المثقفون اللبنانيون في 2022... هجرة كتب الفكر إلى الرواية والشعر

تحت وطأة المعاناة الاقتصادية والأزمات

هالة كوثراني
هالة كوثراني
TT

المثقفون اللبنانيون في 2022... هجرة كتب الفكر إلى الرواية والشعر

هالة كوثراني
هالة كوثراني

في بيروت، ركّز المثقفون اللبنانيون في قراءاتهم لعام 2022 على الرواية والشعر بشكل خاص. ومن سألناهم بدوا متخففين من الكتب الفكرية والنقدية ومستسلمين لأخيلة الأدب ومتعه وألعابه اللغوية المراوغة. الكتب تتكرر والقراء من المثقفين يحبون السباحة في بحور الشعر والروايات بنصوصها الطويلة... ماذا قرأ اللبنانيون؟ هنا عتبة للإجابة:

الأديب فارس يواكيم: ما زال محفوظ الروائي المفضّل لديّ
- لم أقرأ كتاب «نسوان من لبنان» لإسكندر الرياشي في طبعاته السابقة، لكني اكتشفته في الطبعة الأنيقة التي أصدرتها «دار الجديد». سرد المؤلف بظرفه وبجرأته على التصريح بسلبياته، حكايات من المجتمع النسائي اللبناني وصلاته بالسياسي والاجتماعي، مع قدر من الخيال. وجديد الطبعة تمثّل في المقدمة التي كتبها المغدور به لقمان سليم بأسلوبه الهائم باللغة العربية.

رشا الأمير

وقرب نهاية العام، قرأت رواية «ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس» لسمير عطا الله. سردها بأسلوبه الممتع المغري الذي يجعلك لا تترك الكتاب إلا بعد قراءة الصفحة الأخيرة. تجري الأحداث في جزيرة برتغالية متخيَّلة، موقعها في ملتقى أضلاع المثلث الأوروبي - الأفريقي - الأميركي اللاتيني. لكن الخيالات أقنعة للواقع، والجزيرة موقع عزلة أو انفتاح عبر المحيط بحسب إرادة الإنسان وبحكم ظروفه السياسية والاجتماعية والنفسية.
من الرواية إلى الشعر و«خليل حاوي المنسي» (دار نلسن) أو الديوان المفقود الذي يتضمّن سبع عشرة قصيدة غير منشورة، معظمها بخط يد الشاعر، جمعها الناشر سليمان بختي من أرشيف العائلة، ومنها «يا صبية» التي عرفها الناس عندما غناها مارسيل خليفة. ومنها باللهجة العامية اللبنانية: «شو قولكم؟ قديش إلنا حباب/ غابوا وما رجعوا رجعة الغياب».

فارس يواكيم

وباللغة الإنجليزية قرأت الجزء الأول من «بيروت. 1840 - 1918. بورتريه بالصورة والكلمة الوصفية»، وهو كتاب ضخم من جزأين وبقلم كاتبين: بدر الحاج وسمير مبارك. الجزء الثاني مخصص للصور الفوتوغرافية الفريدة النادرة عن العاصمة اللبنانية في تلك الحقبة. الجزء الأول من شقّين: بدر الحاج قدّم تعريفاً مفصلاً بالمصوّرين الذين التقطوا معالم بيروت، المشهورين منهم، وغير المشهورين، وأرفق دراسته بصور نموذجية. الشق الثاني، بقلم السفير مبارك، دراسة توثيقية مكثفة لبيروت، تغطّي وتحلل معالمها الجغرافية والاجتماعية من خلال أنماط الحياة اليومية.
ومن الكتب التي أعدت قراءتها «تأملات في عالم نجيب محفوظ» لمحمود أمين العالم. وما زال محفوظ الروائي المفضّل لدي، والكتاب يعيدك إلى الثلاثية و«بداية ونهاية» و«زقاق المدق» و«أولاد حارتنا» وسائر روايات محفوظ وقصصه القصيرة.

نشأت سليمان

الروائية والناشرة رشا الأمير: كتبنا تستحق القراءة
- كثيرة هي الكتب التي تستحق القراءة والاهتمام هذا العام، ومنها إصدارات مهمة لدار الجديد: إسكندر رياشي، الصحافي التائه صاحب «نسوان من لبنان»، ولمياء المبيّض وكتابها عن ليلى والدتها وعن ساحل الأمراء ـ ساحل المتن الجنوبي، وفادي العبد الله الشاعر والناقد. البياض الباقي والهشاشة أساساً، ميشال كيلو الروائي والمحلل السياسي ـ مزار الدُّب والثورة السوريّة وبيئتها الدوليّة، وحازم صاغيّة القلم العارف، والدكتورة منى نصر الله وهي تحيّي والدتها أملي باللغة الإنجليزيّة، ووديع فلسطين في «الأديب من أين يبدأ». وقد غادرنا بعد شهر من صدور كتيّبه التكريمي.
لفتني هذا العام فوز الروائيّة الفرنسيّة أنّي إرنو بجائزة نوبل للأدب. قرّاؤها مختلفون بحدّة حولها لأسباب سياسيّة وجندريّة وأدبيّة. كتابها الأشهر عنوانه «الساحة» عن «دار فوليو» فيه تسرد وفاة والدها وعلاقتها به وبوالدتها، وكيف أتاح لها تحصيلها العلمي فرص الترقيّ الاجتماعي وما استتبعه من اغتراب عن أهلها وبيئتها.
متأثّرة باجتياح روسيا لأوكرانيا بحثت عن كتب ذات صلة بشخصيّة الرئيس فلاديمير بوتين. نصحني صديق برواية غوليانو دا إمبولي، الأولى: «إمام الكرملين» عن «دار غاليمار». الكتاب شيق ومثير، وصل إلى قائمة الغونكور القصيرة ثمّ نال جائزة الأكاديميّة الفرنسيّة.
من اكتشافات العام روائيّ فرنسي - لبناني وصلت روايته إلى قائمة الغونكور الطويلة: «بيروت على ضفاف السين» لسبيل غصوب «دار ستوك». بأسلوب لا يشبه ما اعتدناه. يستجوب الكاتب والديه فنكتشف معهما أنّ حرب لبنان أورفت في فرنسا، وأنّ الكاتب الشاب المولود في فرنسا يحمل في جيناته التراجيديا اللبنانيّة المتشعبّة. كتابٌ ذكي وحسّاس نال جائزة غونكور الطلّاب.
قبل الختام ذكر كتابين: «إبراهيم ناجي. زيارة حميمة تأخّرت كثيراً» بقلم حفيدته الدكتورة سامية محرز، صدرت عن «دار الشروق». كتاب ممتعٌ ومهمّ.
وأختم بكتاب مكرم رباح «النزاع على جبل لبنان»، وهو أطروحة أكاديميّة أثراها الباحث بمجموعة نادرة من الصور تحاول تفكيك العلاقة المركبّة بين دروز وموارنة هذا البلد.

الأديبة الروائية هالة كوثراني: استراحة كسولة في القراءة
- بعد صدور روايتي «يوم الشمس» في أواخر مارس (آذار) الماضي، استمتعت بقراءات حرّة، وغرقت في استراحة كسولة من الكتابة اليومية مكتفيةً بأن أدوّن جملاً واستنتاجات وأفكاراً من دون أن أتبع الخيط الذي بالعمل اليومي يصبح خيوطاً ثم بناءً صلباً. أذكر مما قرأته في الأشهر الأخيرة من عام 2022 كتابَ «في أثر عنايات الزيات» للشاعرة المصرية إيمان مرسال، وهو كتاب مختلف لأنه أشبه بوثائقي أدبي يطرح ثيمات يمكن أن تكون مفاتيح قصائد وروايات، كهشاشة حضورنا بين الولادة والغياب، والغموض الذي يصعب تبديده ويمتزج بحزن وجودي وقهر أمام محاولة فهم انتحار شابة ذكية وحساسة وموهوبة استُخفّ بموهبتها بقسوة وجهل.
قرأت أيضاً رواية «مستر نون» للروائية اللبنانية نجوى بركات التي ترسم بلغة بديعة وخيالٍ صاحٍ «بيروت الديستوبيا وعقد الشخصيات المعطوبة»، و«صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر (كانون الأول)» للأديبة والباحثة اللبنانية يسرى مقدّم. وهو كتاب يتجاوز التصانيف إلى الأدب الصافي، كلّما غصنا فيه ارتفع بنا. قرأت أيضاً روايتَيّ «All the Lovers in the Night» و«Breasts and Eggs» (مترجمتين من اليابانية إلى الإنجليزية) للروائية اليابانية ميكو كاواكامي التي تعرّي الذكورية في اليابان وتنسج بين شخصياتها علاقات مختلفة ومفاجئة، كما تكتب بنفَس نسوي عميق ولا تتردّد في الحفر بجروح الفروق الطبقية وأشكال التمييز. ومن الكتب التي اكتشفت في صفحاتها مرايا وأبواباً ونوافذ كتاب بعنوان «ضفاف أخرى» يضمّ حواراً أجراه الشاعر والكاتب العراقي علي محمود خضيّر مع الشاعر والكاتب والمترجم عيسى مخلوف الذي تتعمّق إجاباته في ثيمات تشغلنا لأنها جزء من حيواتنا كالحرب والهجرة والفقد والعنف والعلاقة بالأمكنة. قرأت أيضاً رواية «حفلة التفاهة» للروائي التشيكي الفرنسي ميلان كونديرا، وأعدت قراءة روايته «كائن لا تحتمل خفته» التي لا تزال من الروايات الأقرب لذائقتي ولا أملّ العودة إليها. كما أعدت قراءة رواية «Une Femme» للفرنسية أنّي إرنو بعد فوزها بجائزة نوبل في الأدب. أنهيت أيضاً قراءة «فريديريك نيتشه: سيرة فلسفية» لجوليان يونغ الذي قدّم تفاسير دقيقة لأعمال الفيلسوف الألماني، ملقياً الضوء على قصص من حياته الشخصية وأبرز ما تأثر به. أهمّ ما طرحه يونغ هو تحليل آخر أعمال نيتشه التي جُمعت بعد وفاته في كتاب بعنوان «The Will to Power». وأخيراً قرأت رواية «حائط خامس» للشاعر والروائي اللبناني عباس بيضون الذي ابتدع شخصية روائية جذّابة وجديدة.

المؤلف الموسيقي نشأت سلمان، رئيس «مؤسسة أنور سلمان»: لفتتني كتب مهمة عن الشعر والموسيقى
- أبرز ما أثر فيّ مما قرأت في 2022 كتاب «خليل حاوي... الديوان الأخير». وهو عبارة عن مجموعة قصائد لم تنشر في دواوين الشاعر سابقاً. تم جمعها بالتعاون مع عائلته، وتُوِّج الكتاب بشهادة مؤثرة للشاعر شوقي أبي شقرا وشهادات لبعض من عاصره من تلامذته... وأجمل ما في أعمال كهذه هي إثباتها لخلود المبدعين. كان مؤثراً إطلاق الكتاب في احتفال بالجامعة الأميركية في بيروت تبعد بضعة أمتار عن المكان الذي أطلق «فيه الراحل كلمته» الأخيرة في يومٍ مشؤوم من عام 1982.
كما لفتني الكتاب الذي صدر أخيراً للناقدة والباحثة زهيدة درويش جبور «الشعر العربي المعاصر من منظور إيكولوجي»، وفيه دراسة نتاج 12 شاعراً من مختلف البلدان العربية، تسلّط الضوء على كيفية تعامل الشعراء العرب المعاصرين مع الطبيعة، والانعكاسات السلبية للتطور التكنولوجي حين لا يواكبه تطور على مستوى القيم الإنسانية والروحية.
وفي اللغات الأجنبية قرأت كتاب «Hacking Darwi» للأميركي جامي ميتزلو، الذي يتطرق إلى الثورة الجينية وتكنولوجياتها ويطرح أسئلة أخلاقية حاسمة فيما يتعلق بتأثير هذه الثورة على مبادئ التنوع والمساواة، وضرورة العمل على تشكيل إطار أخلاقي لتحفيز استخدام هذه التكنولوجيا بحكمة.
كما قرأت كتاب «هذا الرجل من لبنان» أو «The Man From Lebanon» للناقدة الأميركية باربرة يونغ، الذي ترجمه حديثاً الشاعر والأديب اللبناني هنري زغيب، وقد لفتني ما تضمنته النسخة المترجمة من وثائق أميركية ولبنانية جديدة عن جبران خليل جبران وشعرت بأنه من أعمق ما قرأت عنه من أبحاث.
أما الكتاب الأخير الذي أعكف على قراءته فهو «Sound Within Sound: Radical» «Composers of the Twentieth Century»، للإعلامية والناقدة البريطانية كايت موليسون التي تطرح ما يشبه تأريخاً بديلاً لمؤلفي الموسيقي في القرن العشرين. وقد بذلت الكاتبة على ما يبدو جهداً جذرياً وجديداً وثورياً لإعادة كتابة التاريخ الموسيقي للقرن العشرين في كتاب يتحدى الوضع الراهن بينما يقدم لنا عالماً من الموسيقى الرائدة.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.