روسيا وإيران والصين تحفّز «تغييرات» السياسة الخارجية الألمانية

من حرب أوكرانيا وأزمة الغاز... إلى انتهاكات حقوق الإنسان والتهديد الصناعي

جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا
جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا
TT

روسيا وإيران والصين تحفّز «تغييرات» السياسة الخارجية الألمانية

جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا
جانب من خط أنابيب «نورد ستريم 2» في ألمانيا

عندما كشفت الأحزاب الثلاثة الحاكمة في ألمانيا قبل سنة من اليوم، عن اتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية تحت عنوان «جرأة للمزيد من التقدم»، لم تكن أي من الأحزاب: الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكيون) وحزب «الخضر» البيئي والحزب الديمقراطي الحر (الليبراليون) تتخيل أن «التقدم» - بل أقل التغير - هذا سيكون بالحجم والسرعة الذي شهدته ألمانيا خلال سنة واحدة فقط. حقيقة الأمر أن «التقدم» الذي أراده الائتلاف الحاكم، داخلياً، كان يتعلق بشكل أساسي بالتخلص من مصادر الطاقة الشديدة التلويث، مثل الفحم الحجري، على حساب زيادة الاستثمار في الطاقة النظيفة. وأيضاً رغبت الأحزاب الثلاثة في تطوير نظام الهجرة «بحيث يتماشى مع ألمانيا الحديثة» من دون تحديد تفاصيل كثيرة. ثم إن «التقدم» الذي تكلمت عنه الأحزاب الحاكمة، وألزمت نفسها به، كان يتعلق كذلك بتطوير «المكننة» وتبسيط البيروقراطية التي تغرق البلاد وتحرمها من الكثير من الموارد. وبالفعل، بدأت التغييرات الكبيرة في ألمانيا بعد أسابيع قليلة من تسلم حكومة ائتلاف الاشتراكيين و«الخضر» والليبراليين زمام السلطة، خلفا لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي المحافظ الذي قاد البلاد طيلة 16 سنة مع زعيمته المستشارة السابقة أنجيلا ميركل. ومع أن حزب ميركل تقاسم السلطة مع الاشتراكيين في ثلاث من الحكومات الائتلافية الأربع التي قادها، وفي الحكومة الثانية مع الليبراليين، فإنه كان الحزب الأقوى... لدرجة أنه لم يسمح للحزبين الآخرين بإدخال الكثير من التغييرات. ولكن هذه «التغييرات» ما كانت تلك التي أرادتها الأحزاب الثلاثة الحاكمة... بل تغييرات جوهرية في السياسة الخارجية والعقيدة الدفاعية للبلاد.

حتلاقي الأحزاب الثلاثة التي تشكل الحكومة الألمانية الائتلافية الحالية، واتفاقها على الحكم معاً، كان تغييراً كبيرا في ألمانيا ويحصل للمرة الأولى في تاريخ حياتها السياسية. ولكن عندما تسلمت الأحزاب الثلاثة، أي «اشتراكيو» الحزب الديمقراطي الاجتماعي و«بيئيو» حزب «الخضر» و«ليبراليو» الحزب الديمقراطي الحر، سدة السلطة... فإنها لم تكن تطمح لتغيير العلاقات مع روسيا والصين، ولا لتغيير العقيدة الدفاعية لألمانيا التي تركز على إنفاق دفاعي منخفض وجيش ضعيف نتيجة الحرب العالمية الثانية.
إلا أن العامل الأكبر الذي دفع ألمانيا لأن تتغير بهذه السرعة، لم تكن فقط تركيبة الحكومة الائتلافية الشابة في برلين، بل سياسة «الجار الكبير اللدود» روسيا. وحقاً، يكرر المسؤولون الألمان الكلام عن «نقطة تحول»، ويشيرون فيها بالذات إلى الحرب التي شنتها موسكو في أوكرانيا. ولعل هذه الحرب، بالفعل، كانت نقطة تحول مفصلي في توجهات ألمانيا ورسم أولوياتها السياسية والاستراتيجية. ذلك أنه طوال العقود الماضية بعد توحد الألمانيتين (الغربية والشرقية)، اعتمدت برلين سياسة خارجية تتركز بشكل أساسي على العلاقات الاقتصادية.
- تأثير الحرب الأوكرانية
في هذا الإطار، دأبت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل طوال فترة حكمها المحافظ على الدفاع عن مشروع غاز «نورد ستريم 1» و«نورد ستريم 2» مع روسيا، في وجه المعترضين والمحذرين في بروكسل وواشنطن. وأيضاً بقيت الشركات الألمانية تطور علاقاتها مع الصين بتشجيع من الحكومة الاتحادية حتى بات الكثير منها معتمداً على العلاقة الاقتصادية الجيدة مع بكين. وفي هذه الأثناء، لم تكترث ميركل كثيراً بالانتقادات التي كانت توجه في الغرب ضد انتهاكات موسكو وبكين المزعومة لحقوق الإنسان. أو - على الأقل - لم تدع هذه الانتقادات الغربية تؤثر على العلاقات الاقتصادية الماضية في التوسع.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحكومة الائتلافية الجديدة برئاسة المستشار الاشتراكي أولاف شولتس - الذي كان نائب ميركل في الحكومة الائتلافية السابقة برئاسة ميركل - كانت تخطط للإبقاء على السياسة الخارجية نفسها. غير أن الحرب في أوكرانيا فعلا غيرت كل شيء.
لقد دفعت هذه الحرب بألمانيا نحو «الانقلاب» على قانون مشرع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بالامتناع عن التورط في نزاعات خارج أراضيها، والإحجام عن إرسال أسلحة إلى دول في حالة نزاع عسكري. وما حدث، هو أن أحزاب الائتلاف الحاكم (الاشتراكي – البيئي – الليبرالي) صوتت لتغيير القانون كي تتمكن من إرسال أسلحة إلى أوكرانيا.

من لقاء شولتس وشي في بكين

كذلك صوتت هذه الأحزاب لصالح زيادة الإنفاق على الجيش الألماني من أجل تطوير معداته وحيازة أنظمة صواريخ دفاعية متطورة، ورفع الميزانية السنوية لعموم القوات المسلحة في البلاد. وفي هذا الشأن علق كثيرون بأن ما ظل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب يطالب ألمانيا به طوال فترة رئاسته على صعيد زيادة إنفاقها العسكري ليصل إلى نسبة 2 في المائة من الإنفاق العام - وهو ما يوصي به حلف شمال الأطلسي «ناتو» للدول الأعضاء - دفعت روسيا ألمانيا لتحقيقه في يوم واحد. وفي سياق متصل، رغم الانتقادات الكثيرة التي تطال برلين حول تلكؤها في تسليح القوات المسلحة الأوكرانية، فإن ألمانيا تظل ثالث أكبر مصدر أسلحة لأوكرانيا، متقدمة بذلك على فرنسا ودول غربية أخرى تشارك في الدعم الغربي للأوكرانيين بمواجهة الجيش الروسي.
ومن جانب آخر، اقتصادي هذه المرة، أوقف المستشار شولتس مشروع «غاز نورد ستريم 2» قبل أن يباشر بنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا، قاضياً بذلك على مشروع روج له الاشتراكيون أنفسهم لسنوات طويلة. وبالفعل، قاد شولتس جهود حكومته للبحث عن مصادر غاز بديلة عن الغاز الروسي في سعيه لوقف اعتماد بلاده نهائياً على الغاز الروسي.
- الموضوع الإيراني
بعد روسيا، جاء دور إيران التي تتمتع ألمانيا معها بعلاقات تاريخية مميزة جعلتها في مصاف أكثر الدول الغربية «تسامحاً» معها ومع قيادتها، بالإضافة إلى أن ألمانيا تستضيف أكبر مركز ديني مرابط بطهران في أوروبا، هو «مركز هامبورغ الإسلامي». وبالفعل، أبقت سلطات برلين على هذا المركز مفتوحاً رغم معرفتها على امتداد عقود بأنه مرتبط بإيران التي تعين رئيسه. أكثر من هذا، تقول الاستخبارات الألمانية بأن هذا المركز أساسي لنشاطات طهران، ليس في ألمانيا فحسب بل في أوروبا كلها، ومنه تنشر - وفق تقارير الاستخبارات - عقيدتها وتدير عمليات تجسس ومراقبة على المعارضين في أوروبا.
وواقع الحال، أن النقاش لم يبدأ حول إغلاق مركز هامبورغ إلا في الآونة الأخيرة على إثر خروج التظاهرات الاحتجاجية في مختلف أنحاء إيران، وتصدي النظام لها بالقمع الشديد. ولقد امتد النقاش أخيراً ليصل إلى حد المطالبة بوقف الحوار مع إيران والمفاوضات النووية. ولم تخرج هذه الدعوات من حزب ميركل الديمقراطي المسيحي، الذي بات في المعارضة، بل صدرت إحداها عن أوميد نوريبوري - الذي يتحدر من أصل إيراني - زعيم حزب «الخضر»... أحد الأحزاب الثلاثة في الائتلاف الحاكم.
وفي هذا الإطار، قادت وزارة الخارجية الألمانية الدول الأوروبية في اقتراح ينص على مجموعة عقوبات تفرض على نظام طهران تمهيداً لتبنيها على مستوى الاتحاد الأوروبي. وسافرت وزيرة الخارجية أنالينا بيربوك إلى مدينة جنيف السويسرية للمشاركة شخصياً في اجتماع «مجلس حقوق الإنسان» الذي ناقش أوضاع إيران خلال الأسبوع الماضي ووافق على إنشاء «لجنة لتقصي الحقائق» في قتل المتظاهرين السلميين هناك. وكانت بيربوك، في الواقع، وزيرة الخارجية الوحيدة التي شاركت في الجلسة في حين اكتفت الدول الأخرى الأعضاء بمندوبيها في «المجلس».
ثم أن بيربوك، المنتمية لحزب «الخضر»، ألقت كلمة قوية داخل ردهة «المجلس» عبرت من خلالها عن دعمها للمتظاهرين ونددت بتصدي النظام لهم. وأثارت هذه المشاركة استياء إيران لدرجة أن مندوبتها داخل «المجلس» تهجمت على الوزيرة الألمانية، وتحدثت عن «نظام ألمانيا» الذي ادعت أنه «لا يسمح بحرية النساء». وأيضاً، استدعت سلطات طهران سفير ألمانيا مرتين خلال الأسابيع القليلة الماضية لتعترض على «المواقف السلبية» «والتحريض» من قبل ألمانيا ضد إيران.
هذا، ومع أن الخارجية الألمانية تمثل الحكومة، فإن صمت المستشار شولتس على استمرار الانتهاكات في إيران كان لافتاً، ولا سيما، مقابل الإدانات المستمرة التي ظلت تصدر عن الخارجية. وفي ظل الأجواء الحالية، ثمة اليوم من يقول بأن حزب «الخضر» هو الحزب الأساسي الذي يقود حملة «التغيير» أو «التقدم» التي تشهدها ألمانيا حالياً، سواءً على صعيد السياسة الداخلية أو في مجال السياسة الخارجية. وحقاً، فإن حزب «الخضر» بات، بلا أدنى شك، القوة الرئيسة الدافعة باتجاه سياسات أكثر تشدداً وحسماً، إن كان مع روسيا أو إيران أو الصين. وللعلم، كان هذا الحزب، حتى قبل أن ينضم إلى الحكومة الائتلافية الحالية، أكثر تشدداً من الأحزاب الأخرى في مقاربة كل من روسيا والصين، وبالأخص، خلال الحملة الانتخابية.
- السياسة إزاء الصين
على صعيد آخر، في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، وبينما كان أولاف شولتس يحضر لزيارة الصين قبل خروج التظاهرات المعارضة لقيود «كوفيد - 19» المستمرة، كان كل من حزب «الخضر» ووزارة الخارجية الألمانية يعدان ورقة استراتيجية حول رؤية جديدة للعلاقات مع الصين.
تحذر هذه الورقة المؤلفة من 61 صفحة، من أن القيادة الصينية «تستطيع وتريد» استخدام سوقها «لإحداث تأثير يهدف إلى انتزاع تنازلات» من الدول الأخرى. وتنتقد الورقة أيضاً ما تسميه «الانتهاكات الكبرى لحقوق الإنسان» في مناطق أقلية الإيغور الصينية التركية المسلمة في إقليم سنكيانغ... أو «تركستان الشرقية».

بيربوك تتكلم في جنيف منتقدة القمع الإيراني

كذلك، بحسب نص الورقة التي لم تعتمدها الحكومة الاتحادية بعد، بل ستصوت عليها العام المقبل، على الشركات الألمانية «أن تقلل من التبعية والاعتماد على الصادرات الأكثر جاذبية»، وتطلب من الشركات «الأكثر عرضة للتعاملات مع الصين إلى تقديم كشوف بالأرقام» للحكومة التي سيتوجب عليها، إذ ذاك، تحديد ما إذا كان يجوز لهذه الشركات المضي قدماً بعلاقتها مع الصين بالشكل نفسه أو اتخاذ خطوات مختلفة. وأيضاً، تقترح الورقة إنشاء «أساس قانوني يسمح للحكومة الألمانية، أو الاتحاد الأوروبي، بفحص الاستثمارات الأجنبية الحساسة للأمن».
هذا، وحتى عندما كان شولتس يزور العاصمة الصينية بكين ويلتقي برئيسها شي جينبينغ، لم تتوقف التحذيرات الصادرة عن مسؤولين في حزب «الخضر» الألماني من تكرار الأخطاء نفسها التي سبق ارتكابها في الماضي مع روسيا، هذه المرة مع الصين. بل، ودعا «الخضر» شولتس إلى العمل على تقليص اعتماد الصناعة الألمانية على الصناعة الصينية وتقنياتها، خوفاً من تكرار الأخطاء نفسها.
ولكن شولتس – على ما بدا – لم يكترث كثيراً بتحذيرات حلفائه البيئيين، إذ غادر إلى الصين برفقة ممثلين عن أبرز الشركات الألمانية، فيما يوحي بأنه لا يسعى إلى خفض حجم التبادل الاقتصادي مع الصين. أكثر من هذا، زج المستشار الألماني نفسه بصدام مع «الخضر» قبل أسابيع معدودة من رحلته إلى بكين - حول الصين أيضاً - برفضه توصيات الخارجية ووزارات أخرى، بمنع استحواذ شركة كوسكو الصينية على جزء من مرفأ هامبورغ. وكان كثيرون في ألمانيا يرون أن استحواذ الشركة الصينية المرتبطة بالنظام الشيوعي، على أسهم في أكبر مرفأ في أوروبا، سيمنح الصين قدرة على التحكم بالصادرات والواردات إلى ألمانيا. وبالتالي، سيشكل باباً جديداً للابتزاز الذي يمكن أن تتعرض له البلاد.
ومع انطلاق التظاهرات في الصين بسبب إجراءات «كوفيد - 19»، رفضت الحكومة الألمانية التعليق على الأمر. واكتفى المتحدث باسمها بالقول إن برلين تراقب الوضع هناك، رافضاً الإجابة على سؤال حول ما إذا كانت برلين ستستدعي السفير الصيني للاعتراض على طريقة التصدي للمتظاهرين. ثم ذكر أن شولتس تناول مع الرئيس الصيني مسألة اللقاحات التي طورتها شركة «بيونتك» الألمانية، التي نجحت بوقف تمدد الفيروس ومنعت المزيد من الإغلاقات. كذلك تحدث عن تعاون بين «بيونتك» وشركة أدوية صينية، في إشارة إلى أن ألمانيا تشجع الصين على اعتماد اللقاحات الغربية التي نجحت بالتصدي للفيروس، مقابل اللقاحات الصينية الأقل فعالية.
- على الجانب العسكري
وليست القطاعات الصناعية الألمانية القطاع الوحيد الذي يعتمد على العلاقة الجارية مع الصين، بل هناك الجيش الألماني أيضاً. ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، أرسلت ألمانيا من مخزون الجيش الألماني، كميات ضخمة من الذخائر والأسلحة ما جعلها في نقص كبير للذخائر، ويبدو الآن أن مصانع الأسلحة في ألمانيا تعتمد على الصين لشراء مواد أساسية في صناعة الذخائر.
تقرير لصحيفة «دي فيلت» أفاد أخيراً أن الجيش الألماني لا يستطيع الصمود لأكثر من بضع ساعات، في حال وقوع حرب اليوم. وأنه بحاجة ماسة لإعادة مخزونه من الذخيرة «التي باتت نادرة» وقد يكون للحصول عليها «مؤثرات سياسية». ولأن العديد من الدول الأوروبية أرسلت ذخائر إلى أوكرانيا فإن الطلب على هذه المواد من الصين تزايد بشكل كبير في الفترة الأخيرة.
وأشارت الصحيفة أيضاً، إلى البطء في عمليات إيصال هذه المواد من الصين منذ انتشار «كوفيد - 19» والإغلاقات التي تلت، مشيرة إلى أن عمليات التسليم لم تعد بعد إلى مستواها السابق. ومع أن فترة الانتظار انخفضت أخيراً من 144 شهراً إلى 9 أشهر، ففي السابق كانت شركات الأسلحة الأوروبية تنتظر 3 أشهر فقط بعد وضع الطلب للحصول على تلك المواد من الصين.
كل هذا يزيد النقاش في ألمانيا حول العلاقة مع الصين. وهو نقاش سيتطور - من دون شك - خلال الأسابيع المقبلة بعد تقديم الخارجية «الورقة» التي أعدتها للنقاش والتصويت عليها، وبخاصة، إذا تطورت التظاهرات، واضطرت الحكومة للتعليق عليها.
وفي المحصلة النهائية... بهذا تكون ألمانيا خلال سنة واحدة فقط، قد راجعت علاقتها ليس فقط مع روسيا وإيران... بل مع الصين أيضاً.
- موضوع الهجرة وتجنيس الأجانب... أبرز هموم سياسات الائتلاف الحاكم الداخلية
ليست كل «التغييرات» التي تشهدها ألمانيا راهناً ذات أبعاد خارجية، بل هناك أيضاً تغييرات داخلية آتية. إذ يستعد الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكيون) الذي يقود الحكومة لطرح مشروع تعديل الجنسية الذي يقصر مهلة الحصول عليها من 8 سنوات إلى 5 سنوات ويزيل شرط التخلي عن الجنسية الأصلية.
هذا المشروع يثير جدلاً كبيراً داخل ألمانيا خاصةً مع معارضة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، للمشروع خاصةً لجهة السماح بازدواجية الجنسية. ويعارض هذا الحزب المحافظ، الذي هو الآن، أكبر أحزاب المعارضة، طوال السنوات الماضية تعديل قانون الجنسية، ويمنع إدخال أي تعديلات عليه. بل إن الحكومة الحالية ذكرت في اتفاق «جرأة للمزيد من التقدم» الهادف لتشكيل الائتلاف الحكومي الحالي على إدخال تعديلات على قانون الجنسية، وهي تسعى الآن للوفاء بهذا الوعد.
حزب «الخضر» يؤيد التعديلات المقترحة بشكل كبير، إلا أن الشركاء الليبراليين، الذين وقعوا هم أيضاً على الاتفاق الحكومي، يعترضون على توقيت طرحه قبل مكافحة مسألة الهجرة غير القانونية.
راهناً، يريد الاشتراكيون – مثلاً – التخفيف من شروط الجنسية على الجيل الأول من الأتراك الذين قدموا عمالاً في الستينات وبقوا في ألمانيا رغم أن معظمهم لم يحصل على الجنسية الألمانية. ولذا يتضمن المشروع إلغاء امتحان اللغة لمن هم فوق الـ67 من العمر من الأتراك الذين قدموا بصفة عامل. ويتضمن المشروع كذلك منح الجنسية للمولودين في ألمانيا لأبوين غير ألمان إذا كان والداهما يعيشان بشكل شرعي منذ خمس سنوات. ورغم أن هذه التعديلات تثير بعمق حفيظة الديمقراطيين المسيحيين وحلفائهم في معسكر اليمين، من المتوقع تبني المشروع بعد إدخال تعديلات طفيفة عليه. ومشروع معدل كهذا، يعني أن ألمانيا ستعترف أخيراً بأنها أصبحت «بلد مهاجرين» على غرار بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. وهذا في حد ذاته تغيير كبير في دولة مثل ألمانيا.


مقالات ذات صلة

ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

العالم ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

عشية بدء المستشار الألماني أولاف شولتس زيارة رسمية إلى أفريقيا، هي الثانية له منذ تسلمه مهامه، أعلنت الحكومة الألمانية رسمياً إنهاء مهمة الجيش الألماني في مالي بعد 11 عاماً من انتشاره في الدولة الأفريقية ضمن قوات حفظ السلام الأممية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الحكومة الألمانية شددت على أنها ستبقى «فاعلة» في أفريقيا، وملتزمة بدعم الأمن في القارة، وهي الرسالة التي يحملها شولتس معه إلى إثيوبيا وكينيا.

راغدة بهنام (برلين)
العالم ألمانيا لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا

ألمانيا لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا

منذ إعلانها استراتيجية جديدة تجاه أفريقيا، العام الماضي، كثفت برلين نشاطها في القارة غرباً وجنوباً، فيما تتجه البوصلة الآن شرقاً، عبر جولة على المستوى الأعلى رسمياً، حين يبدأ المستشار الألماني أولاف شولتس، الخميس، جولة إلى منطقة القرن الأفريقي تضم دولتي إثيوبيا وكينيا. وتعد جولة المستشار الألماني الثانية له في القارة الأفريقية، منذ توليه منصبه في ديسمبر (كانون الأول) عام 2021. وقال مسؤولون بالحكومة الألمانية في إفادة صحافية، إن شولتس سيلتقي في إثيوبيا رئيس الوزراء آبي أحمد والزعيم المؤقت لإقليم تيغراي غيتاتشو رضا؛ لمناقشة التقدم المحرز في ضمان السلام بعد حرب استمرت عامين، وأسفرت عن مقتل عشرات

العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الرياضة مدير دورتموند: لن أخوض في نقاش ضربة الجزاء غير المحتسبة أمام بوخوم

مدير دورتموند: لن أخوض في نقاش ضربة الجزاء غير المحتسبة أمام بوخوم

لا يرغب هانز يواخيم فاتسكه، المدير الإداري لنادي بوروسيا دورتموند، في تأجيج النقاش حول عدم حصول فريقه على ركلة جزاء محتملة خلال تعادله 1 - 1 مع مضيفه بوخوم أول من أمس الجمعة في بطولة الدوري الألماني لكرة القدم. وصرح فاتسكه لوكالة الأنباء الألمانية اليوم الأحد: «نتقبل الأمر.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
شؤون إقليمية الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

قال الاتحاد الأوروبي إنه «يدين بشدة» قرار القضاء الإيراني فرض عقوبة الإعدام بحق المواطن الألماني - الإيراني السجين جمشيد شارمهد، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وأيدت المحكمة العليا الإيرانية يوم الأربعاء حكم الإعدام الصادر بحق شارمهد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.