كومبيوترات مطورة بتقنية الجيل الخامس للاتصالات

تتصل مثل الهواتف بالإنترنت دوماً في كل مكان وزمان

لابتوب «سورفايس برو 9» من «مايكروسوفت»
لابتوب «سورفايس برو 9» من «مايكروسوفت»
TT

كومبيوترات مطورة بتقنية الجيل الخامس للاتصالات

لابتوب «سورفايس برو 9» من «مايكروسوفت»
لابتوب «سورفايس برو 9» من «مايكروسوفت»

بفضل الجائحة، ازدادت أهمية أجهزة الكومبيوتر واللابتوب في الحياة اليومية، وأصبح للمهام التي تؤديها مستوى جديد من الاحترام لدى النّاس. كما تعلّمنا جميعاً خلال الجائحة أيضاً أمراً آخر؛ هو أنّ الاتصال الدائم بالإنترنت بات فائق الأهمية.
وسواء أكان هذا الأمر صائباً أم خاطئاً؛ بتنا اليوم نعتمد على الإنترنت بقدر اعتمادنا على الكهرباء والمياه.
كومبيوتر الجيل الخامس
منطقياً؛ يبدو أنّ الوقت الآن مناسب لاستطلاع الفرصة - والتحديات أيضاً - لما يبدو المنتج المثالي لزمننا هذا: الكومبيوتر الشخصي المدعوم بتقنية اتصال الجيل الخامس.
* ما الكومبيوتر الشخصي المدعوم بتقنية اتصال الجيل الخامس؟ يتيح الكومبيوتر الشخصي أو اللابتوب المجهّز بمودم لتقنية الجيل الخامس للمستخدم البقاء على اتصالٍ دائم بالإنترنت وفي أيّ مكان، لضمان مستوى لا يُضاهى من الفاعلية والحريّة والمرونة.
تخيّلوا، على سبيل المثال، ألّا تضطرّوا أبداً بعد اليوم إلى السؤال عن كلمة المرور لشبكة الواي - فاي أو القلق بشأنها، سواء أكنتم تقومون بمهمّة ما في العمل، أو تمضون بعض الوقت في مقهى أو حتّى تجلسون في السيّارة؛ لأنّ الكومبيوتر الشخصي المتصل بشبكة الجيل الخامس، سيصبح مثل الهاتف الذكي، دائم الاتصال بالإنترنت وسيتيح لكم استخدام أيّ موقع أو تطبيق أو خدمة ما دمتم موجودين في منطقة تغطية الشبكة.
* ما موديلات الكومبيوتر الشخصي المزوّدة بتقنية الجيل الخامس؟ تجدون في الأسواق اليوم بعض موديلات الكومبيوتر الشخصي المجهّزة بتقنية اتصال الجيل الخامس، ولكنّ الخيارات محدودة كثيراً (ولو أنّها تشهد تحسّناً) وقد تكون باهظة جداً.
يتضمّن أحد إصدارات «مايكروسوفت» الجديدة من مجموعة «سورفايس برو 9 (Surface Pro 9)» مثلاً، معدّات تقنية الجيل الخامس الضرورية لتأمين الاتصال.
يحتوي هذا الجهاز معالج «SQ3» من «مايكروسوفت» - المطوّر وفقاً لمنصّة «كوالكوم سنابدراغون 8cx الجيل الثالث» - ولكنّ سعره يبدأ من 1399 دولاراً، مقابل 999 دولاراً لإصدار اللابتوب نفسه ولكن من دون اتصال الجيل الخامس. يتميّز معالج «كوالكوم» بخصائص عدّة فريدة؛ أبرزها احتواؤه على مودم مدمج لتقنية الجيل الخامس يضمن للكومبيوتر الشخصي اتصالاً دائماً بالإنترنت. تقدّم شركات أخرى مثل «إتش بي» و«لينوفو» أيضاً كومبيوترات شخصية مجهّزة بمعالج «كوالكوم سنابدراغون 8cx الجيل الثالث» نفسه، بالإضافة إلى التقنية والتعليمات التي تشغّله.
شهدت هذه الأجهزة استجابة أولية متواضعة في السوق بسبب محدودية الأداء والمخاوف من عدم توافق البرمجيات. ولكنّ صانعي الكومبيوترات الشخصية يعملون اليوم على حلّ هاتين المشكلتين بفضل الثورة التي شهدتها هندسة الرقائق والجهود العظيمة التي يشهدها عالم تطوير البرمجيات.
برمجيات الجيل الخامس
* ماذا عن برمجيات الجيل الخامس لأجهزة الكومبيوتر الشخصي؟ أطلقت «مايكروسوفت» للتوّ مجموعة جديدة من أدوات التطوير البرمجي ومنصّة مرجعية لمعدّات أجهزة الكومبيوتر الشخصي المزوّدة بمعالج «كوالكوم» ببنية «إيه آر إم» أو ما عُرف سابقاً بمشروع «فولتيرا».
لا يركّز مشروع «فولتيرا (Project Volterra)» أو «ويندوز ديف كيت (2023Windows Dev Kit)» على صناعة أجهزة كومبيوتر شخصي ببنية «إيه آر إم» ذات أداء عالٍ مثل وحدات «x86» التقليدية (مزوّدة برقائق من «إنتل» و«AMD») فحسب؛ بل هو مصمّم أيضاً لدفع تسريع الذكاء الصناعي المتوفّر فقط في رقائق «كوالكوم».
هذا يعني أنّ الكومبيوتر الشخصي سيبدأ أخيراً الوصول إلى برمجيات مدعومة بقدرات الذكاء الصناعي التي تتمتّع بها الهواتف الذكية منذ سنوات عدّة.
* ما اللابتوبات القادرة على التوافق مع تقنية الجيل الخامس؟ للمستخدمين الذين ما زالوا يفضلون كومبيوتراً شخصياً مدعوماً بمعالج «إنتل» أو «AMD»، يوجد بعض الخيارات المجهّزة بموديمات الجيل الخامس مستقلّة من «كوالكوم» أو «ميدياتيك» ومن تطوير شركات كبرى في الصناعة مثل «ديل»، و«إتش بي»، و«لينوفو». من جهتها، لم تصدر شركة «أبل» حتّى اليوم أجهزة «ماك» مدعومة بتقنية الجيل الخامس رغم أنّها توفّر هذا الدعم لأجهزة «آيباد».
ولكنّ المشكلة مجدّداً هي أنّ الكومبيوتر الشخصي المجهّز بتقنية الجيل الخامس أغلى بمئات الدولارات من الموديلات المشابهة الخالية من موديم مدمج للجيل الخامس.
* هل تشمل خطّة البيانات (المعقودة مع مزود الخدمة) خاصّتكم الكومبيوتر المدعوم بالجيل الخامس؟ علاوةً على ذلك، تفتقر موديلات الكومبيوتر الشخصي المدعومة بتقنية الجيل الخامس جميعها - سواء أكانت تعتمد على رقائق «كوالكوم» أم «AMD» - إلى خطط بيانات للجيل الخامس. في حالة الهاتف الذكي، عليكم أن تشتركوا بخطّة بيانات منفصلة مع مزوّد الخدمة الذي تتعاملون معه.
ولكنّ المشكلة الحقيقية هي أنّ كثيرين ما زالوا ينظرون إلى الكومبيوتر الشخصي على أنّه جهاز ثانوي، أي إنّهم يرون خطّة البيانات الإضافية عبئاً وليست أداةً للتمكين. وعلى عكس الهواتف الذكية، التي لن تستخدموها أبداً من دون خطّة بيانات، يوجد بعض الأشخاص الذين يستخدمون جهاز الكومبيوتر الشخصي المدعوم بتقنية الجيل الخامس من دون خطّة.
إذن؛ كيف نحل هذه المشكلة؟ حسناً، لا توجد إجابة قصيرة أو سهلة عن هذا السؤال. تُباع مكوّنات وخطط بيانات الجيل الخامس بأسعار باهظة، إلا إنّها يجب أن تكون مدمجة بشكلٍ ما في سعر الجهاز. ولكن في النهاية، تكمن هذه المشكلة في النموذج التجاري، ويوجد كثير من الوسائل المبتكرة التي يستطيع لاعبو الصناعة الخروج بها للتوصل إلى حلّ أكثر إقناعاً وأقلّ تكلفة لها.
* متى تشهد أسعار الكومبيوتر الشخصي المدعوم بتقنية الجيل الخامس انخفاضاً؟ أعتقد أنّ تكلفة أجهزة الكومبيوتر الشخصي المدعومة بتقنية الجيل الخامس يجب أن تنخفض بطريقتين مختلفتين. يجب خفض تكلفة إضافة الموديم إلى الأجهزة، وفي الوقت نفسه، يجب لسعر الجهاز أن يشمل خطّة بيانات تغطّي بضعة أشهر على الأقلّ.
وكما في جهاز «كيندل» من «أمازون»، يجب أنّ يكون الاتصال جزءاً من الحل؛ لأنّه مهمٌّ جداً للتشغيل.
لتحقيق هذه التخفيضات في الأسعار، على باعة المعدّات والمكوّنات التي تؤلّف هذه الأجهزة توزيع تكاليفهم على فترة طويلة ومشاركة عوائد طويلة الأمد. وبعد أن يختبر النّاس مكاسب امتلاك جهاز كومبيوتر دائم الاتصال بالإنترنت، سيستمرّون على الأرجح في الدفع للحصول على الخدمة.
بعد الاستمتاع بمكاسب الكومبيوتر الشخصي المجهّز بتقنية الجيل الخامس في عملي وأسفاري أخيراً، لا بدّ من الاعتراف بأنّه حسّن إنتاجيتي بشكلٍ مذهل.
من إمكانية كتابة وإرسال بريد إلكتروني خلال رحلتي في سيارة الأجرة، إلى ملء فجوة انقطاع اتصال الواي - فاي في الفندق، والنجاح في الحصول على اتصال بالإنترنت خلال مؤتمر مزدحم تكون فيه الشبكة عادةً مثقلة (ومن دون كلمة مرور للواي - فاي)... توجد أمثلة عملية كثيرة على الأمور التي يستطيع الكومبيوتر المتصل دائماً توفيرها.
من الواضح جداً أنّ وقت الكومبيوتر الشخصي المدعوم بتقنية الجيل الخامس قد حان فعلاً.

* رئيس شركة «تيك أناليسيس ريسرتش»
- «يو إس إيه توداي» -
خدمات «تريبيون ميديا»



دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.