123 عامًا على صدور مجلة «الهلال» أول مجلة ثقافية شهرية عربية

عددها الجديد يحتفي بذكرى ثورة يوليو و5 سنوات على رحيل نصر أبو زيد

جرجي زيدان  -  غلاف العدد الأول من مجلة «الهلال»
جرجي زيدان - غلاف العدد الأول من مجلة «الهلال»
TT

123 عامًا على صدور مجلة «الهلال» أول مجلة ثقافية شهرية عربية

جرجي زيدان  -  غلاف العدد الأول من مجلة «الهلال»
جرجي زيدان - غلاف العدد الأول من مجلة «الهلال»

من مطبعة متواضعة في دكان صغير بشارع الفجالة بقلب القاهرة صدر أول أعداد مجلة «الهلال» العريقة، خرج ذلك العدد في 32 صفحة، وكان ذلك في أول سبتمبر (أيلول) عام 1892. واليوم تحتفي مجلة الهلال بمرور 123 عاما على صدورها، بل الأحق أن نحتفي باستمراريتها وقدرتها على تجديد أقلامها وخطابها مع التحولات الثقافية المتلاحقة على مدار سنوات صدورها، لتترك أثرها في الحياة الثقافية والأدبية والفكرية المصرية والعربية.
أسس مجلة «الهلال» جرجي زيدان المولود في بيروت عام 1861 والمتوفى بالقاهرة عام 1914، وكان يتولى أمورها بنفسه من إدارة وتحرير ومكاتبات وغير ذلك، ولما لقيت نجاحا عهد بإدارتها لشقيقه. كان زيدان موفقا في اختيار حي الفجالة لإصدار مجلته، خاصة أن موقعه في مواجهة محطة قطارات السكة الحديد، الأمر الذي ساعد على انتشار مجلته في أنحاء وربوع مصر.
خرج العدد الأول بغلاف ورقي تتصدره كلمة «الهلال» بخط بارز، يحمل تعريفا بالمجلة على أنها: «مجلة علمية تاريخية أدبية» لمنشئها جرجي زيدان، وقيمة الاشتراك السنوي بها خمسون قرشًا، وكتبت هذه العبارات باللغتين العربية والإنجليزية. وكانت أبواب المجلة 5 أبواب: «أشهر الحوادث وأعظم الرجال»، و«الروايات»، و«تاريخ الشهر»، و«المنتخبات من الأخبار»، و«التقريظ والانتقاد».
صدر العدد الأول يحمل افتتاحية بقلم مؤسسها جرجي زيدان أوضح فيها سياستها التحريرية، وغايته من إصدارها: «أما فاتحتنا فحمد الله على ما أسبغ من نعمه وأفاض من كرمه، والتوسل إليه أن يلهمنا الصواب وفصل الخطاب، أما خطتنا فالإخلاص في غايتنا، والصدق في لهجتنا، والاجتهاد في وفاء حق خدمتنا، ولا غنى لنا في ذلك عن معاضدة أصحاب الأقلام من كتبة هذا العصر في كل صقع في مصر. أما الغاية التي نرجو الوصول إليها فإقبال السواد على مطالعة ما نكتبه، ورضاؤهم بما نحتسبه، وإغضاؤهم عما نرتكبه، فإذا أتيح لنا ذلك كنا قد استوفينا أجورنا، فننشط لما هو أقرب إلى الواجب علينا».
وأوضح زيدان أسباب اختيار «الهلال» اسما لمجلته في افتتاحية العدد الأول: «وقد دعونا مجلتنا هذه (الهلال) لثلاثة أسباب.. أولاً: تبركًا بالهلال العثماني الرفيع الشأن، ثانيًا: إشارة لظهور هذه المجلة مرة في كل شهر، ثالثًا: تفاؤلاً بنموها مع الزمن حتى تتدرج في مدارج الكمال. فإذا لاقت قبولاً وإقبالاً أصبحت بدرًا كاملاً بإذن الله».
وكان جليا حرص جرجي زيدان على كسب القراء عن طريق الثقة والنزاهة والإخلاص والابتعاد عن التهويل أو الزيف أو الخداع، والسعي إلى الأمانة والإنصاف والاعتدال. حرصت «الهلال» على الحياد التام، وتجنب الخوض في المسائل السياسية المباشرة، والابتعاد عن التيارات السياسية، وتحاشي الاصطدام مع سلطات الاحتلال الإنجليزي، والتركيز على تنمية الثقافة العامة ونشر الموضوعات والأخبار العلمية والأدبية والتاريخية.
وبنظرة على أعدادها على مدار نحو قرن وربع القرن من الزمان، تعتبر مجلة «الهلال» سجلا وديوانا لتاريخ مصر، فقد عاصرت كبرى الحوادث في تاريخ مصر والعالم، فأصبحت أعداده وثائق تاريخية بالكلمات والصور. فقد واكب صدور مجلة الهلال عام 1892 وفاة الخديوي توفيق بقصره بحلوان وتولي عباس حلمي الثاني عرش مصر الذي حظي بتعاطف الحركة الوطنية. كما وثقت «الهلال» بالأعداد التذكارية التي كانت تصدر احتفالا بأعياد ميلادها لأحداث هامة، فقد واكب الاحتفال باليوبيل الفضي لها عام 1917 حينما كانت الحرب العالمية الأولى تعتصر البشرية، وجاء العيد الذهبي لها سنة 1942، حينما كانت الحرب العالمية الثانية في أخطر مراحلها، وحاصرتها أزمة مالية لكنها لم تتوقف، بل صدرت كل شهرين ما بين أعوام 1940 و1947 ومنذ ذلك الحين لم تتوقف عن الصدور أول كل شهر. أما «العيد الماسي» لها فواكب عام 1967 وكانت مصر تعيش مأساة نكسة 5 يونيو (حزيران). وصادف عيدها المئوي عام 1992 انحسار الحرب الباردة وحزن المصريين على أثر الزلزال الذي ضرب مناطق واسعة منها، وخلف عددا كبيرا من الضحايا، ويأتي احتفالها هذا العام بمرور 123 ومصر تحاول في السنة الثانية بعد تخلصها من حكم الإخوان أن تنفض عنها أيادي الإرهاب التي تودي بحياة الأبرياء وتحاول نزع استقرارها.
تطورت مجلة الهلال لتكون نبتة لمؤسسة صحافية كبرى، فتحولت المطبعة الصغيرة في الفجالة إلى دار كانت تطل على ميدان التحرير، ثم انتقلت إلى موقعها الحالي في شارع «المبتديان» في بداية الأربعينات. صدر عنها عشرات المطبوعات الدورية أهمها: مجلة «المصور»، وسلسلة كتاب «الهلال»، و«روايات الهلال»، ومجلة «الكواكب» الفنية، ومجلة «حواء»، ومجلة «سمير» للأطفال وسلسلة «ميكي جيب».
وعلى مدار 123 عاما، استكتبت المجلة د. زكي مبارك، ومي زيادة، وخليل مطران، وزكي طليمات، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، وعباس العقاد، وبنت الشاطئ، وسهير القلماوي، وأمينة السعيد، وأحمد بهاء الدين، ونجيب محفوظ وغيرهم من أعلام مصر والعالم العربي. وتناوب على رئاسة تحريرها أعلام الصحافة والأدب، فتولى رئاسة تحريرها جرجي زيدان من عام 1892 إلى 1914، وبعده ابنه إميل زيدان، ثم الدكتور أحمد زكي، وعلي أمين، وكامل زهيري، ورجاء النقاش، ودكتور علي الراعي، وصالح جودت، ود. حسين مؤنس، وكمال النجمي، ومصطفى نبيل، ومجدي الدقاق، وعادل عبد الصمد، ومحمد الشافعي، ويتولى رئاستها حاليا الكاتب والروائي سعد القرش.
وفي عددها الجديد، يوليو (تموز) 2015، قال رئيس تحريرها سعد القرش: «تحجز مجلة (الهلال)، منذ الآن، مساحة لدى القارئ في الاحتفال معا، بعد عامين، باليوبيل الفضي بعد المائة، قائلة بفخر إن 125 عاما من عمر (الهلال) المجلة الأقدم عربيا، ليس حدثا عابرا في حياتها المديدة، ويجب ألا يمر مرور الكرام. سيكون السؤال عن أسباب استمرار مجلة أرادها مؤسسها جرجي زيدان (علمية تاريخية صحية أدبية): كيف احتفظت بحيويتها، وجددت شبابها، وطورت لغتها؟».
تجيب المجلة عمليا بعدد دسم يضم ملفا وافيا عن «فيسبوك»، بدراسات وقضايا وشهادات لشعراء وسينمائيين ومدونين ونقاد من العالم العربي، وبعضهم يطل من خارجه، فيرى الصورة أكثر وضوحا كما أرادها المخرج والكاتب باسل رمسيس الذي أعد الملف، وشاركت فيه الفلسطينيتان أثير صفا وجنان عبده، واللبناني حسام عيتاني، والعراقية منال الشيخ، والسوري ياسين السويحة، والأردنية لبنى بجالي، والمصريون: خليل كلفت، وخالد أحمد يوسف، ومحمد خير، ومحمد عبد الرحيم، ونجاة علي، ووائل فاروق الذي يكتب دراسة ختامية للملف عنوانها «نصف واقع.. نصف وعي».
يتزامن عدد يوليو مع مرور 5 سنوات على وفاة د. نصر حامد أبو زيد، فتكتب زوجته د. ابتهال يونس عن الوجه الإنساني للإسلام كما قدمه أبو زيد، وفي الملف شهادتان من هولندا لكل من د. عمرو رياض وأرنولد ياسين موي، وهو باحث هولندي، درس الكيمياء البيولوجية ودرس اللاهوت المسيحي في كلية الدراسات الكاثوليكية بجامعة أوترخت، وحاليا يدرس بجامعة لايدن الفكر الإسلامي خاصة حقوق الإنسان في تراث الفكر الإسلامي القديم والحديث، وقد أسلم وكتب شهادة يقول فيها إن أبو زيد «كان معلما حقيقيا لا يحتاج إلى قاعة درس». وترجم شهادة موي الكاتب المصري المقيم بأميركا جمال عمر الذي كتب أيضا شهادة عن نصر أبو زيد.
ومع «ذكرى» ثورة يوليو 1952، تتساءل المجلة: ماذا يبقى من تجربة جمال عبد الناصر؟ ويجيب الكاتب السوري المقيم في باريس د. بدر الدين عرودكي في قراءته لكتاب «الصقر المصري» الذي صدر حديثا للكاتب الفرنسي غيلبير سينويه. في هذا الملف أيضا يكتب د. مصطفى نور الدين «ثورة يوليو.. بقايا ورماد»، ويكتب د. أحمد يوسف «ثورة يوليو والسينما: الامتداد والارتداد»، ويحدثنا مصطفى بيومي عن علاقة نجيب محفوظ بالثورة، بينما تفسر د. ياسمين فراج أسباب بقاء الأغنية الوطنية في مصر عبد الناصر.
وتقدم الكاتبة السورية هيفاء أحمد الجندي تحليلا للمحتوى الاجتماعي للثورة السورية، وتعيب على البعض التعامل بفوقية مع البعد الاجتماعي الذي شمل الجوع والتهميش كعوامل دفعت للثورة مع الوعي بالحرية بالطبع. وعن قضية اليسار أيضا يكتب السعودي أحمد بوقري، كما يناقش محمود عبد الوهاب العلاقة بين «الدين والقومية»، ويكتب د. نبيل حنفي محمود عن ثلاثة أئمة كتبوا شعرا غنائيا، ويترجم العراقي حسين عبد الزهرة مجيد «موكب أورفيوس» للشاعر الفرنسي جيوم أبولينير، وتكتب د. وجدان الصائغ عن تجربتها في قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة ميتشغان، ويترجم حسين عيد مقابلة مع توني موريسون تتحدث فيها عن جوانب من سيرتها، وعن محمد علي كلاي ومارلون براندو والتباس التاريخ الأميركي. أما الكاتب اليمني محمد الغربي عمران فيكتب تحت عنوان «قصة اليمن بين روائح البارود» تعليقا على ملف القصة اليمنية الذي نشرته «الهلال» في عدد يونيو (حزيران) 2015. وفي الفن التشكيلي يكتب محمود الشيخ عن معرض مجدي نجيب، كما تكتب د. سما يحيى عن معرض محمد عبلة.



كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ
TT

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ

لطالما كانت الكتب والمؤلفات التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء، الذين رأوا فيها زادهم المعرفي، ودليلهم إلى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر المشتغلين بالأدب احتفاء بالكتاب وإطراء لمحاسنه، وهو الذي اعتبر في «البيان والتبيين» أن الكتاب هو «الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والجار الذي لا يستبطئك». ولعل في توصيف الجاحظ للكتاب، ما وجد صداه اللاحق في قول المتنبي «أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ، وخير جليسٍ في الأنام كتابُ».

اللافت أن دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها، بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي، ومحرضاً على الإلهام، وموضوعاً للاحتفاء من قبل الكتّاب والمؤلفين، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والحث على اقتناء الكتب، وصولاً إلى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم المنزلية. ولما كانت المؤلفات المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ المكتبات»، وليونيل كاسون «المكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي».

وإذا كان الكاتب والمفكر الأرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة ولا نهائية الاتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قد انتقلت إلى مساعده ألبرتو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ الأعمال المختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هو نفسه إلى تأليف كتب عدة حول طقوس القراءة والكتابة وجماليات الكتب والمكتبات. ومن أبرز تلك المؤلفات «المكتبة في الليل» و«تاريخ القراءة» و«مدينة الكلمات» و«جنتلمان المكتبات».

وقد يكون كتاب «أطوي العالم في مكتبتي » الذي أعده وترجمه الكاتب المصري أحمد الزناتي واحداً من الإصدارات اللافتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بين الفائدة والمتعة، لتفاصيل العلاقة الحميمة، أو الملتبسة، التي تربط بين الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في القراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم.

وإذ يتضح لنا بأن لكل واحد من الكتاب الذين تناولهم المؤلف بالدراسة علاقة بالكتب والمكتبات تختلف عن سواه، فإننا لا نستطيع سوى التوقف ملياً عند آرتور شوبنهاور الذي لم ينظر إلى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته المثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «العالم إرادة وفكرة» في رسالة بعث بها إلى صديق له، وقد قرر السفر بعيداً عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلولا سكينة الكتب لكنت استسلمت لليأس من هذه الحياة منذ زمن طويل».

آرتور شوبنهاور

وحيث لم يقتصر مديح شوبنهاور للكتب على مناسبة واحدة أو نص بعينه، فهو لا يتوانى في مطلع مخطوط سيرته الذاتية عن القول «ولما عجز المعاصرون من بني قومي على أن يؤنسوا وحشتي، آثرت صحبة من يشبهونني من الذين طواهم الموت، والذين طافوا في الدنيا كما أطوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث فيّ وداً أصدق من وصال الأحياء، وتفيض علي صفاءً أعمق من سلام ذوي الأرواح».

ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة الأنيسة للكتاب، ما يجمعه بأبي عثمان الجاحظ، ومع ذلك فإن الفارق شاسع بين الاثنين، حيث كان الجاحظ كائناً اجتماعياً ميالاً إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلى العالم، فيما كان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات.

أما الملاحظة المهمة التي لم تفت المؤلف الإشارة إليها، فهي أن شوبنهاور لم يكن حيادياً تماماً في اختيار الكتب التي يقتنيها، بل كان ذلك الاختيار خاضعاً لمزاجه الشخصي، وليس فقط لمعايير إبداعية خالصة. ففي حين دفعه إعجابه بمواطنه الألماني غوته إلى اقتناء أعماله كافة، وبمختلف طبعاتها، إضافة إلى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هاينه، تجاهل بشكل كلي أعمال كتاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكلايست، إضافة إلى هولدرلن الذي رأى فيه مارتن هايدغر المجسد العملي لأنطولوجيا الكينونة.

لكن إفراط شوبنهاور في تقريظ الكتب والمكتبات، لم يمنعه من التحذير من الإفراط بالقراءة، معتبراً أن الذهن يختنق بكثرة المطالعة كما تختنق المعدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيداً لما تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار الآخرين.

وإذ ركز الكاتب البريطاني هنري ويتلي على انتقائية المكتبات، وعدم مراكمة محتوياتها على نحو عشوائي، أشار في الوقت نفسه إلى أن مكتبة الإمبراطور الألماني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مجلدات أربعة تضم أعمال أفلاطون وبلينيوس وبلوتارخ وبطليموس. وقد اعتبر ويتلي أن الانتقائية هي كلمة السر الأهم في تكوين المكتبات، وأن المكتبة المثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إلا من خلال نزوعه الانتقائي.

كما يدافع الناقد الألماني فالتر بنيامين عن مبدأ الإفراط في اقتناء الكتب، حتى ولو كان الأمر يتم من باب المتعة المجردة، أو على سبيل الاحتياط لأي حاجة معرفية لاحقة. ومع تشديده على التمييز بين جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود بالمعرفة، فإن الكاتب الكندي روبرتسون دافيس، لا يتوانى عن الاعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغواء الكتب، واقتناء ما يلزم منها وما لا يلزم، دون أن تكون لديه أي نية في وقف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبرتسون عن الكاتب الفرنسي أناتول فرانس قوله لمن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «ولا حتى عشْرها يا سيد، فأنا لا أعتقد أنك تستعمل طاقم المائدة الصيني كل يوم».

وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديارد كيبلنغ على أن القراءة بحد ذاتها ليست برهاناً قاطعاً على صلاح نفس القارئ أو فسادها، بل إن الأمر يعتمد على حسن اختياره للكتب التي يقرأها. فإذا أقبل المرء على القراءة بعقل متوقد وذهن حي، فقد يمكن له، ولو بحدود معينة، أن يكون وريثاً للعظماء، وموصولاً بهم برباط خفي. والرجل الفطن عند الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب، هو الذي يعرف النماذج الرفيعة في عالم الكتب، لأن تلك النماذج وحدها هي التي تعينه على فهم مغزى العالم.

دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي

ولا يبتعد الكاتب الألماني هيرمن هسّه كثيراً عن المنظور الذي حدده شوبنهاور للقراءة، معتبراً أن على المرء ألا يلهث وراء المطالعة، كما يلهث طالب اللقب وراء رتبة الأستاذية، أو كمريض ساذج يدخل صيدلية، فيعمد بهدف البحث عن دواء ناجع، إلى تجرع كل ما تضمه من الأدوية والعقاقير. لا بل إننا لا نملك سوى الشعور بالدهشة، إزاء اعتبار هسّه بأن البشر في عصره يفرطون في الإقبال على المطالعة، ويولونها أكثر مما ينبغي لهم من الاهتمام، أو إزاء قوله بأن الإفراط في القراءة لا يكرم الأدب بل يسيء إليه. إلا أن دهشتنا تلك، سرعان ما تلبس لبوساً مختلفاً حين نقرأ لصاحب «سدهارتا» أبياته التي يخاطب بها القارئ على نحو مؤثر:

إن كتب العالم كلها لن تجلب لك السعادة

لكنها ستعلّمك سرّ الرجوع إلى نفسك

فنفسك وعاءٌ لكل ما تحتاج

نفسك وعاء الشمس والنجوم والقمر

والنور الذي تلتمسه يسكن بين ضلوعك

والحكمة التي تبتغيها في رفوف المكتبات

تشرق أنوارها من طيات كل صفحة

لأنها نورك أنت


ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
TT

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه المجموعة تعددية الأساليب والأطرزة التي نهل منها الفن الأموي وأعاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقاً لتقاليد محلية نمت في المدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت موانئ كبيرة في قلب وادي الشام. تتجلّى هذه التعدّدية في ثلاثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بين أطلال هذا الموقع في ثلاثينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم الآثار دانيال شلومبرجير.

كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية المهشمّة المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تمّ جمعها وتصنيفها بتأنّ على مدى سنوات من الجهد المتواصل. تبيّن أن جزءاً من هذه القطع يعود في الأصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعادة تشكيلها، ومن ثمّ نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الخمسينات. في المقابل، يعود جزء آخر من هذه القطع إلى واجهة داخلية خاصة بهذا القصر، وتحديد الموقع الأصلي لهذه القطع المبعثرة ليس بالأمر السهل، ولا يزال موقع بحث، على ما تُظهر الدراسات العلمية المتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في الأصل على بنى متوازية، جمعت كلّا منها سلسلة متنوّعة من الصور المنحوتة والنقوش الزخرفية. في هذا السياق، تبرز ثلاث قطع شكّلت في الأصل حللاً من سلسلة متراصة، واللافت أن هذه القطع تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين.

تمثّل إحدى هذه القطع طفلا عارياً، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من الجص يبلغ طولها 50 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً، وسمكاتها 15 سنتيمتراً. يتميّز هذا المجسّم بطابعه الروماني الكلاسيكي، ويظهر هذا الطابع في نحت مفاصل البدن، وفقاً للبنية التشريحية التي تحاكي المثال الواقعي الحي. تتبنى هذه المنحوتة أسلوباً تقليدياً شائعاً، غير أن هذا الأسلوب يغيب بشكل كبير عن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهداً مميّزاً في هذا الإطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو الأسفل، مادّاً ساقه اليمنى نحو الأمام، مثنياً ساقه اليسرى في الاتجاه المعاكس، في حركة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت على النحت في التقليد السوري المحلّي، كما يشهد ميراث تدمر الاستثنائي بثرائه الكبير.

الذراعان ملتصقتان بالصدر، والجزء الأسفل منهما ضائع للأسف، وكذلك القدمان. الرأس وصل كاملاً بشكل مستقل، وتمّ وصله بالبدن كما يبدو، وملامحه جلية، وتعكس حرفة عالية في النحت والتجسيم. الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر، جاءت خصلها على شكل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقاً لطراز يغلب عليه الطابع الشرقي. ملامح الوجه كلاسيكية، وتتمثّل بعينين نصف مغمضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الخدّان مكتنزان، والعنق عريضة، قائمة على كتفين عريضتين، تحدان صدراً مصقولاً ببراعة، ظهر مفصلاه الناتئان، مع شق في الوسط.

صيغ هذا الطفل وفقاً لنموذج تقليدي يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «بوتو»، وهذا التعبير لاتيني، ومعناه طفل مذكر، أي صبي. حلّ هذا النموذج بشكل واسع في العالم اليوناني، ثم انتقل إلى العالم الروماني، ومنه إلى الفن المسيحي الناشئ، واتخذ أشكالاً عدة، منها الطفل الكرّام والطفل الصيّاد، وبدا أشبه بملاك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد في عصر النهضة الذي شكّل ولادة جديدة للفن الكلاسيكي التقليدي. في ميدان الفنون الأموية، يحضر هذا الطفل تشكيلياً في العديد من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، ويحضر منحوتاً بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي.

تقابل هذه القطعة منحوتة مغايرة صيغت في تقنية مماثلة، وقوامها قطعة طولها 57 سنتيمتراً، وعرضها 27 سنتيمتراً، وسماكتها 14 سنتيمتراً. تمثّل هذه المنحوتة شيخا ملتحياً، يقف حانياً رأسه في اتجاه اليمين، رافعاً ذراعيه في اتجاه اليسار. وصل هذا المجسّم بشكل شبه كامل، غير أنه فقد يديه وقدميه للأسف. يحضر البدن في وضعية المواجهة، ويحضر الرأس في وضعية نصف جانبية. تخرج بنية هذه القامة عن الطراز الكلاسيكي، وتتبنّى طرازاً محلياً يتخلّى عن التشريح الواقعي. تبدو كتلة الرأس ضخمة قياساً إلى حجم البدن القصير، وفقاً لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير.

في المقابل، تخرج هذه المنحوتة عن طابع الحركة الساكنة التي كرّسها هذا الميراث، وتتميّز بحركتها الحية. صياغة الوجه تدمرية، وتظهر في تجسيم ملامح الوجه، كما في صياغة خصل الشعر الذي يعلو الرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب العنق. يرتدي هذا الشيخ معطفاً طويلاً يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حول الخاصرة. تعلو هذه العباءة شبكة من الثنايا الأفقية المقوّسة، مع شقين عموديين في الوسط، ينسدلان من وسط الحزام، إلى طرف الثوب الأسفل.

نقع على قطعة ثالثة ضاع الجزء الأعلى منها عند نقلها، غير أن الصورة التوثيقية التي تعود إلى زمن اكتشافها حفظت صورته. يبلغ طول ما بقي من هذا المجسّم 22 سنتيمتراً، وعرضه كذلك 22 سنتيمتراً، وسماكته 13 سنتيمتراً. يأخذ اللباس شكل ثوب فضفاض تزيّنه شبكة من الثنايا المتوازية، مع حزام عريض في الوسط، ينسدل منه شريطان عموديان متوازنان.

تكشف الصورة التوثيقية عن شيخ ملتحٍ يرفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى، ويحني ذراعه اليسرى نحو الأسفل، في حركة توازي حركة الساقين. مرة أخرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم الأسلوب التدمري الخاص بالنقش، ويظهر هذا الأسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثنايا الثوب الذي يغطي البدن ويحجب مفاصله.


«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية
TT

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة من القتل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أناهيتا وگَميفان»، و«متحف الدم». وتلتقي هذه النصوص حول الإنسان وهو يعبر الخراب، ويقاوم النسيان، ويتمسك بحكايته في مواجهة القهر والحرب والمنفى، مع حضور واضح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة بالإيقاع والدلالة.

وتقود المسرحية الأولى «قبر أمي» القارئ إلى رحلة أب وابنه بحثاً عن قبر الأم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهةً مع الذاكرة، والخوف، والحقيقة، ومعنى الانتماء. يحمل الاثنان تابوتاً فارغاً يثقل بالأسئلة، ويعبران طرقاً تحاصرها الحدود والألغام، فتغدو الرحلة نفسها استعارة عن شعب يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب.

ويمنح هلكت إدريس عابد الرمز مساحة واسعة في بناء عالمه المسرحي. مدينة كاملة تقرع الطبول للزعيم، وضجيج يطغى على الحقيقة، وسلطة تعيد تشكيل البشر وفق إيقاعها، حتى يصبح التفكير مخاطرة، والاعتراض تهمة، والذاكرة فعلاً يقاوم المحو. وتكشف هذه المشاهد عن رؤية نقدية عميقة لآليات الاستبداد، من خلال صور مسرحية مكثفة تجمع السخرية بالمأساة، وتستند إلى حوار نابض بالحياة.

وتعبر المسرحيات مجتمعة نحو أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوطن، وجدوى البطولة، وحدود الأخلاق، وقيمة الحرية، وعلاقة الفرد بالجماعة. وتتحول الشخصيات أصواتاً تحمل تجارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها الإنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة.

ويأتي صدور «أناهيتا وگَميفان» امتداداً لمشروع «منشورات رامينا» في نقل الأدب الكردي إلى العربية، وإغناء المكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتاً أدبية معاصرة، وتفتح باباً جديداً أمام القارئ للتعرف إلى تجارب مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع الوسط، وكانت لوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.

ويعدّ إدريس عابد من الأسماء الأدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة المسرحية والسردية، وقد صدرت له ستة أعمال مطبوعة، من بينها: «Xewnek ji Dervey Bazney - حلم من خارج الدائرة» الصادر عام 2011 عن «اتحاد أدباء دهوك»، و«Anahîta û Gemîvan - أناهيتا و گمیڤان» الصادر عام 2013 عن «مديرية الطباعة والنشر» في دهوك، و«ماذا قال أرسطو» الصادر عام 2016 عن «نقابة الفنانين» – فرع دهوك، و«قبر أمي» الصادر عام 2021 عن «دار پالو للنشر»، إلى جانب طبعة جديدة من «أناهيتا و گمیڤان» صدرت عام 2024 عن «مطبعة آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب «Dastana Kurdistanê - ملحمة کردستان» الصادر سنة 2024 عن رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان.

وقد حصد أربع مرات جائزة أفضل كاتب مسرحي؛ إذ نالها عام 2010 في دهوك عن مسرحية «المطر»، وفي عام 2011 في السليمانية عن مسرحية «حلم من خارج الدائرة»، كما فاز بها سنة 2019 في أربيل عن المونودراما «Sureya - ثريا»، ونالها مجدداً عام 2024 عن مسرحية «Dadgeha Şahmîranê - محكمة شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران.