روسيا «المعزولة» ترسم ملامح خطواتها المقبلة

بتجميد الصراع في أوكرانيا وتنشيط قنوات الحوار مع واشنطن

مدينة خيرسون في قلب الأحداث (أ.ف.ب)
مدينة خيرسون في قلب الأحداث (أ.ف.ب)
TT

روسيا «المعزولة» ترسم ملامح خطواتها المقبلة

مدينة خيرسون في قلب الأحداث (أ.ف.ب)
مدينة خيرسون في قلب الأحداث (أ.ف.ب)

قد يكون الانسحاب الروسي أخيرا، من مدينة خيرسون الاستراتيجية في جنوب أوكرانيا، قد شكل نقطة فاصلة عكست توجه موسكو إلى إعادة ترتيب أولوياتها خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط على صعيد الحرب المتواصلة منذ تسعة أشهر، بل وفي آليات التعامل الروسي مع المتغيرات التي فرضتها الحرب الأوكرانية على علاقات موسكو بمحيطها القريب وبالعالم من حولها. تزامن التطور مع تسارع التحركات في محيط روسيا وضع هذا الانسحاب في إطار ترتيبات جديدة جارية على المستوى العسكري لتواكب الخطوات الدبلوماسية الروسية. وبصرف النظر عن التحليلات الكثيرة التي برزت في وسائل الإعلام حول تقييم الخطوة الروسية، وما إذا كانت تشكل نكسة جدية وجديدة للكرملين بعد انسحابين من محيط العاصمة كييف ثم من خاركيف في شرق البلاد، أو أنها تهدف إلى التقاط الأنفاس لتنظيم هجوم مضاد يعيد السيطرة على المنطقة التي غدت بالمفهوم القانوني الروسي «جزءا لا يتجزأ من الاتحاد الروسي». في هذا الإطار، بدا أن روسيا «المعزولة» دولياً، مع غياب رئيسها فلاديمير بوتين عن ثلاث قمم عالمية مهمة ومتتالية، منشغلة أكثر برسم ملامح خطواتها المقبلة على وقع التطورات المحيطة، وخصوصاً مع اتضاح نتائج الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، وتوقعات مسار الوضع في أوروبا المقبلة على شتاء صعب تخيم عليه مشاكل نقص واردات الطاقة وتفاقم تداعيات ارتفاع الأسعار وزيادة التضخم. وكان لافتاً السعي الروسي الحثيث لإظهار حال «الارتباك» و«انعدام التوافق» التي برزت خلال قمة «العشرين» عبر التركيز على اختلاف مواقف بلدان المجموعة إزاء إدانة التصرفات الروسية في أوكرانيا، فضلا عن الحاجة، التي ظهرت، إلى إجراء حوارات مطولة للتوافق على البيان الختامي. أما على المستوى الداخلي الروسي، لا تبدو أولويات الكرملين أقل أهمية، مع تعثر العملية العسكرية على الجبهات، وثبات غالبية خطوط التماس وخرائط السيطرة بشكل تقريبي، بالتوازي مع تعاظم الحاجة إلى فترة زمنية كافية لاستكمال عمليات التدريب والتجهيز لوحدات المتطوعين والملتحقين بالخدمة العسكرية، بعد قرار التعبئة الجزئية الذي حشدت عبره موسكو نحو 300 ألف مقاتل جديد، فضلا عن ضرورات تعويض النقص الحاصل بالمعدات والتقنيات العسكرية.

يبدو أن بدء الانسحاب من مدينة خيرسون مقدمة لتجميد الصراع بشكل مؤقت على أساس الخرائط القائمة حالياً في أوكرانيا، وتمهيد مناسب لإطلاق قنوات الحوار المعطلة مع الغرب. وهذا ما أظهرته الدعوات المتعاقبة من عدد من المسؤولين الغربيين، وخصوصاً، في الولايات المتحدة لاستئناف الحوار مع موسكو وإطلاق مسار التسوية السياسية للحرب الأوكرانية.
ورغم أن المواقف المعلنة حول أوكرانيا، وحيال الملفات الكثيرة العالقة بين البلدين، ما زالت متباعدة جداً، فإن الحديث عن إعادة الحياة إلى بعض قنوات الحوار اتخذ خلال الأسابيع الأخيرة أبعاداً أكثر نشاطاً، توجت بعقد لقاء في تركيا في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، جمع رئيس الاستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين ورئيس الاستخبارات المركزية الأميركية ويليام بيرنز. ومع أن موسكو تكتمت على مجريات اللقاء، تحدثت تسريبات عن تركيز الطرفين بشكل رئيسي على مخاطر استخدام الأسلحة النووية، والتطرق إلى التداعيات التي فرضتها المواجهة في أوكرانيا.
قبل ذلك مباشرة، برز تباين في المعطيات التي قدمتها موسكو وواشنطن حول آفاق تنشيط قنوات الاتصال. وسعت موسكو إلى التقليل من أهمية معطيات تداولتها وسائل إعلام أميركية حول ما وصف بأنه جولات مفاوضات سرية أجريت خلال الأشهر الماضية بين مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي جايك سوليفان، وكل من نيكولاي باتروشيف رئيس مجلس الأمن الروسي، ويوري أوشاكوف مساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لشؤون السياسة الخارجية. ولقد تعمد الكرملين في حينه تقديم نفي رسمي مباشر لصحة هذه المعطيات، ولكن من دون أن يذهب إلى حد إعلان رفض إجراء حوار.
- نفي «المفاوضات» السرية
بهذا المعنى، فإن موسكو سعت إلى تأكيد أنها لا تخوض «مفاوضات سرية» من دون أن تقطع المجال أمام استئناف الحوار. وهنا لا يمكن استبعاد أن يكون مضمون المفاوضات، التي تحدثت عنها واشنطن، لم يخرج عن إطار توجيه رسائل واضحة إلى الجانب الروسي بضرورة الامتناع عن استخدام أسلحة نووية تكتيكية، وذلك على خلفية الانتكاسات التي مني بها الجيش الروسي في المعارك خلال الأسابيع الماضية. وهو أمر أعلنته الإدارة الأميركية في وقت سبق التسريبات الصحافية حول تلك اللقاءات.
الأمر اللافت في توقيت عقد جولة الحوار الأخيرة بين الطرفين، هو أنها تلت ظهور نتائج الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة. وليس خافياً أن الكرملين كان يراقب عن كثب الجولة الانتخابية على أمل أن تشكل نتائجها حلقة جديدة تضعف مواقف الغرب وتماسكه في مواجهة سياسات موسكو. غير أن نجاح الإدارة الديمقراطية في تقليص حجم المد الجمهوري، المرتقب سابقاً، عزز الاقتناع بأن على موسكو التعامل مع الإدارة الحالية لفترة طويلة مقبلة.
طبعاً، هذا الفهم لا يتعارض مع الخطاب الروسي القائم على انتهاء حقبة هيمنة «القطب الواحد»، وأن العالم يقف على أعتاب تبدل مهم في آليات اتخاذ القرار العالمي. وبهذا المعنى كتب أحد الخبراء في مجلس السياسة الخارجية الروسي أن «عودة واشنطن إلى الهيمنة السابقة للولايات المتحدة في العلاقات الدولية غير متوقعة. ليس بالضرورة لأن أميركا تصبح حتماً أضعف وأكثر عجزاً في جميع المجالات، ولكن لأن اللاعبين الآخرين يكتسبون تدريجياً القوة والخبرة والثقة في قدرتهم على التأثير على مستقبل كوكبنا المشترك». وحقاً، تعكس هذه العبارات «المدخل» الروسي للتعامل مع مبادرات الحوار أو النقاشات القائمة ليس فقط حول أوكرانيا، بل وحول الملفات الأخرى المطروحة على الأجندة الدولية.
هذا الأمر أشار إليه أخيرا بوضوح السفير الروسي في واشنطن أناتولي أنطونوف، عندما أكد أن بلاده ترغب في بناء «علاقات روسية أميركية أخرى». والمقصود هنا العلاقات التي من شأنها أن تقوم على احترام المصالح الوطنية المبنية على قدم المساواة. وبل، وأقر الدبلوماسي الروسي بأنه رغم استئناف بعض قنوات الحوار «سيكون من السذاجة المسارعة إلى الكلام عن تحول معين في مقاربات بناء العلاقات على أسس جديدة (...) علاقاتنا في أزمة عميقة. بينما الفجوة في النفق غير مرئية».
في الوقت ذاته، يشير محللون روس، إلى أن موسكو باتت أكثر استعداداً لإبداء مرونة حيال الدعوات الغربية إلى الحوار. وهي مستعدة لمناقشة «بعض الترتيبات» التي يمكن أن تصل إلى إعلان مشترك عن وقف مؤقت لإطلاق النار في أوكرانيا. إلا أن هذا لا يعني أن موسكو قد تذهب بعيداً في تخفيف الضغط العسكري بشكل أحادي، وهو أمر أظهرته بوضوح سياسة الضغط الأقصى خلال الأسابيع الأخيرة، عبر تكثيف الضربات على البنى التحتية الاقتصادية ومنشآت إمدادات الكهرباء والمياه، فضلا عن استهداف مراكز السيطرة والتحكم بشكل متزايد. وفي هذا السياق، وجهت روسيا إشارة إلى قدرتها على مواصلة ممارسة هذا الضغط لحمل الغرب على إقناع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بوقف الهجوم المضاد والاستعداد لفترة تجميد الصراع. ويكفي أن بين التحركات اللافتة في هذا الإطار الزيارة التي قام بها أخيراً إلى طهران، رئيس مجلس الأمن الروسي باتروشيف، وجرى النقاش خلالها حول مد روسيا بمزيد من المسيرات الإيرانية التي استخدمت بكثافة أخيراً لشن هجمات على مواقع البنى التحتية الأوكرانية، فضلا عن احتمال تنشيط نقل أنظمة صاروخية إيرانية إلى روسيا لتعويض النقص الميداني الحالي.
- تعزيز التحالف مع طهران
وبهذا الصدد، رغم تمسك موسكو بنفي المعطيات حول استخدام تقنيات إيرانية في أوكرانيا، جاء الأمر اللافت مع ربط المستوى الرسمي الروسي التأكيدات الغربية في هذا الشأن مع الملف النووي الإيراني، وإعلان نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين، أن «الغرب يزعم وجود تعاون بين روسيا وإيران في مجال المسيرات للتمويه على امتناعه عن تنفيذ الاتفاق النووي». وأردف فيرشينين أن «كل هذا ليس أكثر من تمويه يفتعله الغرب عن عمد لإخفاء عجزه عن ضمان التنفيذ الكامل لخطة العمل الشاملة المشتركة، والعودة إلى التزاماته بموجب الاتفاق النووي». ووفقا له، تواصل موسكو «لفت انتباه» الأميركيين والأوروبيين، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي، إلى أنهم «مُلزَمون بالعودة إلى المجال القانوني لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 والتوقف عن انتهاكه». وحدد نائب الوزير النظرة الروسية إلى هذا الموضوع بتأكيد ضرورة العودة إلى الاتفاق السابق لأنه «من جانبنا، لا نرى وجود أي بديل معقول لخطة العمل الشاملة المشتركة. وأي خطط أخرى هي طريق مباشر للتصعيد مع عواقب وخيمة، وربما لا رجعة فيها على الأمن الدولي وحالة الأسواق العالمية. يجب أن تتفهم الأمم المتحدة كل ذلك».
المثير أن هذا الموقف الروسي الذي حمل تأكيداً على مواقف سابقة، جاء بعد فترة من غياب موسكو جزئياً عن هذا الملف، بسبب الانشغال بالحرب الأوكرانية. ويرى خبراء أن انخراط إيران بشكل غير مباشر في الحرب عزز من آليات الربط مع الملف النووي الإيراني. والمعنى أن طهران حصلت من بين مكتسبات أخرى، على تشديد للموقف الروسي حيال الملف النووي الإيراني مقابل التعاون الذي أبدته في مسألة تزويد موسكو بتقنيات عسكرية تحتاج إليها حالياً.
في هذا الإطار، كانت المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الإيراني إبراهيم رئيسي، مباشرة بعد عودة باتروشيف من زيارته إلى طهران. وأعلن الكرملين يومذاك أن الطرفين بحثا قضايا التعاون المتبادل في المجالين السياسي والاقتصادي، وتكثيف الاتصالات بين البلدين. وحدد الكرملين المجالات التي جرى بحثها بإشارة إلى «القضايا المتعلقة بالعلاقات الثنائية، مع التركيز على تعزيز التعاون في المجالات السياسية والتجارية والاقتصادية، بما في ذلك قطاع النقل والخدمات اللوجيستية».
العبارة الأخيرة شكلت إشارة مباشرة، إلى واحد من أبرز أشكال التعاون الجاري تطويره بسرعة في الفترة الأخيرة بين البلدين. والمقصود هنا آليات التعامل مع القيود المفروضة على البلدين، وسُبل تخطي العقبات التي تحيط بنقل البضائع وتصديرها إلى بلدان ثالثة. في هذا الإطار، كان التأكيد، أكثر من مرة، خلال الفترة الأخيرة على أن طهران «نقلت إلى موسكو خبرتها في مجال التعاطي مع العقوبات الغربية على مدى سنوات»، وأن الطرفين وضعا خريطة طريق مشتركة لتعزيز التعاون في هذا المجال.
وعلم أن إبراهيم رئيسي قال أثناء استقباله باتروشيف عبارات أكدت هذا المنحى، إذ شدد على أن «التعاون بين الدول المستقلة، يشكل أقوى رد على سياسات الحظر وزعزعة الاستقرار التي تنتهجها الولايات المتحدة وحلفاؤها اليوم». ومن جهته، تحدث باتروشيف عن جهود حثيثة يبذلها الطرفان بهدف تطوير التعاون الثنائي في المجالات السياسية والتجارية والطاقة والزراعة والترانزيت. وبالإضافة إلى تعزيز الموقف الروسي في الملف النووي، وتزايد الحاجة الثنائية للتعاون في مجال التحايل على العقوبات الغربية، برزت الأوضاع الداخلية في إيران بدورها كعنصر يدفع لتعزيز التحالف الثنائي. ولذلك لم يكن غريبا أن تنحاز موسكو بشكل كامل للرواية الإيرانية للأحداث عبر الترويج لمقولة التدخل الخارجي في الشأن الداخلي الإيراني. وبالفعل، اتهم باتروشيف أجهزة استخبارات غربية بالوقوف خلف أعمال الشغب التي شهدتها إيران، وما رافقها من «ترويج أنباء مضللة حول الوضع هناك».
كذلك نقلت صحيفة «روسيسكايا غازيتا» الحكومية عن باتروشيف إشارته، خلال مباحثاته مع سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، إلى «الدور الرئيسي الذي لعبته أجهزة استخبارات غربية في إثارة الاحتجاجات الجماهيرية في إيران، وما تلاها من ترويج لمعلومات مضللة حول الوضع في البلاد، وذلك بمساعدة وسائل إعلام غربية ناطقة بالفارسية تتبع لها». وتابع «نحن ننظر إلى ما حدث باعتباره تدخلاً سافراً في شؤون داخلية لدولة ذات سيادة».


مقالات ذات صلة

الكرملين لا يزال منفتحاً على وساطة أميركية في حرب أوكرانيا

أوروبا أوكرانيون يزورون نصباً تذكارياً مؤقتاً للجنود القتلى في ساحة الاستقلال بكييف الاثنين (أ.ف.ب)

الكرملين لا يزال منفتحاً على وساطة أميركية في حرب أوكرانيا

أعلن الكرملين أنه لا يزال منفتحاً على دور الوساطة الذي تقوم به واشنطن في ملف تسوية الحرب الأوكرانية، رغم استيائه من «العدوان» الأميركي على إيران.

رائد جبر (موسكو)
تحليل إخباري جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري معضلة جديدة أمام واشنطن وموسكو... لا سلام في أوكرانيا من دون أوروبا

يشعر أوروبيون بالذعر من احتمال توصل الرئيسين الأميركي، دونالد ترمب، والروسي، فلاديمير بوتين، إلى اتفاق بشأن أوكرانيا، يجري التفاوض عليه من دونهم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا تجمع للصحافيين خارج مدخل فندق إنتركونتيننتال خلال محادثات السلام الروسية - الأوكرانية في جنيف (إ.ب.أ) p-circle

الكرملين ينفي تحديد مكان وزمان جولة محادثات ثلاثية مع أوكرانيا

الكرملين ينفي تحديد مكان وزمان جولة محادثات ثلاثية مع كييف، وتقارير حول أكثر من 1780 أفريقياً من 36 دولة «يقاتلون في الجيش الروسي».

الولايات المتحدة​ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي وفيكو يتفقان على مناقشة الأزمة الناتجة من خط أنابيب النفط الروسي

اتفق الرئيس الأوكراني ورئيس الوزراء السلوفاكي، الجمعة، على لقاء من حيث المبدأ، على خلفية اتهام براتيسلافا كييف بعرقلة إمدادات النفط الروسي عبر خط أنابيب دروجبا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا تجمع للصحافيين خارج مدخل فندق إنتركونتيننتال خلال محادثات السلام الروسية الأوكرانية في جنيف (إ.ب.أ) p-circle

الجولة المقبلة من المحادثات الثلاثية تنتقل من جنيف إلى أبوظبي

الجولة المقبلة من المحادثات الثلاثية تنتقل من جنيف إلى أبوظبي، والكرملين ينفي أي علاقة بتحليق مسيرة قريباً من حاملة طائرات فرنسية

«الشرق الأوسط» (لندن)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.