الفلسطينيون يفتقدون «صاحب الصوت العالي» وصخرة الدفاع عن قضيتهم عالميًا

عريقات: نذكر له تقديمه مبادرة السلام العربية.. ومحادثات مكة لإنهاء الانقسام.. ودعمه اللامحدود في الحرب والسلم

الأمير الراحل لدى استقباله الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الرياض في ابريل 2009 (غيتي)
الأمير الراحل لدى استقباله الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الرياض في ابريل 2009 (غيتي)
TT

الفلسطينيون يفتقدون «صاحب الصوت العالي» وصخرة الدفاع عن قضيتهم عالميًا

الأمير الراحل لدى استقباله الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الرياض في ابريل 2009 (غيتي)
الأمير الراحل لدى استقباله الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الرياض في ابريل 2009 (غيتي)

عندما دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس لصلاة الغائب على روح الأمير الراحل سعود الفيصل، لم يكن ذلك من باب المجاملة الدبلوماسية للملكة، ولكن لأن الفيصل كان دائما «صوت فلسطين العالي».. كما يحب أن يصفه كبير المفاوضين الفلسطينيين وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات.
وقف عباس مع كل الذين عرفوا وعاصروا الفيصل وصلّوا صلاة الغائب على روحه وهم يستشعرون أنهم فقدوا واحدا من أهم مناصري القضية الفلسطينية. وقال عريقات: «لقد كان صوتنا العالي دائما». وأضاف: «في كل محطة من محطاتنا المهمة كان صوت فلسطين الذي لا يغيب». ويتذكر عريقات كيف أن الفقيد لم يكن يكتفي بما يقدمه في المنابر والاجتماعات والقمم تجاه فلسطين ومع الإدارة الأميركية وحسب، بل كيف كان يتصل به ويطلب منه الحضور إلى مكتبه في المملكة ومعه كل المعلومات والتفاصيل والخرائط حول القضية الفلسطينية.
وتابع: «لقد جند نفسه للقضية الفلسطينية تماما وكان يسألنا قرروا أنتم ونحن معكم». ولا ينسى الفلسطينيون للفيصل إطلاقه مبادرة السلام العربية لإيجاد حل نهائي للقضية وإقامة دولة فلسطينية، ووقوفه خلف محادثات مكة لإنهاء الانقسام الداخلي، وإعلانه في الحرب الأخيرة على القطاع أن فلسطين هي قضية السعودية الأولى. ونعى عباس في بيان رسمي إلى الأمتين العربية والإسلامية، الأمير سعود بن فيصل، مشيدا بمواقفه العربية الأصيلة تجاه القضية الفلسطينية، ونصرتها في كل المحافل العربية والإقليمية والدولية، مؤكدا على أن الشعب الفلسطيني لن ينسى مواقفه الأخوية الشجاعة، في نصرة الحق الفلسطيني ومواقفه الصلبة تجاه فلسطين والقدس، التي كانت وباستمرار تعبر عن موقف المملكة الثابت تجاه فلسطين والقدس.
وقال عباس للصحافيين في رام الله: «خسرنا برحيله دبلوماسيا بارعا، وقائدا عربيا وإسلاميا فذا مناصرا لقضايا الحق والعدل في العالم بأسره». وأضاف: «عرفنا صاحب السمو منذ أكثر من 40 عاما، حيث بدأ عمله كوزير لخارجية المملكة العربية السعودية، وكان دائما وأبدا مدافعا عن القضية الفلسطينية في كل المحافل العربية والإقليمية والدولية، وإن فعل ذلك فهو كان يمثل سياسة المغفور له والده شهيد القدس الملك فيصل، وأيضا هو يمثل أولا وأخيرا سياسة المملكة العربية السعودية التي أسسها المغفور له بإذن الله الملك عبد العزيز، واستمرت إلى يومنا هذا، حيث يقودها هذه الأيام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان أطال الله عمره وأعانه على الأوضاع العربية والدولية، ولكن نحن لنا ثقة كبيرة بأنه قادر على تجاوزها إن شاء الله».
وتابع: «إن السياسة التي انتهجها الأمير سعود الفيصل هي سياسة رجل محب ويؤمن بالقضية والعمل الفلسطيني، ولكنها سياسة بلده. رحم الله سعود الفيصل وأسكنه فسيح جناته.
ووجه عباس برقية تعزية إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز والأسرة المالكة، قائلا: «خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، إننا نعزيكم وأفراد الأسرة الإسلامية كافة، باسم فلسطين وشعبها، وباسمي شخصيا بوفاة صاحب السمو الملكي المغفور له بإذن الله الأمير سعود الفيصل، داعين المولى عز وجل أن يشمله بعميم عفوه وغفرانه، ويسكنه فسيح جناته، فقد كان رحمة الله عليه، خير من مثل بلاده ودافع عن قضايا الأمتين العربية والإسلامية، وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية»، وأضاف: «نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن عليكم بموفور الصحة والسعادة، وأن يحفظكم والمملكة العربية السعودية وشعبها الشقيق بكل خير وسلام، لتظل كما كانت دوما قوية عزيزة شامخة تواصل دورها الريادي في خدمة قضايا الأمة والدفاع عن أهدافها وتطلعاتها السامية».
ولم يقتصر نعي الفيصل على عباس فقط. بل نعاه كثير من السياسيين الفلسطينيين الذين اختبروه عن قرب. وقال وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي في بيان له: «لقد ترجل الفارس العربي الأصيل، فارس الموقف والكلمة ومنارة الدبلوماسية العربية، الذي قضى حياته وهو يدافع عن قضايا شعبه وأمتيه العربية والإسلامية، وفي مقدمتها قضية العرب والمسلمين الأولى القضية الفلسطينية». وأضاف: «إننا إذ نتقدم للأشقاء في المملكة العربية السعودية، ملكًا وحكومة وشعبًا، بأحر التعازي والمواساة على رحيل الأمير الفيصل، فإننا نعزي أنفسنا والأمتين العربية والإسلامية على فقدان هذه القامة العالية، سائلين المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يدخله فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء»، كما وصف سفير فلسطين لدى المملكة العربية السعودية بسام الآغا مواقف الأمير سعود الفيصل رحمه الله بأنها كانت ترجمة حقيقية لمواقف قيادة المملكة وشعبها العربي الأصيل، واصفا الفيصل بالوفي لفلسطين والمدافع الصلب عن حقوق شعبها.
وأضاف الآغا في حديث إذاعي في رام الله: «سمو الأمير سعود الفيصل - رحمه الله - وقف بشموخ مع فلسطين دائما، كان سندا لفلسطين في المحافل والمؤتمرات الدولية، يواجه بصلابة وعناد من أجل قضيتها العادلة». وأشار الآغا إلى جواب الفيصل عندما سئل أخيرا عن أهم أمانيه، فقال: «كنت أتمنى رؤية الشعب الفلسطيني يعيش حرا في وطنه، مودعا حياة الشقاء والمنافي والمخيمات، أعان الله هذا الشعب الذي واجه المخططات الاستعمارية».
ولفت السفير الآغا إلى مدى تأثر الرئيس عباس حال علمه بخبر وفاة الأمير الفيصل، قائلاً: «تأثر الرئيس دليل على مدى خسارة فلسطين لهذا الرجل الذي كانت فلسطين همه الأول، حيث ترجم مواقف وسياسة المملكة تجاه فلسطين، وعبر بصدق وموقف أصيل عن كل سعودي خلال 40 عاما وزيرا للخارجية في المملكة العربية السعودية».
وقال الآغا: «لقد كسبناه وخسرناه، لكن عزاؤنا أن الله يعوضنا بوجود قادة المملكة المخلصين، وحكمة وشجاعة خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز»، مستذكرا قول الفيصل عند استقباله سفيرا لفلسطين، حيث قال: «أهلا بفلسطين.. أبوابنا مفتوحة لفلسطين دائما».
أما السفير الفلسطيني لدى لبنان أشرف دبور، فعد أن وفاة الأمير سعود الفيصل رحمه الله شكلت خسارة كبيرة لفلسطين والأمة العربية والإسلامية. وثمن دبور مواقف الأمير سعود الفيصل الداعمة للقضية الفلسطينية طوال فترة عمله كوزير للخارجية، مؤكدًا أن بوفاة الأمير الفيصل رحمه الله تخسر الأمة العربية واحدًا من أبرز رجالات الدبلوماسية العربية.
وحب الفلسطينيين للفيصل قديم للغاية، إذ كان يصفه الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بصخرة الدفاع العربي عن فلسطين. وهذه الصخرة هي التي وقفت وراء تقديم العرب مبادرة السلام العربية عام 2002 لإنهاء الصراع وإقامة دولة فلسطينية، هي التي هددت الإسرائيليين لاحقا بأنها (المبادرة) لن تبقى على الطاولة للأبد، وهو الذي وقف وراء اجتماعات مكة لإنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس، وقال عريقات إنه كان متأثرا جدا بهذا الانقسام «لقد رأيت الحزن في عينيه»، وهو الذي قال في أغسطس (آب) الماضي بينما الإسرائيليون يدكون غزة في حرب دامية: «فلسطين قضية السعودية الأولى» سائلا نظراءه في منظمة التعاون الإسلامية عن أسباب ضعف الأمة، ومضيفا في كلمة له خلال افتتاح مؤتمر وزارة خارجية المنظمة في جدة: «هل كان في مقدور إسرائيل العدوان على غزة لو أن الأمة موحدة»، ومتابعا: «لا نريد أن نحول اجتماعنا لمجلس عزاء فلا وقت للعزاء واستجداء الحلول»، واستطرد قائلاً: «إسرائيل هدفها الأساسي استئصال الوجود الفلسطيني»، ومعلنا أن صندوق التنمية سيساعد في جهود إعادة الإعمار في فلسطين بـ500 مليون دولار. غير 300 مليون ستساعد بها المملكة لأغراض طبية.
إنه ببساطة الفيصل الذي ترحم عليه فلسطينيون عاديون عبر وسائل التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» مستخدمين جملته الأخيرة الأشهر «حالتي الصحية أشبه بحالة أمتنا العربية».



«التعاون الإسلامي» تؤكد دعمها وتضامنها مع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل

شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
TT

«التعاون الإسلامي» تؤكد دعمها وتضامنها مع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل

شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)

أعربت الأمانة العامة لمنظمة «التعاون الإسلامي» عن بالغ القلق إزاء تدهور أوضاع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، البالغ عددهم أكثر من 9500 أسير، من بينهم 73 أسيرة و350 طفلاً، علاوة على المعتقلين من قطاع غزة الذين لا يُعرَف عددهم.

وحذّرت الأمانة العامة من خطورة ما يتعرّض له الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي «من جرائم ممنهجة وغير إنسانية، وآخرها المصادقة على عقوبة الإعدام بحقهم، وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية التي كفلها لهم القانون الدولي الإنساني، من تعليم وعلاج واتصال بالعالم الخارجي، علاوةً على إخضاعهم للتعذيب والاعتداء عليهم بشكل متعمَّد ومنهجي، والتجريد من الإنسانية والإرهاب النفسي، والعنف الجنسي، والاغتصاب، والتجويع، والحبس الانفرادي، وغيرها من الإجراءات التي ترتقي إلى مستوى جريمة حرب وجريمة إبادة جماعية، بموجب القانون الجنائي الدولي»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية (واس)».

وأكدت الأمانة العامة أن هذه الإجراءات، التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي، «تشكل انتهاكاً لجميع المعايير والقواعد التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني، وميثاق حقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف، وغيرها من المواثيق الدولية ذات الصلة؛ الأمر الذي يتطلب مضاعفة الجهود لملاحقة ومساءلة إسرائيل، وفق القانون الجنائي الدولي».

وحمّلت الأمانة العامة للمنظمة إسرائيل «المسؤولية الكاملة عن حياة جميع الأسرى الفلسطينيين، لا سيما الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن». وجدَّدت دعوتها جميع أطراف المجتمع الدولي إلى «تحمّل مسؤولياتها وإلزام الاحتلال الإسرائيلي باحترام واجباته تجاه حقوق الأسرى الفلسطينيين».


السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».