ممثلون وممثلات برزوا في 2022 يترقبون الجوائز

احتدام المنافسة بين الرجال... والإناث في المقدّمة

تيلدا سوينتون في «الابنة الخالدة»
تيلدا سوينتون في «الابنة الخالدة»
TT

ممثلون وممثلات برزوا في 2022 يترقبون الجوائز

تيلدا سوينتون في «الابنة الخالدة»
تيلدا سوينتون في «الابنة الخالدة»

يتكرر المشهد نفسه مع نهاية كل عام ويستمر حتى آخر حفلات موسم الجوائز.
تتسارع الأفلام التي تتوسم الحصول على جوائز السنة ومعها نخبة الممثلين والممثلات ومديرو التصوير وكاتبو السيناريو وباقي العناصر المؤلّفة للفيلم. كل واحد يأخذ مكانه في صف الاحتمالات والتوقعات. بعضهم في المقدّمة وبعضهم الآخر في الصف الثاني أو الثالث.
الجوائز، في أي حقل إبداعي، هي مكسب شخصي أولاً واحتمال ارتفاع شهرته وحضوره، وبالتالي أجره عن كل عمل يقوم به ثانياً.
تفرّد
بالنسبة للممثلين فإن حجمهم العددي يفرض حضوراً مهمّاً، خصوصاً وأنهم يتعاملون مباشرة مع الجمهور العريض الذي يتابع يومياتهم وأفلامهم و- لاحقاً - احتمالات فوزهم بأوسكار أو بغولدن غلوب أو ببافتا (الجائزة البريطانية الموازية للأوسكار الأميركي) وسواها.
هي احتمالات مبنية، في الأساس، على تلك الفرص التي استحوذوا عليها خلال العام لتقديم شخصيات مختلفة أو معقّدة بنجاح.
تستطيع أن تعتبر الممثلة كَيت بلانشيت نموذجاً لهذا الوضع. ليس فقط لأنها ممثلة جيدة كما برهنت على ذلك في معظم ما قامت بتمثيله خلال السنوات الماضية، بل أيضاً لأنها تفهم تماماً ما تستطيع توفيره من تفرّد عندما تؤم دوراً تلقي فيه خبراتها وتلغي شخصيّتها لتؤدي شخصية أخرى.
نرى ذلك في فيلمها الجديد Tár لتود فيلد. حيث تؤدي دور قائدة الأوركسترا التي تغمر نفسها بالأداء الدقيق لفريقتها والتي عليها القيام ببعض الخيارات الحياتية الخاصة.

كولن فارل في «جنيات إنيشرين»

الأمر ذاته نطالعه في أداء تيلدا سوينتن في The Eternal Daughter لجوانا هوغ. بل من الأفضل أن نقول دوريها في هذا الفيلم إذ تلعب دور الأم ودور ابنتها أيضاً.
هذا التفرّد والتميّز وجودة الأداء لا يقود بالضرورة إلى الفوز. كم مرّة، في الواقع، فاز بالجوائز الأولى من لم يكن يستحقها أو من لم يكن يستحقها مثلما استحقها ممثل آخر؟ الأمثلة كثيرة ونستقي بعضها في السنوات الثلاث الأخيرة.
في عام 2020 اعتلت رنيه زلفيغر المنصّة لتسلم أوسكار أفضل ممثلة في فيلم Judy. بين منافساتها سينثيا إريفو عن دورها الرائع في Harriet التي لعبت دوراً أفضل بكثير من ذلك الذي قامت به زلفيغر. ثم هل كانت فرنسيس مكدونالد. سنة 2021. أفضل أداءً عندما فازت بأوسكار أفضل ممثلة عن Nomadland من فينيسيا كيربي عن Pieces of a Woman أو فيولا ديفيز عن دورها في Ma Rainey‪›‬s Black Bottom؟ ‬‬‬
‫ول سميث كان جيداً في King Richards حيث نال أوسكار أفضل ممثل سنة 2022 لكن ماذا عن دنزل واشنطن في The Tragedy of Macbeth؟ ثم ماذا عن فوز أريانا دابوس بأوسكار أفضل ممثلة مساندة عن West Side Story بينما أدت كيرستن دنست دوراً أصعب درامياً في The Power of the Dog؟‬‬‬‬
سير حياة
ليست المسألة هنا مسألة أذواق، بل علم بالشيء لكن من حسن الحظ أن الأذواق والمعرفة تتآخيان جيداً في الكثير من الحالات أيضاً، خصوصاً في المنافسات بين الممثلين الذكور. كل من فاز بأوسكار أفضل ممثل في السنوات المذكورة ذاتها، استحق، غالباً، هذا الفور: براد بت عن Once Upon a Time in Hollywood وأنطوني هوبكنز عن The Father ودانيال كالييويا (Kaluuya) عن Judas and the Black Messiah.
هذا كله قابل للتكرار في العام المقبل عندما يبدأ توزيع الجوائز على الممثلين والممثلات. وعلى نحو مؤكد هناك دوماً ذلك التوجه صوب الممثلين ذوي الشهرة أو المقبلين عليها أكثر من الرغبة الفعلية في اكتشاف المواهب الجديدة.

كيت بلانشيت

استيحاء من هذا الوضع من المتوقع أن يتم ترشيح تيموثي شالامات عن دوره في Bone and All علماً بأن التمثيل الأفضل آت من آخرين. كذلك سيجد أدام درايفر مؤيدين له عن دوره في White Noise لكن كل من «عظام وكل شيء» و«ضجة بيضاء» قد لا يجد طريقه إلى ترشيحات أوسكار أفضل فيلم إلا عبرهما. المؤكد أن هناك من الممثلين من لعب شخصيات أفضل في أفلام أفضل.
ما يثير الاهتمام حقيقة أن الممثلات اللواتي لعبن أدواراً صعبة ومعقّدة على نحو جيد، هم أكثر من الممثلين الذين وجدوا أدواراً من هذا النوع. إنه عام نسائي في مجال التمثيل أكثر مما هو نسائي في مجال الإخراج، ولو أنه من المتوقع وصول بعض الأسماء الأنثوية إلى مسابقات السيناريو والإخراج على وجه محدد.
وكالعادة، فإن الممثلين والممثلات الذين يخوضون أدواراً قائمة على السير الشخصية، مثل Blonde وElvis وArmagaddon Time كما Belfast وThe Fabelmans
هذه الأفلام الخمسة تستحق وقفة لأن تشخيص الممثلة آنا دي أرماس لاعبة شخصية مارلين مونرو هو الأفضل بين كل الممثلين الذين أدوا أدوار شخصياتهم الرجالية: أوستن بتلر في «ألفيس» وبانكس ريبيتا في «زمن القيامة» وجودي هِل في Belfast وغبريال لابيل في «ذا فابلمنز».
الحركة الجادة
آنا دي أرماس لديها حظوة كبيرة لكن ليست مؤكدة. على أن واحدة من الممثلات اللواتي يتوقع المقيّمون وصولها إلى خط النهاية هي ميشيل يوه، التي عبر سنوات عديدة من المثابرة على تقديم أدوار نوعية، تجد هذه الممثلة الآسيوية الأصل، الدور الذي عليه أن يوصلها إلى الخط الأول من اهتمام المقترعين ولجان التحكيم. هذا لأن الدور الذي تقوم به في فيلم Everthying Everywhere All at Once يمنحها ما صبت إليه طويلاً. هي شخصيتان في شخصية واحدة في هذا الفيلم: الأولى من امرأة عادية من اللواتي يعملن بجهد ومن دون خطّة مستقبلية تبعاً لضغط الحياة الحاضرة وأخرى عاطفية على النقيض التام من الأولى.
بالنسبة للبعض، فإن ميشيل يوه أجادت دوراً تطلب الحركة البدنية أكثر من الدرامية في فيلمها البعيد Crouching Tiger‪، ‬ Hidden Dragon. لكن الممثلة سعت دوماً للتأكيد على أن الدراما لا تعرف التفرقة بين فيلم أكشن وفيلم مبني على الشخصيات وليس على الحكايات.‬‬‬
هذا الدور الصعب في جوهره يعيدنا إلى خصائص ما قامت بتأديته كل من كَيت بلانشيت وتيلدا سوينتون. في «تار» حيث هي قائدة الأوركسترا التي تمر برحلة من الشكوك حول كيف شقّت طريقها في الحياتين العاطفية والاجتماعية. تفكر كثيراً بعلاقاتها، مما يجعلها مهددة بأن تخسر قيمتها وإجادة عملها، وبالتالي موقعها في مهنتها وحبها وتفانيها الفني.
تقدم بلانشيت على هذا الدور بكل جوارحها ومن يرقب الفيلم ينفذ من خلال شخصيتها داخل الفيلم إلى شخصيّتها كامرأة وممثلة. ينتابه الشعور بأن الشخصية التي تؤديها هي نسخة من شخصيتها الخاصّة ودورها كقائدة أوركسترا هو متماثل مع دورها كممثلة.
أما تيلدا سوينتون فتمنح نفسها مجالاً للعب شخصيّتين متقاربتين فهي الأم وهي الابنة. الأولى خبرت الحياة والتزمت بأفكارها ونظراتها للعمل، والابنة تحاول - حتى بعد أن أصبحت راشدة ومالكة قرارها - الابتعاد عن هيمنة الأم. ليس سهلاً تمثيل هذا التباين في فيلم واحد، لكن سوينتون تجيد أداء الأدوار الصعبة، والحل الذي توفره هنا قائم على أن الابنة لا بد أن تختزن بعض طبائع وسلوكيات أمها (كأي شخص آخر). هذا يعني أنه كان عليها اختيار ما يبقى وما يمكن التخلي عنه في تأديتها لدور الابنة.
وجه جديد
رجالياً، لدينا كولِن فارل تبعاً لدوره الذي أداه بتميّز واضح في The Banshees of Inisherin.
فارل لم يكن دوماً الممثل الذي يؤدي ما يكسبه هذه التوقعات. في أفلام كثيرة سابقة كان مجرد حضور مناسب في أفلام ليست ذات حظوة مثل The Lobster وS‪.‬W‪.‬A‪.‬T وThe Beguiled m وIt‪›‬s Not Yet Dark. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لكن «جنيات إنيشرين» تحت إدارة مارتن مكدوناف يمنحه الدور المناسب والمعني به، ككتابة ما يجعله جاهزاً لكي يدهش المشاهدين. يشارك الممثل الجيد برندان غليسون بطولة كوميديا عن الحياة والصداقة والأزمات. دور فارل موزّع بجدارة بين رجل يريد قطع الصداقة القائمة بينه وبين تلك التي يؤديها غريسون وبين الحفاظ عليها. لديه دوافعه التي تبدو مقنعة أكثر بسبب من أدائه وواقعيّته‪.‬‬‬‬
ممثل آخر قد يشد الرحال بعدما أدّى دوراً مميّزاً هذا العام اسمه جيريمي بوب. ليس معروفاً ولا فيلمه من ذلك الذي تهافت عليه جمع كبير. الفيلم هو The Inspection حول مجند مارينز أفرو - أميركي يعود من الخدمة لا ليبحث عن مكانه الاجتماعي العام فقط، بل عن مكانه على صعيد اختياراته العاطفية. هل يريد التواصل مع ماضيه أو يريد بناء علاقات جديدة.
جيريمي بوب له خلفية مسرحية كبيرة تساعده هنا في الابتعاد عن التمثيل التلقائي وتدفعه لكي يدخل حياة الآخر الذي يقوم بتأديته. حظوظه قد تكون محدودة، لكننا نتحدّث هنا عن أفضل الممثلين والممثلات بصرف النظر عما إذا كانوا سيدخلون حلبة المنافسة أو لا.


مقالات ذات صلة

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

سينما أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته

محمد رُضا (لندن)
خاص المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

خاص بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المعدات الجيدة لا تكفي لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق المهرجان يتوسع بعد نجاح نسخته الأولى (إدارة المهرجان)

مهرجان سينمائي في غزة يناصر قضايا المرأة من بين الركام

بشعار «نساء يصنعن الحياة من الموت» يراهن صناع مهرجان «غزة الدولي لسينما المرأة» على الاستمرار في مقاومة الصعوبات.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المنتج السابق في هوليوود هارفي واينستين (ا.ب)

السجن 15 سنة للمنتج السابق هارفي واينستين بتهمة الاعتداء الجنسي

حكم ‌قاض في نيويورك، اليوم (الأربعاء) على المنتج السابق في هوليوود هارفي واينستين، بالسجن 15 سنة بتهمة ​الاعتداء الجنسي على مساعدة إنتاج سابقة في 2006.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.