عميل لـ«سي آي إيه» في الاستخبارات الليبية «شاهد» أبو عجيلة مع المقرحي وفحيمة عشية تفجير لوكربي

أدلى بشهادته أمام محكمة «كامب زايست» عام 2000 لكن القضاء الاسكوتلندي شكك في صدقيته

أبو عجيلة مسعود... متهم جديد بتفجير طائرة لوكربي عام 1988 (أ.ف.ب)
أبو عجيلة مسعود... متهم جديد بتفجير طائرة لوكربي عام 1988 (أ.ف.ب)
TT

عميل لـ«سي آي إيه» في الاستخبارات الليبية «شاهد» أبو عجيلة مع المقرحي وفحيمة عشية تفجير لوكربي

أبو عجيلة مسعود... متهم جديد بتفجير طائرة لوكربي عام 1988 (أ.ف.ب)
أبو عجيلة مسعود... متهم جديد بتفجير طائرة لوكربي عام 1988 (أ.ف.ب)

عندما وجّه وزير العدل الأميركي ويليام بار، في عام 2020، تهمة التورط بتفجير لوكربي إلى الليبي أبو عجيلة مسعود، لم يكن ذلك يعني أن الأميركيين اكتشفوا فجأة دوره في تفجير طائرة «بان أميركان» فوق اسكوتلندا في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1988. في الواقع، كان الأميركيون يعرفون بدوره المزعوم في التفجير قبل سنوات طويلة من اعتقاله على أيدي الثوار الليبيين بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. أخضعه الحكّام الجدد لليبيا، آنذاك، لتحقيق عن عمله في الاستخبارات الليبية. خلال التحقيق، عام 2012، أقر بوعجيلة بأنه «صانع القنبلة» التي فجّرت طائرة «بان أميركان»، كما أنه أيضاً من صنع قنبلة ملهى «لا بيل» في برلين عام 1986. قال أيضاً إن القذافي هنّأه على دوره في تفجير الطائرة. حصل الأميركيون على نص «الاعترافات» بالعربية عام 2017، فأعادوا فتح «ملف لوكربي»، وقدّموا المتهم في هذه القضية أمام القضاء أمس.
كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، في الحقيقة، تعرف بعلاقة «صانع المتفجرات» بلوكربي منذ تسعينات القرن الماضي، على أقل تقدير. فقد كانت تملك «عميلاً مزدوجاً» داخل جهاز الأمن الخارجي يزودها بالمعلومات عما تقوم به الاستخبارات الليبية، لا سيما انطلاقاً من مالطا. وعندما حان وقت محاكمة المتهمين الليبيين بتفجير «بان أميركان»، عبد الباسط المقرحي والأمين خليفة فحيمة، أمام محكمة اسكوتلندية أُقيمت في «كامب زايست» بهولندا عام 2000، كان هذا العميل الليبي بمثابة «الشاهد الملك» الذي دفع به الادعاء لإثبات التهمة ضدهما.

أبو عجيلة مسعود (وسط) خلال محاكمته في طرابلس عام 2014 (رويترز)

قدّم محامو الادعاء «العميل المزدوج» للشهادة في المحكمة من وراء زجاج مقاوم للرصاص. ظهر في القاعة عبر شاشة تلفزيونية. صوته أُخضع لتغيير وكذلك صورته. وحتى الاسم الذي قُدّم به، عبد المجيد جعايكة، لم يكن حقيقياً. كان الأميركيون بالغي الحرص على حماية شاهدهم. فهو الوحيد القادر على تقديم دليل مباشر على ضلوع المقرحي (المتهم الأول) وفحيمة (المتهم الثاني) في إرسال القنبلة عبر حقيبة «السامسونايت» الشهيرة انطلاقاً من مطار لوقا بمالطا، ومنه إلى مطار فرانكفورت حيث تم تحميلها في طائرة «بان أميركان» إلى هيثرو، قبل انطلاق رحلتها المشؤومة نحو الولايات المتحدة وانفجارها في الجو فوق لوكربي.
عبد المجيد جعايكة، كما تبيّن خلال جلسات المحاكمة، التحق بجهاز أمن الجماهيرية (تغيّر الاسم لاحقاً إلى جهاز الأمن الخارجي) عام 1984. عمل لمدة 18 شهراً بعد التحاقه بالاستخبارات في قسم صيانة السيارات. في ديسمبر (كانون الأول) 1985، عُيّن مساعداً لمدير محطة الخطوط الجوية الليبية في مطار لوقا، وهو منصب «يشغله عادةً عضو في جهاز الاستخبارات». قدّم جعايكة للأميركيين، حسبما جاء في أوراق القضاء الاسكوتلندي، معلومات عن هيكلية جهاز الاستخبارات منذ العام 1985. قال، على وجه الخصوص، إن مدير فرع الأمن المركزي هو عز الدين الهنشيري، فيما يرأس فرع العمليات سعيد راشد، وقسم العمليات الخاصة بفرع العمليات هو ناصر عاشور. قال إن «المتهم الأول» (عبد الباسط المقرحي) تولى رئاسة «فرع أمن الطيران» حتى يناير (كانون الثاني) 1987 حيث تم نقله إلى «معهد الدراسات الاستراتيجية». أما «المتهم الثاني» (فحيمة) فكان مدير محطة الخطوط الليبية في مطار لوقا من العام 1985 حتى أكتوبر (تشرين الأول) 1988.
في أغسطس (آب) 1988، اتصل جعايكة بالسفارة الأميركية في مالطا، مبدياً رغبته في تزويد الأميركيين بمعلومات كونه «غير راضٍ» عن تورط ليبيا في الإرهاب. وأضاف أن «القشة التي قصمت ظهر البعير» كانت استدعاؤه إلى طرابلس بسبب «حادثة في المطار على علاقة بامرأة مصرية». وتابع جعايكة، حسب وثائق القضاء الاسكوتلندي، أنه كان يريد أن يذهب إلى الولايات المتحدة، لكنه يوافق على البقاء في عمله بهدف تقديم معلومات عن «النشاط الإرهابي» لبلاده.
كان جعايكة يلتقي مشغليه في «سي آي إيه» مرة كل شهر. يتلقى منهم ألف دولار شهرياً، قبل أن يرتفع راتبه إلى 1500 دولار. وكان عملاء الاستخبارات الأميركية يرسلون تقريراً إلى قيادتهم بكل ما يقدمه لهم. تضمنت تقارير «سي آي إيه» معلومات مختلفة أبرزها ما يخص هوية الأشخاص الذين يأتون من ليبيا إلى مالطا ويعودون منها إلى بلادهم. لكنَّ الأميركيين قطعوا عنه راتبه، فعاد إلى طرابلس عام 1990. في يوليو (تموز) 1991 ترك الليبي بلاده وعاد إلى مالطا، فنقله الأميركيون إلى سفينة حربية وأخضعوه لتحقيق استمر ثلاثة أسابيع.
تكشف الوثائق القضائية الاسكوتلندية أن جعايكة أبلغ «سي آي إيه»، في لقاء بتاريخ أكتوبر 1988، أن لديه معلومات عن أسلحة ليبية مخزنة في مالطا. قال إنه على دراية بأن 8 كيلوغرامات من المتفجرات كانت محفوظة في مكتب الخطوط الليبية. كشف أن المقرحي هو الذي جلبها إلى مالطا عام 1985، وأنها كانت موضوعة في درج بالمكتب، مضيفاً أنه طُلب منه أن يُساعد في نقلها إلى «المكتب الشعبي» (السفارة). في يوليو 1991، أبلغ جعايكة الأميركيين بمعلومة إضافية وهي أن «المتهم الثاني» (فحيمة) هو الذي يحوز هذه المتفجرات، وأن فحيمة نفسه هو من أبلغه بأن المقرحي كان وراء جلب المتفجرات إلى مالطا.

أبو عجيلة مسعود في صورة جديدة له وزعها مكتب الشرطة في الكسندريا بولاية فيرجينيا حيث يتم احتجازه حالياً (أ.ب)

قدّم جعايكة للمحققين أيضاً، في يوليو 1991، معلومة جديدة وهي أنه شاهد «المتهم الأول» و«المتهم الثاني» وهما يصلان إلى مطار لوقا في وقت ما بين أكتوبر وديسمبر (كانون الأول) 1988. هذه الإشارة السريعة إلى رؤيتهما في المطار تطورت تدريجياً إلى مرحلة «أدلى فيها بشهادته» بأنه شاهدهما ليس فقط في المطار بل عند حزام نقل الأمتعة، وأن المتهم الثاني «تسلم حقيبة سامسونايت بُنيّة اللون ومر بها عبر الجمارك»، وأنه التقاهما (المقرحي وفحيمة) مع شخصين آخرين كانا برفقتهما «أحدهما تم تقديمه له من قبل المتهم الأول (المقرحي) باسم أبو عجيلة مسعود، هو شخص تقني». كانت تلك الإشارة الأولى علناً في المحكمة إلى علاقة «التقني» مسعود بالمتهمين المقرحي وفحيمة ووجوده معهما في المطار المالطي. قال جعايكة، في شهادته، إن شخصاً آخر يدعى «فنسنت فاسالو»، على معرفة بفحيمة، كان حاضراً أيضاً بعدما وصل بسيارة «المتهم الثاني» و«غادر الجميع بالسيارة».
عندما نظر قضاة محكمة «كامب زايست» في شهادة جعايكة خلصوا إلى أنها لا تمثل دليلاً قاطعاً ضد المتهمين الليبيين. لكنهم حكموا في نهاية المطاف، وبناءً على أدلة أخرى، بأن المتهم الأول (المقرحي) متورط فعلاً في تفجير لوكربي، فيما نال المتهم الثاني (فحيمة) البراءة.
وانطلاقاً من تشكيك القضاء الاسكوتلندي في صدقية «الشاهد الملك» لـ«سي آي إيه»، لا يُعتقد أن الأميركيين سيحاولون الاعتماد فقط على شهادة جعايكة من جديد في محاكمة أبو عجيلة مسعود الآن، حتى ولو كان قد رآه بنفسه، كما زعم، في مطار لوقا عشية تفجير لوكربي. وكما كان واضحاً من ملف الإدعاء الجديد ضده، سيقدم الادعاء الأميركي خلال محاكمته «اعترافاته» في ليبيا عام 2012، وهي اعترافات سيدفع محاموه بلا شك بأنها انتُزعت منه تحت التعذيب. وليس واضحاً هل ينوي الأميركيون أن يعرضوا عليه التعاون معهم، فيكشف هو ما يملك من معلومات لقاء حصوله على حكم مخفف.


مقالات ذات صلة

الداخلية السورية تلقي القبض على خلية ﻟ«داعش» في ريف دمشق

المشرق العربي عناصر من الأمن الداخلي السوري (صفحة الداخلية السورية على إكس)

الداخلية السورية تلقي القبض على خلية ﻟ«داعش» في ريف دمشق

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الثلاثاء، القبض على أفراد خلية تتبع لتنظيم «داعش» في ريف دمشق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أفريقيا طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)

نيجيريا: «المسيَّرة» ترسم ملامح الحرب على الإرهاب

حذَّرت تقارير أمنية في نيجيريا من حصول تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» على طائرات مسيَّرة متطورة، ينوي استخدامها في هجمات إرهابية جديدة...

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي أفراد من قوات الأمن العام السوري يحرسون في حي الأشرفية في حلب، سوريا 11 يناير 2026 (رويترز)

سوريا: توقيف عنصرين من «داعش» ضالعَين بتفجير مسجد في حمص

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الاثنين، توقيف شخصين، قالت إنهما من تنظيم «داعش»، بتهمة الضلوع في تفجير مسجد في مدينة حمص الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية دخان كثيف يتصاعد من منزل في يالوفا شهد اشتباكاً دامياً بين قوات الأمن التركية وخلية من «داعش» - 29 ديسمبر الماضي (رويترز)

كيف عمل تنظيم «داعش» في 24 ولاية تركية؟

كشفت لائحة اتهام أعدتها النيابة العامة في تركيا حول اشتباكٍ دامٍ دار بين الشرطة وخلية من «داعش» في شمال غربي البلاد أواخر 2025 عن بُنيته وخريطة انتشاره.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا صورة ملتقطة في 29 ديسمبر 2025 تظهر أحد أفراد الأمن التابعين لحركة طالبان وهو يقف حارساً بالقرب من نقطة حدودية مع باكستان (أ.ف.ب)

باكستان: أفغانستان تتحول إلى «مركز للإرهابيين» وتشكل تهديداً إقليمياً

حذّر الجيش الباكستاني، الثلاثاء، من أن أفغانستان تتحول إلى «مركز للإرهابيين والجهات الفاعلة غير الحكومية».

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.