الاقتصاد العالمي بين ناري الحروب... والصراعات الجيوساسية

أصبح أكثر عرضة للتهديد من حيث المخاطر النابعة من الولايات المتحدة والصين ومناطق الصراع والمنافسة العالمية

يودع لبنان 2022 بأكثر الأزمات الاقتصادية سوءاً وسيصادف مارس (آذار) 2023 مرور ثلاث سنوات على تخلف لبنان عن سداد ديونه الخارجية (أ.ف.ب)
يودع لبنان 2022 بأكثر الأزمات الاقتصادية سوءاً وسيصادف مارس (آذار) 2023 مرور ثلاث سنوات على تخلف لبنان عن سداد ديونه الخارجية (أ.ف.ب)
TT

الاقتصاد العالمي بين ناري الحروب... والصراعات الجيوساسية

يودع لبنان 2022 بأكثر الأزمات الاقتصادية سوءاً وسيصادف مارس (آذار) 2023 مرور ثلاث سنوات على تخلف لبنان عن سداد ديونه الخارجية (أ.ف.ب)
يودع لبنان 2022 بأكثر الأزمات الاقتصادية سوءاً وسيصادف مارس (آذار) 2023 مرور ثلاث سنوات على تخلف لبنان عن سداد ديونه الخارجية (أ.ف.ب)


ثمة مقولة شهيرة مفادها أنه «عندما يعطس الاقتصاد الأميركي، تصاب الأسواق الناشئة بالبرد». قد يكون الاقتصاد العالمي الآن أكثر تعقيداً، فهو أكثر مرونة من حيث المناطق التي ينشأ فيها نمو اقتصادي جديد، لكنه أصبح أكثر عرضة للتهديد من حيث المخاطر النابعة من الولايات المتحدة والصين، وأيضاً مناطق الصراع والمنافسة الجيوسياسية.
التضخم هو الخطر المباشر، لكن توقعات النمو العالمي تبدو أكثر تفاوتاً، حيث تواجه المحركات التقليدية للابتكار والاستثمار من الغرب الآن انحساراً ديموغرافياً طويل الأمد، إلى جانب المشاعر القومية المتزايدة، والسياسات التجارية والصناعية الحمائية. إن جائحة «كوفيد - 19»، وروسيا التي تشن حرباً في أوروبا، وعدم الثقة في النموذج الاقتصادي للصين، تؤثر جميعها على التقييمات الاستراتيجية الغربية، لكن الخط البياني لتراجع النمو والإنتاجية بات جلياً منذ زمن ليس بالقصير. ففي العالم الغني، بين عامي 1980 و2000، نما نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً في المتوسط بنحو 2.25 في المائة، لكن في العشرين عاماً الماضية انخفض هذا النمو إلى النصف.

تحديات المنطقة العربية

فيما يخص المنطقة العربية، سيجلب عام 2023 مجموعة من التحديات الجديدة لتحقيق التوازن بين فرص تحقيق عائدات موارد مرتفعة، والضغوط التضخمية الهيكلية المتزايدة، واتساع الفجوة بين مستوردي ومصدري الطاقة. الجانب الإيجابي هو أن الوقت الحالي يمثل فرصة هائلة لبعض الدول العربية لتولي أدوار قيادية في الاستثمار الإقليمي والعالمي لتسريع التقنيات الجديدة لتلبية بعض احتياجاتنا الملحة من الطاقة.
فيما يتعلق بالمستثمرين، ستستمر الحرب في أوكرانيا في فرض تداعياتها على الاقتصاد العالمي، سواء فيما يخص تدفقات الطاقة أو الإمدادات الغذائية. ومن شأن التوترات بين الولايات المتحدة والصين أن تضيف سيناريوهات محتملة لتصعيد المخاطر، فضلا عن فشل مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران والواقع الجديد لسباق التسلح النووي في الشرق الأوسط. بالنسبة للولايات المتحدة، يجب أن تتغير سياستها في الشرق الأوسط، مما يستلزم نوعاً جديداً من المشاركة الاقتصادية والأمنية في جميع أنحاء المنطقة العربية.

إدارة الديون المصرية ستشكل في 2023 ضغوطاً مستمرة ولن تتم تسويتها من خلال  الاتفاق مع صندوق النقد الدولي فقط. الصورة لسفينة تجارية تعبر قناة السويس في 2022. (أ.ف.ب)

في الأسواق، ما يحدث في الولايات المتحدة وقرارات «لجنة السوق المفتوحة» التابعة لبنك الاحتياطي الفيدرالي، سيستمر في التأثير على التكاليف العالمية للاقتراض. وبالنسبة للاقتصادات العربية التي ترتبط عملاتها بالدولار الأمريكي، فإن قوة الدولار الأمريكي، في ظل ارتفاع أسعار الفائدة، تخلق بعض التحديات أمام السيولة المصرفية المحلية. أما الاقتصادات العربية الأضعف، فستشكل القدرة على تحمل الديون تحديا ملحا أمام حكوماتها، وستغير علاقاتها مع المؤسسات المالية الدولية، وكذلك مع جيرانها الخليجيين المستعدين لتوفير ودائع البنوك المركزية ومقايضات العملات والتزامات الاستثمار الأجنبي المباشر.

النفط والأسواق

لا تزال النجاعة الاقتصادية للمنطقة العربية مرتبطة بأهواء أسواق السلع العالمية، خاصة النفط والغاز. ولا نعلم حقا الى أي مدى سيكون التباطؤ الاقتصادي العالمي في المستقبل، أو مدى تأثيره على الطلب على الطاقة عام 2023. فيما يرتبط بالنفط، لا نعلم مدى سرعة تعافي الطلب في الصين، لكن الخبر السار أن أسعار النفط لا تزال في وقتنا الحالي عند مستويات تتجاوز المستويات المالية لدول مجلس التعاون الخليجي ومستويات التعادل. كانت السياسة المالية أكثر تقييدا مما كانت عليه خلال موجات المكاسب غير المتوقعة السابقة، كما أن الجهود الجديدة في تحصيل الضرائب ونمو نشاط قطاع السياحة والخدمات في دول مجلس التعاون الخليجي تخفف من احتمال حدوث انهيار على الجانب الآخر من هذا التأرجح في سوق النفط.
ولعل الأهم من ذلك التحول في الأصول الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي، إذ لم يشهد نطاق الاستثمار الخليجي اتساعا وتحولا في الاقتصاد العالمي كما يحدث الآن. وبحسب تقديرات أحد البنوك الاستثمارية الرائدة، من المتوقع حدوث سيناريو تصاعدي ترتفع فيه أسعار نفط برنت بشكل مطرد على مدى السنوات الثلاث المقبلة إلى 120 دولارا للبرميل، وقد تصل قيمة الأصول الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي إلى 6 تريليونات دولار. إلا أنه حتى مع سيناريو انخفاض أسعار النفط بشكل كبير إلى مستويات 40 دولارا للبرميل، فإن قيمة الأصول في دول مجلس التعاون الخليجي ستستقر عند مستوى كبير للغاية يبلغ حوالي 5 تريليونات دولار.
كذلك أخذ إنتاج النفط العالمي في التحول مع تغير منحنى التكلفة للقيود المالية والتنظيمية، ما يخلق ميزة للمنتجين الخليجيين المهيمنين الراغبين في الاستثمار في الإنتاج. كما أنه يجعل سياستهم في التعاون مع أعضاء أوبك أكثر تعقيدا، بالإضافة الى الولايات المتحدة التي تعد أكبر منتج للنفط في العالم. وفي الوقت ذاته، جذبت توقعات الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المنتجين العرب من شمال أفريقيا، وبلاد الشام، والخليج باتجاه أوروبا.

تكاليف الطاقة

فيما يتعلق بالمنطقة العربية، فإن التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة يزيد من التحديات الأوسع نطاقا التي تواجه التنمية البشرية. ويكشف تقرير صدر حديثاً عن «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» تراجعا حقيقيا في مؤشرات التنمية. ولا تزال الثقة في كيفية استجابة الحكومات للتحديات الاقتصادية الخارجية منخفضة ومتراجعة في المنطقة - سواء كانت هذه التحديات ناشئة عن جائحة أو ركود عالمي مقترن بضغوط تضخمية. وكشف استطلاع للرأي أجراه «الباروميتر العربي» مؤخرا أن 30 في المائة فقط ممن شملهم الاستطلاع أفادوا بوجود قدر كبير من الثقة في حكوماتهم، وفي قدرتها على الاستجابة لاحتياجات مواطنيها، وإن كان هذا لا يمنع وجود بعض الاستثناءات المحدودة. ووجد استطلاع أجراه مؤشر «إيدلمان ترست باروميتر» أن دولتين من المنطقة العربية - المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة - من بين سبع دول من أصل 27 دولة شملها الاستطلاع، تتمتعان بمستويات عالية من ثقة الجمهور.
سيكون وجود الثقة أمر حتمي في جميع الدول العربية عام 2023 في وقت تتعامل الحكومات مع مجموعة متزايدة من سيناريوهات المخاطر والتحديات الاقتصادية. في دولتين وهما، مصر ولبنان، نرى مدى تراجع الثقة، بدءا من السياسات النقدية وجهود الإصلاح المتأخرة وانتهاء بالاختلال الوظيفي العام في الحكومة.

إدارة الديون المصرية ستشكل في 2023 ضغوطاً مستمرة ولن تتم تسويتها من خلال  الاتفاق مع صندوق النقد الدولي فقط. الصورة لسفينة تجارية تعبر قناة السويس في 2022. (رويترز)

مصر ولبنان

في مصر، سيتطلب اتفاق صندوق النقد الدولي على تسهيلات مالية ممتدة بقيمة 3 مليارات دولار لمدة 46 شهرا، مزيدا من المرونة في سعر الصرف من البنك المركزي والحكومة للحد من ملكية الأخيرة داخل الاقتصاد، وذلك لإفساح المجال للمزيد من مكاسب القطاع الخاص. مع هذا الاتفاق، يأتي المزيد من الدعم الخليجي، والذي شمل أيضا مزيدا من عمليات الشراء للشركات المدرجة في البورصة. في مصر، فإن أي جهود لتعويم العملة وإشراك المستثمرين الأجانب بشكل أكثر نشاطا على قدم المساواة مع الدولة سوف تتطلب أيضا جهودا لإدارة عوامل خارجة عن سيطرة الدولة، مثل السياحة من الخارج (وخاصة روسيا) وأسعار الطاقة والتحويلات. وستمثل إدارة الديون، بطبيعة الحال، ضغوطا مستمرة ولن يتم تسويتها من خلال هذا الاتفاق الوحيد لصندوق النقد الدولي.
بالنسبة للبنان، سيصادف مارس (آذار) 2023 مرور ثلاث سنوات على تخلف لبنان عن سداد ديونه الخارجية، وهناك ثقة محدودة من جانب المواطنين أو الدائنين تجاه قدرة الدولة على التخفيف من تبعاتها. وتقلص النشاط الاقتصادي بمقدار النصف، وارتفع التضخم إلى متوسط 200 في المائة العام الماضي، وانخفضت قيمة العملة بواقع 95 في المائة من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي. وتضاعفت معدلات الفقر لتشمل 82 في المائة من السكان بين عامي 2019 و2021.
غير أن اتفاقا لبدء التنقيب عن الغاز الطبيعي وإنتاجه تحت سطح البحر بين إسرائيل ولبنان يمثل نقطة مضيئة في قدرة لبنان على كسب العملات الأجنبية من الصادرات المستقبلية، ورؤية إمكانية إدارة التوتر بين الفصائل السياسية في لبنان. وستعتمد الثقة في طول مدة هذا الاتفاق أيضا على عوامل خارجة عن سيطرة لبنان، بما في ذلك سياسات الحكومة الجديدة في إسرائيل.

ارتفاع الفائدة

في عام 2023، سيؤدي تهديد الركود الاقتصادي العالمي إلى جانب ارتفاع أسعار الفائدة إلى توسيع الفجوة بين من «يملك ومن لا يملك» في المنطقة العربية. ولكن الأهم من ذلك، سيتم اختبار الحكومات في إدارتها للمخاطر الخارجية وقدرتها على التواصل مع مواطنيها ومع شركائها الإقليميين حول المسار الذي يختارونه. لم يعد اقتصاد المنطقة يتأثر بما يحدث في الولايات المتحدة أو سياستها النقدية، وستندمج المخاطر الجيوسياسية والركود التضخمي والتحول الديموغرافي طويل الأمد في الغرب مع مجموعة ناشئة من الفرص للمستثمرين من دول الخليج والاقتصادات الإقليمية.
* كارين إي يونغ، حاصلة على درجة الدكتوراه وباحثة بارزة في «مركز سياسة الطاقة العالمية» بجامعة كولومبيا، ومؤلفة كتاب «فن الحكم الاقتصادي لدول الخليج العربي»، الذي سيكون متاحاً في الأسواق في يناير (كانون الثاني) 2023.


مقالات ذات صلة

آمال إنهاء الحرب تهبط بالدولار لأدنى مستوياته في 6 أسابيع

الاقتصاد صورة جورج واشنطن تظهر على ورقة نقدية أميركية من فئة دولار واحد (أ.ب)

آمال إنهاء الحرب تهبط بالدولار لأدنى مستوياته في 6 أسابيع

استقر الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته منذ أوائل مارس (آذار) مقابل العملات الرئيسية يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد امرأة تمر أمام متجر لبيع الذهب في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

الذهب يقترب من حاجز الـ4900 دولار وسط ترقب لإنهاء الحرب

ارتفعت أسعار الذهب يوم الخميس، مدعومة بضعف الدولار وارتفاع التفاؤل بشأن اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفينة شحن في الخليج العربي، بالقرب من مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

النفط يتراجع مع تزايد الآمال في التوصل إلى اتفاق أميركي إيراني

تراجعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة يوم الخميس، إذ طغت الآمال بتخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

وزراء مالية يطلقون من واشنطن تحذيراً: الصراع يهدد الاقتصاد العالمي

دعا وزراء مالية من نحو 12 دولة، بقيادة بريطانيا، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يوم الأربعاء، إلى التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد غورغييفا تتحدث في مؤتمر صحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (رويترز)

غورغييفا تحذر من «أوقات عصيبة» في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط

حذرت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، يوم الأربعاء، من أوقات صعبة تنتظر الاقتصاد العالمي في حال لم يتم حل الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

نمو قياسي للصادرات غير النفطية في السعودية خلال 2025

ميناء جدة الإسلامي (الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للموانئ)
TT

نمو قياسي للصادرات غير النفطية في السعودية خلال 2025

ميناء جدة الإسلامي (الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للموانئ)

حققت الصادرات غير النفطية في السعودية نمواً قياسياً خلال عام 2025، حيث ارتفعت إلى 624 مليار ريال (166 مليار دولار) في 2025، مقارنةً مع 543 مليار ريال (144.7 مليار دولار) في 2024، مسجلةً نسبة نمو بلغت 15 في المائة، وهي الأعلى تاريخياً، في مؤشر يعكس تسارع جهود التنويع الاقتصادي ضمن مستهدفات «رؤية 2030».

وحسب هيئة تنمية الصادرات السعودية، يأتي هذا الأداء مدفوعاً بالتوسع في قطاعات متعددة، إلى جانب تنامي مساهمة الخدمات وإعادة التصدير، مما يعزز من حضور المملكة في سلاسل الإمداد العالمية.

وتُظهر التقديرات لمكونات الصادرات غير النفطية خلال 2025، بلوغ الصادرات السلعية 225 مليار ريال (60 مليار دولار)، وصادرات الخدمات 260 مليار ريال (69 مليار دولار)، فيما سجلت إعادة التصدير 139 مليار ريال (37 مليار دولار).

ويعكس هذا النمو استمرار التنويع المستدام لمصادر الدخل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني عالمياً، وتنمية القاعدة التصديرية وفتح أسواق جديدة، بالإضافة إلى دعم نمو القطاعات غير النفطية وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي.


اليابان وأميركا تتفقان على تعزيز التواصل بشأن أسعار الصرف

رجلان يمران أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
رجلان يمران أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
TT

اليابان وأميركا تتفقان على تعزيز التواصل بشأن أسعار الصرف

رجلان يمران أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
رجلان يمران أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

قالت وزيرة المالية اليابانية، ساتسوكي كاتاياما، عقب اجتماعها مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، يوم الأربعاء، إن اليابان والولايات المتحدة اتفقتا على تعزيز التواصل بشأن أسعار الصرف.

وجاء هذا التصريح، الذي أدلت به عبر حسابها الرسمي، في ظلِّ مساهمة الطلب على الدولار، بوصفه ملاذاً آمناً، في إضعاف الين وإبقائه قريباً من مستوى 160 يناً للدولار، وهو المستوى الذي دفع المسؤولين اليابانيين في السابق إلى شراء الين. وأوضحت كاتاياما للصحافيين بعد اجتماعها مع بيسنت، الذي عُقد على هامش اجتماع صندوق النقد الدولي في واشنطن، قائلةً: «شرحتُ كيف أنَّ أسواق النفط الخام والأسهم والسندات والعملات شديدة التقلب. كما ناقشنا قضايا مختلفة تتعلق بأسعار الصرف، مع أنني لا أستطيع الخوض في التفاصيل».

وصرَّح أتسوكي ميمورا، كبير دبلوماسيي العملات اليابانيين، الذي حضر الاجتماع الثنائي، للصحافيين، بأن اليابان والولايات المتحدة اتفقتا على التنسيق الوثيق بشأن أسعار العملات، مع إطلاع كل منهما الآخر على تطورات السوق حسب الحاجة. لكن في الوقت ذاته، أكدت كاتاياما أنه لم يُجرَ أي نقاش حول السياسة النقدية لـ«بنك اليابان» خلال اجتماعها مع بيسنت.

وكان بيسنت قد أشار مراراً وتكراراً إلى أنَّ ضعف الين يُمكن معالجته بشكل أفضل من خلال رفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة بوتيرة أسرع. وعندما التقت كاتاياما وبيسنت آخر مرة في يناير (كانون الثاني) الماضي، أكد بيسنت، وفقاً لبيان صادر عن وزارة الخزانة الأميركية آنذاك، على «ضرورة صياغة السياسة النقدية بشكل سليم وإيصالها بفاعلية».

وتترقب الأسواق ما إذا كان بيسنت سيدلي بتصريحات مماثلة قبل اجتماع السياسة النقدية لـ«بنك اليابان» هذا الشهر، حيث من المتوقع أن يناقش المجلس رفع أسعار الفائدة. كما قالت كاتاياما، يوم الأربعاء، إنها أبلغت نظراءها في مجموعة السبع أن طوكيو تراقب من كثب تحركات السوق، بما في ذلك أسعار العملات، نظراً للتقلبات العالية. وأوضحت للصحافيين، عقب حضورها اجتماع وزراء مالية مجموعة السبع ومحافظي البنوك المركزية، أنَّ كثيراً من البنوك المركزية تميل إلى اتباع نهج الترقب والانتظار في السياسة النقدية، نظراً لحالة عدم اليقين الشديدة بشأن تطورات الصراع في الشرق الأوسط، وكيف يمكن أن تؤثر أي زيادات في أسعار الفائدة على الاقتصاد. كما حضر محافظ «بنك اليابان»، كازو أويدا، اجتماع مجموعة السبع، إلا أنَّ كاتاياما امتنعت عن توضيح كيف يمكن أن يؤثر هذا الغموض على قرارات البنك بشأن أسعار الفائدة.

وقال مسؤول رفيع في صندوق النقد الدولي لوكالة «رويترز» إن «بنك اليابان» قادر على تجاوز الضغوط التضخمية الناجمة عن الحرب، حيث ستكون أي آثار ثانوية على الأسعار العامة محدودة.

وأصدر صُنَّاع السياسة اليابانيون مراراً وتكراراً تحذيرات شفهية من الانخفاضات الأخيرة في قيمة الين، والتي ترفع تكاليف الاستيراد وتزيد من الضغوط التضخمية المتصاعدة أصلاً. كما أن ضعف الين قد يُفاقم أثر ارتفاع أسعار النفط، نظراً لاعتماد اليابان الكبير على واردات الطاقة.

ودعا المتشددون في مجلس إدارة «بنك اليابان» إلى رفع أسعار الفائدة بشكل تدريجي على المدى القريب؛ لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، والتي يُعزى جزء منها إلى ضعف الين، لكن الحرب قللت من احتمالية رفع أسعار الفائدة في أبريل (نيسان)، إذ يُبقي عدم اليقين الأسواق متقلبة، ويُشوش آفاق الاقتصاد الياباني المُعتمد على الاستيراد، وفقاً لمصادر مطلعة على تفكير البنك المركزي.


لماذا هوى الدولار دون حاجز الـ3 شيقلات إسرائيلية لأول مرة منذ عقود؟

أوراق نقدية وعملات معدنية جديدة من الشيقل الإسرائيلي (رويترز)
أوراق نقدية وعملات معدنية جديدة من الشيقل الإسرائيلي (رويترز)
TT

لماذا هوى الدولار دون حاجز الـ3 شيقلات إسرائيلية لأول مرة منذ عقود؟

أوراق نقدية وعملات معدنية جديدة من الشيقل الإسرائيلي (رويترز)
أوراق نقدية وعملات معدنية جديدة من الشيقل الإسرائيلي (رويترز)

شهدت السوق المالية في إسرائيل تحولاً دراماتيكياً هو الأول من نوعه منذ أكثر من ثلاثين عاماً، حيث كسر الشيقل الإسرائيلي نزولاً حاجز الـ3 شيقلات مقابل الدولار الأميركي، ليسجل مستوى 2.993 في تداولات الأربعاء. هذا الاختراق التاريخي، الذي لم تشهده السوق منذ أكتوبر (تشرين الأول) 1995، جاء مدفوعاً بموجة تفاؤل عارمة اجتاحت أوساط المستثمرين حيال قرب انتهاء المواجهات العسكرية في المنطقة، والوصول إلى اتفاقات وشيكة لوقف إطلاق النار على جبهتي إيران ولبنان.

ويرى محللون اقتصاديون أن هذا الصعود الحاد، الذي تجاوزت نسبته 20 في المائة خلال العام الأخير، ليس مجرد تصحيح تقني أو تذبذب عابر، بل هو انعكاس مباشر لـ«انفراجة سياسية» بدأ المستثمرون في تسعيرها فعلياً. فقد أدى احتمال نهاية النزاع إلى تقليص «علاوة المخاطر» الجيوسياسية التي أثقلت كاهل العملة المحلية طوال فترة الحرب، مما حول الشيقل من عملة تحت الضغط إلى ملاذ جاذب لرؤوس الأموال.

استثمارات التكنولوجيا وصادرات الدفاع

وعلى الرغم من المظهر الإيجابي لهذا الارتفاع، فإن هذا «النجاح الرقمي» للشيقل يحمل في طياته بذور أزمة حادة لقطاعي التصدير والصناعة، حيث يرى المصنعون أن القوة المفرطة للعملة تمثل «ضربة قاضية» لتنافسيتهم العالمية. فالمصدّر الإسرائيلي الذي يتقاضى إيراداته بالدولار بينما يدفع تكاليفه التشغيلية ورواتب موظفيه بالشيقل، يجد نفسه أمام هوامش ربح تتآكل بسرعة، مما دفع البعض للتحذير من أن استمرار هذا المستوى قد يؤدي إلى إغلاق مصانع وتسريح عمالة واسعة، بل ودفع شركات التكنولوجيا الكبرى للتفكير في نقل مراكز عملياتها إلى الخارج هرباً من ارتفاع التكاليف المقومة بالدولار.

هذا الخلل في التوازن المالي دفع أقطاب الصناعة للتحذير من عواقب وخيمة، تبدأ بتآكل القدرة التنافسية للمنتجات المحلية في الأسواق العالمية، وقد تنتهي بإغلاق منشآت حيوية وتسريح آلاف العمال. واللافت في هذه الأزمة هو تلويح شركات التكنولوجيا الكبرى والمتعددة الجنسيات بنقل مراكز عملياتها إلى الخارج هرباً من ارتفاع التكاليف المقومة بالدولار، مما قد يحرم الموازنة العامة من موارد ضريبية كبرى ويضع الاقتصاد أمام اختبار حقيقي للموازنة بين «استقرار العملة» و«بقاء الصناعة».

بنك إسرائيل

أما الموقف الرسمي لبنك إسرائيل، فيبدو حتى الآن مائلاً نحو «الانتظار والترقب» دون تدخل مباشر في سوق الصرف، والسبب في ذلك يعود إلى القناعة بأن قوة الشيقل تساهم في كبح التضخم عبر جعل الواردات والوقود أرخص ثمناً للمستهلك المحلي. وبما أن البنك المركزي لا يرى في هذا الصعود «فقاعة» بل انعكاساً لمرونة الاقتصاد الأساسية وتحسن المشهد الجيوسياسي، فإنه يفضل عدم التدخل بمليارات الدولارات لموازنة السعر، ما دام أن التقلبات لا تهدد الاستقرار المالي الكلي، رغم الصرخات المتتالية من قطاع التصدير الذي يرى نفسه الضحية الأولى لهذه القوة التاريخية.

وقال المسؤول السابق في البنك المركزي الإسرائيلي، آشر بلاس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الدولار ضعيف بشكل عام»، مشيراً إلى أن مكاسب الشيقل مقابل العملات الأخرى، مثل اليورو، كانت أدنى. وأضاف بلاس أن النظرة الإيجابية العامة للاقتصاد الإسرائيلي أدت دوراً أيضاً.

ففي فبراير (شباط)، قال صندوق النقد الدولي إن «الاقتصاد الإسرائيلي أظهر مرونة ملحوظة» رغم أكثر من عامين من الحرب الدامية والمدمرة مع حركة «حماس» في قطاع غزة. وهذا الشهر، توقع صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي بنسبة 3.5 في المائة عام 2026، متجاوزاً نسبة 3.1 في المائة التي سجلها المكتب المركزي للإحصاء عام 2025. ولفت بلاس إلى أن الصادرات العسكرية قد تكون محركاً مهماً للنمو، إلى جانب قطاعات أخرى مثل تكنولوجيا الفضاء. لكن الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في أواخر فبراير قد تؤثر سلباً على الاقتصاد الإسرائيلي إذا استؤنفت الأعمال العدائية، وستتطلب من إسرائيل إنفاقاً دفاعياً مرتفعاً للغاية، على حد قوله.