بنيامين نتنياهو... الباب المجنزر الدوّار

TT

بنيامين نتنياهو... الباب المجنزر الدوّار

جنرال السياسة وحاخام الحرب. بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل، الذي فكّ شفرات السياسة والحرب ولوّن صفحات أوراق السلام بالبارود والدم. حقق تحالفه انتصاراً في الجولة الانتخابية الخامسة التي شهدتها إسرائيل خلال أربع سنوات. كل تلك الجولات كانت من أجله وبه.
هناك من سقط على الحلبة بعد خسارته بضربة قاضية، ومن خرج مهزوماً بالنقط. أحزاب تاريخية مثل العمل ومرتز هوت. هذا الرجل الذي ينادونه بيبي، مقاتل في كيان ولدته أحشاء الدين والتاريخ والحروب والأساطير. صار هو المعمل السياسي الذي تجمعت فيه كل تلك المكونات. هو أول رئيس وزراء لدولة إسرائيل ولد بها في يافا من أم يهودية أميركية، وأب مهاجر من بولندا، وهو أصغر رئيس وزراء والأطول على سدة الرئاسة. تعلم في الولايات المتحدة الأميركية، وعمل فيها دبلوماسياً، وأتقن لغتها وفنون المعارك الانتخابية الأميركية. أغلب من قادوا السياسية في إسرائيل منذ قيامها، كانوا من أشكناز أوروبا الشرقية. عمل مع بعضهم وخاض معارك معهم. عمل نتنياهو في الاقتصاد والهندسة والجيش، وشارك في حرب أكتوبر (تشرين الأول) على الجبهة المصرية برتبة نقيب. بدأ حياته السياسية مبكراً على يد والده بنتسيون نتنياهو أستاذ التاريخ، الذي كان مفعماً بكراهية العرب والمسلمين. لاحقته تهم الرشى والفساد وخيانة الأمانة. خاصم حلفاءه، وتحالف مع أعدائه. نكث بوعوده بتقنية خطابية طاغية، فهو بارع في العرض الانتقائي للمعلومات، مستغلاً ما شارك فيه من عمليات عسكرية، وحروبه على غزة ومعاركه المخابراتية مع إيران، وكذلك مقتل شقيقه الضابط يوناتان في عملية تحرير رهائن إسرائيليين بمطار عنتيبي بأوغندا.
لا شك أن بنيامين نتنياهو، العائد منتصراً في جولته الخامسة، على رأس وزارة يمينية، سيصنع واقعاً سياسياً غير مسبوق في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هو مسكون بروح الزعامة الصهيونية التاريخية، ويصرّ على أن يتفوق على هرتزل، المنظّر الأول للمشروع الصهيوني، وديفيد بن غوريون، مؤسس الدولة الإسرائيلية، وعلى إسحق رابين وشمعون بيريز والجنرال موشي ديان، أعمدة التأسيس والحرب والسياسة.
أصدر نتنياهو كتاباً بعنوان «مكان فوق الأرض»، أسهب في صفحاته الحديث عن ملكية اليهود للضفة الغربية، التي يعدّها هي أرض إسرائيل التاريخية، أي يهودا والسامرة. مدن الشاطئ في فلسطين، تل أبيب وحيفا وعكا ويافا، لا يعدّها من الأرض الموعودة الأساسية، وإن الضفة الغربية هي الأرض الموعودة لبني إسرائيل.
لم يخفِ معارضته لاتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، وشنّ هجوماً على إسحق رابين الموقّع على الاتفاق، بل هناك من يوجه له الاتهام بالتحريض على قتل إسحق رابين.
نجح في تمييع ذلك الاتفاق، وجمّد آلية المناطق الثلاث، ووسّع المستوطنات، وشنّ حرباً إعلامية واسعة على السلطة الفلسطينية، واصفاً إياها بتزعم الإرهاب.
في إسرائيل هناك طوائف دينية، وأحزاب وتيارات سياسية. منها المغالي في التشدد الديني وليس السياسي وهم الحريديون، ومنها المتطرف سياسياً إلى أقصى الحدود، ونتنياهو هو المنظّر العقائدي والزعيم السياسي لهذا التيار اليميني. يقول في كتاباته وخطاباته، إن للعرب 21 دولة، ويمتلكون سدس ثروات العالم، ومساحة أرض تفوق مساحة إسرائيل عشرات المرات، وعلى الفلسطينيين أن يرحلوا إليها.
القدس الشرقية (أورشليم) يرفض التفاوض حولها مطلقاً، فهي القلادة التي ستجعله يعلو فوق كل الزعماء الصهاينة المؤسسين والمحاربين. قال ديفيد بن غورين بعد إعلان الدولة: لقد أسسنا دولتنا، ولكننا لم نقِم الوطن، فأورشليم لم نستعدها. وعندما دخلت القوات الإسرائيلية إلى القدس الشرقية في حرب يونيو (حزيران) 1967، أمر موشي ديان بمنع المصورين من دخولها مع الجيش. ارتدى كامل ملابسه العسكرية، وظهر في القدس الشرقية وهو يتقدم القوات الإسرائيلية، في صور نُقلت إلى الداخل والخارج ليدخل التاريخ اليهودي كقائد استرداد أورشليم. وكتب ديان بعد ذلك قائلاً: اليوم عدنا إلى الوطن؛ فالقدس هي جسد وقلب وروح إسرائيل الوطن.
وعد بلفور لم يذكر دولة إسرائيل، إنما ذكر وطناً قومياً لليهود في فلسطين.
نتنياهو العائد إلى الحكم بأغلبية برلمانية مريحة، بمشاركة اليمين المتطرف، بما فيه حزب الصهيونية الدينية الذي يتزعمه العنصري المتطرف إيتمار بن غفير، سيبقى على سدة الحكم لأربع سنوات مقبلة، سيرسخ ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل، مثلما جرى ضم الجولان والقدس، ليكون ملك ملوك إسرائيل التاريخيين.
عندما استدعاه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إلى البيت الأبيض، وأراد تحجيمه وجعله ينتظر قبل أن يقابله، كظم نتنياهو غضبه، وأثناء المقابلة خاطبه أوباما بلغة حادة ضاغطاً عليه لإيجاد حل حاسم للقضية الفلسطينية بإقامة الدولة. رفض نتنياهو ذلك وتوجه إلى الكونغرس الأميركي بترتيب من الـ«إيباك» اليهودي، وخرج بدعم بلا حدود. بعد الاجتماع تحدث نتنياهو إلى أحد أعضاء الكونغرس وقال له، إن الرئيس أوباما لا يعرف العرب. فهم يبدأون برفع سقفهم، ثم يرضخون للقوة الإسرائيلية، وهذا ما كان من أول معركة بعد تأسيس دولة إسرائيل سنة 1948 إلى اليوم.
كان الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات مستعجلاً، وقبل باتفاق أوسلو الذي لم يذكر دولة فلسطينية ولا حتى سلطة وإنما إدارة، ولم يتحدث عن وزارات وإنما إدارات فلسطينية، بل وضعها ياسر عرفات في سرديات مكاتباته وخطاباته، حسب رواية مستشاره بسام أبو شريف. الإسرائيليون يتعاملون مع رئيس السلطة الفلسطينية، على أساس أنه عمدة أو مختار محلة الضفة الغربية.
اليوم هناك حقيقتان على الأرض الفلسطينية. أولاهما وصول يمين اليمين الصهيوني العنصري المتطرف إلى الحكم في إسرائيل، والأخرى، الانتفاضة الفلسطينية المسلحة في الضفة الغربية وتسابق الشباب الفلسطيني على الاستشهاد.
ماذا ستفعل السلطة الفلسطينية؟
ليس أمامها سوى العمل العاجل على توحيد كل القوى الفلسطينية، وحرق كل الاختلافات، وتخليق موقف وطني وإقليمي ودولي، لمواجهة مخطط استيطاني يميني صهيوني كاسح، يقوده نتنياهو الباب المجنزر الدوّار.



ترمب: لقد أنهينا مجازر المسيحيين في نيجيريا

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كورمين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)
مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كورمين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)
TT

ترمب: لقد أنهينا مجازر المسيحيين في نيجيريا

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كورمين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)
مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كورمين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أن الجيش الأميركي وضع حداً لما قال إنها «مجازر» كانت تستهدف المسيحيين في نيجيريا. جاء ذلك في كلمة ألقاها الرئيس الأميركي في المؤتمر السنوي لمنظمة «معتقدات وتحالف من أجل الحرية» (Faith and Freedom Coalition) في واشنطن، وهي منظمة غير ربحية معنية بالدفاع عن المسيحيين وتعزيز حضورهم وانخراطهم السياسي، ويدعم ترمب أنشطتها منذ أكثر من عشر سنوات.

عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وتحدث ترمب في كلمته عن العمليات الأمنية لإدارته وجهودها في مكافحة الإرهاب عبر مناطق مختلفة من العالم، وركز على دورها في حماية المواطنين المسيحيين في نيجيريا، حيث قال إن الجيش الأميركي لعب دوراً رئيسياً في وقف الهجمات التي كانت تستهدف المجتمعات المسيحية، لا سيما في المناطق المتضررة من التمرد والإرهاب.

وقال ترمب: «كما تعلمون، لقد ضربنا نيجيريا مؤخراً وأنهينا إلى حد كبير مذابح السكان المسيحيين العظماء. لديهم سكان مسيحيون عظماء. كانوا يُذبحون... يُذبحون. آلاف وآلاف الأشخاص كانوا يُقتلون، أطفال ونساء وكبار السن، يُذبحون ويُقطعون حتى الموت».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

وأضاف ترمب في كلمته أمام أكثر من ألفي مشارك في المؤتمر: «لقد ضربناهم بقوة شديدة. أسقطنا زعيمهم، كما أسقطنا الزعيم الثاني والثالث»، وذلك في إشارة إلى قيادات تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الذين قتلوا الأشهر الأخيرة، خلال عمليات عسكرية نفذت بالتعاون ما بين الجيش الأميركي والنيجيري. وأوضح ترمب أن الوضع في نيجيريا قبل تدخل الجيش الأميركي كان خطيراً للغاية، زاعماً أن الكثير من الأبرياء قد قُتلوا في هجمات وحشية.

وكانت إدارة ترمب قد هددت نهاية العام الماضي بالتدخل عسكرياً في نيجيريا من أجل حماية المسيحيين الذين يتعرضون لما سماه «مجازر وإبادة جماعية»، وأعاد آنذاك تصنيف نيجيريا كدولة «ذات اهتمام خاص»، واتهم حكومتها بأنها «تسمح» بقتل المسيحيين، وهو ما نفته الأخيرة بشدة.

جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

بالفعل نفذ الجيش الأميركي أول ضربة له في نيجيريا عشية ليلة عيد الميلاد من العام الماضي، ضد جماعات مرتبطة بتنظيم «داعش» في ولاية سوكوتو شمال غرب نيجيريا، وقال الرئيس الأميركي حينها إن الهدف كان «الإرهابيون الذين يستهدفون ويقتلون المسيحيين الأبرياء بشكل أساسي».

ومنذ ذلك الوقت زادت وتيرة التعاون العسكري بين الجيش النيجيري وقيادة القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، استقبلت نيجيريا قوات أميركية مهمتها تقتصر على التدريب والدعم الاستخباراتي، وفق ما أعلنت السلطات.

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)

ونفذ الجيشان الأميركي والنيجيري عدة عمليات عسكرية مشتركة في شمال شرق نيجيريا، ضد مواقع تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، أسفرت عن مقتل عشرات المقاتلين، في مقدمتهم أبو بكر المينوكي، وهو الذي وصفه ترمب بأنه الرجل الثاني في تنظيم «داعش» العالمي.

ورغم النجاحات التي حققها الجيش الأميركي في نيجيريا، فإنه لا توجد بيانات تثبت انخفاض مستوى استهداف المسيحيين في نيجيريا، فيما تؤكد السلطات النيجيرية أن الإرهاب يستهدف جميع المواطنين، سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين أو غير ذلك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«دورة ويمبلدون»: ديوكوفيتش يستلهم من سيرينا لمحاولة تحقيق الإنجاز

الصربي نوفاك ديوكوفيتش يستعد لمغامرة جديدة في ويمبلدون (إ.ب.أ)
الصربي نوفاك ديوكوفيتش يستعد لمغامرة جديدة في ويمبلدون (إ.ب.أ)
TT

«دورة ويمبلدون»: ديوكوفيتش يستلهم من سيرينا لمحاولة تحقيق الإنجاز

الصربي نوفاك ديوكوفيتش يستعد لمغامرة جديدة في ويمبلدون (إ.ب.أ)
الصربي نوفاك ديوكوفيتش يستعد لمغامرة جديدة في ويمبلدون (إ.ب.أ)

بعد عشر محاولات فاشلة كي يصبح الأكثر تتويجاً على الإطلاق في تاريخ البطولات الكبرى، يستمد الصربي نوفاك ديوكوفيتش الإلهام من عودة الأميركية سيرينا وليامز من أجل أن يتوج بلقب بطولة ويمبلدون لكرة المضرب التي تنطلق الأسبوع المقبل.

وعادت وليامز إلى الملاعب عن 41 عاماً لتخوض أول مشاركة في فردي السيدات منذ أربعة أعوام عندما تواجه الأسترالية مايا جوينت في الدور الأول لثالثة البطولات الأربع الكبرى.

وأحرزت الأسطورة الأميركية 23 لقباً في البطولات الكبرى خلال مسيرتها الاستثنائية، في المركز الثاني على لائحة أكثر المتوجين في الـ«غراند سلام» خلف ديوكوفيتش الذي يتشارك الرقم القياسي المطلق مع الأسترالية مارغاريت كورت (24 لكل منهما).

وضمن مسعاه لإحراز لقبه الكبير الخامس والعشرين عن 39 عاماً، تواصل ديوكوفيتش مع سيرينا لمناقشة عودتها.

وقال ديوكوفيتش للصحافيين السبت: «انظروا، أولاً وقبل كل شيء، ما تقوم به ملهم وملحمي. هذا ما قلته لها. لطالما أعجبت بمسيرتها ورحلتها وقصتها».

وأضاف: «أن تعود بعد سنوات من الغياب عن الساحة، وبعد إنجاب طفلين، وأن تبذل هذا القدر من الجهد، ليس فقط من أجل رضاها الشخصي، إنه أمر رائع».

وتابع: «قلت لها إنه مهما حدث، فإن ما تقوم به ملهم حقاً بالنسبة لي على الصعيد الشخصي، وأنا متأكد من أنه كذلك بالنسبة لملايين الناس حول العالم».

وبات ديوكوفيتش في يناير (كانون الثاني) أكبر لاعب يصل إلى نهائي بطولة كبرى في حقبة الاحتراف حين خسر أمام الإسباني كارلوس ألكاراس في بطولة أستراليا المفتوحة.

ويأمل أن يتفوق على الأسترالي كين روزوول الذي يبقى حتى الآن أكبر لاعب يحرز لقباً في البطولات الكبرى خلال حقبة الاحتراف حين توج ببطولة أستراليا المفتوحة عام 1972 عن 37 عاماً.

ومع الدفعة الإضافية التي منحته إياها عودة وليامز، يأمل ديوكوفيتش أن تتمكن الأميركية أيضاً من الذهاب بعيداً في البطولة التي أحرزت لقبها آخر مرة عام 2016.

وقال: «أراها في صالة التمارين الرياضية أكثر مما كنت أراها عندما كانت في أوج عطائها. هذا يخبرني أنها تريد حقاً أن تنجح هذه التجربة بأفضل طريقة ممكنة».

وأضاف: «بصراحة إنه أمر مثير للإعجاب، الجهد الذي تبذله. بالطبع، كل الأنظار تتجه نحو عودتها. لقد صنعت شيئاً تاريخياً وأسطورياً في مسيرتها. إنها تستحق كل تصفيق ستحصل عليه».

وقد أحرز كل من ديوكوفيتش ووليامز سبعة ألقاب في فردي ويمبلدون، لكن التتويج الأخير للصربي على ملاعب نادي عموم إنجلترا يعود إلى 2022، فيما وصل إلى النهائي للمرة الأخيرة عام 2024 حين خسر أمام ألكاراس.

وخرج الصربي من الدور الثالث لبطولة فرنسا المفتوحة مؤخراً، بعدما فرّط بتقدمه بمجموعتين أمام البرازيلي الصاعد جواو فونسيكا.

ومع اقتراب مسيرته الاستثنائية من نهايتها، يدرك ديوكوفيتش أن ملاعب ويمبلدون العشبية السريعة التي تقلّص من طول التبادلات المرهقة، توفر له أفضل الظروف للفوز بلقبه الخامس والعشرين في البطولات الكبرى.

وقال: «الأمر مختلف من حيث الحالة البدنية العامة. أعتقد أني أكثر استعداداً هنا مما كنت عليه في رولان غاروس التي كانت مرهقة ومتطلبة جداً»، معتبراً أن «اللعب على العشب مقارنة بالتراب لا يتطلب جهداً بدنياً كبيراً. وهذا أفضل بالنسبة لي».


واشنطن لاحتواء مخاوف الليبيين من مبادرتها لحل الأزمة السياسية

مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
TT

واشنطن لاحتواء مخاوف الليبيين من مبادرتها لحل الأزمة السياسية

مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)

سعت الولايات المتحدة إلى احتواء الانتقادات والشكوك، التي أحاطت بمبادرتها الخاصة بليبيا، بعدما أثارت تسريبات عن ترتيبات لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها مخاوف كثيرة من إطالة المرحلة الانتقالية وتكريس الانقسام، عبر تأكيدات أميركية رسمية بأن المبادرة المقترحة تستهدف توحيد المؤسسات الليبية، وتحظى بإشراف مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

شكوك ورفض

على وقع شكوك ورفض قطاعات واسعة من الليبيين بشأن مبادرته، أكد مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، أن المبادرة التي تقودها واشنطن «هي عكس ما يُشاع عنها»، موضحاً في تصريحات تلفزيونية، مساء الجمعة، أنها تهدف إلى توحيد الليبيين ومؤسساتهم، وأنها «خطة ليبية - ليبية» يقتصر فيها الدور الأميركي على تسهيل الحوار بين الأطراف، نافياً بشكل قاطع أن تكون تمهيداً لتقسيم البلاد، أو لتأجيل الانتخابات إلى عام 2032.

نائب قائد الجيش الوطني الليبي صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

وتقوم المبادرة، وفق تسريبات لمصادر سياسية ليبية ودبلوماسية خلال الأشهر الماضية، على صيغة لتقاسم السلطة بين أبرز مراكز النفوذ في الشرق والغرب، عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد برئاسة نائب قائد «الجيش الوطني»، صدام حفتر، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ سنوات.

وقد أثارت هذه التصورات اعتراض قوى سياسية، خصوصاً في الغرب الليبي، اعتبرت أنها قد تؤدي إلى تكريس المحاصصة السياسية بين العائلات النافذة في ليبيا، وهو ما دفع واشنطن إلى تقديم مزيد من التوضيحات بشأن أهداف المبادرة.

عبد الحميد الدبيب رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

وهنا عمد بولس إلى توضيح أن تفاصيل السلطة التنفيذية المقبلة، والأسماء التي ستقودها «متروكة بالكامل لليبيين والأطراف المتفاوضة من شرق وغرب البلاد»، مشيراً إلى أن المبادرة تتكامل مع خطة الأمم المتحدة؛ إذ تركز على معالجة المرحلة القصيرة والمتوسطة، بينما تتولى خريطة الطريق الأممية معالجة القضايا بعيدة المدى.

كما حرص المسؤول الأميركي على توجيه رسائل طمأنة إلى مختلف القوى الليبية، بالتأكيد على استمرار الدور الدستوري لكل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وعلى ضرورة تمثيل الجنوب، وعدم اقتصار أي تفاهمات على الشرق والغرب، معتبراً أن المشهد في غرب ليبيا معقد، ويضم أطرافاً مؤسسية وشعبية وميدانية ينبغي أن تكون جزءاً من أي تسوية.

وبعد تسريبات أخرى واكبت الحديث عن مبادرة بولس، وتداولتها وسائل إعلام محلية بشأن احتمال عقد الانتخابات بعد 6 سنوات، جاء نفي بولس القاطع لهذه الأنباء، عاداً إياها «غير صحيحة»، وأكد أنها لن تتعدى سقف ثلاث سنوات.

رسائل طمأنة

بدت هذه الرسائل الأميركية من وجهة نظر سياسيين ومحللين، ومن بينهم القيادي في «حزب ليبيا النماء»، حسام فنيش، بأنها «محاولة واضحة لاحتواء موجة الانتقادات التي صاحبت المبادرة الأميركية، عبر تقديم رسائل طمأنة للقوى السياسية المتحفظة عليها».

مسعد بولس نفى بشكل قاطع أن تكون المبادرة الأميركية تمهيداً لتأجيل الانتخابات (مفوضية الانتخابات)

وقال فنيش لـ«الشرق الأوسط» إن نفي بولس بأن تكون المبادرة مدخلاً لتقسيم ليبيا أو لإطالة المرحلة الانتقالية، يعكس إدراك واشنطن لحجم المخاوف التي أثيرت منذ الكشف عن الخطة، سواء بشأن فرض ترتيبات سياسية من الخارج، أو تجاوز المؤسسات القائمة.

ويعتقد فنيش أن تأكيد بولس استمرار دور مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، والحديث عن ضرورة تمثيل الجنوب، يهدفان إلى توسيع قاعدة القبول بالمبادرة، وتقليل الاعتراضات عليها، لافتاً أيضاً إلى أن «الإشارة إلى إشراف الرئيس ترمب على المبادرة تحمل دلالة سياسية مهمة؛ لأنها تعكس أن الملف الليبي يحظى باهتمام من أعلى مستوى داخل الإدارة الأميركية، وتمنح المبادرة ثقلاً سياسياً ورسالة بأن واشنطن جادة في الدفع نحو تسوية سياسية».

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث الأزمة السياسية الليبية (المجلس)

وتبرز ملامح الجدية في المضي قدماً بهذه المبادرة إلى حيز التنفيذ، ومن وجهة نظر «حزب ليبيا النماء»، بخصوص حديث مستشار ترمب عن تأييد نحو 109 نواب ليبيين لمبادرته، بما يكشف عنه من متابعة دقيقة لما يدور في المشهد الليبي، والسعي إلى تجميع خيوط محلية تدعم مبادرته.

في المقابل، بدا أن بعض الشخصيات الليبية قرأت تصريحات بولس باعتبارها مؤشراً على انفتاح أميركي على إشراك طيف أوسع من القوى الليبية في أي ترتيبات مقبلة. وقال وزير الاقتصاد الليبي الأسبق، سلامة الغويل، إن حديث بولس «فتح نافذة يمكن البناء عليها»، بعدما أظهر استعداداً للاستماع إلى أصوات ليبية تتجاوز طرفي الحوار التقليدي، في اعتراف ضمني بأن ليبيا تضم قوى وطنية وسياسية واجتماعية متعددة، لا يجوز اختزالها في طرفين فقط.

هانا تيتيه الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة (غيتي)

وقال الغويل لـ«الشرق الأوسط» إن المرحلة الحالية تتطلب إطلاق حوار وطني حقيقي يشارك فيه الجميع دون إقصاء، مع مراجعة التجارب السابقة وعدم إعادة إنتاجها، معتبراً أن ليبيا بحاجة إلى تسوية تحقق تمثيلاً سياسياً حقيقياً لكل المكونات السياسية والاجتماعية والأمنية، بعيداً عن الاحتكار والإقصاء.

وجاءت تصريحات بولس بالتزامن مع اهتمام متزايد من إدارة ترمب بالملف الليبي، حيث أكد نائب وزير الخارجية الأميركي، كريستوفر لاندو، الجمعة، الأهمية الاستراتيجية لليبيا بالنسبة للأمن الإقليمي، وشدد على تعزيز التعاون بين البلدين في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، ضمن لقاء نائب وزير الدفاع الليبي، عبد السلام الزوبي، مع مسؤولين أميركيين.

بدوره، رأى عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن المبادرة الأميركية تجاوزت مرحلة الطرح إلى مرحلة التنفيذ، بعد انطلاق اتصالاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف الليبي. وقال بن شرادة إن «نقطة القوة في هذه المبادرة هو أنها انتقلت من مرحلة الطرح إلى مرحلة التنفيذ بتواصلها مع الأطراف الدولية والإقليمية المتدخلة في الشأن الليبي، والقطار بدأ بالتحرك»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الأطراف التي ستختار عرقلتها «قد تجد نفسها خارج مسار المرحلة المقبلة؛ لأن المستقبل لا ينتظر المترددين ولا المعرقلين».

ورغم اتساع دائرة الاهتمام بمبادرة مستشار ترمب، بعد أول حديث علني متلفز عنها، فقد استدرك فنيش بأن هذه «التطمينات، ورغم أهميتها، لن تكون كافية وحدها لتبديد المخاوف»، مشيراً إلى أن «الحكم على المبادرة سيظل مرتبطاً بما ستتضمنه من تفاصيل عملية، ومدى توافقها مع الإرادة الليبية، وضمان ألا تتحول إلى إطار جديد لإدارة الأزمة، بدلاً من إنهائها».