ممثلون وممثلات برزوا في 2022 يترقبون الجوائز

احتدام المنافسة بين الرجال... والإناث في المقدّمة

تيلدا سوينتون في «الابنة الخالدة»
تيلدا سوينتون في «الابنة الخالدة»
TT

ممثلون وممثلات برزوا في 2022 يترقبون الجوائز

تيلدا سوينتون في «الابنة الخالدة»
تيلدا سوينتون في «الابنة الخالدة»

يتكرر المشهد نفسه مع نهاية كل عام ويستمر حتى آخر حفلات موسم الجوائز.
تتسارع الأفلام التي تتوسم الحصول على جوائز السنة ومعها نخبة الممثلين والممثلات ومديرو التصوير وكاتبو السيناريو وباقي العناصر المؤلّفة للفيلم. كل واحد يأخذ مكانه في صف الاحتمالات والتوقعات. بعضهم في المقدّمة وبعضهم الآخر في الصف الثاني أو الثالث.
الجوائز، في أي حقل إبداعي، هي مكسب شخصي أولاً واحتمال ارتفاع شهرته وحضوره، وبالتالي أجره عن كل عمل يقوم به ثانياً.
تفرّد
بالنسبة للممثلين فإن حجمهم العددي يفرض حضوراً مهمّاً، خصوصاً وأنهم يتعاملون مباشرة مع الجمهور العريض الذي يتابع يومياتهم وأفلامهم و- لاحقاً - احتمالات فوزهم بأوسكار أو بغولدن غلوب أو ببافتا (الجائزة البريطانية الموازية للأوسكار الأميركي) وسواها.
هي احتمالات مبنية، في الأساس، على تلك الفرص التي استحوذوا عليها خلال العام لتقديم شخصيات مختلفة أو معقّدة بنجاح.
تستطيع أن تعتبر الممثلة كَيت بلانشيت نموذجاً لهذا الوضع. ليس فقط لأنها ممثلة جيدة كما برهنت على ذلك في معظم ما قامت بتمثيله خلال السنوات الماضية، بل أيضاً لأنها تفهم تماماً ما تستطيع توفيره من تفرّد عندما تؤم دوراً تلقي فيه خبراتها وتلغي شخصيّتها لتؤدي شخصية أخرى.
نرى ذلك في فيلمها الجديد Tár لتود فيلد. حيث تؤدي دور قائدة الأوركسترا التي تغمر نفسها بالأداء الدقيق لفريقتها والتي عليها القيام ببعض الخيارات الحياتية الخاصة.

كولن فارل في «جنيات إنيشرين»

الأمر ذاته نطالعه في أداء تيلدا سوينتن في The Eternal Daughter لجوانا هوغ. بل من الأفضل أن نقول دوريها في هذا الفيلم إذ تلعب دور الأم ودور ابنتها أيضاً.
هذا التفرّد والتميّز وجودة الأداء لا يقود بالضرورة إلى الفوز. كم مرّة، في الواقع، فاز بالجوائز الأولى من لم يكن يستحقها أو من لم يكن يستحقها مثلما استحقها ممثل آخر؟ الأمثلة كثيرة ونستقي بعضها في السنوات الثلاث الأخيرة.
في عام 2020 اعتلت رنيه زلفيغر المنصّة لتسلم أوسكار أفضل ممثلة في فيلم Judy. بين منافساتها سينثيا إريفو عن دورها الرائع في Harriet التي لعبت دوراً أفضل بكثير من ذلك الذي قامت به زلفيغر. ثم هل كانت فرنسيس مكدونالد. سنة 2021. أفضل أداءً عندما فازت بأوسكار أفضل ممثلة عن Nomadland من فينيسيا كيربي عن Pieces of a Woman أو فيولا ديفيز عن دورها في Ma Rainey‪›‬s Black Bottom؟ ‬‬‬
‫ول سميث كان جيداً في King Richards حيث نال أوسكار أفضل ممثل سنة 2022 لكن ماذا عن دنزل واشنطن في The Tragedy of Macbeth؟ ثم ماذا عن فوز أريانا دابوس بأوسكار أفضل ممثلة مساندة عن West Side Story بينما أدت كيرستن دنست دوراً أصعب درامياً في The Power of the Dog؟‬‬‬‬
سير حياة
ليست المسألة هنا مسألة أذواق، بل علم بالشيء لكن من حسن الحظ أن الأذواق والمعرفة تتآخيان جيداً في الكثير من الحالات أيضاً، خصوصاً في المنافسات بين الممثلين الذكور. كل من فاز بأوسكار أفضل ممثل في السنوات المذكورة ذاتها، استحق، غالباً، هذا الفور: براد بت عن Once Upon a Time in Hollywood وأنطوني هوبكنز عن The Father ودانيال كالييويا (Kaluuya) عن Judas and the Black Messiah.
هذا كله قابل للتكرار في العام المقبل عندما يبدأ توزيع الجوائز على الممثلين والممثلات. وعلى نحو مؤكد هناك دوماً ذلك التوجه صوب الممثلين ذوي الشهرة أو المقبلين عليها أكثر من الرغبة الفعلية في اكتشاف المواهب الجديدة.

كيت بلانشيت

استيحاء من هذا الوضع من المتوقع أن يتم ترشيح تيموثي شالامات عن دوره في Bone and All علماً بأن التمثيل الأفضل آت من آخرين. كذلك سيجد أدام درايفر مؤيدين له عن دوره في White Noise لكن كل من «عظام وكل شيء» و«ضجة بيضاء» قد لا يجد طريقه إلى ترشيحات أوسكار أفضل فيلم إلا عبرهما. المؤكد أن هناك من الممثلين من لعب شخصيات أفضل في أفلام أفضل.
ما يثير الاهتمام حقيقة أن الممثلات اللواتي لعبن أدواراً صعبة ومعقّدة على نحو جيد، هم أكثر من الممثلين الذين وجدوا أدواراً من هذا النوع. إنه عام نسائي في مجال التمثيل أكثر مما هو نسائي في مجال الإخراج، ولو أنه من المتوقع وصول بعض الأسماء الأنثوية إلى مسابقات السيناريو والإخراج على وجه محدد.
وكالعادة، فإن الممثلين والممثلات الذين يخوضون أدواراً قائمة على السير الشخصية، مثل Blonde وElvis وArmagaddon Time كما Belfast وThe Fabelmans
هذه الأفلام الخمسة تستحق وقفة لأن تشخيص الممثلة آنا دي أرماس لاعبة شخصية مارلين مونرو هو الأفضل بين كل الممثلين الذين أدوا أدوار شخصياتهم الرجالية: أوستن بتلر في «ألفيس» وبانكس ريبيتا في «زمن القيامة» وجودي هِل في Belfast وغبريال لابيل في «ذا فابلمنز».
الحركة الجادة
آنا دي أرماس لديها حظوة كبيرة لكن ليست مؤكدة. على أن واحدة من الممثلات اللواتي يتوقع المقيّمون وصولها إلى خط النهاية هي ميشيل يوه، التي عبر سنوات عديدة من المثابرة على تقديم أدوار نوعية، تجد هذه الممثلة الآسيوية الأصل، الدور الذي عليه أن يوصلها إلى الخط الأول من اهتمام المقترعين ولجان التحكيم. هذا لأن الدور الذي تقوم به في فيلم Everthying Everywhere All at Once يمنحها ما صبت إليه طويلاً. هي شخصيتان في شخصية واحدة في هذا الفيلم: الأولى من امرأة عادية من اللواتي يعملن بجهد ومن دون خطّة مستقبلية تبعاً لضغط الحياة الحاضرة وأخرى عاطفية على النقيض التام من الأولى.
بالنسبة للبعض، فإن ميشيل يوه أجادت دوراً تطلب الحركة البدنية أكثر من الدرامية في فيلمها البعيد Crouching Tiger‪، ‬ Hidden Dragon. لكن الممثلة سعت دوماً للتأكيد على أن الدراما لا تعرف التفرقة بين فيلم أكشن وفيلم مبني على الشخصيات وليس على الحكايات.‬‬‬
هذا الدور الصعب في جوهره يعيدنا إلى خصائص ما قامت بتأديته كل من كَيت بلانشيت وتيلدا سوينتون. في «تار» حيث هي قائدة الأوركسترا التي تمر برحلة من الشكوك حول كيف شقّت طريقها في الحياتين العاطفية والاجتماعية. تفكر كثيراً بعلاقاتها، مما يجعلها مهددة بأن تخسر قيمتها وإجادة عملها، وبالتالي موقعها في مهنتها وحبها وتفانيها الفني.
تقدم بلانشيت على هذا الدور بكل جوارحها ومن يرقب الفيلم ينفذ من خلال شخصيتها داخل الفيلم إلى شخصيّتها كامرأة وممثلة. ينتابه الشعور بأن الشخصية التي تؤديها هي نسخة من شخصيتها الخاصّة ودورها كقائدة أوركسترا هو متماثل مع دورها كممثلة.
أما تيلدا سوينتون فتمنح نفسها مجالاً للعب شخصيّتين متقاربتين فهي الأم وهي الابنة. الأولى خبرت الحياة والتزمت بأفكارها ونظراتها للعمل، والابنة تحاول - حتى بعد أن أصبحت راشدة ومالكة قرارها - الابتعاد عن هيمنة الأم. ليس سهلاً تمثيل هذا التباين في فيلم واحد، لكن سوينتون تجيد أداء الأدوار الصعبة، والحل الذي توفره هنا قائم على أن الابنة لا بد أن تختزن بعض طبائع وسلوكيات أمها (كأي شخص آخر). هذا يعني أنه كان عليها اختيار ما يبقى وما يمكن التخلي عنه في تأديتها لدور الابنة.
وجه جديد
رجالياً، لدينا كولِن فارل تبعاً لدوره الذي أداه بتميّز واضح في The Banshees of Inisherin.
فارل لم يكن دوماً الممثل الذي يؤدي ما يكسبه هذه التوقعات. في أفلام كثيرة سابقة كان مجرد حضور مناسب في أفلام ليست ذات حظوة مثل The Lobster وS‪.‬W‪.‬A‪.‬T وThe Beguiled m وIt‪›‬s Not Yet Dark. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لكن «جنيات إنيشرين» تحت إدارة مارتن مكدوناف يمنحه الدور المناسب والمعني به، ككتابة ما يجعله جاهزاً لكي يدهش المشاهدين. يشارك الممثل الجيد برندان غليسون بطولة كوميديا عن الحياة والصداقة والأزمات. دور فارل موزّع بجدارة بين رجل يريد قطع الصداقة القائمة بينه وبين تلك التي يؤديها غريسون وبين الحفاظ عليها. لديه دوافعه التي تبدو مقنعة أكثر بسبب من أدائه وواقعيّته‪.‬‬‬‬
ممثل آخر قد يشد الرحال بعدما أدّى دوراً مميّزاً هذا العام اسمه جيريمي بوب. ليس معروفاً ولا فيلمه من ذلك الذي تهافت عليه جمع كبير. الفيلم هو The Inspection حول مجند مارينز أفرو - أميركي يعود من الخدمة لا ليبحث عن مكانه الاجتماعي العام فقط، بل عن مكانه على صعيد اختياراته العاطفية. هل يريد التواصل مع ماضيه أو يريد بناء علاقات جديدة.
جيريمي بوب له خلفية مسرحية كبيرة تساعده هنا في الابتعاد عن التمثيل التلقائي وتدفعه لكي يدخل حياة الآخر الذي يقوم بتأديته. حظوظه قد تكون محدودة، لكننا نتحدّث هنا عن أفضل الممثلين والممثلات بصرف النظر عما إذا كانوا سيدخلون حلبة المنافسة أو لا.


مقالات ذات صلة

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز