اتهام أوكرانية بمساعدة حاكم «المركزي» اللبناني في «اختلاس أموال»

القضاء الفرنسي قال إنها «شكلت منظمة إجرامية» وتورطت في «احتيال ضريبي خطير»

صورة من الأرشيف لحاكم «مصرف لبنان» رياض سلامة في مكتبه (أ.ف.ب)
صورة من الأرشيف لحاكم «مصرف لبنان» رياض سلامة في مكتبه (أ.ف.ب)
TT

اتهام أوكرانية بمساعدة حاكم «المركزي» اللبناني في «اختلاس أموال»

صورة من الأرشيف لحاكم «مصرف لبنان» رياض سلامة في مكتبه (أ.ف.ب)
صورة من الأرشيف لحاكم «مصرف لبنان» رياض سلامة في مكتبه (أ.ف.ب)

وجه القضاء الفرنسي الاتهام إلى سيدة أوكرانية، ذكر أنها مقربة من حاكم المصرف المركزي اللبناني رياض سلامة (72 عاماً)، في إطار التحقيق الذي يجريه حول ثروة سلامة في فرنسا، التي تحوم الشبهات حول أنه تم جمعها «عن طريق الاحتيال». وكانت مواقع ومعلومات أشارت إلى هذه الاتهامات بحق سلامة، من بينها موقع «ميديابارت».
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر قضائي فرنسي التأكيد أن التهم التي وجهت إلى الأوكرانية آنا كوزاكوفا (46 عاماً)، تتضمن «تكوين منظمة إجرامية» و«غسل أموال منظم» و«غسل احتيال ضريبي خطير» و«إخفاء جرم يُعاقب عليه (القانون) بالسجن 10 سنوات». وذكرت الوكالة أن الاستجواب الذي علمت بمضمونه، يشير إلى أنها «شاركت في معاملات مالية معقدة تسمح بإخفاء مصدر أموال اختلسها رياض سلامة من مصرف لبنان (...) والمستفيد الفعلي النهائي من الأموال».
وكانت كل من فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ أعلنت في مارس (آذار) الماضي عن تجميد 120 مليون يورو من الأصول اللبنانية إثر تحقيق في اختلاس أموال، في خطوة تستهدف سلامة وأربعة من أقربائه. كما صودرت عدد من العقارات في فرنسا يُشتبه بأن ملكيتها تعود لسلامة، بما في ذلك شقق في الدائرة 16 التي تعد بين الأغلى سعراً في العاصمة الفرنسية ومساحات تقع في جادة الشانزليزيه، إضافة إلى حسابات مصرفية.
ويعد هذا التأكيد من القضاء الفرنسي أول عملية توجيه تهم في هذه القضية التي فُتحت بعد شكاوى قدمتها جمعيات، وتم تكليف قضاة فرنسيين بمتابعتها منذ يوليو (تموز) 2021 في إطار التحقيق في ثروة رياض سلامة في فرنسا.
وبدأت هذه الآلية القضائية عندما قُدمت شكاوى في أبريل (نيسان) 2021 في باريس من جانب مؤسسة «أكاونتابيليتي ناو» (محاسبة الآن) السويسرية من جهة، ومنظمة «شيربا» و«جمعية ضحايا الممارسات الاحتيالية والجرمية في لبنان» من جهة أخرى.
وقال محاميا مقدمي الشكوى ويليام بوردون وأميلي لوفيفر، إن «توجيه التهم مهم نظراً إلى مكانة آنا في دائرة سلامة. إلا أن هذه الخطوة ليست سوى مرحلة أولى». وقالا إن «حجم تدابير مصادرة (الأصول) تُنذر بتطورات أخرى، أبعد من دائرة سلامة».
ولم يوجه القضاء الفرنسي حتى الآن تهماً لسلامة الذي دافع مراراً عن نفسه قائلاً إنه «كبش فداء» الأزمة الاقتصادية في لبنان.
وقال محامي سلامة الفرنسي بيار أوليفييه سور، إن توجيه التهم إلى «آنا ك.»، «يعود تاريخه إلى شهر يونيو (حزيران)»، مشيداً بـ«أداء» سلامة في الاقتصاد اللبناني.
ويواجه سلامة شكاوى كثيرة ضده في دول عديدة. وقد فتحت السلطات اللبنانية العام الماضي تحقيقاً بحقه بناء على طلب النيابة العامة السويسرية في إطار تحقيقات بقيامه مع شقيقه رجا سلامة بتحويل مبالغ تفوق 300 مليون دولار.
ورغم الشكاوى والاستدعاءات والتحقيقات ومنع السفر الصادر بحقه في يناير (كانون الثاني) الماضي، لا يزال سلامة في منصبه الذي يشغله منذ عام 1993، ما جعله أحد أطول حكام المصارف المركزية عهداً في العالم.
كما يواجه سلامة، الذي كان يوصف على مدى سنوات بأنه وراء استقرار سعر الليرة، انتقادات إزاء السياسات النقدية التي اعتمدها طوال عقود باعتبار أنها راكمت الديون، إلا أنه قال مراراً إن المصرف المركزي «موّل الدولة ولكنه لم يصرف الأموال».
وفي بيروت، لم يشكل خبر ادعاء القضاء الفرنسي على الأوكرانية آنا كوزاكوفا، التي يعتقد أن علاقة تربطها بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، حدثاً مهماً للسلطات اللبنانية، باعتبار أن القضاء اللبناني سبق وادعى عليها وعلى سلامة وشقيقه رجا بجرائم مماثلة، إلا أن مصدراً قضائياً لبنانياً أكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الملف «دخل بتعقيدات داخلية وخارجية يستحيل حلها بالإطار القانوني، وعبر إجراءات الملاحقة القضائية فحسب»، معتبراً أن القضية «لها أبعاد متصلة بالصراع السياسي داخل مواقع النفوذ في لبنان وبالتدخلات الخارجية، وبقاء القطاع المالي والمصرفي على قيد الحياة».
ومنذ الشروع بتقديم الإخبارات والدعاوى الشخصية ضد رياض سلامة، قارب القضاء هذا الملف بحذرٍ شديدٍ، إلا أن الضغوط الهائلة التي مارسها الرئيس السابق ميشال عون وفريقه السياسي على القضاء للشروع بملاحقة سلامة تمهيداً للإطاحة به وتعيين حاكم للمصرف المركزي تابع له، أسقط الحصانة عن سلامة، وأطلق يد المدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون (المقربة جداً من ميشال عون وصهره جبران باسيل)، ما دفع بها إلى إقامة أربع دعاوى ضد سلامة وشقيقه رجا ومقربين منه وعدد من المصارف الكبرى، وأوضح المصدر القضائي، أن «لبنان لم يتسلم أي مذكرة خطية أو مراسلة من الجانب الفرنسي، عن التهم المنسوبة إلى كوزاكوفا والاستجواب الذي خضعت له في باريس، إلا أنه تبلغ عرضاً بشكل غير رسمي بالإجراءات التي طالت زوجة سلامة». ولفت المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، إلى أن القضاء الفرنسي «سبق له وطلب معلومات تتعلق بحسابات هذه السيدة في لبنان، والأموال التي حولت من لبنان لحسابها في مصارف فرنسية وأوروبية». وأشار إلى أن السلطات الفرنسية «استجوبت كوزاكوفا مطولاً، وبنتيجة هذه التحقيقات تقرر منعها من مغادرة الأراضي الفرنسية وجرى حجز جواز سفرها».
الإجراءات الفرنسية ضد السيدة الأوكرانية، لا تبدل شيئاً بمسار الملفات العالقة في لبنان، ولفت المصدر القضائي اللبناني إلى أن الجانب اللبناني سبق أن تلقى معلومات من الفرنسيين، تفيد بأن «ثمة شبهات حول كوزاكوفا، تفيد بأنها شريكة في معاملات تتعلق بتحويلات مالية، وأن جزءاً من هذه الأموال حولت من مصرف لبنان إلى شركة (فوري) المسجلة باسم رجا سلامة شقيق رياض سلامة، وباسم آنا كوزاكوفا أيضاً». ولفت إلى أن «القضاء الفرنسي يعتبر أن هؤلاء جميعاً مجرد واجهة لأموال رياض سلامة التي حولت من مصرف لبنان إلى الخارج».
وكانت القاضية غادة عون، ادعت خلال شهر مارس الماضي على رياض سلامة وكوزاكوفا، وعلى شقيقه رجا سلامة بجرم «الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال» وعلى شركات يملكها رجا وكوزاكوفا في الخارج بالجرم نفسه، وأمرت بتوقيف رجا في 17 مارس الماضي، وأحالته مع الملف على قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان نقولا منصور، الذي أصدر مذكرة توقيف وجاهية بحق رجا وأبقاه موقوفاً لأكثر من شهرين، قبل أن يطلق سراحه بكفالة مالية قدرت بـ3.7 مليون دولار، وهي أعلى كفالة مالية بتاريخ القضاء اللبناني.
وبمعزل عن الملاحقات التي بدأتها غادة عون ضد سلامة والمقربين منه، لا يزال الملف الأساس عالقاً أمام النيابة العامة في بيروت بعد إحالته من قبل النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات، وكشف المصدر القضائي، أن الأخير «طلب من النائب العام في بيروت زياد أبو حيدر الادعاء على سلامة وعدد من المقربين منه، بينهم آنا كوزاكوفا، إلا أن الملف لم يأخذ طريقه ولا يزال عالقاً بسبب دعوى الرد المقدمة من سلامة ضد أبو حيدر».
وامتنع النائب العام الاستئنافي في بيروت، عن الادعاء على رياض سلامة، واعتبر أن هذا الملف ليس من اختصاصه، فيما عزا مرجع قانوني المماطلة القائمة لـ«عدم انتظام الهيكلية القضائية في لبنان، وغياب السلطة القادرة على حماية المدعي العام في حال اتخذ مثل هذا القرار». وقال المرجع لـ«الشرق الأوسط»، إن «استعجال النيابة العامة التمييزية بإحالة ملف سلامة وطلب الادعاء عليه، جاء بمثابة الخضوع لتهديدات أوروبية باتخاذ إجراءات عقابية بحق القضاة الذين يؤخرون الادعاء على سلامة ويعرقلون التحقيق معه». وأشار إلى أن «التريث القضائي بتحريك ملف سلامة، بات أبعد من الضغوط السياسية، فلا أحد قادر اليوم على تغطية الفراغ في حال إقالة سلامة»، مؤكداً أنه «الرجل الوحيد القادر على إدارة المرحلة الصعبة حالياً، وسد الفجوة الكبيرة في الميزانية العامة». ولم يخف المصدر وجود «تحذيرات خارجية وخصوصاً من الجانب الأميركي من الذهاب بعيداً بملاحقة رياض سلامة أو توقيفه، لأن هكذا قرار سيترك تداعيات على الواقع المالي والقطاع المصرفي في لبنان، ومن هنا فإن جهاز أمن الدولة، امتنع مؤخراً عن تنفيذ الإشارات التي تعطيها القاضية غادة عون، لجهة تنفيذ بلاغات البحث والتحري ومذكرات الإحضار التي تصدرها بحق سلامة».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

«المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيماوية» تعيد حقوق التصويت إلى سوريا

مركبات للأمم المتحدة تُقلّ مفتشي «منظمة حظر الأسلحة الكيماوية» بدمشق خلال أبريل 2018 (رويترز)
مركبات للأمم المتحدة تُقلّ مفتشي «منظمة حظر الأسلحة الكيماوية» بدمشق خلال أبريل 2018 (رويترز)
TT

«المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيماوية» تعيد حقوق التصويت إلى سوريا

مركبات للأمم المتحدة تُقلّ مفتشي «منظمة حظر الأسلحة الكيماوية» بدمشق خلال أبريل 2018 (رويترز)
مركبات للأمم المتحدة تُقلّ مفتشي «منظمة حظر الأسلحة الكيماوية» بدمشق خلال أبريل 2018 (رويترز)

أعادت الهيئة الدولية الرقابية المعنية بالأسلحة الكيماوية، الخميس، حقوق التصويت لسوريا داخل المنظمة، وذلك مكافأةً لدمشق على «انخراطها البنّاء» مع المنظمة واستعدادها لتدمير مخزونات من الذخائر السامة كانت مخبأة سابقاً، وفق ما نقلت وكالة «أسوشييتد برس».

ويُبرز هذا القرار، الذي اتخذه المجلس التنفيذي لـ«منظمة حظر الأسلحة الكيماوية»، حقبة جديدة من التعاون منذ إطاحة الرئيس السابق بشار الأسد عام 2024، ويأتي بعد 5 سنوات من تعليق حقوق التصويت لسوريا عقوبةً على استخدام دمشق المتكرر الغازات السامة؛ وكانت تلك أول مرة تُفرض فيها عقوبة كهذه على دولة عضو.

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة الذي اعتقل مؤخراً (إكس)

وقد أثمرت حالة الانفتاح الجديدة هذه بالفعل؛ ففي شهر مايو (أيار) الماضي، أعلنت «منظمة حظر الأسلحة الكيماوية» عن العثور على عشرات القنابل والصواريخ الكيماوية المتبقية من عهد الأسد داخل البلاد، وذلك بعد السماح للمفتشين بدخول مواقع أسلحة لم تكن معلنة من قبل.

كما وافق المجلس التنفيذي لـ«المنظمة» على خطط لتدمير جزء من ذلك المخزون المُعلن عنه حديثاً في موقع بمنطقة «القطيفة»، الواقعة على بعد 37 كيلومتراً (23 ميلاً) شمال العاصمة، بما في ذلك مواد تُستخدم في تصنيع غاز أعصاب.

سورية تحمل صورة طفل قُتل في «هجوم الغوطة الكيماوي» عام 2013 خلال إحياء ذكرى الهجوم يوم 21 أغسطس 2025 (إ.ب.أ)

وقال المدير العام لـ«المنظمة»، فيرناندو أرياس، في بيان، إن هذه القرارات «تعكس التقدم الملموس الذي تحقق بفضل التعاون المستمر والانخراط البنّاء بين (الأمانة الفنية) والجمهورية العربية السورية»، وبدعم من الدول الأعضاء الأخرى.

وتأتي هذه الخطوة بعد يوم واحد من إعلان السلطات الأميركية أن واشنطن ستشطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ويسعى الرئيس السوري أحمد الشرع -وهو قيادي سابق في المعارضة المسلحة قاد الهجوم الذي أطاح الأسد- إلى إعادة بناء سوريا وترميم علاقاتها بالغرب التي ظلت مقطوعة مدةً طويلة. كما تعهد بتدمير أي أسلحة كيماوية متبقية من حقبة الأسد.

وفد الجمهورية العربية السورية خلال دورة تدريبية تخصصية استضافتها «منظمة حظر الأسلحة الكيماوية» ‌أوائل يونيو الماضي في لاهاي بهولندا

عندما انضمت سوريا إلى «منظمة حظر الأسلحة الكيماوية» عام 2013 تحت ضغط غربي بسبب استخدام غازات سامة؛ منها غاز السارين، في ما عُرفت بـ«مجزرة الغوطة» ضمن هجوم واسع شنته قوات النظام يوم 21 أغسطس (آب) 2013؛ ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف مدني، وهو مما وثقته تقارير دولية عدة.

و

على الرغم من إعلان «منظمة حظر الأسلحة الكيماوية

» انتهاء مهمة تدمير المخزون المعلن في 2014، فإن «المنظمة» وثقت استخدام النظام غازَيْ السارين والكلور في هجمات أخرى لاحقة.

وبينما زعمت إدارة الأسد وجود أسلحة كيماوية في 26 موقعاً داخل البلاد، فإن «المنظمة» الرقابية ذكرت أن لديها أسباباً تدعوها إلى الاعتقاد بأن سوريا كانت تمتلك 100 موقع إضافي. وعلى هذا الأساس، علّقت الدول الأطراف في «المنظمة» بعض حقوق عضوية سوريا في أبريل (نيسان) 2021.

وأعادت سوريا تفعيل بعثتها الدائمة لدى «منظمة حظر الأسلحة الكيماوية

»، في مدينة لاهاي الهولندية، خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 وعينت ممثلاً لها.


وفد عسكري أميركي إلى بيروت لتحديد آلية تنفيذ المناطق التجريبية

آلية عسكرية تابعة لقوات «يونيفيل» خلال دورية في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
آلية عسكرية تابعة لقوات «يونيفيل» خلال دورية في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وفد عسكري أميركي إلى بيروت لتحديد آلية تنفيذ المناطق التجريبية

آلية عسكرية تابعة لقوات «يونيفيل» خلال دورية في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
آلية عسكرية تابعة لقوات «يونيفيل» خلال دورية في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يصل وفد عسكري أميركي إلى بيروت قريباً، للتنسيق مع الجيش اللبناني وتحديد آلية تنفيذ المناطق التجريبية ميدانياً، وسط تباينات أميركية - إسرائيلية حول انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، وهو مطلب سيحمله الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن خلال لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وبحث عون مع السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، الخميس، في الزيارة الرسمية التي سيقوم بها عون إلى الولايات المتحدة الأميركية بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إضافةً إلى الأوضاع الراهنة في لبنان والمنطقة.

وخلال اللقاء، أكّد عون ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب والضغط على إسرائيل لوقف الأعمال العسكرية والتقيّد بما ورد في صيغة الإطار التي أُعلنت في نهاية المفاوضات اللبنانية الأميركية - الإسرائيلية في واشنطن. كما شدّد رئيس الجمهورية على ضرورة وقف القصف وأعمال التفجير والجرف التي تقوم بها القوات الإسرائيلية في عدد من البلدات والقرى التي تحتلها.

السفير الأميركي

من جهته، أوضح السفير عيسى بعد اللقاء أنّ «زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن تكتسب أهمية خاصة في هذا الظرف بالذات وهي تعكس مدى الاهتمام الذي يوليه الرئيس ترمب بلبنان وسعيه لتحقيق الأمن والاستقرار فيه وإنهاء معاناة شعبه».

وردّاً على سؤال عن الاجتماع المرتقب في روما في 14 و15 يوليو (تموز) الحالي، أوضح السفير عيسى أنّ انتقال الاجتماع بين الوفود اللبنانية والأميركية والإسرائيلية إلى العاصمة الإيطالية مرده إلى أسباب تقنية فقط تتصل بتسهيل تنقل السفراء وأعضاء الوفود، علماً أن اجتماع روما ذو طابع تنظيمي وتنفيذي لما ورد في صيغة الإطار، لا سيما لجهة تشكيل فرق عمل متخصصة تتولى تنفيذ ما اتفق عليه في واشنطن من ترتيبات قد تحتاج إلى اختصاصيين قانونيين أو تقنيين تبعا للمواضيع المطروحة.

وأكّد السفير عيسى أنّ ما سيجري في روما هو استكمال ما اتُفق عليه في واشنطن، مشيراً إلى أنّ اجتماعات عدّة ستعقد في العاصمة الإيطالية أو غيرها لمتابعة التنفيذ وفق المراحل التي سيتم الاتفاق عليها.

المناطق التجريبية

وعن موعد بدء العمل في المناطق التجريبية المحددة في مفاوضات واشنطن، أوضح السفير عيسى أنّ التحضيرات جارية لتنفيذ ما اتُفق عليه فيما خص المناطق التجريبية، وأنّ وفداً عسكرياً أميركياً سيصل إلى بيروت خلال أيام للتنسيق وتحديد آلية التنفيذ ميدانياً؛ إذ من الضروري عدم حصول أي فراغ لدى انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة المحددة، وفي ضوء نتائج الاجتماعات التنسيقية يتم تحديد موعد بدء التنفيذ على الأرض.

لبنانية عائدة من النزوح إلى شاطئ مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)

والتقى السفير الأميركي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، حيث جرى البحث في تنفيذ الإطار الثلاثي، ولا سيما لجهة بدء الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التجريبية؛ تمهيداً لانتشار الجيش اللبناني فيها.

كما التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري، وعرضا معاً الأوضاع العامة والمستجدات السياسية والميدانية. وأفادت رئاسة البرلمان اللبناني بأن بري كرر السؤال مع عيسى عن تثبيت وقف إطلاق النار، والالتزام الإسرائيلي به، وخطوات الانسحاب من لبنان إلى الحدود الدولية؟

إصرار إسرائيلي على البقاء

وفي مقابل المطالب اللبنانية والدعم الأميركي للبنان لجهة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، تتمسك إسرائيل بمواصلة الاحتلال؛ وهو ما يعكس تبايناً مع واشنطن ولبنان حول هذه النقطة.

ردّ وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، على تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترمب، قال فيه إنه يعتقد أن إسرائيل ستنسحب من لبنان بموجب الاتفاقيات؛ حيث كتب قائلاً: «لم نطلب إذناً من أي طرف لدخول لبنان، ولا نحتاج إلى إذن لكي نبقى فيه».

ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، الخميس، عن كاتس القول: «من حقنا وواجبنا حماية سكان الجليل والمواطنين الإسرائيليين من تهديدات (حزب الله)، المنظمة الجهادية الإرهابية التي تسعى إلى تدمير دولة إسرائيل»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضاف: «وكما أوضحنا أنا ورئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو: فإننا سنواصل البقاء بالمنطقة الأمنية في لبنان، وسنعمل من داخلها حسب الحاجة لذلك، إلى أن يتم نزع سلاح (حزب الله) في أنحاء لبنان، وإزالة التهديد لسكان الشمال».

وبعدما وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعوة رسمية لنظيره اللبناني جوزيف عون لزيارة واشنطن العاصمة، والاجتماع معه في البيت الأبيض، في 21 يوليو الحالي، كشف عن أنه ناقش مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسألة انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، وأن ذلك سيحصل.

وخلال تصريحات له على هامش قمة «ناتو» المنعقدة في أنقرة، عبّر ترمب عن اعتقاده بأن إسرائيل ستسحب قواتها من جنوب لبنان، كاشفاً أنه ناقش الانسحاب مع نتنياهو. وقال: «نعم، أعتقد أنهم سيفعلون ذلك. أعتقد أنهم يريدون ذلك. لذا؛ لدينا اتفاق مع إسرائيل ولبنان. نعم، سينسحبون. وأعتقد أن الأمور ستسير على ما يرام».


نائب رئيس الوزراء اللبناني يطّلع من وفد دبلوماسي إيراني على مستقبل التفاهم مع واشنطن

أشخاص يمرون بجوار أنقاض المباني المتضررة جراء الغارات الإسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)
أشخاص يمرون بجوار أنقاض المباني المتضررة جراء الغارات الإسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)
TT

نائب رئيس الوزراء اللبناني يطّلع من وفد دبلوماسي إيراني على مستقبل التفاهم مع واشنطن

أشخاص يمرون بجوار أنقاض المباني المتضررة جراء الغارات الإسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)
أشخاص يمرون بجوار أنقاض المباني المتضررة جراء الغارات الإسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

اطَّلع نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري، اليوم (الخميس)، من وفد دبلوماسي إيراني، يزور لبنان على مستقبل التفاهم الأميركي - الإيراني وانعكاساته على لبنان، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

والتقى متري، الوفد الإيراني الزائر، الذي ضم معاون وزير الخارجية للشؤون القنصلية والبرلمانية وشؤون الإيرانيين في الخارج وحيد جلال زاده، يرافقه مساعد وزير الخارجية والمدير العام لشؤون غرب آسيا وشمال أفريقيا مهدي شوشتري، حسبما أعلنت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية.

كما اطَّلع متري من الوفد «على المستجدات الدولية والإقليمية الأخيرة، ومستقبل التفاهم الأميركي - الإيراني وانعكاساته الإقليمية، على لبنان خاصة». وكانت مناسبة للتشديد على «أهمية السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط الذي تعب من الحروب المستمرة، والتشديد أيضاً على نية لبنان بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها، من منطلق السيادة الكاملة والاستقلال الفعلي عن أي احتلال أو أي هيمنة أجنبية».