موسكو تتهم «الأطلسي» بتعمد «إطالة» الحرب وتدق إسفيناً بين أوكرانيا وبولندا

دوريات روسية صينية تبعث رسائل إلى الغرب... وتقدم ميداني في دونيتسك

دبابتان للجيش الأوكراني في منطفة لوغانسك (أ.ف.ب)
دبابتان للجيش الأوكراني في منطفة لوغانسك (أ.ف.ب)
TT

موسكو تتهم «الأطلسي» بتعمد «إطالة» الحرب وتدق إسفيناً بين أوكرانيا وبولندا

دبابتان للجيش الأوكراني في منطفة لوغانسك (أ.ف.ب)
دبابتان للجيش الأوكراني في منطفة لوغانسك (أ.ف.ب)

وجهت موسكو وبكين رسائل إلى الغرب عبر تسيير دوريات مشتركة للطيران الاستراتيجي فوق بحر اليابان وبحر الصين الشرقي، في أحدث إشارة إلى تعزيز تحالف البلدين في مواجهة ما يوصف بأنه «تحديات مشتركة جديدة».
في الوقت ذاته، اتهمت الخارجية الروسية حلف شمال الأطلسي (ناتو) بالسعي إلى إطالة أمد الحرب في أوكرانيا، ووصفت نتائج اجتماع وزراء خارجية الحلف بأنها خطوة نحو تأجيج الصراع.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قاذفات استراتيجية تابعة للقوات الجوية الروسية والقوات الجوية الصينية قامت بتسيير دوريات مشتركة فوق بحر اليابان وبحر الصين الشرقي، وأوضحت أن «المجموعة الجوية المشتركة تتألف من حاملات صواريخ استراتيجية من طراز (توبوليف - 95 - إم إس) من القوات الجوية الروسية، والقاذفات الاستراتيجية من طراز (هونغ 6 - كا) التابعة للقوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني».
وأكدت الوزارة في بيان أن الدوريات الجوية المشتركة بين روسيا والصين في منطقة آسيا والمحيط الهادي «ليست موجهة ضد دول ثالثة». وأشارت الإدارة العسكرية إلى أن مدة رحلة «الطائرات الاستراتيجية» الروسية استمرت نحو 8 ساعات. وتمت مرافقة الطائرة من قبل مقاتلات من طراز «سوخوي».
وأضاف البيان، أن طائرات القوات الجوية الروسية، «هبطت لأول مرة في مطار بجمهورية الصين الشعبية وهبطت طائرة صينية في مطار على أراضي روسيا الاتحادية»، كجزء من الدوريات مع القوات الجوية للصين. كما أشار بيان الدفاع إلى أنه «في بعض مراحل المسار، كانت حاملات الصواريخ الاستراتيجية مصحوبة بمقاتلات من دول أجنبية».
وكانت وزارة الدفاع اليابانية قالت إن قاذفتين صينيتين، وما يُشتبه أنهما طائرتان حربيتان روسيتان حلقت، الأربعاء، فوق بحر اليابان، وأشارت إلى أن قوات الدفاع الجوي التابعة لها أرسلت طائرات مقاتلة رداً على ذلك.
وذكرت وكالة الأنباء اليابانية «كيودو» أن وزارة الدفاع قالت إن القاذفتين الصينيتين حلّقتا عبر مضيق تسوشيما جنوب غربي اليابان قادمتان من بحر الصين الشرقي إلى بحر اليابان، صباح الأربعاء، قبل أن تتجها شمالاً، بينما سارت طائرتان حربيتان روسيتان عكس الاتجاه من الجنوب، واتجهتا إلى الشمال فوق مياه قريبة.
وبدا أن الرسالة المشتركة لموسكو وبكين تشكل أحدث إشارة إلى عزم البلدين على تعزيز التعاون العسكري في مواجهة ما وصفته وزارة الدفاع بأنه «تحديات معاصرة» يواجهها البلدان.
وتزامن ذلك، مع توجيه رسائل سياسية قوية لحلف شمال الأطلسي بعد مرور يوم واحد على تعهده بمواصلة تسليح أوكرانيا.
واتهمت موسكو الناتو بتأجيج الصراع في أوكرانيا، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن نتائج اجتماع وزراء خارجية الناتو في بوخارست تشير إلى أن «الحلف غير مهتم بإيجاد حل سياسي ودبلوماسي للوضع في أوكرانيا».
وأكدت أن موسكو «لا يمكنها تجاهل بيان وزراء خارجية الحلف، والصياغة الواردة في الوثيقة تشير إلى أن الناتو تسعى لتأجيج الصراع واطالة أمد المواجهات»، مشيرة إلى أن الحلف الغربي «ليس مهتما إطلاقا بحل سياسي ودبلوماسي في أوكرانيا».
وزادت الدبلوماسية الروسية أن بلدان الناتو «تواصل اتهام الجانب الروسي بارتكاب أعمال إجرامية وفظائع ارتكبتها القوات المسلحة الأوكرانية بالتواطؤ التام من الرعاة الغربيين لنظام كييف. على سبيل المثال، يُنسب لنا الفضل في تعطيل الإمدادات الغذائية العالمية. وموسكو قدمت حلولاً حقيقية للمشاكل التي نشأت دون ذنب منا. وتواصل باستمرار مساعي تنفيذها، رغم قيود العقوبات المفروضة من جانب واشنطن وبروكسل».
في الوقت ذاته، هدد نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري ميدفيديف بأن بلاده «سوف تستهدف أنظمة صواريخ (باتريوت) الغربية في حال تم تزويد أوكرانيا بها، في إشارة إلى نقاش الحلف حول تزويد أوكرانيا بأنظمة صاروخية دفاعية حديثة».
علماً بأن الحلف كان قد أشار في وقت سابق إلى أنه لم يبحث تزويد كييف بأنظمة «باتريوت» الأميركية الصنع. ووصف ميدفيديف الحلف بأنه «منظمة إجرامية»، تشكل الدول الأعضاء فيه، نحو 12 في المائة فقط من سكان العالم.
وكتب ميدفيديف على قناته: «الناتو يتعين أن يتوب أمام الإنسانية ويحل نفسه على أساس أنه منظمة إجرامية»، طبقاً لما ذكرته وكالة «تاس» الروسية للأنباء أمس الأربعاء.
وأضاف أن «الناتو نسى بسهولة ما فعله، في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك تدبير انقلابات دول والإطاحة بزعماء دول شرعيين. يبدو أن المنظمة وقيادتها أيضاً نسوا سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين بسبب عملياته وإمدادات الأسلحة لأنظمة متطرفة».
كما علق ميدفيديف على تصريح أخير لأمين عام الناتو، ينس ستولتنبرغ بشأن الحاجة إلى الحفاظ على سيادة أوكرانيا واستقلالها.
وقال ميدفيديف: «لكنه لم يشر إلى وحدة أراضيها (أوكرانيا)، كما لو كان يفترض أنه سيفوز».
على صعيد موازٍ، واصلت موسكو حملتها الهادفة إلى دق إسفين بين أوكرانيا وبولندا، وبعد حملة قوية استهدفت التذكير بحملات دموية قوية شنها قوميون أوكرانيون ضد البولنديين خلال الحرب العالمية الثانية، حذر الأربعاء، مدير المخابرات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين القيادة البولندية من «محاولات سلخ أراض غرب أوكرانيا».
وقال ناريشكين أن المعطيات المتوافرة لدى موسكو تؤكد عزم البولنديين إحكام السيطرة على مناطق في غرب أوكرانيا.
وزاد: «نود تحذير البولنديين مسبقاً من إجراء مقارنات خاطئة متسرعة، وندعوهم إلى دراسة أكثر شمولاً لتاريخهم»، مشيراً إلى أن «تاريخهم مليء بالأمثلة المرة للصدامات بين القوميين البولنديين والقوميين الأوكرانيين».
ودعا مدير المخابرات الخارجية الروسية، بولندا «ألا تعيد الخطأ نفسه». وأضاف المسؤول الأمني أن «القيادة البولندية تعتزم إجراء استفتاءات في غرب أوكرانيا لتبرير مطالباتها بالأراضي الأوكرانية».
وفي وقت سابق، قال ناريشكين إن الرئيس البولندي أندريه دودا أصدر تعليماته للأجهزة ذات الصلة بإعداد تبرير رسمي بتسريع المطالبات البولندية في مناطق غرب أوكرانيا. إنجاز عمليات تدريب أكثر من 300 ألف جندي روسي على صعيد التطورات الميدانية، أعلن وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، إنجاز عمليات تدريب أكثر من 300 ألف جندي روسي تم استدعاؤهم ضمن قوات الاحتياط خلال الشهرين الماضيين.
وأضاف شويغو خلال اجتماع لمجلس إدارة الوزارة: «شارك نحو 3 آلاف مدرب في التدريب القتالي للتشكيلات العسكرية الجديدة، واستخدم في التدريب أكثر من مائة موقع تدريب على أراضي بلادنا وجمهورية بيلاروسيا. وقد تم تدريب أكثر من 300 ألف جندي احتياطي، بمن فيهم متطوعون، خلال شهرين».
ولفت شويغو إلى أنه تمت تهيئة نحو 8 آلاف من أطقم المدرعات والدبابات القتالية، وأطقم المدفعية وأنظمة الدفاع الجوي، والطائرات من دون طيار، وأنظمة الحرب الإلكترونية وأجهزة الاتصالات.
كما أشار الوزير شويغو في أثناء كلمته، إلى أنه خلال العمليات العسكرية قامت القوات الروسية بـ«اختبار طرق جديدة للاستخدام القتالي لقوات الصواريخ والمدفعية، بشكل أساسي في شكل أنظمة نيران الاستطلاع والضربات، بما في ذلك الطائرات من دون طيار»، وزاد: «يعتبر الاشتباك الناري الفعال مع العدو مكوناً مهماً لنجاح العمليات العسكرية. ويجري إسناد دور مهم في ذلك إلى القوات الصاروخية والمدفعية. وأثناء العملية الخاصة، يجري اختبار أساليب جديدة لاستخدامها القتالي. أولاً وقبل كل شيء، هذا يتعلق باستخدام أنظمة الاستطلاع (النارية)، بما في ذلك الطائرات من دون طيار، وكذلك الأسلحة الحديثة والمتقدمة».
في غضون ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها حققت تقدماً ملموساً خلال الساعات الـ24 الماضية. و«حررت قرى بيلوغوروفكا وبيرشي ترافنيا في جمهورية دونيتسك الشعبية بالكامل، وتم تصفية ما يصل إلى 50 جندياً أوكرانياً، وتدمير 4 مدرعات قتالية».
وأضاف الناطق باسم الوزارة إيغور كوناشينكوف، أن الطيران الميداني والتكتيكي والجيش والقوات الصاروخية والمدفعية للقوات المسلحة الروسية «تواصل العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، وفي إطارها تم قصف 79 وحدة مدفعية من القوات المسلحة الأوكرانية في مواقع إطلاق النار، ومناطق تمركز الأفراد والمعدات العسكرية في 157 مقاطعة».
وفي اتجاه كوبيانسك، أفاد الناطق بأن «العدو حاول باستخدام قوات المجموعات التكتيكية وسرية الدبابات، مهاجمة مواقع القوات الروسية في منطقة قرى نوفوسيلسكويه بجمهورية لوغانسك الشعبية، إلا أن القوات الروسية نجحت في صد الهجوم، ونتيجة لأضرار النيران، أعيدت وحدات القوات المسلحة الأوكرانية إلى مواقعها الأصلية، وتم تصفية ما يصل إلى 50 جندياً أوكرانياً، وتدمير 10 دبابات، وعربة قتال مشاة، ومدرعتين لنقل الجنود، وقاعدة مدفعية ذاتية الدفع، وسيارة».
كذلك فقد صدت القوات المسلحة الروسية وفقاً للناطق «محاولة لثلاث مجموعات تكتيكية تابعة للقوات المسلحة الأوكرانية، معززة بالدبابات، للهجوم على مواقع القوات الروسية في اتجاه جمهورية لوغانسك الشعبية، وقد نجحت القوات الروسية في هزيمة العدو وإعادة وحدات القوات المسلحة الأوكرانية إلى مواقعها الأصلية، بعد أن تكبدت خسائر أكثر من 40 جندياً من القتلى، ودبابة، و4 مركبات قتال مشاة، ومركبة واحدة مع الذخيرة».


مقالات ذات صلة

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.