جاذبية سري... من الصخب والتمرد إلى روح الشعر

متحف «المتروبوليتان» اقتنى إحدى لوحاتها واعتبرها هدية ثمينة

جاذبية سري... من الصخب والتمرد إلى روح الشعر
TT

جاذبية سري... من الصخب والتمرد إلى روح الشعر

جاذبية سري... من الصخب والتمرد إلى روح الشعر

في 6 مايو 2009 تلقّت الفنانة المصرية جاذبية سري (11 أكتوبر 1925 - 10 نوفمبر 2021) خطاباً من توماس كامبل، مدير متحف متروبوليتان بنيويورك، يقول فيه: «عزيزتي السيدة سري، إنه لمن دواعي سروري أن أشكرك على هديتك لمتحف المتروبوليتان للفن، حيث إن إسهامك بلوحتك الفنية الأخيرة يعدّ إضافة متفردة لمقتنيات قسم القرن 19 والفن الحديث والمعاصر بالمتحف، خصوصاً أنها تُعدّ مثالاً غير عادي للفن المصري الحديث، وإنّ كرمك هذا يساعدنا في أن نظل مؤسسة تتميز بأعلى مستوى من الأستاذية والمعرفة والإلهام».
من هذا الخطاب الذي أرسله مدير أحد أكبر متاحف الفن في العالم انتقالاً للفنان إلى مصافّ العالمية، ومنه ينطلق الناقد والفنان التشكيلي عز الدين نجيب في كتابه «جاذبية سري» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة «ذاكرة الفنون»؛ ليرصد واحدة من أهم التجارب النسائية في تاريخ الفن التشكيلي المصري.
يلفت المؤلف إلى أن المتحف رغم أنه لم يدفع ثمناً للوحة جاذبية، فإن قبوله إياها هديةً وبمثل هذه الحفاوة التي تضمّنها الخطاب، لا يُقدَّر بمال، فمن المعروف أن المتاحف العالمية تعتمد في تنمية ثرواتها من الأعمال الفنية على مثل هذه الإهداءات، سواء من قِبل الفنان مباشرة، أو من قِبل بعض الأثرياء ورُعاة الفن. وبهذا تُعدّ جاذبية ثالث فنانة وفنان مصري يحظى بهذه المكانة بعد محمد ناجي حين اقتنى أحد مجالس العموم البريطاني عملاً من مجموعات لوحاته التي أنجزها في الحبشة عام 1930، ثم قام بإهدائها إلى متحف «تيت جاليري» بلندن 1936. وكانت الفنانة الراحلة تحية حليم هي الثانية حين فازت في مسابقة دولية للفن نظّمها متحف «جوجنهايم» بأمريكا عام 1957 عن لوحة «الأمومة» فضمّها المتحف إلى مقتنياته.
جاء التكريم الثالث لجاذبية سري وهي في الخامسة والثمانين من عمرها ولم يحظ به بعدها فنان مصري آخر. المثير للدهشة آنذاك أنها في تلك السن، وفقاً للمؤلف، كانت لا تزال ممسكة الفرشاة في ثقة وشجاعة لتتحف جمهورها بأعمال فنية جديدة تتمتع بدفء المشاعر وبراءة الطفولة وجسارة الشباب المتمرد وحماسة الإقبال على الحياة، حتى إنها أقامت في ذلك العام (2009)، معرضاً جديداً لإنتاجها، وكان يحمل رقم 70 في مسيرتها الممتدة منذ تخرجها عام 1948 في كلية الفنون الجميلة. ولعلّها بذلك قد صححت معلومة شائعة عن أن هذه الكلية لم تسمح بالتحاق الفتيات بها إلا عام 1954.
ويؤكد المؤلف أن جاذبية سري في جوهرها فنانة واقعية تعبيرية على امتداد مراحلها الفنية، مهما بدا من شططها نحو التجريد وما يبدو أنه تعبير عن نزعة شكلانية، فرحلتها الطويلة بكل أساليبها لم تفارق الإنسان لحظة، تتراوح ما بين داخله وخارجه، بين الكلي والجزئي في حياته ومصيره الإنساني. إنها غالباً تنزع عنه القشرة الخارجية أو الحائط الرابع لتبدو لنا حياته الداخلية وكأننا في مسرح تتصاعد فيه الأحداث. من هنا يبدو لنا عالمها ممزقاً متصارعاً وعنيفاً، حتى لو كان الموضوع عن الطبيعة أو البحر أو الصحراء، فما نراه ليس إلا إسقاطاً ذاتياً لعالم الفنانة الداخلي؛ وهو عالم شديد الانتماء للبيئة والواقع وللدراما الإنسانية أيضاً.
تَشكَّل كل هذا في التمرد الذي كان سمة لازمتها منذ طفولتها، كانت حينذاك تتقمص شخصية الولد كي تفعل ما لا تستطيع البنت أن تفعله. وفي صباها خاضت معركة التحدي لتقاليد أسرتها البرجوازية المحافظة كي تختار طريق الفن. وفي سنوات الدراسة وهي لا تزال طالبة، انضمّت إلى جماعة فنية ثورية متمردة على الجمود الأكاديمي تنادي بالارتباط بين الفن والمجتمع والثورة على الواقع الاجتماعي المتخلف المحكوم بالظلم والاستعمار البريطاني قبل ثورة يوليو 1952. كانت تلك هي جماعة «الفن الحديث»، حيث أصبحت زميلة لكل من الفنانين: عز الدين حمودة وزينب عبد الحميد وجمال السجيني وداود عزيز ووليم إسحق ويوسف سيده وحامد عويس، في الوقت نفسه تفاعلت مع جماعات يسارية ثورية ضد الاستعمار والرجعية وشاركت في المظاهرات الوطنية حتى أخذت نصيبها من العقاب حين جرى احتجازها في قسم الشرطة عدة أيام. ويحتفظ الأرشيف الفني المصري بصورة رسم خطي رسمته لنفسها عن هذه المحنة وهي داخل الزنزانة مع عدد من زميلاتها، وإن كانت تلك الحادثة قد تكفلت باقتناعها بالابتعاد نهائياً بعد ذلك عن العمل السياسي وفضّلت أن تمارس دورها؛ وهو الفن مع ربطه بالقضية الوطنية والاجتماعية ليكون سلاحاً لا يقل عن سلاح النضال السياسي دفاعاً عن القضية.
ويذكر عز الدين نجيب أن أثر هذا التفاعل بين الفن وقضايا المجتمع واضح في أعمالها الأولى، أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، حيث كانت المرأة هي البطل الرئيسي في كل لوحاتها وتظهر محفوفة بالعناصر المنزلية والأنثوية، خصوصاً وسط الأحياء الشعبية. وتبرز من أعمال هذه المرحلة لوحاتها التأسيسية المهمة لشخصياتها الفنية مثل: حُسن، أم رتيبة، نشر الغسيل، المعلمة والتلميذات، حيث الخطوط الخارجية الصريحة للجسم، وألوان ناصعة لزخارف الملابس، مع تأكيد لون البشرة السمراء التي تشع فيها نظرات العيون الشاخصة بقوة التباين بين الأبيض والأسود. وتبدو النسوة مزهوّات بخصوبتهن المتمثلة في كثرة الإنجاب، مع إحساس بمسؤوليتهن عن استقرار الأسرة وتربية الأبناء باعتبار الزوجة هي العمود الفقري لها. وتلجأ الفنانة في أعمال تلك المرحلة إلى نوع من تسطيح الظلال على الوجوه والأجسام في مساحات غير متدرجة تتجاور وتتقاطع وتتعانق وتتناقض بما يجعلها تلامس حدود المدرسة «التكعيبية» وما يساعد على تحقيق التماسك والحركة داخل التكوين.
وتأتي لوحة «الاستغماية» 1958، لتكتمل أبعاد البلاغة الجمالية لكل المرحلة، وإن بدرجة أكبر من التأثر بأسلوب بيكاسو في تحليل ملامح الوجوه وحركة الأجسام متخذة من طابع السذاجة الطفولية مظهراً لإضفاء التلقائية والبراءة على التكوين الذي يقوم على محاور رأسية مائلة للأطفال الثلاثة الذين يندفعون ليدركوا زميلهم، في حين تمثل المساحات اللونية المسطحة خلفية هادئة للألوان كي تتيح للألوان الساخنة مع حركة الأجسام البشرية الفرصة لحضور أكبر. ومع حلول عام 1967 غادرت عالمها الطولي وارتدت قناع المدينة حتى صارت جزءاً عضوياً من مبانيها الخرسانية ونوافذها التي تبدو أشبه بعيون مفقودة أو خزائن للأسرار. وكان كل ذلك عبارة عن انعكاس حزين لما حدث في نكسة يونيو وتداعياتها النفسية عربياً ومصرياً.
في السبعينيات، اتجهت إلى الصحراء تبحث فيها عن معنى ما، حيث أسفرت التجربة البحثية عن صيغة جديدة تتوافق مع مزاج آنذاك عندما بدأت سلسلة لوحاتها عن «الأهرامات»، بدءاً من عام 1976. كان شكل الهرم أكثر الأشكال الهندسية توازناً واكتمالاً، فضلاً عن قوته بوصفه رمزاً لمصر.
وفي التسعينيات، تألقت لوحاتها المستوحاة من البحر أو من زحام المدينة، إنها تتجاوز ثنائية المشخص والمجرد أو الشكل والمضمون إلى حالة من التوحد الصوفي مع الكون والإدراك الحدسي المباغت للكائنات بحيث لا يتبقى في اللوحة سوى روح الشعر.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً