ناظم عيسى: ألم يَحنْ وقت الخروج من عباءة الأب المثالي؟

الممثل اللبناني قال لـ «الشرق الأوسط» إنه يستطيع تسلّم البطولة

ناظم عيسى وابنه النجم طوني عيسى (الشرق الأوسط)
ناظم عيسى وابنه النجم طوني عيسى (الشرق الأوسط)
TT

ناظم عيسى: ألم يَحنْ وقت الخروج من عباءة الأب المثالي؟

ناظم عيسى وابنه النجم طوني عيسى (الشرق الأوسط)
ناظم عيسى وابنه النجم طوني عيسى (الشرق الأوسط)

يملك الممثل اللبناني ناظم عيسى من النضج ما يكفي ليعلن الحقيقة: «دور (أبو علي) في أجزاء (الهيبة) وفيلمه، هو الوحيد الذي علَّم». «عتيق» في المهنة، منذ ضحكات إبراهيم مرعشلي على «تلفزيون لبنان» ومسلسل «بو بليق». لكن ما لم تتحه الدراما اللبنانية، وسّعت الدراما المشتركة آفاقه، أي الشهرة والانتشار. حديثه صريح مع «الشرق الأوسط»، يحطّ في سياقه الاستغراب والعتب.
اختصاره الحال يصبّ في شقّين يلتقيان على عتبة واحدة: «هذا زمن اللاوفاء، لذلك أحبَّ الجمهور شخصية (أبو علي) الشهم». وبـ«اللاوفاء» يُلمّح أيضاً إلى إجحاف ضمن المهنة يطاله، وفي أقل تقدير يحصره بقالب أدوار متشابه لا يقوى على التحليق خارج الصندوق. برأيه، «يستحيل الكذب على المُشاهد، والأدوار المكتوبة بصدق، إنْ أداها الممثل بصدقٍ موازٍ، سيملأ مقعده في القلوب».

الممثل اللبناني ناظم عيسى بشخصية «أبو علي» في «الهيبة» (الشرق الأوسط)

يحاول إخفاء الحزن وراء نبرة واثقة، فتنجلي في سياق الحديث أطرافه. يتأسف على عجز الدراما اللبنانية عن إيفائه حقه، لتعوّضه الدراما المشتركة السمعة: «لم نحافظ على وهجها (الدراما اللبنانية) كما ينبغي، فتعطينا ونعطيها. لا أدري تماماً جوهر العلّة»، يجيب عمّا يقف وراء ضآلة انتشاره في مسلسلات لبنان، علماً بأنه تمكن من أدوار مختلفة. أهو التسويق؟ العلاقات؟ الحظ؟ يطرد الكرة من ملعبه، ويكتفي: «الحضور التمثيلي السوري أو المصري أكثر إدراكاً لشروط اللعبة».
ككونه أباً في الحياة، يمارس الأبوة في الدراما. اعتاده منتجون فيما يألفه: أب حنون، عاطفي، يصون مكانة العائلة. «هنا، أقدّم الدور من دون تعب. كأنني في منزلي»، يقول قبل النفخ على أمنية: «ليت العمل ضمن غير شخصيات يصبح وارداً. قلتُ الكثير عن الأب الآدمي، ألم يحن الوقت للانطلاق بما هو مختلف؟».
في «حرب الورود» المُرتقب عرضه في الفترة المقبلة، ناظم عيسى أيضاً أب. رحيل زوجته يحمّله مسؤولية بناته الأربع؛ خفقانهن وخيباتهن، صراعاتهن والصِّدام؛ بينهن بطلة المسلسل المنقول عن الأتراك، ستيفاني عطا الله. تشكل وانجو ريحان، ولين غرة، وجوان زيبق، وردات حياته. أيُظلم الممثل حين يرى فيه أصحاب القرار جانباً من الجوانب؟ فقط لا غير؟ أليس هو كل الشخصيات؟ بخيرها وشرّها، بسطحها وطبقاتها الداخلية؟ «أستطيع أن أكون كل هذا، لو سُمح لي. أودّ ألا أبقى طوال الوقت الأب المثالي. أن أكون طبيباً أو شريراً»، يضيف إلى سجل الأمنيات.
لا تَحول مشاركته في مسلسل تركي الأصل دون اعتباره هذه الموضة محطّ نقص في الأفكار وإبداعات الكتّاب. بصراحة يكمل: «لِمَ استنساخ المسلسلات التركية؟ أين كتّابنا؟ هذا لا يُعد غنى على الإطلاق».
صوَّر مسلسل «الغريب» من بطولة بسام كوسا وإخراج صوفي بطرس. دراما مشتركة، لبنانية - سورية. ويطل ضيف شرف في الجزء الثاني من «صالون زهرة» (يُعرض حالياً على «شاهد»)، بدور الأب الطيب، لكن الزوج المُصادرة كلمته تبتلعه زوجته ولا تُبقى منه همسة. تنتظر السياق للتأكد ما إذا كانت ثمة إضافة تحرّك الشخصية.
ما يُلحقه بنفسه، يجعله يشمل مُكرّستَيْن بصورة الأم في الدراما اللبنانية: رندا كعدي وختام اللحام. «أعطوهما غير أدوار!»، يدعو نيابةً عنهما وعنه. عتبه في تحميل مَن يؤدي دور المحامي، أدوار المحاماة في كل مسلسل. ومَن يؤدي دور الطبيب، الرداء الأبيض والملامح الباردة؛ «لكن ماذا يُقال في المعمعمة؟»، يتساءل، وهي اختلاط ما يصح مع ما يُفترض تصحيحه.
ذلك يقود إلى ردّ صريح آخر على سؤال، هل نلتَ ما انتظرته من المهنة؟: «لم أطلب منها شيئاً لأحصل عليه. طلبي أرفعه إلى المنتجين والمخرجين. ناظم عيسى يستطيع أن يكون بطل مسلسل بكل ما تعنيه الكلمة. أعطونا فرصة، وحين يُلمح تقصير، فليكن الأمر واضحاً (يا أخي، أنتَ لستَ أهلاً). لكن غضّ النظر يؤلم».
من وحي ما يضرب الكوكب، يختار من مفردات اليوم كلمة «فيروس» لوصف التورّط: «التمثيل أشبه بفيروس في الدم، يسري وينتشر. أقول أحياناً إنه ينبغي التوقف عن كل هذا. خلاص، تعبت. وحين أفلّش الورق بين يدي وأقرأ عن الشخصية، أشعر بضخّ الطاقة. المهنة حالة مَرضية لا نقوى على مغادرتها».
ولعله «نقل» العدوى إلى ابنه الممثل طوني عيسى، فيستوقف ليصحح: «التمثيل لا يُعلَّم. إما أن تكون ممثلاً وإما لا. قد يُصقل بدراسات وورش عمل، ويراكم، ككل المهن، خبرة السنوات. لكنه لا يُورّث. الكاميرا قد تحبّ وجهاً فتقوده إلى كنبة مريحة داخل المنازل، وقد ترفضه فتطرده على الفور».
نصح الابنَ بالتخصص فيما يُطعم خبزاً ويضمن مستقبلاً: «كل شيء عدا التمثيل»، مهنة الفقراء، فأذعن. بعد تخرّجه في إدارة الفنادق، كرّر ناظم الأب اصطحابه معه إلى مواقع التصوير. أسداه أدواراً بكونه مدير الإنتاج آنذاك، فيروي: «حينها، ذُهل المخرج. راح يقول لي (أين كان طوني من قبل؟ لِمَ تُبقه بعيداً عن الضوء؟). اليوم، طوني عيسى فنان لبناني جدير بالمكانة التي حجزها. أقولها على الملأ: هو نجم صفّ أول وينبغي أن تُحسب له كل الحسابات».



عشرات القتلى في معارك بين «بوكو حرام» و«داعش» في نيجيريا

 صور لدراجات نارية محترقة في غوياكو في شمال شرقي نيجيريا يوم 27 أبريل 2026 عقب هجوم شنه مسلحون من تنظيم «داعش» (أ.ب)
صور لدراجات نارية محترقة في غوياكو في شمال شرقي نيجيريا يوم 27 أبريل 2026 عقب هجوم شنه مسلحون من تنظيم «داعش» (أ.ب)
TT

عشرات القتلى في معارك بين «بوكو حرام» و«داعش» في نيجيريا

 صور لدراجات نارية محترقة في غوياكو في شمال شرقي نيجيريا يوم 27 أبريل 2026 عقب هجوم شنه مسلحون من تنظيم «داعش» (أ.ب)
صور لدراجات نارية محترقة في غوياكو في شمال شرقي نيجيريا يوم 27 أبريل 2026 عقب هجوم شنه مسلحون من تنظيم «داعش» (أ.ب)

أفادت تقارير محلية بأن مواجهات عنيفة اندلعت ما بين مقاتلين من جماعة «بوكو حرام» المحسوبة على تنظيم «القاعدة»، وآخرين من تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، في إطار صراع التنظيمين الإرهابيين على النفوذ في منطقة حوض بحيرة تشاد، أقصى شمال شرقي نيجيريا.

وأشارت التقارير التي نُشرت، السبت، وأكدتها مصادر أمنية، إلى أن المواجهات اندلعت في غابة سامبيسا، في ولاية برنو النيجيرية، وأسفرت عن مقتل مئات العناصر، بينما لم تصدر أي تصريحات رسمية لهذه الحصيلة. وقالت مصادر أمنية نيجيرية إن «اشتباكات عنيفة تجددت ما بين (بوكو حرام) و(داعش)، في عمق غابة سامبيسا والمناطق المحيطة بها في ولاية برنو»، وهي المنطقة الأكثر تضرراً من الإرهاب في نيجيريا منذ 2009. وبحسب المصادر نفسها، فإن السلطات حصلت على محادثات هاتفية بين عناصر إرهابية تؤكد وقوع هذه الاشتباكات، لكنها تكشف في الوقت نفسه تضارباً في الروايات حول ما جرى بالضبط، وحصيلة خسائر الطرفين المتصارعين منذ سنوات على النفوذ في المنطقة. وأضافت المصادر أن محادثة ما بين مقاتل من جماعة «بوكو حرام»، يُدعى أبو موسى، يُعتقد أنه يعمل ضمن محور سامبيسا، وهناك شريك له يحمل اسم يا كازالا، حيث أكد المتحدثان أن الاشتباكات وقعت، الخميس الماضي. ونشرت التقارير فحوى المحادثة بين الرجلين، حيث كانا يتكلمان عن معلومات تفيد بأن جماعة «بوكو حرام» تعرضت لهزيمة كبيرة على يد «داعش»، يبدو أنها معلومة رائجة في المنطقة، وطلب من كازالا أن يبحث عن حقيقة ما جرى على الأرض، لكن موسى خلال الحديث مع شريكه نفى رواية انتصار «داعش»، وأكد أن «بوكو حرام» هي التي ألحقت خسائر فادحة بتنظيم «داعش». وقال موسى في روايته، التي يبدو أنها هي رواية «بوكو حرام» إن نحو 100 مقاتل من «داعش» لقوا حتفهم خلال الاشتباكات التي وقعت في غابة سامبيسا، ونحو 7 آخرين قُتلوا في اشتباكات وقعت في غابات في «مولاي» التابعة لمنطقة «كوندوغا» المحلية. وشدد على أن خسائر «بوكو حرام» كانت طفيفة جداً، حيث لم يُقتل لها سوى شخص واحد فقط يُدعى «منذر» من منطقة غامارغو، لكن من الصعب التأكد من هذه المعلومات بسبب صعوبة الوصول إلى منطقة الاشتباكات، وتباين الروايات التي تصدر عادة عن التنظيمين.

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات عسكرية جاهزة للانتشار خلال جولة قام بها رئيس أركان الجيش في مدينة مايدوغوري بولاية بورنو شمال شرقي نيجيريا في نوفمبر 2025 (رويترز)

«اضطرابات على مستوى القيادة»

قال زاغازولا مكاما، وهو خبير أمني مختص في منطقة حوض بحيرة تشاد، وله مصادر موثوق بها من داخل الجيش والاستخبارات في نيجيريا، في تغريدة على منصة «إكس»: «مثل هذه الاشتباكات الداخلية، رغم صعوبة تأكيدها بشكل مستقل، غالباً ما تؤدي إلى وقوع إصابات كبيرة واضطرابات في هياكل القيادة لدى الجانبين». ورغم ذلك، تكشف المعلومات عودة الصراع المسلح بين التنظيمين، وذلك بعد أسابيع من التهدئة والانشغال بالحرب على الجيش النيجيري، حيث أصبح التنظيمان مؤخراً أكثر جرأة في استهداف الجيش والشرطة. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن «غابة سامبيسا والممرات المتاخمة لها، بالإضافة إلى منطقة بحيرة تشاد، ظلت لمدة طويلة معاقل استراتيجية للجماعات الإرهابية المتمردة؛ ما جعلها مسارح رئيسية لكل الصراعات البينية والعمليات العسكرية المستمرة». إضافة إلى ذلك، تتواصل الهجمات الإرهابية في مناطق مختلفة من نيجيريا، بل إنها وصلت إلى مناطق كانت تصنَّف خارج دائرة نفوذ الجماعات المسلحة، حيث شن إرهابيون هجوماً جديداً استهدف قرية «تنيبو» التابعة لولاية كوارا، غرب نيجيريا؛ ما أسفر عن مقتل 3 عناصر من الشرطة. وتكررت الهجمات مؤخراً في هذه الولاية البعيدة من مناطق الإرهاب في الشمال؛ حيث إن الهجوم الذي ضرب القرية، السبت، يأتي بعد أقل من أسبوعين على مقتل 3 جنود في المنطقة نفسها، إثر اشتباكات مسلحة استمرت أكثر من ساعتين. وقالت صحيفة «ذا غارديان» النيجيرية، إن «الهجوم الأخير وقع، فجر السبت، وأثار حالة من الذعر في قرية تنيبو والمناطق المجاورة، حيث بدأ السكان في النزوح من منازلهم نحو مناطق أكثر أماناً»، ونقلت الصحيفة عن شهود عيان أن «الإرهابيين كمنوا في الغابات الكثيفة، ليلة الجمعة حتى ما بعد منتصف الليل، حيث هاجموا النقطة الأمنية، وأطلقوا النار على ضباط الشرطة الثلاثة فأردوهم قتلى».

«أهداف سهلة»

وبحسب المصادر نفسها، فإن منفذي الهجوم «باغتوا النقطة الأمنية، ثم فروا عائدين إلى الأحراش»، وأضاف أحد المصادر: «يبدو أن الضباط أصبحوا مؤخراً أهدافاً رئيسية وسهلة لدى الإرهابيين، حيث يتراجعون دائماً إلى الغابات الكثيفة بعد تنفيذ عملياتهم». وطلب السكان المحليون من السلطات النيجيرية «تمشيط وإخلاء الغابات الكثيفة والسماح للسكان بالزراعة فيها بدلاً من تركها ملاذاً للإرهابيين»، وقال أحد السكان: «الغابات التي يختبئون فيها تبعد كيلومتراً واحداً فقط عن التجمع السكني؛ ما يسهل عليهم الخروج ومهاجمة الأمن ثم العودة. لا يمكن للحكومة أن تكتفي بالمشاهدة بينما يذبحُ الجنود ورجال الشرطة كالدجاج». من جانبه، أعرب رئيس منطقة «كاياما» المحلية، الحاج أبو بكر دانلادي، عن أسفه للهجوم الإرهابي، وقال إن «الإدارة المحلية تبذل قصارى جهدها، وتعمل على خلق تعاون وتنسيق مع حكومة الولاية والحكومة الفيدرالية لوقف مثل هذه الهجمات المؤسفة». وخلص إلى التأكيد على أن مواجهة الإرهاب «لا يمكننا القيام به وحدنا»، وفق تعبيره.


حاكم مصرف لبنان: 90 % من المودعين أولوية... والاتفاق مع صندوق النقد «المسار الأخير»

حاكم «المركزي» اللبناني كريم سعيد (أ.ب)
حاكم «المركزي» اللبناني كريم سعيد (أ.ب)
TT

حاكم مصرف لبنان: 90 % من المودعين أولوية... والاتفاق مع صندوق النقد «المسار الأخير»

حاكم «المركزي» اللبناني كريم سعيد (أ.ب)
حاكم «المركزي» اللبناني كريم سعيد (أ.ب)

شدد حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، على أن خطة الإنقاذ المقترحة تضع 90 في المائة من المودعين كأولوية قصوى؛ كونه إجراءً عقلانياً واجتماعياً، مؤكداً في الوقت ذاته أن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي يمثل «المسار الأخير ذا المصداقية» لتأمين تعافي البلاد. وحذر من أن الأزمة تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً، وإلا فإن البديل هو مواجهة واقع أكثر زعزعة بكثير.

ورفض سعيد في مقال بصحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية حمل عنوان «لبنان يحتاج إلى المساعدة لضمان تعافيه الاقتصادي»، ورسم فيه خريطة طريق واضحة للتعافي الاقتصادي اللبناني، وصْف الأزمة اللبنانية بـ«المعقدة»، معتبراً أنها نتيجة متوقعة لثلاثة عوامل رئيسية: غياب الانضباط المالي من قبل الحكومات المتعاقبة، وسوء الإدارة النقدية من جانب البنك المركزي سابقاً، وسوء تخصيص مدخرات القطاع الخاص من قبل المصارف. ورغم هذا التشخيص، أكد سعيد أن التعديلات السياسية الأخيرة بدأت تضع البلاد على الطريق الصحيح، خاصة مع تحسن التوازنات المالية عبر زيادة جباية الضرائب وتقليص الإنفاق.

إعادة هيكلة المصارف

أوضح سعيد أن إطار إعادة هيكلة القطاع المصرفي المقترح من قبل البنك المركزي يرتكز على «حقيقة أساسية»، وهي ضرورة توزيع الخسائر بين أصحاب المصلحة الرئيسيين: الدولة، والبنك المركزي، والمصارف التجارية، قبل البدء في أي عملية نهوض.

وشدد على أن الأولوية المطلقة هي لصغار المودعين الذين يمثلون نحو 90 في المائة من إجمالي الحسابات، معتبراً ذلك ضرورة اقتصادية واجتماعية.

وحول وضع الجهاز المصرفي، قال سعيد: «لا يمكن إعادة بناء نظام مصرفي على أصول متعثرة ورأسمال غير كافٍ؛ فإما إعادة الرسملة بأسهم جديدة أو تقليص الحجم ليعكس الواقع الاقتصادي».

مخاطر اقتصاد «الكاش» وملاحقة الفساد

حذر سعيد من تزايد الاعتماد على الاقتصاد النقدي، مشيراً إلى أنه يضعف الجباية الضريبية، ويضر بالنمو، ويسهل الأنشطة المالية غير المشروعة. وأكد أن استعادة الثقة في النظام المصرفي الرسمي هي السبيل الوحيدة لعكس هذا الاتجاه.

وفي سياق متصل، قال إن البنك المركزي يدعم حالياً إجراءات قانونية (جنائية ومدنية) داخل لبنان وخارجه ضد مسؤولين سابقين ومديري مصارف تورطوا في «عمليات احتيال نظامية متطورة»، بهدف استعادة الأموال المنهوبة وصون حقوق المودعين.

عقبة الحرب والمفاوضات مع صندوق النقد

تطرق المقال إلى عامل «النزاع المسلح» الذي لا يمكن لأي نموذج اقتصادي استيعابه بسهولة، موضحاً أن الحرب تزيد من عدم اليقين وتؤدي لهروب رؤوس الأموال. ومع ذلك، أبدى سعيد تفاؤلاً بشأن التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، واصفاً إياه بـ«المسار الأخير ذي المصداقية» لتأمين التعافي. وأشار إلى أن لبنان ليس في موقع يسمح له بفرض شروط مضادة، مما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق إيجابية للغاية.

رسالة للمجتمع الدولي

انتقد سعيد اكتفاء الأطراف الدولية بتقديم النصائح والوعود المبدئية دون دعم مالي ملموس، مؤكداً أن الاستقرار يتطلب «تصحيح السياسات والالتزام برأس المال» جنباً إلى جنب.

وختم حاكم مصرف لبنان مقاله بتوجيه رسالة إلى المجتمع الدولي: إما دعم حكومة يقودها الإصلاح الآن، أو تأجيل المساعدة والمخاطرة بواقع أكثر اضطراباً بعد أن تضع الحرب أوزارها، وفي وقت قد تفتقر فيه البلاد إلى القدرة المؤسسية اللازمة لتنفيذ أي إصلاح.


«نثق في سمكة القد»... عندما يصبح المكان بطل فيلم وثائقي

الفيلم سلط الضوء على بلدة صغيرة في شمال النرويج (الشركة المنتجة)
الفيلم سلط الضوء على بلدة صغيرة في شمال النرويج (الشركة المنتجة)
TT

«نثق في سمكة القد»... عندما يصبح المكان بطل فيلم وثائقي

الفيلم سلط الضوء على بلدة صغيرة في شمال النرويج (الشركة المنتجة)
الفيلم سلط الضوء على بلدة صغيرة في شمال النرويج (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية - الفنلندية جورو سانيولا بيرك إن فيلمها الوثائقي «In Cod We Trust» (نثق في سمكة القد) لم يبدأ مشروعاً محدد المعالم، بل كان فكرة تحمل قدراً كبيراً من الحيرة، والرغبة في الوقت نفسه، لأنها أرادت منذ البداية رواية حكاية المكان الذي تنتمي إليه. لكنها لم تكن متأكدة من الشكل الأنسب لذلك.

وأضافت بيرك لـ«الشرق الأوسط» أنها حاولت في المراحل الأولى الاعتماد على شخصيات محددة لتكون محور السرد. غير أن التجربة الممتدة لسنوات طويلة من التصوير كشفت لها أن الأفراد يتغيرون، في حين تظل القرية ثابتة في جوهرها. هذا دفعها إلى إعادة التفكير في البناء الدرامي للفيلم، ليصبح المكان نفسه هو «البطل الحقيقي» الذي يحمل الحكاية.

المخرجة جورو سانيولا بيرك (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن هذا التحول لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة تراكمية لملاحظات وتجارب عايشتها خلال أكثر من 7 سنوات من العمل؛ إذ إن القرية لم تكن مجرد خلفية للأحداث، بل كيان حي يتشكل من الناس والطبيعة والتاريخ.

يدور الفيلم الوثائقي، الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حول قرية بوتسفيورد (Båtsfjord) القطبية النرويجية، إحدى أقصى القرى شمال النرويج. تتشكل الحياة بالكامل حول البحر وصيد الأسماك، لا سيما سمك «القد» الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.

في هذا المكان البعيد والقاسي، يعيش نحو ألفي شخص من جنسيات متعددة، اجتمعوا بحثاً عن فرصة أفضل، ليصنعوا مجتمعاً صغيراً لكنه نابض بالحياة. يرصد الفيلم تفاصيل يومية لسكان القرية، من الصيادين إلى العمال والمهاجرين. كاشفاً كيف تتداخل حكاياتهم داخل مساحة جغرافية معزولة لكنها مفتوحة على العالم عبر البحر.

ومن خلال أسلوب بصري قائم على الملاحظة، يتتبع الفيلم إيقاع الحياة في هذه القرية التي تتأرجح دائماً بين الاستقرار والهشاشة. يرتبط مصيرها بشكل مباشر بوفرة الأسماك أو ندرتها. وبين قسوة الطبيعة القطبية وروح الدعابة التي يتمسك بها السكان، يقدم العمل تأملاً إنسانياً في معنى «الوطن» والانتماء.

المخرجة قدمت فيلماً عن البلدة حيث نشأت (الشركة المنتجة)

تقول جورو سانيولا بيرك إن وجود سكان من خلفيات وجنسيات متعددة منح القرية طابعاً حيوياً. فيلتقي عمال وصيادون من مختلف أنحاء العالم داخل مساحة جغرافية صغيرة لكنها مليئة بالتجارب الإنسانية، موضحة أن هذا التنوع كان عنصراً أساسياً في تشكيل رؤية الفيلم؛ لكونه يعكس فكرة أوسع عن العالم، ويقدم صورة لكيفية أن يكون مجتمع صغير نموذجاً مصغراً للإنسانية بكل تناقضاتها.

وأكدت أن التحدي الأكبر كان في كيفية نقل هذا الإحساس إلى المشاهد، لأن القرية «لا تتحدث» بشكل مباشر. هذا دفعها إلى الاعتماد على مزيج من المشاهد اليومية والأصوات الطبيعية. كما استخدمت مواد أرشيفية جمعتها على مدار سنوات، لتصنع من خلالها صورة متكاملة تنبض بالحياة.

وأشارت بيرك إلى أن الفيلم يمثل ما تسميه «سيمفونية قرية»؛ في إشارة إلى تأثرها بأفلام «سيمفونية المدن» التي تعتمد على تصوير الإيقاع اليومي للحياة. لكنها اختارت أن تنقل هذا المفهوم إلى مساحة أصغر وأكثر حميمية، موضحة أن الصوت كان عنصراً محورياً في هذا البناء. حرصت على التقاط تفاصيل الحياة اليومية بكل ما تحمله من ضجيج وحركة. شملت هذه التفاصيل أصوات الأمواج والرياح، ومحركات القوارب والآلات، وصولاً إلى أصوات الطيور التي تختلف باختلاف الفصول. هذه العناصر خلقت إيقاعاً خاصاً يعكس طبيعة الحياة في هذه المنطقة القاسية. بهذا الشكل، لا يمكن فصل الإنسان عن محيطه الطبيعي، بل يصبح جزءاً منه.

نقل الفيلم جانباً من نمط الحياة في القرية الشمالية (الشركة المنتجة)

وأكدت أن الفيلم لا يكتفي بتقديم صورة بصرية للقرية، بل يسعى إلى طرح تساؤلات أعمق في معنى الانتماء، خصوصاً في بيئة تدفع الإنسان باستمرار إلى اختبار قدرته على البقاء. الحياة في بوتسفيورد ليست سهلة، فهي قائمة على التوازن الدقيق بين الاستمرار والانهيار. مع اعتماد كل شيء تقريباً على الصيد.

وتحدثت بيرك عن اختيارها لأسلوب الملاحظة المباشرة بدلاً من المقابلات التقليدية، مؤكدة أنها أرادت أن يعيش المشاهد التجربة بدلاً من أن يسمع عنها فقط. هذا الأسلوب يمنح العمل قدراً أكبر من الصدق عبر وضع المشاهد داخل تفاصيل الحياة اليومية دون وساطة تفسيرية.

وفي سياق الحديث عن تجربتها الشخصية، أوضحت بيرك أن نشأتها في هذه القرية منحتها ميزة فريدة في فهم تفاصيلها. هذا القرب لم يكن مجرد عنصر مساعد، بل كان شرطاً أساسياً لإنجاز الفيلم. لقد شاهدت التحولات التي مرت بها القرية على مدار سنوات، من فترات ازدهار إلى لحظات تراجع. هذه التجربة منحتها رؤية أعمق لطبيعة الحياة هناك. لكنها بصفتها مخرجة، لم تجعل هذا الارتباط العاطفي بالمكان يمنعها من محاولة تقديم رؤية موضوعية قدر الإمكان. مع ذلك، اعترفت بأن أي فيلم وثائقي يحمل بالضرورة وجهة نظر صانعه.