قمة «بغداد 2» في الأردن لتحصين العراق... والملفات الإقليمية حاضرة

البحرين وسلطنة عُمان عضوان جديدان والغائبان لبنان وسوريا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

قمة «بغداد 2» في الأردن لتحصين العراق... والملفات الإقليمية حاضرة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

يستضيف الأردن يوم الثلاثاء القادم، على ضفاف البحر الميت وفي مركز الملك حسين بن طلال للمؤتمرات، قمة «بغداد 2» التي يراد لها أن تكون استمراراً لقمة «بغداد 1» التي عقدت في العاصمة العراقية نهاية شهر أغسطس (آب) من العام الماضي. وجديد القمة المقبلة أنها ستضم عضوين جديدين هما البحرين وعمان إلى جانب مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات وقطر وتركيا وإيران وبالطبع العراق وفرنسا.
وإذا كانت الدعوات قد صدرت من عمان، فإن باريس وبغداد تشكلان الجهة المدبرة للقمة. وامتنعت المصادر الرئاسية الفرنسية، في معرض تقديمها للمؤتمر، عن الكشف عن مستوى التمثيل لهذه النسخة وتحديداً مستوى التمثيل السعودي والإيراني. وتجدر الإشارة إلى أن البلدين تَمَثَّلَا العام الماضي بوزيري خارجيتهما.
وأفادت مصادر دبلوماسية عربية في باريس بأن فرنسا «ضغطت بقوة» من أجل أن ينعقد المؤتمر قبل نهاية العام الجاري وهو ما سيحصل. ويعزى التأخير لما يراد له أن يكون قمة سنوية، إلى الوضع السياسي الداخلي في العراق حيث كان يصعب الدعوة إلى قمة قبل أن يتم انتخاب رئيس للجمهورية وتعيين رئيس للحكومة. واللافت أيضاً غياب سوريا، جارة العراق، كما في النسخة الأولى وذلك للأسباب المعروفة. بيد أن غياب لبنان هذا العام أيضاً يطرح إشكالية المعايير التي تمت الدعوات على أساسها؛ إذ إن حجة أن الدعوة محصورة بالدول المجاورة للعراق لا تقوم؛ حيث لا مصر ولا الإمارات ولا البحرين أو عمان لها حدود مشتركة مع العراق. ولم تقدم فرنسا أو العراق سبباً لغياب لبنان الذي يعاني من مشاكل بعضها مشابه لما يعاني منه العراق. وأشارت المصادر الفرنسية إلى أن القمة ستجرى على مرحلتين: الأولى، مفتوحة تعقبها بعد فترة استراحة، جلسة مغلقة. كذلك أكدت أن الغرض من القمة لهذا العام لا يختلف عما كان عليه العام الماضي وهو تحديداً «مساعدة العراق على توفير الأمن والاستقرار والازدهار، ولكن أيضاً التداول بشأن الملفات التي تهم المنطقة والتي يقع العراق في قلبها كدولة محورية».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (أ.ف.ب)

ووفق الرؤية الفرنسية، فإن باريس تطمح لأن تطرح القمة مسائل تشغل كل بلدان المنطقة من غير استثناء مثل تبعات الاحتباس الحراري والأمن الغذائي المرتبط بنتائج الحرب الروسية على أوكرانيا والتصحر وربط الشبكات الكهربائية والتعامل مع الكوارث الطبيعية... وأكدت المصادر الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون سوف يتناول من جانبه بعض المسائل الإقليمية ذاكرة منها لبنان وسوريا وأنه سيتناول بشكل خاص ملف اللاجئين السوريين في دول الجوار ومنها في لبنان الغارق في أزماته السياسية والاقتصادية والسياسية والمالية والاجتماعية. وشددت المصادر الفرنسية على أن ماكرون «لا يتوانى في كل لقاءاته» عن طرح الملف اللبناني كما فعل مع الرئيس الأميركي بايدن لدى زيارة الدولة التي قام بها أواخر الشهر الماضي أو مع أمير قطر الأربعاء الماضي بمناسبة حضوره مباراة النصف النهائي الكروي لفريق بلاده بمواجهة الفريق المغربي.
وتجدر الإشارة إلى أن مدير عام الأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم الذي يلعب دوراً سياسياً مهماً، زار بغداد بداية الأسبوع واجتمع برئيسي الجمهورية والحكومة العراقيين، وكان الملف اللبناني على رأس محادثاتهما، وطلب منهما نقل تفاصيل الوضع اللبناني إلى القمة. وتسعى باريس للعب دور في تسهيل انتخاب رئيس جديد في لبنان فيما تعاني البلاد من فراغ على رأس السلطة التنفيذية مند نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ولا شيء يشي في الأفق أن ملأه أصبح قريباً.
تؤكد باريس أن القمة قامت على «مبدأ توفير إطار يضم العراق والدول الرئيسية الفاعلة في المنطقة إلى طاولة واحدة للتداول بداية حول شؤون العراق وأيضاً التحاور بشن المسائل المشتركة للمنطقة»، مضيفة أن هذه المسائل تواجهها كل الدول مهما يكن النظام السياسي القائم فيها. وشددت المصادر الفرنسية على «تعلق» ماكرون بالعراق الذي زاره مرتين خلال ولايته الأولى، حيث إن لفرنسا مصالح واستثمارات بها. وخلال ترؤسه الحكومة العراقية، وفرت باريس لـمصطفى الكاظمي مختلف أنواع الدعم، ودعاه ماكرون رسمياً لزيارة باريس. بيد أن تغير الحكومة في بغداد لن يكون له أثر على رغبة فرنسا بتعزيز علاقاتها مع العراق الذي تريد مساعدته على فتح آفاق جديدة سياسية واقتصادية وأمنية بعيداً عن التجاذب الأميركي ــ الإيراني عليه. كذلك تريد الدبلوماسية الفرنسية تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتجاذبة بشأن العراق. وسبق لها أن عبّرت عن قلقها الكبير إزاء الهجمات الإيرانية والتركية على مناطق في كردستان العراق وهي نددت بذلك وترى فيها تهديداً لأمنه ولاستقراره. وذكرت هذه المصادر بتأكيد ماكرون العام الماضي أن باريس «جاهزة للوقوف إلى جانب العراق عسكرياً وبالشكل الذي يرتئيه». وما زالت فرنسا ضمن التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب كما أنها تتمتع بعلاقات جدية مع إقليم كردستان ومع حكومة المركز.
حقيقة الأمر أن النسخة القادمة للقمة تتم في ظروف أصعب من ظروف القمة الأولى. فعلى المستوى الإقليمي، كانت المفاوضات الخاصة بالملف النووي الإيراني قائمة على قدم وساق، وكانت هناك توقعات بإمكانية إعادة إحياء اتفاق عام 2015 مع بعض التعديلات. والحال أن أفق التوصل إلى اتفاق قد غابت تماماً. كذلك لم تكن إيران تعرف الاحتجاجات الشعبية المتواصلة منذ ثلاثة أشهر ولم تكن الانتقادات موجهة إليها بسبب الدعم العسكري الذي توفره لروسيا. من هنا، ثمة قراءة ترجح أن تكون إيران «أكثر تصلباً» في تناولها للمسائل الإقليمية بسبب حاجتها لأوراق ضاغطة ومنها الورقة العراقية. أما بالنسبة لتركيا، فإنها تعاني من أزمات سياسية داخلية حادة، ويرى الكثيرون أن «عدوانيتها» الخارجية سواء أكانت في سوريا أم العراق غرضها حرف الأنظار عما يجري في الداخل.
لن تقتصر زيارة ماكرون للأردن على القمة وحدها؛ إذ إنه سترافقها زيارة ثنائية ستوفر الفرصة للطرفين الفرنسي والأردني للبحث في العلاقات الثنائية الجيدة بشكل عام، وسيجري عقد اجتماع مغلق بين الملك الأردني عبد الله الثاني والرئيس ماكرون يتبعه اجتماع موسع يضم وفدي الطرفين. ونوهت المصادر الفرنسية بعلاقة الثقة القائمة بين ماكرون وعبد الله الثاني، وشددت على أن الأردن «حليف في الحرب على الإرهاب»، كما أنه «لاعب قوي» في محاربة التطرف. ويرتبط الطرفان بعلاقات اقتصادية قوية فيما تلعب الوكالة الفرنسية للتنمية دوراً لافتاً في الأردن لجهة انخراطها في مشاريع أساسية تنموية. ويرافق ماكرون، إلى جانب وزيري الخارجية والدفاع، وفد من رجال الأعمال والشخصيات الفرنسية التي تلعب دوراً في المنطقة.
أخيراً وبعكس ما كان يتوقعه كثير من اللبنانيين، فإن الرئيس الفرنسي سينتقل من الأردن إلى مصر للقاء قادة وعسكريي حاملة الطائرات شارل ديغول جرياً على عادته في تمضية أعياد نهاية السنة مع أفراد من القوات المسلحة الفرنسية. وكان اللبنانيون يأملون أن يذهب إلى الجنوب اللبناني حيث تشارك القوات الفرنسية في القوة الدولية المرابطة منذ عقود على الحدود اللبنانية ــ الإسرائيلية والمسماة «يونيفيل». وقد امتنعت المصادر العسكرية الرئاسية عن الكشف عن مكان تواجد حاملة الطائرات العاملة بالدفع النووي في البحر الأحمر أو الأبيض المتوسط والتي تعد أحد أعمدة الدفاع الفرنسي؛ حيث لا تملك فرنسا حاملة طائرات غيرها.
وترافق «شارل ديغول» غواصة نووية وفرقاطات وسفينة تزود بالوقود وطائرات استطلاع إضافة إلى قطع أوروبية. وقد تركت حاملة الطائرات مرفأ طولون المتوسطي منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي متنقلة في البحر الأبيض المتوسط وهي متعددة المهام، من الحرب على الإرهاب إلى تعزيز قوة الردع الأطلسية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

فرنسا ترفض مبدأ «وحدة الساحات» والربط بين جبهتَي لبنان وإيران

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا ترفض مبدأ «وحدة الساحات» والربط بين جبهتَي لبنان وإيران

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)

في ردها على الشروط الأميركية الـ15 التي نُقلت إليها عبر الوسيط الباكستاني، لم تتردد السلطات الإيرانية في العودة إلى تفعيل مبدأ «وحدة الجبهات»، وذلك من خلال اشتراطها ربط مصير الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله» بمصير الحرب الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ما يعني أن مصير لبنان ككل، وليس فقط مصير الجنوب، أصبح مربوطاً بما يمكن أن ترسو عليه تطورات الحرب الدائرة في إيران والمتمددة إلى لبنان. واللافت أنه منذ أن عادت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، حرص الأول على نفي ارتباطها بما يحصل في إيران، بل إن خطب نعيم قاسم، الأمين العام للحزب، ومسؤوليه دأبت على نفي هذا الربط لكيلا توفر الحجج لمن ينتقدونه بأنه تابع لإيران وينفذ أوامرها. وأكثر من ذلك، فإن ربط طهران بين الجبهتين من شأنه أن «يفرمل» الدولة اللبنانية ومبادرة الرئيس جوزيف عون الذي طرح مبادرة إطلاق مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل، والتي يرى فيها الوسيلة الوحيدة لوقف الحرب التي تدمر لبنان.

الورقة الفرنسية

جاءت «الورقة» الفرنسية التي طرحت جدولة زمنية من ثلاث مراحل لتكمل وتدعم مبادرة عون. بيد أن رفض إسرائيل الجذري للمبادرتين، وهو ما تبلغه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في إسرائيل خلال زيارته في 20 مارس (آذار) للقاء نظيره جدعون ساعر، جمّد المبادرة الفرنسية التي كان يراد منها تناول كل جوانب الأزمة اللبنانية. والأهم من ذلك، أن الولايات المتحدة الأميركية التي أرادتها باريس إلى جانبها، لم تُظهر حماسة. وطيلة الأيام الأخيرة، بدا للجانب الفرنسي أن إدارة الرئيس دونالد ترمب راغبة في إعطاء الوقت الكافي لإسرائيل لإتمام عملياتها العسكرية في لبنان، وهدفها الرئيسي تدمير «حزب الله»، وجعل نزع سلاحه شرطاً أساسياً لا يمكن القفز فوقه لقبولها التفاوض.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

لبنان على طاولة «السبع»

كان لبنان أحد الملفات الرئيسية التي بُحثت بمناسبة اجتماع وزراء خارجية «مجموعة السبع» في دير «فو دو سيرني» التاريخي الذي حُول إلى وجهة سياحية غربي العاصمة الفرنسية. وجعلت باريس من لبنان أحد المحاور في الجلسة المخصصة للحرب في إيران وتبعاتها. غير أن المناقشات لم تصل إلى رؤية موحدة أو أي قرار محدد لسببين: الأول، الموقف الأميركي، والثاني قناعة المؤتمرين بأن دخول «حزب الله» في الحرب صبيحة الثاني من مارس ما كان إلا استجابة لما طلبته طهران، وهو يشبه كثيراً استجابة الحوثيين المتأخرة لمطلب مماثل. وتتخوف باريس من احتمال الربط بين الجبهتين، وهو ما أوضحه بارو في المؤتمر الصحافي الذي أعقب انتهاء أعمال وزراء «مجموعة السبع».

وتقوم المقاربة الفرنسية على الدفع باتجاه «المحافظة على استقرار لبنان ودعم مؤسساته الشرعية، وحماية المدنيين، وضمان الاستعادة الكاملة لسيادته»، وهي الرسالة التي شدد عليها الوزير الفرنسي لدى أقرانه. وليس سراً أن باريس، بلسان وزير خارجيتها، في حديث، الأحد، للقناة «الثالثة» في التلفزة الفرنسية، تحمّل «حزب الله» مسؤولية «جرّ لبنان، مرة أخرى، إلى الحرب».

وقال الوزير الفرنسي، عقب انتهاء أعمال «مجموعة السبع»، ما حرفيته: «لم يكن ينبغي للبنان أن يُجرّ إلى حرب لم يخترها. وتقع مسؤولية جسيمة على (حزب الله) في اتخاذ هذا القرار الذي يضع البلاد مرة أخرى على حافة الهاوية».

وعبر بارو عن رفض بلاده الربط بين الجبهتين. كذلك أكد أن لبنان «لا يرغب في أن تعمد قوى خارجية بتحويل لبنان إلى مسرح ثانوي لحرب لم يردها». وأضاف الوزير الفرنسي أنه «على العكس، يجب مضاعفة الجهود من أجل وقف الأعمال العدائية في لبنان، وتسهيل حوار رفيع المستوى - قد يكون تاريخياً - بين السلطات اللبنانية والسلطات الإسرائيلية، بما يتيح لهما الاتفاق على مسار نزع سلاح (حزب الله)، الذي ينبغي أن يسلّم سلاحه، والتقدّم نحو تسوية النزاع القائم بينهما منذ عام 1949».

أنقاض مبنى تعرض لغارة جوية إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية يوم 30 مارس (أ.ف.ب)

مطالب فرنسا

حقيقة الأمر أن باريس تجد نفسها اليوم مفتقدة للقدرة على التأثير في مسار الأحداث بين لبنان وإسرائيل، كما بخصوص تطورات الحرب بين إيران والثنائي الأميركي - الإسرائيلي. بارو عرض مجدداً لائحة المطالب الفرنسية من إسرائيل للمحافظة على لبنان، وقد عدّدها كالتالي: «يجب على إسرائيل أن تمتنع عن أي عملية برية، وأن تمتنع عن أي استهداف للبنية التحتية المدنية، وعن أي اعتداء على المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ولا سيما بيروت، حتى يظلّ الطريق نحو السلام ممكناً».

والحال أن ملاحظة ما هو حاصل في لبنان، هي أن إسرائيل لا تعير أي أهمية للمطالب الفرنسية؛ فمن جهة، يطالب رئيس وزرائها نتنياهو بتوسيع مساحة الأراضي التي تحتلها القوات الإسرائيلية في لبنان، بل إن وزير الدفاع يريد تعديل الحدود بين لبنان وإسرائيل لدفعها حتى نهر الليطاني الذي يبدو بلوغه هدفاً رئيسياً لتل أبيب. كذلك تريد باريس أن تمتنع إسرائيل عن استهداف البنية التحتية المدنية. لكن ما هو حاصل أن الطيران الإسرائيلي لا يفرق بين مدني وعسكري؛ إذ إنه دمر الجسور الخمسة الرئيسية فوق نهر الليطاني لفصل الجنوب عن بقية المحافظات اللبنانية. أما تجنب استهداف المناطق السكانية فمطلب بعيد كل البعد عن الواقع.

ومنذ توقف الحرب والتوصل إلى هدنة بين إسرائيل ولبنان في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024 بفعل وساطة وضغوط أميركية - فرنسية، سعت باريس لتكون طرفاً في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم) بين إسرائيل و«حزب الله»، وكان لها ما طلبت؛ إذ عُين ضابط فرنسي نائباً لرئيس ما سُمي «اللجنة الخماسية». وخلال أشهر، سعت باريس لإقناع إسرائيل بوقف هجماتها في لبنان على مواقع وقادة ومسؤولين من «حزب الله»؛ لأنها تضعف الدولة اللبنانية في سعيها لحصر السلاح بيد القوى الشرعية. لكن جهودها باءت بالفشل؛ إذ استمرت الهجمات الإسرائيلية بحجة أن «حزب الله» لم يحترم بنود الاتفاق، ولم يوافق على تسليم سلاحه. وعرفت «ورقتها» التفاوضية المصير نفسه.

تعزيزات عسكرية إسرائيلية إلى الجبهة المفتوحة بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» منذ 2 مارس (رويترز)

واليوم، تقف باريس إلى جانب الرئيس عون والحكومة اللبنانية في سعيهما لتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي اتُّخذت، بهذا الخصوص، في مجلس الوزراء، وهو ما يشدد عليه الرئيس ماكرون ووزير خارجيته في كل مناسبة. لكن باريس تعي أن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق ما دامت الحرب دائرة، كما تعي أن تواصلها سيزيد من إضعاف الدولة اللبنانية، وسيراكم الأعباء التي لن تكون قادرة على تحملها، وعلى رأسها التعامل مع أعباء مئات آلاف النازحين؛ لذا فإنها تدعو إلى وقف الحرب الدائرة على الأراضي اللبنانية لتجنيب لبنان «الهوة» التي تحذر منها. وعلى رغم محدودية أدواتها الدبلوماسية والسياسية، فإن باريس تواظب على «طرح الصوت» الذي لم يجد حتى اليوم من يستمع إليه.


مقتل عنصرَيْن من «يونيفيل» بانفجار «مجهول المصدر» في جنوب لبنان

مركبة تابعة لقوات «يونيفيل» تمر بجانب جندي لبناني... جنوب لبنان 27 مارس 2026 (رويترز)
مركبة تابعة لقوات «يونيفيل» تمر بجانب جندي لبناني... جنوب لبنان 27 مارس 2026 (رويترز)
TT

مقتل عنصرَيْن من «يونيفيل» بانفجار «مجهول المصدر» في جنوب لبنان

مركبة تابعة لقوات «يونيفيل» تمر بجانب جندي لبناني... جنوب لبنان 27 مارس 2026 (رويترز)
مركبة تابعة لقوات «يونيفيل» تمر بجانب جندي لبناني... جنوب لبنان 27 مارس 2026 (رويترز)

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل)، الاثنين، مقتل اثنين من عناصرها بانفجار «مجهول المصدر» في جنوب لبنان، غداة مقتل عنصر ثالث بانفجار مقذوف قرب الحدود مع إسرائيل، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت القوة في بيان: «قُتل جنديان من قوات حفظ السلام التابعة لـ(يونيفيل) اليوم في حادث مأساوي بجنوب لبنان، إثر انفجار مجهول المصدر دمّر آليتهم قرب بني حيان. وأُصيب جندي ثالث بجروح خطيرة، كما أُصيب رابع بجروح»، مشيرة إلى «هذا هو الحادث المميت الثاني خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية».

وأعلنت القوة بدء تحقيق «لتحديد ملابسات الحادث».

من جهته، ​قال نائب الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان ⁠بيار ​لاكروا للصحافيين، الاثنين، ⁠إن ‌الجنديَيْن اللذين ‌قُتلا ​من ‌قوات ‌حفظ السلام ‌في انفجار بجنوب لبنان ⁠يحملان الجنسية ⁠الإندونيسية.

إلى ذلك، قالت كانتيس أرديل، المتحدثة باسم قوات «يونيفيل»، إن انفجاراً قوياً استهدف آلية تابعة لها الاثنين، ما أسفر عن إصابة عدد من جنود حفظ السلام.

وأوضحت أرديل، في تصريح لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، أن فرق الإسعاف تمكنت من نقل بعض المصابين من المكان، في حين تعذر الوصول إلى اثنين آخرين في البداية لعدم توافر ضمانات أمنية كافية في المنطقة.

وأضافت أنه «بعد التنسيق مع السلطات اللبنانية والإسرائيلية، أُرسل فريق إلى الموقع لاستكمال عملية الإجلاء، وسيتم إعلان تفاصيل إضافية لاحقاً بحسب تطورات الوضع».


أزمة السفير الإيراني تتفاقم: بيروت تتمسّك بالقرار وطهران تتحدى

السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني (أرشيفية - أ.ف.ب)
السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

أزمة السفير الإيراني تتفاقم: بيروت تتمسّك بالقرار وطهران تتحدى

السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني (أرشيفية - أ.ف.ب)
السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني (أرشيفية - أ.ف.ب)

تشهد العلاقات اللبنانية الإيرانية توتراً دبلوماسياً متصاعداً، على خلفية قرار بيروت سحب اعتماد السفير الإيراني المعين محمد رضا شيباني وإعلانه «شخصاً غير مرغوب فيه»، مقابل تمسّك طهران ببقائه في منصبه واستمراره في أداء مهامه.

وبعد انتهاء المدة التي أعطتها وزارة الخارجية اللبنانية للسفير شيباني لمغادرة بيروت إثر سحبها الموافقة على اعتماده، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي: «سفيرنا سيبقى في بيروت ولن يغادرها كما طلبت منه الخارجية اللبنانية».

كذلك أفاد مصدر دبلوماسي إيراني تحفّظ على ذكر اسمه لـ «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن شيباني سيبقى في لبنان بعدما انتهت يوم الأحد المهلة التي منحته إياها وزارة الخارجية اللبنانية لمغادرة البلاد، مضيفاً: «السفير لن يغادر لبنان نزولاً على رغبة رئيس مجلس النواب نبيه بري و(حزب الله)».

وزارة الخارجية والمغتربين تسحب الاعتماد من السفير الإيراني (الوكالة الوطنية)

قرار سيادي أم رسالة سياسية؟

استندت بيروت في قرارها إلى المادة التاسعة من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تتيح للدول إعلان أي دبلوماسي «غير مرغوب فيه»، وبررت وزارة الخارجية اللبنانية الخطوة بما وصفته بـ«مخالفات دبلوماسية»، أبرزها التدخل في الشؤون الداخلية خلافاً للمادة 41 من الاتفاقية، إضافة إلى إجراء لقاءات خارج الأطر الرسمية.

وفي موازاة ذلك، استدعت بيروت سفيرها في طهران أحمد سويدان للتشاور، في خطوة تعكس ارتفاع مستوى التوتر.

في المقابل، لا يبدو الموقف الإيراني مقتصراً على الجانب الإجرائي، بل يعكس تمسكاً أوسع بالحضور السياسي في لبنان. فقرار بقاء السفير جاء استجابة لرغبة ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، ما يربط الملف مباشرة بالتوازنات الداخلية.

وكان «حزب الله» وحركة «أمل» قد ندّدا بقرار سحب الاعتماد، فيما قاطع وزراء الطرفين جلسة مجلس الوزراء، في مؤشر إلى انقسام داخلي حول إدارة العلاقة مع طهران.

متظاهرون مؤيدون لـ«حزب الله» وإيران يتظاهرون دعماً للسفير الإيراني ورفضاً لقرار طرده أمام مقر السفارة في بيروت (أ.ف.ب)

مواقف سياسية داخلية متشددة

في السياق الداخلي، صعّد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع موقفه بوجه الموقف الإيراني، إذ كتب عبر حسابه على «إكس»: «مخالفة قرارات الحكومة اللبنانية ليست بطولة».

ورأى أنّ «تخطي القوانين لم يُحتسب يوما إنجازاً». مضيفاً: «قرار الحكومة الإيرانية إبقاء سفيرها لدى لبنان على الرغم من قرار الحكومة اللبنانية الطلب منه مغادرة الأراضي اللبنانية، لهو قمّة الازدراء بالقوانين الدولية وأصول التعاطي بين الدول».

وفي السياق نفسه، كتب النائب مارك ضو على منصة «إكس»: «هل القرار الدبلوماسي في بعبدا (القصر الرئاسي) أم في بئر حسن (في إشارة إلى مقر السفارة الإيرانية)؟».

وعدّ أنّ «بقاء السفير الإيراني لدى لبنان بعد سحب اعتماده ليس تفصيلاً دبلوماسياً، إنه تحدٍ لرئيس الجمهورية المسؤول عن العلاقات الدولية وللدولة كلها». مشيراً إلى أنه «تحدٍ للجيش إذا قرر التحرك ضمن لبنان. تحدٍ للأمن العام، لأن أي أجنبي من دون صفة شرعية يصبح خارج الأصول القانونية».

ورأى أنّ الأمر لم يعد مسألة بروتوكول، أصبح سلاح «حزب الله» والسفير الإيراني معاً خارج القانون. متسائلاً: «هل القرار في بعبدا ومع المؤسسات الشرعية أم في بئر حسن، تحت ظلال (الحرس الثوري) وبحماية (حزب الله)؟».

بدوره، كتب النائب فؤاد مخزومي عبر حسابه على منصة «إكس»: «رفض الامتثال لقرار إعلان الموفد الإيراني شخصية غير مرغوب فيها هو خرق فاضح لاتفاقية فيينا، وتحديداً المادة 9».

وأضاف: «على مجلس الوزراء تحمّل مسؤولياته واتخاذ موقف واضح: تنفيذ القرار فوراً، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإخراجه ضمن الأصول، وعدم الاكتفاء بالصمت أو التردد، وصولاً إلى تعليق العلاقات الدبلوماسية عند استمرار هذا التحدّي. السيادة ليست وجهة رأي».

تصعيد إسرائيلي

وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر وجّه مجدّداً تهديداً للدولة اللبنانية، مشيراً إلى أنّ «لبنان لن يستعيد حريته حتى يُتخذ القرار في بيروت لمواجهة الاحتلال الإيراني وحلفائه (حزب الله)».

وعدّ ساعر أنّ الدولة اللبنانية «دولة افتراضية محتلّة من إيران». وقال إنّ «المهلة التي منحتها بيروت للسفير الإيراني محمد رضا رؤوف شيباني انقضت أمس من دون أن يغادر البلاد»، مضيفاً: «هذا الصباح، يحتسي السفير الإيراني قهوته في بيروت ويسخر من الدولة المضيفة». وأشار إلى أنّ «وزراء (حزب الله) لا يزالون يشغلون مناصب في الحكومة اللبنانية».