عالم ما بعد الحرب الأوكرانية: 2022... العام الذي هز النظام العالمي بقوة

روسيا تجاوزت «سيناريو التقويض»... ونهاية الحرب ما زالت بعيدة

عشرات من سكان ماريبول الأوكرانية من ضحايا الحرب أصبحوا أرقاماً تحت ترابها كما تظهر الصورة الملتقطة في 10 ديسمبر (إ.ب.أ)... وفي الإطار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يأخذ «سيلفي» في دونيتسك بعد تحريرها من الجيش الروسي (رويترز)
عشرات من سكان ماريبول الأوكرانية من ضحايا الحرب أصبحوا أرقاماً تحت ترابها كما تظهر الصورة الملتقطة في 10 ديسمبر (إ.ب.أ)... وفي الإطار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يأخذ «سيلفي» في دونيتسك بعد تحريرها من الجيش الروسي (رويترز)
TT

عالم ما بعد الحرب الأوكرانية: 2022... العام الذي هز النظام العالمي بقوة

عشرات من سكان ماريبول الأوكرانية من ضحايا الحرب أصبحوا أرقاماً تحت ترابها كما تظهر الصورة الملتقطة في 10 ديسمبر (إ.ب.أ)... وفي الإطار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يأخذ «سيلفي» في دونيتسك بعد تحريرها من الجيش الروسي (رويترز)
عشرات من سكان ماريبول الأوكرانية من ضحايا الحرب أصبحوا أرقاماً تحت ترابها كما تظهر الصورة الملتقطة في 10 ديسمبر (إ.ب.أ)... وفي الإطار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يأخذ «سيلفي» في دونيتسك بعد تحريرها من الجيش الروسي (رويترز)

ما كاد العام 2022 يطوي نحو 50 يوماً من أيامه، حتى جذب أنظار العالم قاطبة إلى الحدود الروسية - الأوكرانية ليشاهد فصلاً تاريخياً من فصول الصراعات العالمية، تمثل بدخول جنود روس بآلياتهم إلى مدن أوكرانية بينما راح سكانها يفرّون إلى مناطق آمنة داخل بلادهم ودول الجوار. فتلك الحرب شكّلت أهم حدث على الإطلاق خلال 2022 الذي يصنفه بأنه «عام الزلزال» الذي ضرب بقوة النظام العالمي، وحدد خطاً فاصلاً بين مرحلتين تاريخيتين.
فالعالم بعد 2022 «لن يعود أبداً إلى هيكله ونظمه التي كانت قائمة قبل اندلاع حرب تحرير دونباس»، كما يوجز لـ«الشرق الأوسط» أحد كبار المحللين في نادي «فالداي». لكن هذا الاستخلاص، لا يعني أن المعركة قد شارفت على نهاياتها، و«الحرب ما زالت في بداياتها»، كما يؤكد المحلل.
من المنظار الروسي، يجمع الخبراء في موسكو على صعوبة وضع تقييم شامل لمجريات العام المنقضي، أو محاولة استقراء السيناريوهات المحتملة لتطور الوضع على الصعيد الداخلي، وفي محيطَي روسيا الإقليمي والدولي خلال 2023 المقبل.
تذهب التحليلات الروسية أبعد من حسابات الربح والخسارة الآنية خلال العام 2022. ومع الإقرار بأن الكرملين ربما لم يكن يتوقع أن يطول أمد الحرب، وأن تبقى آفاقها مفتوحة على احتمالات عدة، لكن المزاج العام لدى النخب الروسية يكاد يجمع في نهاية عام مليء بالأحداث والهزات والنكسات والإنجازات على أن موسكو تسير نحو تحقيق «كل أهدافها» مهما كانت درجة الصعوبات والتحديات «المصيرية» التي تواجهها الدولة الروسية للمرة الأولى منذ قيامها مجدداً بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.
- معركة مفتوحة
في لقاء مع قادة بعض المناطق الانفصالية في الجنوب الأوكراني، حدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حجم الصعوبات التي تواجه بلاده مع اقتراب العام على نهايته.
أقرّ بوتين بأن الوضع في المناطق الأربع التي ضمتها روسيا ما زال «صعباً أو معقداً للغاية». وطالب بعمل نشط لتحسين الظروف المعيشية للمدنيين الذين باتوا يخضعون لسلطة الدولة الروسية. كانت تلك إشارة نادرة من الرئيس الذي دأب منذ بداية العام على استحضار ماضي بلاده في مواجهة «التحديات المصرية» وتأكيد أن حرب دونباس تشكل امتداداً تاريخياً لفتوحات أسلافه من القياصرة الذين بنوا مجد البلاد.
ولا شك أن النكسات الميدانية التي تعرضت لها موسكو، في النصف الثاني من العام، واضطرارها إلى التخلي عن مواقع استراتيجية، بينها خاركيف ثم خيرسون، ومواجهتها هجوماً مضاداً شرساً خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام، دفع الكرملين إلى إعادة ترتيب أولوياته، ومراجعة حساباته. لم يكن مشهد مواطني خيرسون وهم يخرجون من منازلهم لاستقبال القوات الأوكرانية «المحررة» مريحاً للكرملين، الذي رفع منذ البداية لواء «الدفاع عن أهالي المنطقة» وجاء إليهم بصفته منقذاً وليس كقوة احتلال.

بوتين خلال زيارة لمصنع أسلحة قبل أيام (أ.ف.ب)

مع نهاية العام، بات واضحاً أن المعركة مفتوحة على كل الاحتمالات. والحصيلة الروسية محدودة للغاية؛ إذ أقر رئيس إقليم دونيتسك دينيس بوشيلين أن نصف أراضي الإقليم ما زالت تحت سيطرة الجيش الأوكراني بعد مرور عشرة أشهر على الحرب. وفي زاباروجيا، التي اعتبر ضمها إلى روسيا الاتحادية بين الإنجازات الكبرى أيضاً للكرملين، ما زالت المعارك الدائرة تثير قلقاً متزايداً، وتبرز إشارات إلى احتمال تخلي القوات الروسية عن أجزاء منها.
يقول خبراء، إن الأولوية الروسية تتجه إلى تحصين مناطق دونباس، بهذا المعنى؛ فإن الأنظار تتجه إلى دونيتسك ولوغانسك، بينما ما زال مصير خيرسون وزاباروجيا «الروسيتين» معلقاً.
في هذا التحليل، تبدو نتائج الحملة العسكرية متواضعة مع حلول نهاية العام، وهو أمر عزز تحليلات ذهبت نحو سيناريو توسيع نطاق المعركة مع انقضاء فصل الشتاء الحالي، أي مع حلول فبراير (شباط) أو مارس (آذار).
وحملت الرسائل التي وجهها الرئيسان الروسي والبيلاروسي في مينسك قبل أيام من انقضاء العام إشارات واضحة في هذا الشأن. كان المحللون الأوكرانيون يأملون في الحصول على إجابة عن سؤال حول إمكانية قيام الاتحاد الروسي بهجوم جديد من الاتجاه البيلاروسي.
نتائج زيارة بوتين إلى بيلاروسيا كانت واضحة، في تكثيف التعاون في المجالين الاقتصادي والعسكري، وفضلاً عن تلويح بوتين بمساعدة بيلاروسيا على التحول إلى قوة نووية إقليمية، تمثلت النتيجة الأساسية في الشروع بإنشاء نظام دفاعي جوي مشترك، عبر نشر منظومات «إس – 400» المضاد للطائرات ونظام إسكندر التشغيلي والتكتيكي الصاروخي على أراضي بيلاروسيا. وكذلك الاتفاق على بدء تدريب الطيارين البيلاروسيين على استخدام «الذخيرة ذات الرؤوس الحربية الخاصة». دفع ذلك إلى ترجيح أن تكون واحدة من خيارات الكرملين في العام الجديد فتح معركة جديدة من الشمال الأوكراني واستهداف العاصمة كييف مجدداً، في حال فشلت جهود موسكو في حمل الغرب على وقف تدفق السلاح والمساعدات إلى الأوكرانيين.
قبل وقت قصير، أشار محللو المعهد الأميركي لدراسة الحرب إلى هذا السيناريو، وفسروا زيارة مينسك على أنها محاولة لخلق ظروف لمرحلة جديدة من العملية العسكرية. ولكن كما أكدوا على هذه الخلفية، جادل محللو كييف حول التوقيت المحتمل لهجوم روسي لاحق. واستند الخبير العسكري الأوكراني فلاديسلاف سيليزنيف إلى تأكيدات القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية فاليري زالوجني عن احتمال وقوع هجمات روسية في اتجاه كييف في فبراير. ومع ذلك؛ لكي يكون مثل هذا الهجوم فعالاً، يحتاج الجانب الروسي إلى ما يصل إلى 50000 جندي مدربين جيداً، ومجهزين أيضاً بالمعدات والذخيرة اللازمة. ويتيح لهم ذلك فرصة العمل ليس لمدة ثلاثة أيام، كما كان مقرراً في بداية العملية الخاصة، ولكن لمدة ثلاثة إلى أربعة أسابيع على الأقل من الأعمال الهجومية الفعلية.
- حصاد الداخل الروسي
في مقابل التوقعات المتعلقة بالوضع الميداني، يبدو رهان الكرملين داخلياً، قائماً على فشل الحرب الاقتصادية الغربية، ورزم العقوبات المتتالية على إحداث هزة كبرى داخل المجتمع الروسي. أو بعبارة أخرى فشل مخطط «تقويض روسيا» كما يردد الخبراء. في هذا الإطار، أظهر الاقتصاد الروسي رغم صعوبة الوضع وتفاقم المشكلات قدرات مهمة على التكيف بسرعة مع الواقع الجديد، وسد الثغرات الناشئة. كما نجحت موسكو في إيجاد بدائل قد تكون مكلفة اقتصادياً، لكنها ذات جدوى مهمة، في إطار مواصلة ضخ الأموال اللازمة في خزينة الدولة. وهذا ما كشفت عنه سريعاً خطط تحويل صادرات النفط والغاز إلى الشرق بأسعار أقل من أسعار السوق.
عموماً، أظهرت روسيا خلال 2022 ورغم كل الضغوط الخارجية قدرة عالية على التكيف سريعاً لمواجهة الهزات الداخلية العنيفة.
وقد يكمن العنصر اللافت في هذا الشأن، في نتائج الدراسة التي أجراها صندوق تنمية المجتمع المدني، المقرب من الكرملين والتي أورد فيها حصاد العام على الصعيد الداخلي. النتائج تبدو مريحة جدا بالنسبة إلى الكرملين.
أظهر التقرير، أن النتيجة الأولى الأساسية هي تعزيز الإجماع العام للمجتمع الروسي، ونجاح العمل المناهض للعقوبات من قِبل الحكومة الروسية ومقاومة الإجهاد للنظام السياسي.
بهذا المعنى حدد الصندوق 10 نتائج سياسية للعالم في روسيا، كلها تتمحور حول تكريس تماسك المجتمع على «أساس القيم المشتركة والتاريخ المشترك والحاجة إلى خلق مستقبل مشترك». ويقول التقرير «اتضح أن القيم المشتركة كانت عاملاً أساسياً في تحديد الحالة المزاجية العامة والوضع في البلاد». ويوضح، أن «المجتمع الروسي أظهر، رغم كل الصعوبات، قدرة على التوحد في مواجهة الخطر الخارجي».
طبعاً، لا يأخذ التقرير هنا في الاعتبار موضوع فرار عشرات الألوف من الروس إلى خارج البلاد، وهو محق في ذلك؛ لأن هذا الوضع لم يؤثر إجمالاً على الوضع الداخلي، ولم يشهد المجتمع الروسي حالات مثل انتقال التذمر من الحرب إلى حال تمرد عام على النظام. كما أظهرت النخب الروسية تماسكاً ولم تقع انشقاقات كبرى يمكن أن تؤثر على الأداء السياسي والاقتصادي العام.
- صعوبات في المحيط الإقليمي
مع ذلك، تتمثل واحدة من أبرز المشكلات الجدية التي أظهرتها مجريات العام المنقضي، في انحسار نفوذ روسيا على الصعيد الإقليمي.
وعلى الرغم من المساعي الروسي الحثيثة خلال 2022 لحشد قدرات الشركاء في الفضاء السوفياتي السابق، كانت نتائج هذا الجهد متواضعة. (تم عقد قمتين لرابطة الدول المستقلة، وقمتين لمنظمة الأمن الجماعي وقمة منظمة شانغهاي)، وبدا أن الحاجة الروسية إلى توظيف هذه الهياكل في المواجهة القائمة قوبلت ببروز التناقضات في الأولويات مجددا بين أطرافها.
وكان لافتاً أن موسكو لم تحصل على دعم مباشر وواضح من أي من شركائها (باستثناء بيلاروسيا) رغم كل محاولات التحشيد القائمة على ضرورات مواجهة «التحديات المشتركة المعاصرة».
وأوضح خبراء، أنه بالإضافة إلى تباين الأهداف والمواقف، فإن المشكلة الأساسية التي واجهت خطط تعزيز تحالفات الكرملين في الفضاء السوفياتي السابق، تكمن بأن المنظمات الإقليمية التي قادتها موسكو وعلى رأسها منظمة الأمن الجماعي التي أولاها الكرملين أهمية خاصة لم يسبق أن لعبت أدواراً مفصلية قوية. وكمثال قال ديمتري أورلوف، مدير المركز التحليلي لاستراتيجية الشرق والغرب، أن تلك المنظمة «لا تزال غير نشطة بما يكفي». وفقاً للخبير، فإن السابقة الأولى والوحيدة لاستخدام قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي حدثت في كازاخستان في يناير (كانون الثاني) 2022، عندما أرسل قاسم جومارت توكاييف إلى المنظمة طلباً للمساعدة على خلفية التجمعات المناهضة للحكومة وأعمال الشغب.
عموماً، شكلت محاولات تنشيط المنظمات الإقليمية اختباراً جدياً للكرملين لتحديد قدرات الشركاء والحلفاء على تبني مواقف واضحة إلى جانبه. وفي هذا الإطار، فقد تباينت مواقف البلدان «الحليفة» ليس فقط حيال الحرب على أوكرانيا، بل وعموماً تجاه الأزمة الروسي مع الغرب. ويكفي أنه منذ ضم القرم عام 2014 لم تتمكن الدول المجاورة لروسيا في تبني موقف موحد. ولم يقم أي بلد بالاعتراف بشرعية ضم أجزاء جديدة إلى روسيا، كذلك لم يظهر أي طرف تضامناً في سياسة موسكو لدعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا.
وبرزت مشكلة أخرى أظهرتها مجريات العام 2022 تتمثل في تباين التقييمات في كل بلد للأخطار الخارجية، ومع الاتفاق على أن أفغانستان مثلاً تمثل مصدر تهديد في آسيا الوسطى، لكن المشكلات الأخرى في المحيط الروسي لا تثير اهتماماً كافياً لدى جمهوريات آسيا الوسطى، وبالعكس من ذلك تزداد خشية بعض البلدان مثل كازاخستان من توظيف شعارات حماية الأقليات الناطقة بالروسية لتعزيز مسار التدخل الروسي في شؤون هذه البلدان.
وهنا بالطبع لا يغيب دور وتأثير الأطراف الخارجية في حمل بلدان المحيط الروسي على التنكر لسياسات الكرملين، وهو أمر برز من خلال مواقف كازاخستان الحليف المهم في السابق الذي انتقد بقوة قرارات الضم لأجزاء من أوكرانيا، وتعامل ببرود لافت مع اقتراح روسي لإنشاء مركز إقليمي لتصدير الغاز يكون مشتركاً مع روسيا وأوزبكستان.


مقالات ذات صلة

أوروبا جنود أوكرانيون في غرفة تحوَّلت لكنيسة قرب الجبهة في دونيتسك (اللواء 93 الميكانيكي - أ.ف.ب) p-circle

هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا تتعثر

اتهمت القيادة العسكرية الأوكرانية روسيا بانتهاك هدنة عيد الفصح الأرثوذكسي مراراً، مع تسجيلها 470 حادثة تتراوح بين الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة والقصف

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا نيران تشتعل بمبنى أصابته مسيّرة أوكرانية في بيلغورود (رويترز)

روسيا: إصابة 5 في هجمات لأوكرانيا على منطقتين حدوديتين رغم الهدنة

قال حاكما منطقتَين حدوديَّتين روسيَّتين إنَّ طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت أهدافاً في منطقتَي كورسك وبيلغورود؛ مما أسفر عن إصابة 5 أشخاص.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية الصواريخ الإيرانية تُعرض في متحف القوة الجوية الفضائية لـ«الحرس الثوري» في طهران بإيران - 15 نوفمبر 2024 (رويترز) p-circle

تقارير: الصين وروسيا قدمتا مساعدات ومعلومات إلى إيران

قال مسؤولون إن وكالات الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما تكون قد أرسلت خلال الأسابيع الأخيرة شحنة من صواريخ الدفاع الجوي المحمولة.

أوروبا جنود أوكرانيون يؤدون صلاة العيد في قرية قرب سلوفيانسك (إ.ب.أ)

روسيا وأوكرانيا تفرجان عن أسرى حرب قُبيل هدنة عيد الفصح

تستعد روسيا وأوكرانيا لوقف مؤقت لإطلاق النار لمناسبة عيد الفصح الأرثوذكسي، اليوم (السبت)، سبقه تبادل لأسرى الحرب وضربات بالمسيّرات خلال الليل.

«الشرق الأوسط» (كييف)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.