جاذبية سري... من الصخب والتمرد إلى روح الشعر

جاذبية سري... من الصخب والتمرد إلى روح الشعر

متحف «المتروبوليتان» اقتنى إحدى لوحاتها واعتبرها هدية ثمينة
الخميس - 21 جمادى الأولى 1444 هـ - 15 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16088]

في 6 مايو 2009 تلقّت الفنانة المصرية جاذبية سري (11 أكتوبر 1925 - 10 نوفمبر 2021) خطاباً من توماس كامبل، مدير متحف متروبوليتان بنيويورك، يقول فيه: «عزيزتي السيدة سري، إنه لمن دواعي سروري أن أشكرك على هديتك لمتحف المتروبوليتان للفن، حيث إن إسهامك بلوحتك الفنية الأخيرة يعدّ إضافة متفردة لمقتنيات قسم القرن 19 والفن الحديث والمعاصر بالمتحف، خصوصاً أنها تُعدّ مثالاً غير عادي للفن المصري الحديث، وإنّ كرمك هذا يساعدنا في أن نظل مؤسسة تتميز بأعلى مستوى من الأستاذية والمعرفة والإلهام».
من هذا الخطاب الذي أرسله مدير أحد أكبر متاحف الفن في العالم انتقالاً للفنان إلى مصافّ العالمية، ومنه ينطلق الناقد والفنان التشكيلي عز الدين نجيب في كتابه «جاذبية سري» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة «ذاكرة الفنون»؛ ليرصد واحدة من أهم التجارب النسائية في تاريخ الفن التشكيلي المصري.
يلفت المؤلف إلى أن المتحف رغم أنه لم يدفع ثمناً للوحة جاذبية، فإن قبوله إياها هديةً وبمثل هذه الحفاوة التي تضمّنها الخطاب، لا يُقدَّر بمال، فمن المعروف أن المتاحف العالمية تعتمد في تنمية ثرواتها من الأعمال الفنية على مثل هذه الإهداءات، سواء من قِبل الفنان مباشرة، أو من قِبل بعض الأثرياء ورُعاة الفن. وبهذا تُعدّ جاذبية ثالث فنانة وفنان مصري يحظى بهذه المكانة بعد محمد ناجي حين اقتنى أحد مجالس العموم البريطاني عملاً من مجموعات لوحاته التي أنجزها في الحبشة عام 1930، ثم قام بإهدائها إلى متحف «تيت جاليري» بلندن 1936. وكانت الفنانة الراحلة تحية حليم هي الثانية حين فازت في مسابقة دولية للفن نظّمها متحف «جوجنهايم» بأمريكا عام 1957 عن لوحة «الأمومة» فضمّها المتحف إلى مقتنياته.
جاء التكريم الثالث لجاذبية سري وهي في الخامسة والثمانين من عمرها ولم يحظ به بعدها فنان مصري آخر. المثير للدهشة آنذاك أنها في تلك السن، وفقاً للمؤلف، كانت لا تزال ممسكة الفرشاة في ثقة وشجاعة لتتحف جمهورها بأعمال فنية جديدة تتمتع بدفء المشاعر وبراءة الطفولة وجسارة الشباب المتمرد وحماسة الإقبال على الحياة، حتى إنها أقامت في ذلك العام (2009)، معرضاً جديداً لإنتاجها، وكان يحمل رقم 70 في مسيرتها الممتدة منذ تخرجها عام 1948 في كلية الفنون الجميلة. ولعلّها بذلك قد صححت معلومة شائعة عن أن هذه الكلية لم تسمح بالتحاق الفتيات بها إلا عام 1954.
ويؤكد المؤلف أن جاذبية سري في جوهرها فنانة واقعية تعبيرية على امتداد مراحلها الفنية، مهما بدا من شططها نحو التجريد وما يبدو أنه تعبير عن نزعة شكلانية، فرحلتها الطويلة بكل أساليبها لم تفارق الإنسان لحظة، تتراوح ما بين داخله وخارجه، بين الكلي والجزئي في حياته ومصيره الإنساني. إنها غالباً تنزع عنه القشرة الخارجية أو الحائط الرابع لتبدو لنا حياته الداخلية وكأننا في مسرح تتصاعد فيه الأحداث. من هنا يبدو لنا عالمها ممزقاً متصارعاً وعنيفاً، حتى لو كان الموضوع عن الطبيعة أو البحر أو الصحراء، فما نراه ليس إلا إسقاطاً ذاتياً لعالم الفنانة الداخلي؛ وهو عالم شديد الانتماء للبيئة والواقع وللدراما الإنسانية أيضاً.
تَشكَّل كل هذا في التمرد الذي كان سمة لازمتها منذ طفولتها، كانت حينذاك تتقمص شخصية الولد كي تفعل ما لا تستطيع البنت أن تفعله. وفي صباها خاضت معركة التحدي لتقاليد أسرتها البرجوازية المحافظة كي تختار طريق الفن. وفي سنوات الدراسة وهي لا تزال طالبة، انضمّت إلى جماعة فنية ثورية متمردة على الجمود الأكاديمي تنادي بالارتباط بين الفن والمجتمع والثورة على الواقع الاجتماعي المتخلف المحكوم بالظلم والاستعمار البريطاني قبل ثورة يوليو 1952. كانت تلك هي جماعة «الفن الحديث»، حيث أصبحت زميلة لكل من الفنانين: عز الدين حمودة وزينب عبد الحميد وجمال السجيني وداود عزيز ووليم إسحق ويوسف سيده وحامد عويس، في الوقت نفسه تفاعلت مع جماعات يسارية ثورية ضد الاستعمار والرجعية وشاركت في المظاهرات الوطنية حتى أخذت نصيبها من العقاب حين جرى احتجازها في قسم الشرطة عدة أيام. ويحتفظ الأرشيف الفني المصري بصورة رسم خطي رسمته لنفسها عن هذه المحنة وهي داخل الزنزانة مع عدد من زميلاتها، وإن كانت تلك الحادثة قد تكفلت باقتناعها بالابتعاد نهائياً بعد ذلك عن العمل السياسي وفضّلت أن تمارس دورها؛ وهو الفن مع ربطه بالقضية الوطنية والاجتماعية ليكون سلاحاً لا يقل عن سلاح النضال السياسي دفاعاً عن القضية.
ويذكر عز الدين نجيب أن أثر هذا التفاعل بين الفن وقضايا المجتمع واضح في أعمالها الأولى، أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، حيث كانت المرأة هي البطل الرئيسي في كل لوحاتها وتظهر محفوفة بالعناصر المنزلية والأنثوية، خصوصاً وسط الأحياء الشعبية. وتبرز من أعمال هذه المرحلة لوحاتها التأسيسية المهمة لشخصياتها الفنية مثل: حُسن، أم رتيبة، نشر الغسيل، المعلمة والتلميذات، حيث الخطوط الخارجية الصريحة للجسم، وألوان ناصعة لزخارف الملابس، مع تأكيد لون البشرة السمراء التي تشع فيها نظرات العيون الشاخصة بقوة التباين بين الأبيض والأسود. وتبدو النسوة مزهوّات بخصوبتهن المتمثلة في كثرة الإنجاب، مع إحساس بمسؤوليتهن عن استقرار الأسرة وتربية الأبناء باعتبار الزوجة هي العمود الفقري لها. وتلجأ الفنانة في أعمال تلك المرحلة إلى نوع من تسطيح الظلال على الوجوه والأجسام في مساحات غير متدرجة تتجاور وتتقاطع وتتعانق وتتناقض بما يجعلها تلامس حدود المدرسة «التكعيبية» وما يساعد على تحقيق التماسك والحركة داخل التكوين.
وتأتي لوحة «الاستغماية» 1958، لتكتمل أبعاد البلاغة الجمالية لكل المرحلة، وإن بدرجة أكبر من التأثر بأسلوب بيكاسو في تحليل ملامح الوجوه وحركة الأجسام متخذة من طابع السذاجة الطفولية مظهراً لإضفاء التلقائية والبراءة على التكوين الذي يقوم على محاور رأسية مائلة للأطفال الثلاثة الذين يندفعون ليدركوا زميلهم، في حين تمثل المساحات اللونية المسطحة خلفية هادئة للألوان كي تتيح للألوان الساخنة مع حركة الأجسام البشرية الفرصة لحضور أكبر. ومع حلول عام 1967 غادرت عالمها الطولي وارتدت قناع المدينة حتى صارت جزءاً عضوياً من مبانيها الخرسانية ونوافذها التي تبدو أشبه بعيون مفقودة أو خزائن للأسرار. وكان كل ذلك عبارة عن انعكاس حزين لما حدث في نكسة يونيو وتداعياتها النفسية عربياً ومصرياً.
في السبعينيات، اتجهت إلى الصحراء تبحث فيها عن معنى ما، حيث أسفرت التجربة البحثية عن صيغة جديدة تتوافق مع مزاج آنذاك عندما بدأت سلسلة لوحاتها عن «الأهرامات»، بدءاً من عام 1976. كان شكل الهرم أكثر الأشكال الهندسية توازناً واكتمالاً، فضلاً عن قوته بوصفه رمزاً لمصر.
وفي التسعينيات، تألقت لوحاتها المستوحاة من البحر أو من زحام المدينة، إنها تتجاوز ثنائية المشخص والمجرد أو الشكل والمضمون إلى حالة من التوحد الصوفي مع الكون والإدراك الحدسي المباغت للكائنات بحيث لا يتبقى في اللوحة سوى روح الشعر.


كتب

اختيارات المحرر

فيديو