ظهور «أميرة» كوريا الشمالية يثير الجدل... هل تخلف كيم جونغ أون؟

تُقدر سنها بنحو 12 أو 13 عاماً

كيم وأميرته الصغيرة (د.ب.أ)
كيم وأميرته الصغيرة (د.ب.أ)
TT

ظهور «أميرة» كوريا الشمالية يثير الجدل... هل تخلف كيم جونغ أون؟

كيم وأميرته الصغيرة (د.ب.أ)
كيم وأميرته الصغيرة (د.ب.أ)

ظهر الزعيم الكوري الشمالي إلى جانب ابنته للمرة الأولى في صور رسمية نشرت اليوم (السبت)، تؤكد مجدداً رؤيته لاستمرارية سلالة كيم في حكم البلاد، وفق الخبراء.
وهي واقعة نادرة جداً، فوكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية لم تأتِ على ذكر أطفال كيم جونغ أون بتاتاً، كما لم يؤكد النظام الكوري الشمالي أن لديه عائلة.
لكن السبت، وللمرة الأولى، أوردت الوكالة أن كيم سافر في اليوم السابق للإشراف على أحدث عملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات، برفقة «زوجته وابنته العزيزتين»، من دون إعطاء تفاصيل بشأن سنّها.
في الصور، يظهر الزعيم الكوري الشمالي مبتسماً وممسكاً بيد فتاة ترتدي سترة بيضاء، وتنتعل حذاء أحمر، بينما يسيران أمام صاروخ عملاق أبيض وأسود.
تزوّج كيم جونغ أون، حفيد الأب المؤسس لكوريا الشمالية كيم إيل سونغ، وممثل الجيل الثالث الذي يحكم البلاد، ري سول جو عام 2009، وفقاً للاستخبارات الكورية الجنوبية.
أنجبت ري سول جو طفلهما الأول في العام التالي، والثاني والثالث في 2013 و2017، كما أضاف المصدر نفسه، من دون تحديد جنسهم.
ويأتي أحد التأكيدات الوحيدة لوجود أبناء للزعيم، من زيارة نجم الدوري الأميركي لكرة السلة للمحترفين، دنيس رودمان، لكوريا الشمالية، في عام 2013؛ حين قال إنه التقى خلال تلك الزيارة ابنة كيم، جو آي.
وصرّح رودمان حينها بأن الزعيم الكوري الشمالي «والد طيب».
ويرجّح أن تكون الفتاة الصغيرة التي تظهر في الصور هي نفسها جو آي، وفق ما قال لـ«وكالة الأنباء الفرنسية» شيونغ سيونغ-هانغ، الخبير في الشؤون الكورية الشمالية، في معهد سيجونغ في كوريا الجنوبية، وأضاف أنها بمثابة «أميرة» كورية شمالية.
والآن، بعدما كُشف عن وجودها، من المرجّح أنها أصبحت مخوّلة المشاركة في شؤون الدولة، كما أضاف الخبير. ويمكن لوقوفها علناً إلى جانب والدها أن يشير إلى أنها اختيرت خلفاً له.
وأوضح شيونغ أن والد كيم جونغ أون، كيم جونغ إيل، اختاره ليكون خلفاً له من بين أبنائه؛ لأنه كان يشبهه إلى حد كبير في شخصيته ومزاجه.
وأشار إلى أن «كيم قد يرغب في أن يفعل الشيء نفسه مع هذه الفتاة بالتحديد. ربما لديها الصفات التي يعتقد كيم أنها صفاته»، مضيفاً أنها إذا استمرت في مرافقة والدها في الأحداث المهمة، فمن المرجح أن تكون تلك إشارة إلى أنه يعتبرها خليفته.
منذ بداية العام، أجرت كوريا الشمالية سلسلة قياسية من تجارب إطلاق صواريخ باليستية.
وقد يكون للصاروخ الباليستي العابر للقارات الذي أطلق الجمعة، القدرة على ضرب البر الأميركي، وفقاً لمعلومات قدّمتها اليابان المجاورة.
لذلك، فإن تقديم ابنة كيم للجمهور في هذه اللحظة بالذات ليس مجرد صدفة. إنها رسالة للعالم مفادها أن النظام الكوري الشمالي غير مستعد للزوال، على ما قالت المحللة سو كيم للوكالة.
وأوضحت أنه «بطريقة ما، هذه صورة رمزية لكيم وهو يمرر صولجان السلطة للجيل القادم، ما يوجه رسالة إلى المجتمع الدولي تدعوه إلى قبول النسخة الرابعة من التخويف والعداء من جانب بيونغ يانغ، والاستعداد له».
وأضافت أن الصور تشير كذلك إلى «درجة من التقارب والارتياح بين كيم وابنته»؛ لافتة إلى أن ذلك قد يشير إلى أنها مستعدة لتولي المنصب بعد والدها.
من جانبه، قال تشان-إيل آهن، رئيس المعهد العالمي للدراسات حول كوريا الشمالية، إن هذه الصور تشير أيضاً إلى أن الزعيم الكوري الشمالي يريد إظهار نفسه على أنه زعيم «عادي».
وأضاف أنه يقدّم نفسه على أنه «والد محب» خلال إطلاقه للصواريخ الباليستية العابرة للقارات.
بينما قال جون ديلوري، الأستاذ في جامعة يونسيه: «لم يعد رجل حرب أو رجل صواريخ نرجسياً. إنه والد صالح، يحمي عائلته كما يحمي الأمة».
بدورها، قالت جيني تاون من مؤسسة «38 نورث» للأبحاث المتخصصة في شؤون كوريا الشمالية ومقرها واشنطن، حسبما نشرت «رويترز»، إن اصطحاب كيم لابنته عند إطلاق الصاروخ، ونشر صورهما وهما يتابعان الإطلاق، يوحي بأنه بصدد الاستجابة للضغوط الرامية لإبطاء برامج الأسلحة والعودة للمفاوضات.
ويقول خبراء إن من المتوقع أن يكون لدى كيم 3 أولاد، ابنتان وابن واحد. ويعتقد بعض المراقبين أن أحدهم ظهر في مقاطع مصورة لاحتفالات العطلة الوطنية في سبتمبر (أيلول).
وبحسب مايكل مادن الخبير في شؤون زعامة كوريا الشمالية بمركز ستيمسون في الولايات المتحدة، فإن «ظهور ابنة كيم في مناسبة عامة للمرة الأولى، أمر له مغزى كبير، ويمثل درجة معينة من الارتياح من جانب كيم جونغ أون، لدرجة أن يُظهر ابنته في العلن بهذه الطريقة».
وقال مادن إن جو آي تقدر سنها بنحو 12 أو 13 عاماً، وهو ما يعني أنها ستستعد خلال 4 أو 5 سنوات للالتحاق بالجامعة، أو الانضمام إلى الخدمة العسكرية.
وأضاف: «سيشير ذلك إلى أنه سيجري تعليمها وتدريبها لتولي الزعامة. وقد يكون ذلك إعداداً لها لتولي مركز القيادة المركزية، أو ربما تصبح مستشارة وفاعلة من خلف الكواليس مثل عمتها».


مقالات ذات صلة

كوريا الشمالية تتعهد بتعزيز «الردع العسكري» رداً على إعلان واشنطن

العالم كوريا الشمالية تتعهد بتعزيز «الردع العسكري» رداً على إعلان واشنطن

كوريا الشمالية تتعهد بتعزيز «الردع العسكري» رداً على إعلان واشنطن

تعتزم كوريا الشمالية تعزيز «الردع العسكري» ضد كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، منتقدة اتفاق القمة الذي عقد هذا الأسبوع بين البلدين بشأن تعزيز الردع الموسع الأميركي، ووصفته بأنه «نتاج سياسة عدائية شائنة» ضد بيونغ يانغ، وفقاً لما ذكرته وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية. ونشرت وكالة الأنباء المركزية الكورية (الأحد)، تعليقاً انتقدت فيه زيارة الدولة التي قام بها رئيس كوريا الجنوبية يون سيوك - يول إلى الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، ووصفت الرحلة بأنها «الرحلة الأكثر عدائية وعدوانية واستفزازاً، وهي رحلة خطيرة بالنسبة لحرب نووية»، وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء الألمانية. وذكرت وكالة أنباء «

«الشرق الأوسط» (سيول)
العالم كوريا الشمالية تحذر من «خطر أكثر فداحة» بعد اتفاق بين سيول وواشنطن

كوريا الشمالية تحذر من «خطر أكثر فداحة» بعد اتفاق بين سيول وواشنطن

حذرت كيم يو جونغ شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون من أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لتعزيز الردع النووي ضد بيونغ يانغ لن يؤدي إلا إلى «خطر أكثر فداحة»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. كانت واشنطن وسيول حذرتا الأربعاء كوريا الشمالية من أن أي هجوم نووي تطلقه «سيفضي إلى نهاية» نظامها. وردت الشقيقة الشديدة النفوذ للزعيم الكوري الشمالي على هذا التهديد، قائلة إن كوريا الشمالية مقتنعة بضرورة «أن تحسن بشكل أكبر» برنامج الردع النووي الخاص بها، وفقا لتصريحات نقلتها «وكالة الأنباء الكورية الشمالية» اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)
العالم شركة تبغ ستدفع 600 مليون دولار كتسوية لانتهاكها العقوبات على بيونغ يانغ

شركة تبغ ستدفع 600 مليون دولار كتسوية لانتهاكها العقوبات على بيونغ يانغ

وافقت مجموعة «بريتيش أميركان توباكو» على دفع أكثر من 600 مليون دولار لتسوية اتهامات ببيعها سجائر لكوريا الشمالية طوال سنوات في انتهاك للعقوبات التي تفرضها واشنطن، كما أعلنت وزارة العدل الأميركية الثلاثاء. في أشدّ إجراء تتخذه السلطات الأميركية ضدّ شركة لانتهاك العقوبات على كوريا الشمالية، وافق فرع الشركة في سنغافورة على الإقرار بالذنب في تهم جنائية تتعلق بالاحتيال المصرفي وخرق العقوبات. وأفادت وزارة العدل الأميركية بأنه بين عامَي 2007 و2017، عملت المجموعة على تشغيل شبكة من الشركات الوهمية لتزويد صانعي السجائر في كوريا الشمالية بسلع. وقال مسؤولون أميركيون إن الشركة كانت تعلم أنها تنتهك عقوبات أم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم كوريا الشمالية: وضعنا كدولة تملك أسلحة نووية حقيقة لا يمكن إنكارها

كوريا الشمالية: وضعنا كدولة تملك أسلحة نووية حقيقة لا يمكن إنكارها

نقلت وكالة الأنباء المركزية الكورية، اليوم الجمعة، عن وزيرة خارجية كوريا الشمالية، تشوي سون هوي، قولها إن وضع البلاد باعتبارها دولة تمتلك أسلحة نووية سيظل حقيقة لا يمكن إنكارها، وإنها ستستمر في بناء قوتها حتى القضاء على التهديدات العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها. جاءت تصريحات الوزيرة في بيان ينتقد الولايات المتحدة ودول مجموعة السبع.

«الشرق الأوسط» (سيول)
العالم كوريا الشمالية ترفض دعوة «مجموعة السبع» للامتناع عن تجارب نووية جديدة

كوريا الشمالية ترفض دعوة «مجموعة السبع» للامتناع عن تجارب نووية جديدة

رفضت كوريا الشمالية، اليوم (الجمعة)، دعوة مجموعة السبع لها إلى «الامتناع» عن أي تجارب نووية أخرى، أو إطلاق صواريخ باليستية، مجددةً التأكيد أن وضعها بوصفها قوة نووية «نهائي ولا رجعة فيه»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». ونددت وزيرة الخارجية الكورية الشمالية تشوي سون هوي بالبيان «التدخلي جداً» الصادر عن «مجموعة السبع»، قائلة إن القوى الاقتصادية السبع الكبرى في العالم تُهاجم «بشكل خبيث الممارسة المشروعة للسيادة» من جانب بلادها. وقالت تشوي في بيان نشرته «وكالة الأنباء الرسمية الكورية الشمالية» إن «موقف جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية بصفتها قوة نووية عالمية نهائي ولا رجوع فيه». واعتبرت أن «(مج

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)

ترمب يتعهد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة للجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، معتبراً أن «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من قيام الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بنشر قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.