منى حبراس السليمية: الموضوعات المهمة لا تكفي لصنع أدب جيد

الباحثة العمانية ترى السيرة الذاتية فنّاً للتلصص على حياة الآخرين

الباحثة العمانية منى حبراس السليمية
الباحثة العمانية منى حبراس السليمية
TT

منى حبراس السليمية: الموضوعات المهمة لا تكفي لصنع أدب جيد

الباحثة العمانية منى حبراس السليمية
الباحثة العمانية منى حبراس السليمية

استطاعت الباحثة والناقدة دكتورة منى حبراس السليمية أن تصنع لنفسها حضوراً لافتاً داخل المشهد الثقافي العماني باعتبارها أحد الأصوات الجديدة التي تتسم بالكثير من الجدية والدأب والمشاركة الفعالة في المنتديات الأدبية المختلفة. ورغم انشغالها بالدراسات والمقالات المنشورة في الدوريات المتخصصة فإن رصيدها من الإنتاج المنشور لا يتجاوز عملاً واحداً هو كتاب «الطبيعة في الرواية العمانية»، لكنها تؤكد أن حاسوبها الشخصي يحمل تسعة مشاريع لكتب مقبلة تنتظر اللمسة الأخيرة. مؤخراً فازت بجائزة «السلطان قابوس»... هنا حوار معها حول الجائزة ورؤيتها للواقع الأدبي العماني.

> حصلت على جائزة السلطان قابوس في فرع «المقال»، برأيك ما معايير المقال الجيد؟ ومن هم أساتذتك في هذا المجال؟
- المقال الجيّد من وجهة نظري ليس بموضوعه، وإنما بأسلوب كاتبه؛ لأن أسلوب الكاتب هو ما يجعل من الموضوع التافه تحفة أدبية، وهو ما يحوّل كذلك الموضوع الصعب إلى مادة سلسلة يستطيع القراء على اختلاف مستوياتهم أن يتفاعلوا معها، وليس معنى ذلك أن تكون اللغة وحدها هي قوام الكتابة الجيدة. أما أساتذتي في هذا المجال فكُثر، ولكني أحب أن أشير إلى الفيلسوف والمفكر المصري زكي نجيب محمود. الرجل الذي عشقت كتبه ورحت أتتبعها كلها واحداً تلو الآخر؛ فهو بالنسبة لي المثال الذي كتب المقالة، ونظّر لها بطريقة ملهمة تقرّب الصعب إلى الأفهام، وتقيم صداقة راقية مع القارئ. وقد أهديت كتابي المقبل «ظِلّ يسقط على الجدار» إلى زكي نجيب محمود بوصفه الأساس الذي ألهب شغف قراءاتي الأولى.
> كيف ترين أثر الجوائز في المشهد الثقافي العربي، ولماذا تثير غضب ومرارة كثير من الأدباء؟
- الجوائز مهمّة جداً، فهي دليل حيوية وإشارة تقدير للمثقف والكاتب. وهي بقدر ما تكافئ المبدع على عطائه، تنبّه إليه أنظار القراء، وتختصر عليه مسافات وأزمنة حتى يصل إلى القارئ البعيد والقريب على حد سواء. فضلاً عن أنها تحقق له الانتشار عبر اللغات الأخرى من خلال ترجمة أعماله. أما إثارتها لغضب كثير من الأدباء واستيائهم ومرارتهم، فهذا من طبيعة الجوائز والتنافس والاختلاف في الذائقة. ولا أتصور أن الغضب والاستياء سينتهيان يوماً، ولكن ما ينبغي أن تحرص عليه الجوائز هو حسن اختيار لجان التحكيم، وتنزيه الجوائز عن التحيزات والمناطقية والآيديولوجيات، بحيث تحتكم إلى الأدب وحده.
> لك دراسة مهمة عن مقاربة القضية الفلسطينية في الرواية العربية، ما أهم ملاحظاتك في هذا السياق؟ وهل وقع البعض في فخ الكتابة التقريرية المباشرة عند تناول هذا الموضوع؟
- في موضوع مهم مثل القضية الفلسطينية، لا بدّ أن تتفاوت التجارب بطبيعة الحال، فهي قضية الجميع والكتابة عنها شرف بحد ذاته. ولكن لا يكفي الموضوع المهم أو النبيل وحده ليكون رافعة للأدب ما لم يسعفه الفن، ليصبح السؤال الأهم: كيف؟ وليس ماذا؟
في هذه الدراسة ركزت على تجربة الروائي الكويتي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، وهي من التجارب الرائدة، ولعله من أكثر التجارب الخليجية التي خصت القضية الفلسطينية بأكثر من رواية، وبتنويعات وزوايا معالجة فنية مختلفة من عمل إلى آخر.
> القصة النسائية القصيرة في سلطنة عمان كانت موضوع دراسة أخرى تتناولين فيها ثلاثة نماذج تتمثل في: جوخة الحارثي وبشرى خلفان وهدى حمد، ما نقاط التماس والاختلاف بين تلك التجارب الإبداعية في هذا السياق؟
- أنجزتُ هذه الدراسة في أواخر عام 2011 ضمن أعمال «ملتقى الإبداع الخليجي الثاني» الذي احتضنته إمارة الشارقة. وكنتُ أعاين في التجارب النسائية الثلاث صورة الرجل تحديداً، ووجدت أن الرجل في قصص القاصات الثلاث -والروائيات أيضاً- ليست واحدة، وأن القاصة الواحدة منهن لديها تنويعاتها فيما يخص صورة الرجل؛ فهو ليس متسلطاً على طول الخط، وليس متفوقاً على الدوام. بل كثيراً ما جاء الرجل ندّاً، وفي أحيان أخرى غير فاعل في الفضاء السردي.
> على ضوء ذلك، كيف ترين المشهد النسائي العماني على مستوى الرواية؟
- الرواية العمانية تعيش حالة من الانتعاش، وأجزم بأن خط مسيرتها يتجه تصاعدياً. وهناك مجموعة أحداث أسهمت في تسليط الضوء على الرواية العمانية مؤخراً، أبرزها فوز جوخة الحارثي بجائزة «ألمان بوكر» العالمية في عام 2019، وهو الحدث الذي ألقى بظلاله على المشهد الروائي العماني والخليجي برمته، ونشطت مؤخراً جهود لترجمة أعمال روائية عمانية إلى عدة لغات. حالياً هناك أسماء بارزة في المشهد الروائي العماني إلى جانب جوخة الحارثي، منها بشرى خلفان التي فازت بجائزة «كتارا» عن روايتها المهمّة «دلشاد»، وسبقتها بروايتها «الباغ» التي حظيت بتألقٍ واسع، وهناك المنجز الروائي التراكمي لهدى حمد، فضلاً عن مشروع زهران القاسمي اللافت، وآخرون مثل: محمد اليحيائي، ويونس الأخزمي، ومحمد العجمي، وشريفة التوبي، وزوينة الكلباني... وغيرهم.
> يبدو أن لك غرامك الخاص بقراءة وتحليل فن السيرة الذاتية في تجلياته العربية المعاصرة، ترى ما الذي استوقفك في هذا السياق؟
- هذا صحيح. بدأت علاقتي الحقيقية مع القراءة بهذا الجنس الأدبي، تحديداً في صيف عام 2003، عندما درستُ في الجامعة مقرر «فن السيرة الذاتية» على يد الأستاذ العراقي الدكتور وليد محمود خالص. كانت طريقته في التدريس والعناوين التي يقترحها تشعل فيّ فضولاً عارماً. كنت أتوجه إلى المكتبة الرئيسية في الجامعة بعد كل محاضرة له، وأبحث عن السير الذاتية التي يشير إليها بدءاً من «قصة نفس» و«قصة عقل» لزكي نجيب محمود -وكانت أولى السير الذاتية التي قرأتها- وليس انتهاء بـ«منازل الخطوة الأولى» لسيف الرحبي. لهذا الشغف بالسيرة الذاتية جذر قديم، فأنا مولعة منذ طفولتي ومراهقتي بحكايات الآخرين وحيواتهم. كتبتُ عن هذا كثيراً، وأسميته «فن التلصص» على حياة الآخرين. وخلال سنوات طويلة قرأت عدداً كبيراً من السير الذاتية، وتأثرت بها، وأشعر أن هناك فتنة خاصة لهذا الفن لا أستطيع مقاومتها.
> كتابك الأول تناول «الطبيعة في الرواية العمانية»، لماذا اخترت هذا الموضوع تحديداً؟ وما أبرز ما خرجتِ به من نتائج؟
- لاختيار موضوع هذا الكتاب قصة طريفة: بينما كنت أبحث عن موضوع لرسالة الماجستير، شدّني ما يكتبه الروائي العماني من وصف للطبيعة في عمان، وكيف يؤثر هذا على الشخصيات وسير الأحداث في الرواية، وأقارنه بما يكتبه الروائي الآخر، لا سيما في الأعمال المترجمة، عندما يصف طبيعة مناقضة لها تماماً، فقفزت في ذهني فكرة أن أدرس كيف يوظّف الروائي العماني الطبيعة في روايته. وغذّت هذه الفكرة عدة كتب تناولت الطبيعة في الشعر -على اختلاف المعالجات المنهجية والأدوات بطبيعة الحال- فذهبتُ إلى مشرفي الدكتور إحسان صادق وأخبرته بفكرة موضوعي. نظر إليّ مبتسماً وقال: من أين جئتِ بهذا الموضوع؟ وكنتُ حينها أحمل رواية «الوخز» لحسين العبري، ففتحتها على صفحة بعينها يصف فيها حرارة شمس الظهيرة وكأنها سياط تلهب ظهر شخصية البطل، بينما ينزل من السيارة ليجتاز مسافة نحو بوابة رئيسية لمبنى ما. وهناك نماذج أخرى وتنويعات كثيرة في روايات أخرى. قلت له: من هنا جاءت الفكرة. نظر إليّ مجدداً وقال: قدمي لي تصورك مكتوباً بالتفصيل. وهكذا قضيت رحلة ممتعة مع موضوع لطيف جداً.
> صدر كتابك الأول في 2013، ما الذي أخّر صدور مؤلفات أخرى لك؟
- لم أكن أفكر في ذلك الوقت بنشر شيء آخر بعد كتاب «الطبيعة في الرواية العمانية»؛ لأني انخرطت حينها في برنامج الدكتوراه في المملكة المغربية، وقد استغرقت الدراسة مني خمس سنوات. ولكني خلال تلك السنوات كنت أنشر بعض المقالات في الصحف المحلية وصحيفة «القدس العربي» ومجلة «نزوى» العمانية، وعدد من المجلات الثقافية الخليجية. كما كنت بطبيعة الحال أكتب بعض النصوص الأدبية بين الحين والآخر. كنت أكتبها متفرقة باستثناء ثلاثة مشاريع كانت تتشكل باتجاه أن تكون كتباً قائمة بذاتها، أحدها كتاب جمعت فيه نصوصاً عن أبي رحمه الله، واخترت عنوانه «رسائل متأخرة إلى حضرة الوالد»، وكتاب آخر -وهو الذي أشرت إليه آنفاً، وسينشر في معرض مسقط الدولي للكتاب المقبل في فبراير (شباط) 2023- بعنوان «ظل يسقط على الجدار». أما الكتاب الثالث فهو كتاب نقدي يضم قراءات في الرواية العمانية والعربية. الآن عندما أعيد النظر في المشاريع التي رتبتها في جهاز حاسوبي المحمول، أستطيع أن أقول إن لدي ما يزيد على تسعة مشاريع كتب، ومعظمها شبه مكتمل، وسأعمل على نشرها تباعاً، بالإضافة إلى أطروحة الدكتوراه. لعل هذا يعوّض سنوات الانقطاع عن النشر، غير أنها لم تكن انقطاعاً عن الكتابة بطبيعة الحال.
> أخيراً، تحتل الرواية موقعاً مهيمناً في الإبداع العربي الراهن، هل يستمر الأمر طويلاً برأيك، بعبارة أخرى: هل ينتهي «زمن الرواية» قريباً؟
- قرأت رأياً أعجبني في هذا السياق للناقد التونسي محمد زرّوق الذي يرى أن الرواية يُمكن أن تتراجع أداء وتلقّياً في الواقع الأوروبي لأسباب عديدة، منها استهلاك المخزون الأسطوري والتاريخي للشعوب على عكس الرواية العربية.
وبالفعل، لا يمكن قياس ظروف الرواية الأوروبية على نظيرتها العربية التي تعيش سياقاً مغايراً، فهي لم تستنفد كل طاقاتها بعد، ولا يزال لديها الكثير لتخوضه وتجتازه وتتجاوزه. وأظن جازمة أن الرواية لن تموت في أي سياق جغرافي أو حضاري رغم هذه الشعارات والنبوءات التي تقول بموتها الوشيك.



محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended


رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ