عهدها وكأن الجائحة لم تكن، طالت أيضاً مصائر مصممين عدة، تمثلت في اتخاذ قرارات قاسية استغنت فيها بيوت أزياء عن بعضهم رغم أنهم كبروا معها، وحققوا لها كثيراً قبل أن تُستنزف طاقاتهم وتتأثر ملكتهم الإبداعية تحت الضغوطات.

من تصاميم أليساندرو ميكيلي لـ«غوتشي» (أ.ب)

من أهم أحداث العام

«أسبوع لندن» يُعلن الحداد على وفاة الملكة

شهد «أسبوع لندن» نكسة كبيرة في الموسم الماضي، والذي كان من المفترض أن يتوجه لربيع وصيف 2023، وخصوصاً أن المشرفين عليه والمشاركين فيه كانوا يأملون أن يتعافى بعد جائحة «كورونا» وما خلفته من متاعب وإفلاسات، والسبب كان وفاة الملكة إليزابيث الثانية.
تسبب الحدث في صدمة لصناع الموضة في لندن تحديداً. لم يكن التوقيت الذي تزامن مع أسبوعها في صالحهم. معظم العروض المُبرمجة، إن لم نقل كلها، مرت مرور الكرام دون احتفالية أو تغطيات إعلامية؛ احتراماً للحدث الجليل، فضلاً عن أن بيوتاً كبيرة مثل «بيربري» و«راف سيمونز» ألغت عروضها أو أجلتها إلى حين انتهاء فترة الحداد.

من آخر عرض لأليساندرو ميكيلي (إ.ب.أ)

توم فورد يتقاعد مليارديراً

أخيراً، أخذ المصمم الأميركي قراره بالتقاعد إلى أجل غير مسمى. نقطة النهاية بالنسبة له كانت بيع شركته الخاصة بالمكياج والجمال.
المصمم، البالغ من العمر 61 عاماً، لمَّح منذ فترة إلى أنه يريد الابتعاد عن عالم الموضة. كانت البداية بتنحيه عن رئاسة «مجلس موضة المصممين الأميركيين» في شهر مايو (أيار) الماضي، والآن ببيع شركة حققت له أرباحاً طائلة وجعلته يتقاعد وفي رصيده 2.8 مليار دولار.
عديد من الشركات الكبيرة مثل مجموعة «كيرينغ» المالكة لبيوت أزياء «إيف سان لوران»، و«بالنسياغا»، و«غوتشي»، و«ألكسندر ماكوين» وغيرها، تنافست للاستحواذ على شركته.
في الأخير رسا الخيار على «إيستي لودر» التي قدمت أعلى سعر، وهو 2.8 مليار دولار. كان المبلغ باعتراف الكل باهظاً، لكنه بالنسبة للشركة المتخصصة في صناعة الجمال فإنه استثمار جيد... من جهة لأن اسم توم فورد له رنّة الذهب، ومن جهة ثانية لأن العطور ومستحضرات التجميل انتعشت بعد جائحة «كورونا» بشكل غير مسبوق.
ووفقاً لشروط الصفقة، سيستمر توم فورد في منصبه حتى نهاية 2023، في حين سيستمر شريكه دومينيك دو سول، رئيس مجلس إدارة «توم فورد إنترناشيونال» مستشاراً خلال الفترة نفسها، بعدها تتحول الملكية كاملة إلى «إيستي لودر».

«غوتشي» تودع أليساندرو ميكيلي (رويترز)

«غوتشي» تستغني عن مصممها

تفاجأ عالم الموضة بإعلان دار «غوتشي» خبر انتهاء عقدها مع أليساندرو ميكيلي. على الرغم من أن الشائعات كانت تدور وراء الكواليس حول الموضوع، فإن سرعة التنفيذ لم تكن متوقعة. كان الانفصال في اليوم ذاته.
العارفون بخفايا الدهاليز، يقولون إن المجموعة أمهلت المصمم وطالبته منذ فترة بإجراء تجديدات على أسلوبه بعد أن تراجعت المبيعات، لكن المصمم لم يقم بأية خطوة بهذا الاتجاه. وكان أليساندرو ميكيلي عند تعيينه مصمماً فنياً لـ«غوتشي» في عام 2015 مفاجأة سارة للدار الإيطالية ولعالم الموضة.
أدخل أسلوباً خض به المتعارف عليه، حيث دمج أسلوب الفينتاج بالنقشات المتضاربة والألوان الصارخة، بشكل لم يكن أحد يتوقع أن يلقى ترحاباً في كل أسواق العالم.
انتعشت المبيعات وزادت الأرباح ما بين عامي 2015 و2019 بشكل أثلج صدور المستثمرين. لكن بعد مرور سنوات عدة، بدأ الملل يدِب في نفوس المستهلكين الذين بدأوا يتوجهون إلى ماركات أخرى مثل «إيف سان لوران»، الأمر الذي انعكس على الأرباح.

من آخر عرض للمصمم ريكاردو تيشي لدار بيربري

سقوط كيني ويست

كان ظهور المغني الأميركي مرتدياً قميصاً كُتب عليه شعار «حياة البيض مهمة» في أسبوع الموضة بباريس الأخير، القشة التي جعلت عالم الموضة يُسارع بالتنصل من أي علاقة تربطه بالمغني صاحب ماركة «ييزي». فهذا الشعار الذي يستخدمه اليمين المتطرف الأميركي يُمثل كل معاني العنصرية التي يُندد بها العالم في السنوات الأخيرة بشراسة. إضافة إلى هذا كانت له تصريحات معادية للسامية أثارت الخوف من أي ارتباط به.
وهكذا أنهت كل من «أديداس» و«بالنسياغا» شراكتهما معه. أعلنت «أديداس» إنهاء تصنيعها كل المنتجات التابعة لمجموعة «ييزي»، التي يصممها المغني، رغم أن شراكة الشركة الألمانية مع مغني الراب كانت «إحدى أنجح الشراكات في تاريخها».

«بيربري» تستغني عن مصممها ريكاردو تيشي

هو الآخر ترك الدار بشكل سريع ومن دون مقدمات. بعد يومين فقط من عرضه لربيع وصيف 2023 في لندن، تم إعلان الخبر مرفوقاً باسم خليفته، البريطاني دانييل لي، المصمم السابق في دار «بوتيغا فينيتا». السبب حسب المتابعين أنه على الرغم من إعجاب ريكاردو تيشي بالروح البريطانية، فإنه فشل في فهمها من العُمق.
غلبت على تصاميمه للدار بصماته الخاصة مثل الأسلوب القوطي، الذي أحضره معه من دار «جيفنشي» التي عمل فيها سابقاً، وغابت الغرابة البريطانية التي تدخل في صميم ثقافتها الفنية.
صحيح أنه لم يتجاهل رموز الدار مثل الغاباردين والمعطف الواقي من المطر والكاروهات، إلا أنه لم يُضف إليها شيئاً يستحق الذكر، لا من الناحية الفنية أو الناحية التجارية.
أرقام المبيعات تقول إنه أصاب في الجانب الرجالي وخاب في الجانب النسائي، وخصوصاً عندما قرر طرح أزياء راقية بأسعار تعكس حرفيتها. ارتقى بها وجمل صورتها، لكنه تعثر في تسويقها لمستهلك تعود على أسلوب الدار الكلاسيكي وأدمنه.
الآمال الآن معقودة على خليفته دانييل لي، ليعيد للدار شخصيتها البريطانية، ومن ثم ولاء زبائنها القدامى. فهو بريطاني الهوى، كما أنه حقق لدار «بوتيغا فينيتا» التي تركها في عام 2021، كثيراً من النجاحات التي تشهد عليها مبيعات الحقائب تحديداً.

كبوة «بالنسياغا»

يقول المثل «كبوة الشاطر بعشر»، وهو ما ينطبق على دار «بالنسياغا» التي تعوَّدت على إحداث الصدمة بالتطرق إلى موضوعات حساسة لإثارة الانتباه وتحفيز الشراء على حد سواء.
نجحت في ذلك لسنوات طويلة، لكن حملتها الترويجية الأخيرة لم تكن في صالحها. أثارت عليها موجة غضب عالمية، السبب هو ظهور أطفال في الحملة وهم يحملون أكسسوارات ذات دلالات جنسية.
ظهور مستندات تحمل رسائل مبطّنة وتفاصيل أخرى تتناول الأطفال زاد الطين بلة، وهو ما ندّدت به «بالنسياغا»، مشيرة إلى أنها رفعت دعوى ضد شركة «نورث سيكس» للإنتاج، ومصمم الديكور نيكولاس دي جاردان، لتضمينهما حملتها «هذه المستندات غير الموافق عليها».
تصاعد حملة الغضب ضدها اضطر الدار المملوكة لمجموعة «كيرينغ» الفرنسية إلى تقديم اعتذار تتحمل فيه المسؤولية، وتُقر بأن هذه الأكسسوارات «لم يكن ينبغي أن تُعرض مع أطفال»، مؤكدةً أنّ ما حصل كان نتيجة قرار سيئ من قبلها، وأنها تتحمّل «كامل المسؤولية»



في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.