المثقفون اللبنانيون في 2022... هجرة كتب الفكر إلى الرواية والشعر

تحت وطأة المعاناة الاقتصادية والأزمات

هالة كوثراني
هالة كوثراني
TT

المثقفون اللبنانيون في 2022... هجرة كتب الفكر إلى الرواية والشعر

هالة كوثراني
هالة كوثراني

في بيروت، ركّز المثقفون اللبنانيون في قراءاتهم لعام 2022 على الرواية والشعر بشكل خاص. ومن سألناهم بدوا متخففين من الكتب الفكرية والنقدية ومستسلمين لأخيلة الأدب ومتعه وألعابه اللغوية المراوغة. الكتب تتكرر والقراء من المثقفين يحبون السباحة في بحور الشعر والروايات بنصوصها الطويلة... ماذا قرأ اللبنانيون؟ هنا عتبة للإجابة:

الأديب فارس يواكيم: ما زال محفوظ الروائي المفضّل لديّ
- لم أقرأ كتاب «نسوان من لبنان» لإسكندر الرياشي في طبعاته السابقة، لكني اكتشفته في الطبعة الأنيقة التي أصدرتها «دار الجديد». سرد المؤلف بظرفه وبجرأته على التصريح بسلبياته، حكايات من المجتمع النسائي اللبناني وصلاته بالسياسي والاجتماعي، مع قدر من الخيال. وجديد الطبعة تمثّل في المقدمة التي كتبها المغدور به لقمان سليم بأسلوبه الهائم باللغة العربية.

رشا الأمير

وقرب نهاية العام، قرأت رواية «ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس» لسمير عطا الله. سردها بأسلوبه الممتع المغري الذي يجعلك لا تترك الكتاب إلا بعد قراءة الصفحة الأخيرة. تجري الأحداث في جزيرة برتغالية متخيَّلة، موقعها في ملتقى أضلاع المثلث الأوروبي - الأفريقي - الأميركي اللاتيني. لكن الخيالات أقنعة للواقع، والجزيرة موقع عزلة أو انفتاح عبر المحيط بحسب إرادة الإنسان وبحكم ظروفه السياسية والاجتماعية والنفسية.
من الرواية إلى الشعر و«خليل حاوي المنسي» (دار نلسن) أو الديوان المفقود الذي يتضمّن سبع عشرة قصيدة غير منشورة، معظمها بخط يد الشاعر، جمعها الناشر سليمان بختي من أرشيف العائلة، ومنها «يا صبية» التي عرفها الناس عندما غناها مارسيل خليفة. ومنها باللهجة العامية اللبنانية: «شو قولكم؟ قديش إلنا حباب/ غابوا وما رجعوا رجعة الغياب».

فارس يواكيم

وباللغة الإنجليزية قرأت الجزء الأول من «بيروت. 1840 - 1918. بورتريه بالصورة والكلمة الوصفية»، وهو كتاب ضخم من جزأين وبقلم كاتبين: بدر الحاج وسمير مبارك. الجزء الثاني مخصص للصور الفوتوغرافية الفريدة النادرة عن العاصمة اللبنانية في تلك الحقبة. الجزء الأول من شقّين: بدر الحاج قدّم تعريفاً مفصلاً بالمصوّرين الذين التقطوا معالم بيروت، المشهورين منهم، وغير المشهورين، وأرفق دراسته بصور نموذجية. الشق الثاني، بقلم السفير مبارك، دراسة توثيقية مكثفة لبيروت، تغطّي وتحلل معالمها الجغرافية والاجتماعية من خلال أنماط الحياة اليومية.
ومن الكتب التي أعدت قراءتها «تأملات في عالم نجيب محفوظ» لمحمود أمين العالم. وما زال محفوظ الروائي المفضّل لدي، والكتاب يعيدك إلى الثلاثية و«بداية ونهاية» و«زقاق المدق» و«أولاد حارتنا» وسائر روايات محفوظ وقصصه القصيرة.

نشأت سليمان

الروائية والناشرة رشا الأمير: كتبنا تستحق القراءة
- كثيرة هي الكتب التي تستحق القراءة والاهتمام هذا العام، ومنها إصدارات مهمة لدار الجديد: إسكندر رياشي، الصحافي التائه صاحب «نسوان من لبنان»، ولمياء المبيّض وكتابها عن ليلى والدتها وعن ساحل الأمراء ـ ساحل المتن الجنوبي، وفادي العبد الله الشاعر والناقد. البياض الباقي والهشاشة أساساً، ميشال كيلو الروائي والمحلل السياسي ـ مزار الدُّب والثورة السوريّة وبيئتها الدوليّة، وحازم صاغيّة القلم العارف، والدكتورة منى نصر الله وهي تحيّي والدتها أملي باللغة الإنجليزيّة، ووديع فلسطين في «الأديب من أين يبدأ». وقد غادرنا بعد شهر من صدور كتيّبه التكريمي.
لفتني هذا العام فوز الروائيّة الفرنسيّة أنّي إرنو بجائزة نوبل للأدب. قرّاؤها مختلفون بحدّة حولها لأسباب سياسيّة وجندريّة وأدبيّة. كتابها الأشهر عنوانه «الساحة» عن «دار فوليو» فيه تسرد وفاة والدها وعلاقتها به وبوالدتها، وكيف أتاح لها تحصيلها العلمي فرص الترقيّ الاجتماعي وما استتبعه من اغتراب عن أهلها وبيئتها.
متأثّرة باجتياح روسيا لأوكرانيا بحثت عن كتب ذات صلة بشخصيّة الرئيس فلاديمير بوتين. نصحني صديق برواية غوليانو دا إمبولي، الأولى: «إمام الكرملين» عن «دار غاليمار». الكتاب شيق ومثير، وصل إلى قائمة الغونكور القصيرة ثمّ نال جائزة الأكاديميّة الفرنسيّة.
من اكتشافات العام روائيّ فرنسي - لبناني وصلت روايته إلى قائمة الغونكور الطويلة: «بيروت على ضفاف السين» لسبيل غصوب «دار ستوك». بأسلوب لا يشبه ما اعتدناه. يستجوب الكاتب والديه فنكتشف معهما أنّ حرب لبنان أورفت في فرنسا، وأنّ الكاتب الشاب المولود في فرنسا يحمل في جيناته التراجيديا اللبنانيّة المتشعبّة. كتابٌ ذكي وحسّاس نال جائزة غونكور الطلّاب.
قبل الختام ذكر كتابين: «إبراهيم ناجي. زيارة حميمة تأخّرت كثيراً» بقلم حفيدته الدكتورة سامية محرز، صدرت عن «دار الشروق». كتاب ممتعٌ ومهمّ.
وأختم بكتاب مكرم رباح «النزاع على جبل لبنان»، وهو أطروحة أكاديميّة أثراها الباحث بمجموعة نادرة من الصور تحاول تفكيك العلاقة المركبّة بين دروز وموارنة هذا البلد.

الأديبة الروائية هالة كوثراني: استراحة كسولة في القراءة
- بعد صدور روايتي «يوم الشمس» في أواخر مارس (آذار) الماضي، استمتعت بقراءات حرّة، وغرقت في استراحة كسولة من الكتابة اليومية مكتفيةً بأن أدوّن جملاً واستنتاجات وأفكاراً من دون أن أتبع الخيط الذي بالعمل اليومي يصبح خيوطاً ثم بناءً صلباً. أذكر مما قرأته في الأشهر الأخيرة من عام 2022 كتابَ «في أثر عنايات الزيات» للشاعرة المصرية إيمان مرسال، وهو كتاب مختلف لأنه أشبه بوثائقي أدبي يطرح ثيمات يمكن أن تكون مفاتيح قصائد وروايات، كهشاشة حضورنا بين الولادة والغياب، والغموض الذي يصعب تبديده ويمتزج بحزن وجودي وقهر أمام محاولة فهم انتحار شابة ذكية وحساسة وموهوبة استُخفّ بموهبتها بقسوة وجهل.
قرأت أيضاً رواية «مستر نون» للروائية اللبنانية نجوى بركات التي ترسم بلغة بديعة وخيالٍ صاحٍ «بيروت الديستوبيا وعقد الشخصيات المعطوبة»، و«صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر (كانون الأول)» للأديبة والباحثة اللبنانية يسرى مقدّم. وهو كتاب يتجاوز التصانيف إلى الأدب الصافي، كلّما غصنا فيه ارتفع بنا. قرأت أيضاً روايتَيّ «All the Lovers in the Night» و«Breasts and Eggs» (مترجمتين من اليابانية إلى الإنجليزية) للروائية اليابانية ميكو كاواكامي التي تعرّي الذكورية في اليابان وتنسج بين شخصياتها علاقات مختلفة ومفاجئة، كما تكتب بنفَس نسوي عميق ولا تتردّد في الحفر بجروح الفروق الطبقية وأشكال التمييز. ومن الكتب التي اكتشفت في صفحاتها مرايا وأبواباً ونوافذ كتاب بعنوان «ضفاف أخرى» يضمّ حواراً أجراه الشاعر والكاتب العراقي علي محمود خضيّر مع الشاعر والكاتب والمترجم عيسى مخلوف الذي تتعمّق إجاباته في ثيمات تشغلنا لأنها جزء من حيواتنا كالحرب والهجرة والفقد والعنف والعلاقة بالأمكنة. قرأت أيضاً رواية «حفلة التفاهة» للروائي التشيكي الفرنسي ميلان كونديرا، وأعدت قراءة روايته «كائن لا تحتمل خفته» التي لا تزال من الروايات الأقرب لذائقتي ولا أملّ العودة إليها. كما أعدت قراءة رواية «Une Femme» للفرنسية أنّي إرنو بعد فوزها بجائزة نوبل في الأدب. أنهيت أيضاً قراءة «فريديريك نيتشه: سيرة فلسفية» لجوليان يونغ الذي قدّم تفاسير دقيقة لأعمال الفيلسوف الألماني، ملقياً الضوء على قصص من حياته الشخصية وأبرز ما تأثر به. أهمّ ما طرحه يونغ هو تحليل آخر أعمال نيتشه التي جُمعت بعد وفاته في كتاب بعنوان «The Will to Power». وأخيراً قرأت رواية «حائط خامس» للشاعر والروائي اللبناني عباس بيضون الذي ابتدع شخصية روائية جذّابة وجديدة.

المؤلف الموسيقي نشأت سلمان، رئيس «مؤسسة أنور سلمان»: لفتتني كتب مهمة عن الشعر والموسيقى
- أبرز ما أثر فيّ مما قرأت في 2022 كتاب «خليل حاوي... الديوان الأخير». وهو عبارة عن مجموعة قصائد لم تنشر في دواوين الشاعر سابقاً. تم جمعها بالتعاون مع عائلته، وتُوِّج الكتاب بشهادة مؤثرة للشاعر شوقي أبي شقرا وشهادات لبعض من عاصره من تلامذته... وأجمل ما في أعمال كهذه هي إثباتها لخلود المبدعين. كان مؤثراً إطلاق الكتاب في احتفال بالجامعة الأميركية في بيروت تبعد بضعة أمتار عن المكان الذي أطلق «فيه الراحل كلمته» الأخيرة في يومٍ مشؤوم من عام 1982.
كما لفتني الكتاب الذي صدر أخيراً للناقدة والباحثة زهيدة درويش جبور «الشعر العربي المعاصر من منظور إيكولوجي»، وفيه دراسة نتاج 12 شاعراً من مختلف البلدان العربية، تسلّط الضوء على كيفية تعامل الشعراء العرب المعاصرين مع الطبيعة، والانعكاسات السلبية للتطور التكنولوجي حين لا يواكبه تطور على مستوى القيم الإنسانية والروحية.
وفي اللغات الأجنبية قرأت كتاب «Hacking Darwi» للأميركي جامي ميتزلو، الذي يتطرق إلى الثورة الجينية وتكنولوجياتها ويطرح أسئلة أخلاقية حاسمة فيما يتعلق بتأثير هذه الثورة على مبادئ التنوع والمساواة، وضرورة العمل على تشكيل إطار أخلاقي لتحفيز استخدام هذه التكنولوجيا بحكمة.
كما قرأت كتاب «هذا الرجل من لبنان» أو «The Man From Lebanon» للناقدة الأميركية باربرة يونغ، الذي ترجمه حديثاً الشاعر والأديب اللبناني هنري زغيب، وقد لفتني ما تضمنته النسخة المترجمة من وثائق أميركية ولبنانية جديدة عن جبران خليل جبران وشعرت بأنه من أعمق ما قرأت عنه من أبحاث.
أما الكتاب الأخير الذي أعكف على قراءته فهو «Sound Within Sound: Radical» «Composers of the Twentieth Century»، للإعلامية والناقدة البريطانية كايت موليسون التي تطرح ما يشبه تأريخاً بديلاً لمؤلفي الموسيقي في القرن العشرين. وقد بذلت الكاتبة على ما يبدو جهداً جذرياً وجديداً وثورياً لإعادة كتابة التاريخ الموسيقي للقرن العشرين في كتاب يتحدى الوضع الراهن بينما يقدم لنا عالماً من الموسيقى الرائدة.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».