محكمة ألمانية تدين امرأة عمرها 97 عاماً بـ{جرائم حرب نازية»

اتُهمت بالمشاركة في قتل نحو 11 ألف شخص

المتهمة إيرمغارد فورشنر خلال المحاكمة أمس (أ.ف.ب)
المتهمة إيرمغارد فورشنر خلال المحاكمة أمس (أ.ف.ب)
TT

محكمة ألمانية تدين امرأة عمرها 97 عاماً بـ{جرائم حرب نازية»

المتهمة إيرمغارد فورشنر خلال المحاكمة أمس (أ.ف.ب)
المتهمة إيرمغارد فورشنر خلال المحاكمة أمس (أ.ف.ب)

في ما قد تكون واحدة من آخر محاكمات النازيين التي تشهدها ألمانيا، أصدرت محكمة في بلدة إيتزيهو الصغيرة بجنوب ألمانيا، حكماً بالذنب على إيرمغارد فورشنر البالغة من العمر 97 عاماً، لدورها في قتل 10500 شخص في معسكر «شتوتهوف» الواقع في بولندا، شرق مدينة غدانسك.
وأصدرت المحكمة حكماً على إيرمغارد بعامين في السجن مع وقف التنفيذ. وحوكمت السيدة المسنة في محكمة الأحداث نظراً إلى سنها وقت ارتكاب الجرائم المتهمة فيها والتي وقعت بين عامين 1943 و1945 وكانت حينها في الـ18 من العمر. وكانت تعمل سكرتيرة في المعسكر خلال تلك الفترة.
ووصف المدعي العام ماكسي فانتزن المحاكمة التي استمرت أكثر من عام، بأنها «تحمل أهمية تاريخية كبيرة»، مضيفاً أنها «قد تكون الأخيرة من نوعها بسبب مرور الوقت». واستمعت المحكمة، خلال أكثر من عام استمرت فيه المحاكمة، إلى شهادات 31 شخصاً؛ إما من الناجين من المعسكر وإما من الذين قُتل ذووهم فيه، ومعظمهم قدموا شهاداتهم عبر دائرة الفيديو من الولايات المتحدة وإسرائيل وبولندا.
ونفت المتهمة التهم الموجهة إليها، ودفع محاميها بالبراءة من دون أن ينفي الجرائم التي حصلت في معسكر «شتوتهوف». لكنه قال إن موكلته لم تكن تعلم بها. ولم تتحدث فورشنر طوال فترة محاكمتها إلا في النهاية لتقدم اعتذاراً مما حصل من دون أن تعترف بالذنب. وقالت: «أنا آسفة عن كل ما حصل. أندم أنني كنت في (شتوتهوف) في ذلك الوقت؛ هذا كل ما يمكنني قوله».
وحاولت فورشنر الهرب في بداية محاكمتها، وتركت ملجأ المسنين الذي تعيش فيه بالقرب من هامبورغ من دون أن يعرف أحد مكانها لساعات، حتى عثرت عليها الشرطة بالشارع في هامبورغ واعتقلتها. وأجبرت منذ ذلك الوقت على ارتداء سوار إلكتروني لتحديد مكانها. وكانت غالباً ما تصل إلى قاعة المحكمة بسيارة إسعاف محاطة بالمسعفين والأطباء، وعلى كرسي متحرك، وهي ترتدي نظارات سوداء كبيرة وقناعاً طبياً.
ورفضت المحكمة دفاع محاميها بأنها لم تكن تدري بالجرائم حولها. وخلال المحاكمة، أجرى القاضي ومسؤولون في المحكمة زيارة ميدانية لموقع المعسكر والمبنى والمكتب الذي كانت تجلس فيه فورشنر. واستنتجوا أن مكتبها، الذي كانت تتشاركه مع موظفين آخرين، كان قريباً من غرف الغاز والمشانق التي كان يقتل بها السجناء. واستنتجوا أيضاً أن الطريق التي كانت تسلكها للوصول إلى المكتب تعني أنها من دون شك كانت تعرف ما يجري والتالي كانت متآمرة. وقال الادعاء إن وظيفتها كانت طوعية وإنها كانت باستطاعتها المغادرة وقتما تريد؛ لكنها لم تفعل ذلك.
وقتل في معسكر «شتوتهوف» ما بين 63 ألفاً و65 ألف سجين؛ منهم 28 ألف يهودي وآخرون من سجناء حرب من الجنود السوفيات والمعارضين البولنديين.
ووفق صحيفة «تزايت» الألمانية، ما زالت هناك 5 قضايا أمام المدعين العامين تتعلق بمحاكمة أشخاص على جرائم ارتكبت أيام النازية، ولكن من غير الواضح متى وما إذا كانت هذه التحقيقات ستكتمل أو ستؤدي إلى محاكمات بسبب عدم كفاءة المتهمين الذين تخطوا سن الـ97.
وفي السنوات الأخيرة، مثل أمام محاكم ألمانيا متهمون عن جرائم أيام النازية، ولكن كثيراً من المتهمين لم يصلوا إلى المحكمة. وكتبت صحيفة «تزايت» أنه خلال السنوات الـ77 الماضية، تجاهلت السلطات التنفيذية في البلاد كثيراً من القضايا التي كان بإمكانها ملاحقتها لمعاقبة المتورطين بجرائم النازيين. وقالت إن هذا الأمر سببه أن كثيراً من القضاة كانوا هم أنفسهم «من النازيين»، مشيرة إلى أنه في عام 1954 خدم 70 في المائة من القضاء بشكل فعال أيام الحقبة النازية. وأضافت الصحيفة أن بداية التحقيقات بعد انتهاء الحرب وفضح الفظائع المرتبكة «كانا بطيئين»، ونتيجة لذلك توفي المتهمون في كثير من الأوقات قبل أن تبدأ محاكماتهم.
وأشارت الصحيفة إلى بعض الاستثناءات في سرعة تنفيذ مذكرات التوقيف والمحاكمات، وأعطت مثالاً بـ«محاكمات أشفيتز» في فرنكفورت عام 1963، والتي حوكم فيها 19 رجلاً عملوا حراساً أو أطباء أو مسؤولين عسكريين عن المعسكر. وأعادت الصحيفة الفضل في ذلك للمدعي العام في فرنكفورت فريتز باور الذي قالت إنه تحرك بسرعة في تحقيقاته.
وكان البرلمان الألماني أصدر قانوناً قبل سنوات يسمح بإكمال محاكمات المتهمين بجرائم من حقبة النازية ما دامت حالة المتهم تسمح بذلك، مسقطاً بذلك المهلة الزمنية للمحاسبة عن جرائم. ولكن على الرغم من ذلك، فإن محاكمة فورشنر تبدو الأخيرة التي قد تشهدها ألمانيا، نظراً إلى كبر سن المتهمين الآخرين الذين ما زالوا قيد التحقيق، مما يعني أن ألمانيا تطوي بهذه المحاكمة حقبة طويلة من العار ما زالت الأجيال الجديدة في ألمانيا تعيشها، خوفاً من تكرار أخطاء أجدادهم.


مقالات ذات صلة

ثنائي في إسرائيل يدفنان ناجية من «الهولوكوست» ليواصلا تلقي الإعانات

شؤون إقليمية ناجٍ من معسكر اعتقال يمسح دمعة خلال مراسم أقيمت في معسكر الإبادة النازي السابق أوشفيتز بيركيناو ببولندا في 27 يناير 2005 (رويترز)

ثنائي في إسرائيل يدفنان ناجية من «الهولوكوست» ليواصلا تلقي الإعانات

يشتبه بأن ثنائياً بإسرائيل دفنا إحدى الناجيات من المحرقة اليهودية على أرض لهما بعدما توفيت قبل عام ونصف عام؛ ليتمكنا من مواصلة الحصول على الإعانات نيابة عنها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون الحصول على طعام في مدينة غزة اليوم السبت (أ.ف.ب)

ناجون من المحرقة اليهودية يطالبون إسرائيل بوقف تجويع أطفال غزة

نشرت صحيفة «الميرور» البريطانية، اليوم (السبت)، رسالة وجّهها 12 من الناجين من المحرقة اليهودية، طالبوا فيها بوقف تجويع أطفال غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ منظر عام للبيت الأبيض في العاصمة الأميركية واشنطن (رويترز)

واشنطن ترفض تشبيه الرئيس البرازيلي الحملة الإسرائيلية على غزة بالمحرقة

أعلنت الولايات المتحدة، اليوم (الثلاثاء)، رفضها تصريحات الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا التي شبه فيها الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة بالمحرقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)

بايدن يحذر من تصاعد «معاداة السامية»

احتفل الرئيس الأميركي جو بايدن، باليوم العالمي لإحياء ذكرى المحرقة‭‭‬،‬‬ وحذر مما وصفها بـ«زيادة مثيرة للقلق في معاداة السامية» بعد هجمات حركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أرشيفية - د.ب.أ)

الحصانة الدبلوماسية تجنّب عباس ملاحقة قضائية في ألمانيا

أكد مدّعون في برلين اليوم أن تصريحات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس المرتبطة بالمحرقة التي أدلى بها خلال زيارة العام الماضي ترقى إلى التحريض على الكراهية.

«الشرق الأوسط» (برلين)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».