مصر.. المخرج من دوامة «الإرهاب»

5 آلاف إرهابي يقاتلون الجيش المصري في سيناء.. واتهامات لـ«أيادٍ خفية» إقليمية

مصر.. المخرج من دوامة «الإرهاب»
TT

مصر.. المخرج من دوامة «الإرهاب»

مصر.. المخرج من دوامة «الإرهاب»

يبدو أن مصر باتت على موعد سنوي «رمضاني» مع العمليات الإرهابية الكبرى التي تُسقط عشرات الضحايا من الأبرياء دون مراعاة لقدسية الشهر الكريم، خلافًا لأعمال العنف المتفرقة التي تضرب البلاد منذ نحو أربع سنوات. وبحسب ما يشير إليه المراقبون فإن «شهر رمضان أصبح بمثابة الفرصة الثمينة للجماعات المتطرفة من أجل تجنيد الشباب والدفع بهم للقيام بعمليات انتحارية، أكثر من غيره من الشهور، على اعتبار أن ثواب ما يزعمون أنه جهاد في سبيل الله سيكون مضاعفا في هذا الشهر». ووفقا لإحصائية أعدها المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة فإن هناك نحو 32 عملية إرهابية، نفذتها أربع تنظيمات إرهابية، خلال الأسبوع الماضي فقط في الذكرى الثانية لثورة 30 يونيو 2013، تراوحت ما بين اغتيال وتفجيرات انتحارية وزرع عبوات ناسفة.

اغتيل النائب العام المصري المستشار هشام بركات يوم 29 يونيو (حزيران) الماضي في تفجير بموكبه بسيارة مفخخة، تبعه هجوم مسلح استهدف كمائن عسكرية شمال سيناء في الأول من يوليو (تموز) الحالي، تبناه تنظيم «ولاية سيناء» التابع لتنظيم داعش، وأسفر عن مقتل 17 جنديا وضابطا وأصيب 13 آخرون من عناصر الجيش المصري، لتشكل بذلك أحدث العمليات الإرهابية التي وقعت في نهار رمضان. وقد رد الجيش المصري بعملية أمنية محكمة استمرت أكثر من 5 أيام، قتل خلالها 241 «إرهابيا»، وفقا لما أعلنه المتحدث العسكري العميد محمد سمير.
يقول اللواء سلامة الجوهري، مدير وحدة مكافحة الإرهاب السابق بالمخابرات الحربية، لـ«الشرق الأوسط» إن كل تلك العمليات الإرهابية التي تحدث في سيناء مرتبطة ارتباطا وثيقا بما يحدث داخل القاهرة وجميع المحافظات، وكلها مسؤولية جماعة الإخوان المسلمين، التي تحاول العودة إلى السلطة مرة أخرى عن طريق العنف والتعاون مع التنظيمات التكفيرية.
واعتادت التنظيمات المتطرفة تنفيذ مذابح كبرى خلال شهر رمضان في الأعوام الأربعة الأخيرة منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، كانت البداية ما عرف إعلاميا بـ«مذبحة رفح الأولى»، التي وقعت في 6 أغسطس (آب) 2012، الموافق 17 رمضان، حين كان الجنود يستعدون لتناول إفطارهم وهم صائمون، فهاجمتهم مجموعة مسلحة مستخدمين أسلحة ثقيلة ومتعددة، منها «آر بي جي»، وقتلت منهم 16 جنديًا.
وفي أولى ليالي شهر رمضان الكريم، في 28 يونيو عام 2014، قامت جماعة أنصار بيت المقدس الإرهابية، بما سمي «مذبحة رفح الثالثة»، ونفذت على الحدود بين مصر وإسرائيل، وأسفرت عن مقتل أربعة جنود أمن مركزي مصريين بمنطقة سيدوت.
ووفي 25 رمضان في نفس العام قامت مجموعة إرهابية تتكون من 20 فردًا يستقلون أربع عربات دفع رباعي، بمهاجمة كمين حرس حدود بمنطقة الدهوس بمحافظة الوادي الجديد، راح ضحيتها 22 جنديا مصريا.
وتعيش مصر اضطرابات أمنية وسياسية كبيرة منذ ثورة 25 يناير التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك. غير أن موجة العنف تلك باتت في وتيرة متزايدة عقب عزل الرئيس الأسبق «الإخواني» محمد مرسي مطلع يوليو 2013. يقول تقرير صادر مؤخرا للمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، تحت عنوان «خريطة العمليات الإرهابية في ذكرى 30 يونيو»، التي صادفت منتصف شهر رمضان، إن العمليات الإرهابية في مصر تزايدت حدتها كمّا ونوعا في ذكرى ثورة 30 يونيو، إذ نفذت أربعة تنظيمات إرهابية نحو 32 عملية خلال الفترة من 28 يونيو وحتى 2 يوليو، تراوحت ما بين اغتيال وتفجيرات وزرع عبوات ناسفة.
وأشار المركز إلى أن العمليات الإرهابية شملت مناطق متعددة في عدد من المحافظات في كل من القاهرة والجيزة والإسكندرية، بالتوازي مع عمليات مماثلة في محافظات الوجه البحري في بنها وكفر شكر وقليوب وشبين القناطر والشرقية، بينما شهدت محافظتا الفيوم وبني سويف في الوجه القبلي الجانب الأكبر من العمليات الإرهابية، وظلت محافظة شمال سيناء البؤرة الأكثر اشتعالاً من حيث كثافة العمليات الإرهابية، مشيرا إلى أنه تم استخدام العبوات الناسفة والسيارات المفخخة وإطلاق النار والاستهداف بالأسلحة الثقيلة وتفجير المرافق، كما شهدت بعض العمليات الإرهابية الدمج بين تكتيكات متعددة بهدف زيادة الخسائر على غرار عملية الشيخ زويد الأخيرة التي شهدت توظيفًا للاستهداف بالسيارات المفخخة لكميني أبو الرفاعي والسدرة والاستهداف بإطلاق النار الكثيف والأسلحة الثقيلة لعدة مواقع عسكرية ولقسم الشيخ زويد وتلغيم الطرق بالعبوات الناسفة.
وشهدت عملية اغتيال النائب العام قيام العناصر الإرهابية بتفجير عن بعد لسيارة مفخخة بمتفجرات قدرت بعض المصادر وزنها بنحو 300 كغم، وهو ذات الأسلوب الذي كانت تخطط العناصر الإرهابية للقيام به في محيط قسم ثان 6 أكتوبر، إلا أن السيارة المفخخة انفجرت قبيل وصولها إلى هدفها.
في المقابل فإن العبوات الناسفة تعد النمط الأكثر شيوعًا لهجمات العناصر الإرهابية خلال الفترة الماضية، وهو ما تجلى في تفجير عبوة ناسفة في منطقة جاردن سيتي وسط القاهرة دون خسائر في 28 يونيو الماضي وتفجير عبوة ناسفة في العريش استهدفت مدير عام مديرية الطرق في شمال سيناء في 29 يونيو والهجمات التي تمت في محيط قسم سمسطا في بني سويف في 30 يونيو، وبالقرب من مبني شرطة المرافق والأحوال المدنية في الفيوم والتفجير بجوار قسم دراو بأسوان في 2 يوليو الحالي.
وتصاعدت عمليات تفجير المرافق العامة مثل تفجير أبراج الضغط العالي ومحولات الكهرباء في أسوان وبنها والفيوم وبني سويف ومحاولة تفجير كبري المشاة في محطة شرق للقطارات في شبين القناطر بالقليوبية في 1 يوليو الحالي، وتفجير خط السكك الحديدية في الشرقية في 2 يوليو.
أما عمليات إطلاق النار فشهدت تصاعدًا في كثافتها وشملت إطلاق نار على قسم شرطة الفشن في بني سويف وقسم العصافرة في الإسكندرية ومتحف الشمع بحلوان وعلى قوات الشرطة في المطرية واستهداف أحد البنوك في قليوب وتبادل قوات الشرطة لإطلاق النار مع خلية إرهابية في 6 أكتوبر بالإضافة لاستهداف مدرعة في الفيوم واستهداف بعض الخفراء وأمناء الشرطة في الفيوم وبني سويف.
وشهدت بعض الهجمات في سيناء توظيف تنظيم ما يسمى بـ«ولاية سيناء» لأسلحة غير تقليدية شملت صواريخ كورنيت المضادة للدبابات الموجهة بالليزر والصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف، ومدافع 14.5 ملي المضادة للطائرات وقذائف الهاون والآر بي جي، وهو ما يكشف عن مدى تصاعد نوعية الأسلحة الثقيلة لدي التنظيم وتصاعد عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود على الرغم من إجراءات تدمير الأنفاق الواصلة بين قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء.
وأشار المركز الإقليمي إلى أن بعض العمليات التي خططت لها التنظيمات الإرهابية لم تتمكن من تحقيق أهدافها سواء بسبب تدخل قوات الأمن وإحباطها أو بسبب إخفاق منفذيها في القيام بها، مثل قيام السلطات الأمنية في المنيا بضبط خلية إرهابية في 28 يونيو قبيل القيام بعملية إرهابية وانفجار سيارة مفخخة قبل وصولها إلى قسم ثان 6 أكتوبر وانفجار عبوة ناسفة في أحد الإرهابيين في المعصرة في 30 يونيو وتفكيك العبوة الناسفة في محطة قطارات شبين القناطر وضبط 600 كغم من الكبريت والمواد المتفجرة لدي بعض الأفراد في أسيوط.
وصنفت الدراسة التنظيمات الإرهابية التي قامت بتلك العمليات إلى أربعة، أولها ما يسمى بـ« ولاية سيناء»، حيث يعد تنظيم أنصار بيت المقدس أخطر التنظيمات الإرهابية الموجودة على الساحة المصرية، خصوصا عقب إعلان مبايعته لتنظيم داعش وتغيير اسمه إلى «ولاية سيناء»، وتأتي العملية الإرهابية الأخيرة في الشيخ زويد استجابة لنداء قيادات تنظيم داعش بتنفيذ عمليات إرهابية كبري في شهر رمضان وبالتوازي مع ذكرى ثورة 30 يونيو.
وثاني تلك التنظيمات هو كتيبة المدعو هشام عشماوي الذي يتبنى أفكارا متطرفة نتيجة التحاقه بتنظيم داعش خاصة بعد سفره إلى سوريا عبر تركيا، وينسب إليه المشاركة في عدة عمليات إرهابية.
أما ثالثها فهو الخلايا الإخوانية، إذ أدى تفكك البنية التنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين إلى تكوين بعض أعضاء الجماعة لخلايا إرهابية تقوم بتنفيذ عمليات إرهابية في المحافظات المصرية تستهدف أقسام الشرطة وأبراج الكهرباء والمرافق العامة من خلال قنابل بدائية الصنع أو عمليات إطلاق النار الخاطفة. والتنظيم الأخير هو جماعة «الذئاب المنفردة»، إذ يرتبط تصاعد كثافة العمليات الإرهابية في مصر بانتشار نمط الذئاب المنفردة بين المنتمين إلى التنظيمات الإرهابية وقيامهم بتكوين خلايا محدودة العدد لتنفيذ عمليات إرهابية في مختلف محافظات مصر، وهو ما أدى إلى الانتشار الجغرافي للعمليات الإرهابية وتصاعد قدرة التنظيمات الإرهابية على التخفي والإفلات من العمليات الأمنية الكثيفة للقبض على العناصر الإرهابية، خصوصا في ظل انقطاع شبكات التواصل بين التنظيمات الإرهابية الكبرى والخلايا الإرهابية المحدودة.
ويقول اللواء الجوهري إن كل العمليات الإرهابية مسؤولية جماعة الإخوان، مشيرا إلى أن هناك نحو 5 آلاف مقاتل يحاربون الجيش المصري في سيناء، معظمهم عائدون من القتال في سوريا وأفغانستان والعراق سافروا للقتال هناك خلال حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي ثم عادوا ومعهم مقاتلون ينتمون إلى جنسيات أجنبية من جميع دول العالم ليحاربوا في سيناء، وهدفهم إعلانها إمارة إسلامية مستقلة على غرار ما يحدث في العراق حاليا.
وحول تصنيفات وانتماءات تلك الجماعات، قال الجوهري لـ«الشرق الأوسط» إن هناك جماعات مسلحة كثيرة تعمل في سيناء، منها بيت المقدس والفرقان وغيرها، وكلها تتبع تنظيم داعش ولائيا وعقائديا، وهناك تنسيق واتصالات بينهم، إضافة إلى دعمهم بالمال والسلاح.
وتخوض القوات المسلحة المصرية بمعاونة الشرطة حربا كبيرة ضد تلك الجماعات منذ عدة شهور، بقيادة الفريق أسامة عسكر. ويقول مدير وحدة مكافحة الإرهاب السابق بالمخابرات الحربية إن «هناك تنسيق كامل بين المخابرات المصرية ونظيراتها من الدول الصديقة لمحاصرة تلك الجماعات على صعيد أوسع يجري حاليا».
وتابع: «رغم كل ما يحدث فإن الخسائر في الجيش المصري ليست بالكثيرة مقارنة بما تقوم به الجماعات المسلحة التي تحتمي بالمدنين وتقوم بعمليات واسعة، يكفي أن آخر عملية قام بها 300 مقاتل»، في المقابل فإن تعليمات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هي عدم التعرض للمدنيين، مما يصعب من عمليات الجيش كثيرا ويحد من استخدام آلياتهم العسكرية أحيانا.
وكانت القوات المسلحة قد بدأت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إخلاء منازل أهالي رفح في نطاق 1000 متر بالشريط الحدودي غرب الحدود مع قطاع غزة، وصولا إلى تحقيق الأمن القومي للبلاد، خصوصا مع اكتشاف أنفاق تحت الأرض تبلغ أطوالها من 800 إلى ألف متر.
يضيف اللواء الجوهري: «بالطبع مع حلول شهر رمضان تتزايد العمليات الإرهابية والانتحارية، لأن تلك الجماعات تعقد أنها تقوم بعمل جهادي استشهادي ضد جيش كافر».
ورصد مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية عددًا من الممارسات الإجرامية لتنظيم داعش الإرهابي في حق المرأة التي تهين المرأة وتحط من كرامتها وإنسانيتها. ووفقا لتقرير المرصد نشر يوم الاثنين فإن التنظيم أعلن عن مسابقات في حفظ القرآن الكريم تكون الجوائز فيها عبارة عن «سبايا» توزع على الفائزين، وهو ما يعد تحقيرًا من شأن المرأة وتجريدًا من إنسانيتها.
ولفت المرصد إلى أن تلك الممارسات تعبر عن آيديولوجية التنظيم في استغلال المرأة وتوظيفها باعتبارها أحد أهم عناصر جذب المقاتلين وضمان ولائهم واستمرار انخراطهم في القتال بين صفوف التنظيم، كما أنها أيضا تمثل عنصرًا ماديًا لدى التنظيم، إذ يقوم بأسر النساء من المناطق التي يدخلها، ثم يقوم بتوزيع البعض على المقاتلين كغنائم حرب.
ودعا المرصد التابع لدار الإفتاء إلى فضح وتعرية ممارسات تنظيم داعش بحق النساء، وبيان حقيقة هذا التنظيم وطبيعة أهدافه التي يسعى خلفها، والأجندة الخاصة به، وكذا رؤيته للمرأة والتعامل معها، بخاصة أن الانضمام إلى التنظيم خطوة لا تقبل العودة إلى الخلف، وفي غالب الأمر فإن التراجع قد يعني الموت بأيدي مقاتلي التنظيم، حتى لا يتم فضح ممارسات التنظيم البربرية الهجمية في حق المرأة بشكل خاص.
يقول الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري، إنه «لا بديل أمامنا سوى العمل على الخلاص من كل قوى الإرهاب والشر والتطرف سواء أكان إرهابًا مسلحًا أم إرهابًا فكريًا». وأضاف، في مقال على موقع الوزارة ردا على تلك الهجمات المتزايدة مؤخرا: «الجماعات والتنظيمات المتطرفة تشكل خطرا داهما على الأفراد والمجتمعات، وإن الالتحاق بهذه الجماعات والتنظيمات ينطوي على مخاطر جسام، أهمها أن الجماعات المتطرفة تعمل بأقصى طاقتها على تجنيد الصبية والشباب والفتيات، وكل من تستطيع الوصول إليه تحت إغراءات مالية أو معنوية أو مخادعة واستغلال لظروف بعضهم النفسية أو الاجتماعية أو مغالطات فكرية أو دينية أو وعود لا يملكون من أمرها لأنفسهم ولا لغيرهم شيئا».
وتابع: «هذه الجماعات والتنظيمات الإرهابية وعلى رأسها التنظيم الدولي للإخوان الإرهابيين تعمل ضد دينها وأوطانها، ولو أن أعداء الإسلام بذلوا كل ما في وسعهم، وسخروا كل إمكاناتهم لتشويه صورة الإسلام، ما بلغوا معشار ما فعلته هذه الجماعات من تشويه لصورة الإسلام وحضارة الإسلام في الداخل والخارج». وأمام هذه الدوامة من الإرهاب، يتفق الخبراء الاستراتيجيون على أن المخرج ليس هو الحل الأمني وحده للقضاء على تلك التنظيمات المتطرفة، خصوصا في منطقة سيناء، بل إن الأمر يتطلب بعدا تنمويا وثقافيا وتوعويا. وسبق أن أعلن الرئيس السيسي في مطلع فبراير (شباط) الماضي عن تخصيص مبلغ 10 مليارات جنيه (نحو 1.4 مليار دولار) من أجل التنمية ومكافحة الإرهاب في سيناء، وينتظر مواطنو شبه الجزيرة تفعيلها حاليا. وتشرع مصر حاليا في إصدار قانون جديد لمكافحة الإرهاب من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ خلال أيام. ويقضي مشروع القانون باختصار الإجراءات الجنائية بشأن جرائم الإرهاب، وذلك من خلال سرعة الإجراءات داخل المحاكم المخصصة لجرائم الإرهاب، وتسهيل الإجراءات المتعلقة بفحص حسابات البنوك والاطلاع على الأموال بالبنوك التي لها علاقة بجرائم الإرهاب، ومنح سلطات إضافية لمأموري الضبط القضائي وكذلك للمحققين في جرائم الإرهاب.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.