«صواب»... أحدث منصة لبنانية لمواجهة «الأخبار الزائفة»

بعدما صار التضليل الإعلامي تجارة عالمية خطيرة

«للتوضيح» فقرة استحدثها تلفزيون «إل بي سي آي» لتصحيح الخبر المغلوط
«للتوضيح» فقرة استحدثها تلفزيون «إل بي سي آي» لتصحيح الخبر المغلوط
TT

«صواب»... أحدث منصة لبنانية لمواجهة «الأخبار الزائفة»

«للتوضيح» فقرة استحدثها تلفزيون «إل بي سي آي» لتصحيح الخبر المغلوط
«للتوضيح» فقرة استحدثها تلفزيون «إل بي سي آي» لتصحيح الخبر المغلوط

الأزمات التي مرّ بها لبنان أخيراً ولّدت ظواهر اجتماعية قد تكون خطرة، وتمس الاستقرار الأمني للمواطنين. وتأتي «الأخبار الزائفة» التي يجري تداولها بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي كواحدة من هذه الظواهر؛ فالجيوش الإلكترونية والمستفيدون من إطلاق الشائعات لصالح حزب أو رجل سياسي وجهات أخرى وجدوا في ظل الأزمات التي يعيشها لبنان فرصة للترويج لأخبار غير حقيقية. وهكذا صارت هذه الأخبار المعروفة بـ«فايك نيوز» تتصدر اهتمامات الناس وتشغل يومياتهم. وراهناً، أقله من 4 إلى 5 أخبار زائفة تطلق يومياً، عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومرات كثيرة تتسبب في بلبلة عامة بين الناس، وربما تشعل فتناً بين اللبنانيين.
خلال الفترة القصيرة الماضية، أطلقت منصة «صواب» للتدقيق في هذا النوع من الأخبار. وجاء إطلاقها من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) بالتعاون مع جمعية «دوائر»، بهدف التوعية حول مدى تأثير الأخبار الزائفة وخطاب الكراهية على المجتمع المدني؛ إذ إن تعميم ثقافة التحقق من الأخبار يشكل هدفاً رئيسياً للقائمين على إطلاق هذه المنصة. ومع عدد من طلاب الإعلام وتدريبهم على كيفية محاربة هذا النوع من الأخبار لنحو 11 شهراً، تُعدّ «صواب» أول مبادرة شبابية من نوعها لمكافحة الأخبار الزائفة.
في الواقع، وسائل الإعلام بغالبيتها تحركت لوضع حد لانتشار الـ«فايك نيوز»، فاستحدثت برامج تلفزيونية وصفحات إلكترونية تتناول هذه الأخبار وتتولّى تصويبها. أما السؤال المطروح في ظل غياب حملات توعية بهذا الشأن، وبالقدر المطلوب، هو: كيف يمكن التحقق من صوابية الأخبار المنتشرة؟ وما الطرق والأساليب التي تساعد المواطن على التفريق بين الصحيح والزائف؟

 الإعلامية حليمة طبيعة تقدم فقرة «مش دقيق» لتصويب الأخبار الزائفة

- الأخبار الزائفة معروفة المصادر
تُعد الإعلامية حليمة طبيعة واحدة من أهل الصحافة اللبنانيين الذين بادروا إلى تصحيح الأخبار المغلوطة عبر الشاشة الصغيرة؛ فهي أخذت على عاتقها من خلال شاشة تلفزيون «الجديد» (نيو تي في)، عبر برنامجها «مش دقيق»، توعية المشاهدين بضرورة التأكد من الأخبار التي يتداولونها. تقدم طبيعة الخبر الزائف وتطرح مقاربة تصحيحه، بعدما تعود إلى أدلة تؤكد ما تقوله. وفي رأيها أن «نسبة الناس التي تلحق بموجة الأخبار المغلوطة تفوق بكثير نسبة التي تصدقها، لأن الخبر يكون مبنياً على أسس تشبه منطقهم أو تكون صياغته أقرب إلى الحقيقة بنظرهم؛ فالشائعة عندما تنتشر يصبح من الصعب تصديق ما يخالفها». ومن هذا المنطلق، حسب الإعلامية اللبنانية، من الضروري اللجوء إلى تطبيقات ومنصات تصوّب هذه الأخبار.
طبيعة أوضحت لـ«الشرق الأوسط» شارحة: «عندما يأخذ الناس علماً بهذه التطبيقات، يولد لديهم الفضول لمعرفة الحقيقة. ونحن كإعلاميين لدينا القدرة على تصويب الخبر، ولكن في المقابل يطرح السؤال نفسه: ما قدرتنا على إقناع الناس؟ فغالبيتهم تصدق الخبر الذي يناسب مزاجها». وتختتم: «نعرف تماماً أن مَن يقف وراء فبركة هذه الأخبار هم المستفيدون منها مباشرة. وكذلك الجيش الإلكتروني الذي يعمل لحساب فريق معين. والهدف منها يكون التحريض والإساءة إلى شخص أو مجتمع أو حالة معينة».
- وسائل الإعلام تواجه ولكن...
كما هو معروف، تصنف الأخبار الزائفة نوعاً من الصحافة الصفراء التي تروّج لمعلومات خاطئة، فتنتشر كالنار في الهشيم بهدف خداع الناس لمصلحة «أجندات» معينة. ولقد شهدت هذه الأخبار ذروة انتشارها في لبنان، إثر اندلاع «ثورة 17 تشرين». ومن ثم تضاعفت مع انتشار جائحة «كوفيد - 19»، بحيث تكثفت نوعية الأخبار المغلوطة المتعلقة بها. وهذا الأمر دفع بالجسم الطبي إلى مكافحتها من خلال إطلالات مكثفة عبر شاشات التلفزيون.
بعدها اتخذت مكافحة هذه الأخبار منحى أكثر جدية، إلا أن قلة التوعية وتكثيف الحملات الإعلامية المطلوبة لوضع حد لها أبقت الفجوة كبيرة بين انتشارها والحد منها. واليوم، المحاولات كثيرة من قبل وسائل الإعلام لوضع حد للأخبار الزائفة؛ فشاشة «نيو تي في» أطلقت برنامج «مش دقيق» مبادرةً منها للإسهام في الحد من انتشار الأخبار الزائفة. أما «إل بي سي آي»، فأدرجت عبر صفحتها على «فيسبوك» فقرة بعنوان «للتوضيح» تصب في الهدف نفسه. كذلك أطلقت منصات إلكترونية كثيرة، وجرى تخصيص صفحات في الإعلام المكتوب لهذه الغاية، ومن بينها منصة «مهارات» (فاكتو ميتر)، وهي عضو في «الشبكة الدولية للتحقق من المعلومات» (IFCN). والهدف هو التحقق من تصاريح ووعود المسؤولين، مع تزويد المواطنين بالمعلومات التي يحتاجون إليها لمراقبة مدى دقة المعلومات التي يوردها المسؤولون في تصريحاتهم، ومدى التزامهم في تطبيق السياسات التي وعدوا بها.
أما «وكالة الصحافة الفرنسية»، فخصّصت قسماً دولياً في هذا الخصوص (فاكتويل - أ.ف.ب) تقدم من خلاله خدمة خاصة لمكافحة الأخبار المغلوطة، وتنشر معلوماتها حول العالم، بنحو 24 لغة، وبينها العربية.
ولكن، مع كل هذه التحركات والمحاولات الجادة، فإن الإعلام لا يزال يحتاج إلى أعمدة أساسية تساعده في الحد من تفشي هذه الأخبار؛ فالبعض يطالب الوزارات المعنية بضرورة قيام مسؤوليها الإعلاميين بتصحيح أي أخبار مغلوطة تتعلق بوزارتهم. في حين يرى البعض الآخر أن المسؤولية تقع أيضاً على المواطن نفسه، فعليه أن يكون أكثر وعياً ودقة عند تلقّفه خبراً ما، وإلا فهو مشارك بشكل غير مباشر في صناعة هذه الآفة.
- أدوات مكافحة الأخبار الزائفة
التعرف على الأخبار الزائفة يتعلق مباشرة بالمنطق الذي يتمتع به المتلقي؛ فعليه ألا يتسرع في تصديق أي خبر يصل إليه، بل يسأل نفسه إذا ما كان الموضوع مستغرباً فيلحق مصدره. وبذا، فإنه يتحول إلى محقق من نوع آخر ويركن إلى وسائل إعلام معروفة بمصداقيتها، إذا ما كانت أوردت الخبر نفسه أو العكس. وهذا ما تدرب عليه طلاب الإعلام في منصة «صواب»، عبر ورش عمل متتالية تعرّفوا خلالها على كيفية التعامل مع الأخبار الكاذبة.

الترويج للأخبار الزائفة تجارة من نوع آخر

- التجارة بالأخبار الزائفة
من ناحية ثانية، ما لاحظه الخبراء والعاملون في مجال مكافحة الأخبار الزائفة هو أن السبب الأول في انتشارها يُنسب إلى الإيرادات المالية الكبيرة التي يحصدها صُنّاعها.
فكلما شوهدت الصفحة «فيوير» التي تنشر الخبر ازداد ربحها. حتى إن هذا الأسلوب التجاري صار رائجاً في مختلف دول العالم، كما في السويد والنرويج وألمانيا وفرنسا وغيرها. وعندما يسمع صاحب الصفحة خبراً معيناً ينشره من دون التأكد من صحته، فقط من أجل جذب العدد الأكبر من الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد يحقق أقله 100 ألف مشاهدة قبل أن يستوعب الناس أنه خبر مغلوط. وبهذا الوقت يكون قد جنى إيرادات مالية لا يُستهان بها.
أما نسبة الأخبار الزائفة المنشورة يومياً في المنطقة العربية، فتصل إلى 80 خبراً في الشهر الواحد، وهذه نسبة كبيرة في ظل الفوضى العارمة التي تسود وسائل الإعلام، خصوصاً بسبب المواقع الإلكترونية المنتشرة بشكل كبير، التي لا رقابة جدية عليها.
أما السؤال البديهي الذي يطرح نفسه هنا هو: هل أساليب المكافحة هذه أسهمت في تراجع انتشار الأخبار الزائفة؟
يجيب خالد صبيح، المسؤول عن خدمة تقصي صحة الأخبار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «وكالة الصحافة الفرنسية»، بالقول: «ليس هناك من دراسات تؤكد نسب تراجع انتشار الأخبار المغلوطة. ولكن في المقابل توجد تحركات كثيفة في هذا الشأن صارت متبعة في جميع أنحاء العالم للحد من انتشار الخبر الكاذب».
وعن سبب تبني اللبنانيين موجات الأخبار الكاذبة أسوة بغيرهم من الشعوب الأوروبية والعربية، يوضح صبيح أنها «الرغبة الكبيرة في الحصول على معلومة حول موضوع مقلق (أمني أو صحي أو بيئي وغيره)... وكذلك الرغبة في العثور على تفسير للأحداث أو الظواهر يوافق القناعة الشخصية».
ثم يقول عن طبيعة الخدمة المسؤول عنها: «منذ 5 سنوات أطلقت (وكالة الصحافة الفرنسية) خدمة خاصة لتقصي صحة الأخبار المتداولة. وفي عام 2019، بدأت الخدمة بالعربية.
وهناك نوع من العقود مع مواقع التواصل الاجتماعي لمراقبة الأخبار. يرصدون الخبر الكاذب ويصححونه بأدلة وقرائن، ومن ثم يُعاد نشره على الموقع نفسه الذي أوردها».
وبحسب خالد صبيح، فإن موضوع تقصي صحة الأخبار أصبح شائعاً بشكل ملحوظ في العالم. وحضر كـ«تراند» مشهور يوفر للناس فرصة التأكد من صحة الخبر المتداول، ثم إن الوعي، ومعرفة أصول التشكيك بخبر معين، ولّدا الفرق بين الماضي والحاضر.


مقالات ذات صلة

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)
إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.