اشتعال الحرب الإعلامية بين موسكو وكييف

الكرملين يعد بعدم الرد بالمثل بحق الصحافيين الأوكرانيين >حكاية اعتقال صحافية روسية اسمها «ساشا»

ألكسندرا تشيربنينا إعلامية القناة بالتلفزيون الروسي ({الشرق الأوسط})
ألكسندرا تشيربنينا إعلامية القناة بالتلفزيون الروسي ({الشرق الأوسط})
TT

اشتعال الحرب الإعلامية بين موسكو وكييف

ألكسندرا تشيربنينا إعلامية القناة بالتلفزيون الروسي ({الشرق الأوسط})
ألكسندرا تشيربنينا إعلامية القناة بالتلفزيون الروسي ({الشرق الأوسط})

ألكسندرا تشيربنينا، أو ساشا كما يحلو لزملائها ورؤسائها أن ينادوها، شابة في مقتبل العمر، حباها الله قسطا وافرا من الرقة والجمال، لم يشفع لها أمام مواجهة أهوال «مهنة المتاعب».
كانت ألكسندرا مع بعض زملائها من القناة الأولى للتلفزيون الروسي وصلت إلى كييف في مهمة تستهدف إماطة اللثام عما تحاول السلطات الرسمية الأوكرانية تقديمه إلى مواطنيها والعالم الخارجي من معلومات ترى موسكو أنها تتضمن أكبر قدر من التضليل الإعلامي يجري تقديمه في قالب مغاير للحقيقة في أعقاب اندلاع ما يعرف في العالم اليوم باسم «الأزمة الأوكرانية». ولما كانت الأحداث، ولا تزال، تتواصل سريعة حادة، حافلة بالتناقضات والمتغيرات في الكثير من جوانبها، فقد كان لا بد للمراسلة الشابة أن تجد ما يساعدها على فض مكنون ما يجري في أوكرانيا، بعيدا عن «الأخبار الجامدة» و«البيانات الرسمية» التي سئم متابعتها الملايين من المشاهدين. ولذا فقد اختارت ألكسندرا «الموضوعات الاجتماعية» و«التحقيقات الصحافية» التي سرعان ما أثارت الكثير من الجدل أحيانا، والسخط والإدانة أحيانا أخرى، حتى جاء اليوم الموعود.
لم تكن ابتعدت خطوات معدودات عن باب شقتها التي استأجرتها في أحد المساكن في أطراف العاصمة الأوكرانية حتى تقدم إليها «بصاصَان» في زي مدني يطلبان مرافقتها في هدوء ودون إثارة ضجة غير محمودة. أفهماها أنهما موظفان في جهاز الأمن الوطني الأوكراني. لم ينتظرا ردها أو موافقتها، ليزجا بها إلى سيارة كانت تقف على مقربة وجدت بها اثنين آخرين يبدوان على ذات هيئة زميليهما السابقين.
كانت ساشا على موعد مع زميلها المصور التلفزيوني لاستئناف ما سبق وبدآه من تصوير ونشاط صحافي، لإعداد تقريرهما الدوري الذي كانت القناة الأولى في انتظاره كعادتها كل يوم منذ بداية المأمورية. انتظرها طويلا. أثار قلقه عدم ردها على مكالماته التليفونية. وانتقل القلق تباعا إلى زملائهما في موسكو. تزايد القلق مع مُضِي الوقت، فيما تسللت المخاوف على حياتها على ضوء ما سبق ولقيه الكثيرون من زملائها ممن تعرضوا للاختطاف والتعذيب - بل وهناك منهم من لقي حتفه في ظروف غامضة لم يجر الكشف عن تفاصيلها حتى اليوم.
وراح القلق يصيب متابعيها، فيما راحت الساعات تمضي تِباعًا دون نتيجة تذكر. وقد اعترفت رئاستها فيما بعد بأنها لم تكن تريد أن تدق نواقيس الخطر في حينه، وتستبق الأحداث بالإعلان عن اختفاء ساشا، خشية أن يكون في ذلك ما يثير خاطفيها، ويدفعهم إلى اتخاذ ما لا تحمد عقباه. وتظل النفوس مشحونة، تساورها مختلف الظنون حول احتمالات ما كان يمكن أن تواجهه الصحافية الشابة في مدينة لا يزال فيها الغموض القاسم المشترك لمعظم ما تموج به من أحداث، حتى حانت لحظة «النهاية السعيدة». دق جرس الهاتف ليفجر جدران الصمت في أروقة وردهات القناة الأولى للتلفزيون الروسي. ساشا تتحدث. اكتفت بإعلان أنها في سبيلها إلى كابينة الطائرة المتجهة من كييف إلى موسكو. كلمات معدودة لم تكن لتشفي غليل المسؤولين أو فضول المتابعين من الزملاء والأصدقاء.
وانتظر الجمع في موسكو وصول ساشا بما تحمله من أنباء أرادت القناة أن تعلنها مراسلتها الشابة على الهواء مباشرة بمجرد أن تطأ قدماها أرض مطار «فنوكوفو» في العاصمة الروسية. قالت ساشا إنها لم تكن تدري سبيلا للخروج من ورطتها حين داهمها رجلا الأمن الأوكرانيان. لم يدعا لها فرصة الاتصال بذويها أو زملائها. طلبا منها الصعود ثانية وفي هدوء دون أي محاولة للفت الأنظار، إلى شقتها لتفتيشها ثم جمع متعلقاتها الشخصية. طلبا تسليمهما «الهاتف الجوال» وجواز سفرها، والامتثال لكل ما يطلبانه منها حفاظا على سلامتها! وفي السيارة جلست ساشا محاطة برجلي الأمن على المقعد الخلفي، لينطلق الجمع إلى مبنى جهاز الأمن الوطني الأوكراني.
وهناك بدأت جلسات التحقيق. توالت الأسئلة والاستفسارات طويلة ثقيلة حول أسباب وجودها في كييف، وحول أبعاد مهمتها الصحافية، وحول كل من وردت أسماؤهم أو صورهم في تحقيقاتها الصحافية. وقالت ساشا إن المحققين كانوا حريصين أكثر على تبيان ملابسات إعداد وبث موضوعها الأخير الذي يبدو أنه أقام الدنيا ولم يقعدها بعد. وكان الموضوع يتعلق بمحاولات السلطات الأوكرانية الترويج للأفكار المتطرفة من خلال تمجيد الرموز الأوكرانية التي طالما فضحت الدعاية السوفياتية تطرفها وموالاتها للقوات النازية إبان سنوات الاحتلال الهتلري لأوكرانيا إبان سنوات الحرب العالمية الثانية. وكان التحقيق الأخير الذي أذاعته القناة الأولى يتضمن بالصوت والصورة حكاية بطلتها طفلة لا تتعدى السابعة من العمر وهي تلوح بخنجر مهددة بقتل كل الموسكوفيين، على خلفية شعار الصليب المعقوف!
وتتوالى الأسئلة حادة.. لئيمة.. ماكرة.. مداهنة.. مسالمة.. ليعقبها القرار الذي سمح لساشا بالعودة إلى الوطن.. لكن شريطة ألا تعود إلى أوكرانيا قبل ثلاث سنوات، وهي المدة التي تقررت للعقاب، غير أن القرار لم يكن مكتوبا. ولم يكن أيضا ممهورا بخاتم أو توقيع أو صادرا عن محكمة أو هيئة قضائية. وذلك ما تستند إليه اليوم السلطات الروسية في احتجاجاتها وإدانتها.
فما إن عادت ساشا إلى أرض الوطن حتى انطلقت الأصوات بالشجب والإدانة على وقع تكرار إذاعة الكثير من التحقيقات المصورة التي استطاعت المراسلة الفاتنة إعدادها طوال فترة عملها في العاصمة الأوكرانية.
أثار الحادث ضجة واسعة النطاق في الأوساط السياسية والإعلامية الروسية، وردود فعل تباينت بحكم تباين الموقع والمصدر، ولا سيما أنه جاء في أعقاب قيام السلطات الأوكرانية في وقت سابق من العام الماضي بطرد 88 من الصحافيين الروس العاملين في أوكرانيا. سارعت موسكو بإعلان إدانتها لمثل هذه الأساليب التي قالت بأنها تتنافى مع المواثيق الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي وغيرهما من المنظمات الدولية. أصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانا أعلنت فيه احتجاجها الحاسم ضد مثل هذه الممارسات وطالبت بتفسير لما حدث بشأن ملابسات طرد مراسلة التلفزيون الروسي، ولما سبق وتعرض له كثيرون من زملائها سواء في العاصمة كييف أو في مناطق النزاع في جنوب شرقي البلاد. وقال سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية في معرض تعليقه على هذا الشأن باستحالة تبرير مثل هذه التصرفات، مشيرا إلى الكثير من الحالات التي لقي فيها الكثير من الصحافيين حتفهم لدى محاولتهم إطلاع العالم على حقائق ما يجري في المناطق الساخنة في جنوب شرقي أوكرانيا.
وفي معرض الإدانة الشمولية لتصرفات السلطات الأوكرانية راح الكثيرون يقلبون في دفاتر الماضي.. القريب منه والبعيد، يفتحون الملفات وينبشون في الذكريات بحثا عن وقائع قديمة وأسماء أبطال هذه الوقائع والحكايات ممن راحوا ضحية تعسف أجهزة الأمن الأوكرانية التي كانت انقلبت بدورها على كل ما له علاقة بالماضي المشترك إبان سنوات العيش تحت سقف الاتحاد السوفياتي السابق.
وكان ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين أعلن من جانبه عن عدم مشروعية طرد الصحافية الروسية، مشيرا إلى أن أوكرانيا أصبحت اليوم من أكثر المناطق خطورة على حياة الصحافيين. وفيما دعا الصحافيين الروس إلى توخي الحذر خلال عملهم داخل الأراضي الأوكرانية، قال بيسكوف إن السلطات الروسية لن تلجأ إلى اتخاذ أي إجراءات مماثلة بحق الصحافيين الأوكرانيين العاملين في روسيا ردا على الإجراءات التي اتخذتها السلطات الأوكرانية بحق زملائهم الروس.



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.