محيي الدين: خطوط الدفاع المناخي محاصرة بالخلافات وضعف التمويل

قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يرى تعارضاً بين التنمية وخفض الانبعاثات

محيي الدين خلال إحدى جلسات المؤتمر (الشرق الأوسط)
محيي الدين خلال إحدى جلسات المؤتمر (الشرق الأوسط)
TT

محيي الدين: خطوط الدفاع المناخي محاصرة بالخلافات وضعف التمويل

محيي الدين خلال إحدى جلسات المؤتمر (الشرق الأوسط)
محيي الدين خلال إحدى جلسات المؤتمر (الشرق الأوسط)

مترجلاً من قاعة إلى أخرى، وقاطعاً مئات الأمتار يومياً ذهاباً وإياباً بين أروقة وقاعات وساحات المنطقة الزرقاء المخصصة للشق الرسمي والتفاوضي من فعاليات مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة حول المناخ «كوب 27»، يقضي الدكتور محمود محيي الدين، رائد المناخ المصري، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بأجندة 2030 لتمويل التنمية المستدامة، ساعات يومه، في محاولة لنقل رؤية الرئاسة المصرية للمؤتمر، بشأن مواجهة التغيرات المناخية، لتجده قاسماً مشتركاً في نحو 10 جلسات مختلفة على مدار اليوم، مدلياً بكلمة هنا، وتصريح هناك.
وسط جولاته المكوكية بين جنبات المؤتمر، التي لم تقتصر على فعاليات المنطقة الزرقاء، بل امتدت إلى الجانب الآخر من الشارع حيث المنطقة الخضراء المخصصة لأنشطة المجتمع المدني والجامعات، التقت «الشرق الأوسط» برائد المناخ المصري، الذي أكد أن «خطوط الدفاع المناخي الثلاثة (التخفيف، والتكيف، والخسائر والأضرار) محاصرة بين الانهيار وضعف التمويل والخلافات».
ويُعقد مؤتمر المناخ هذا العام في مدينة شرم الشيخ المصرية، تحت شعار «مؤتمر التنفيذ»، وهو شعار يدافع عنه محيي الدين، رغم انعقاد المؤتمر في «فترة مليئة بالأزمات الجيوسياسية»، ويقول إن المؤتمر ينعقد في فترة تشهد «عجزاً في الثقة، مرتبطاً بفائض من الأزمات، من طاقة ووقود وغذاء، حتى أزمات ديون لدى بعض الدول، أدت إلى حالة ركود تضخمي، كان الجميع يستبعد حدوثه».
لكن بغضّ النظر عن الأوضاع الجيوسياسية، كان «لا بد على الرئاسة المصرية أن تدفع نحو التنفيذ، ولا سيما أن الوقت مواتٍ لذلك؛ حيث تؤثر المشكلات المناخية على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للبشر»، بحسب محيي الدين، الذي يشير إلى أنه «لا حاجة لإطار قانوني جديد، في ظل اتفاق باريس لعام 2015، كما أنه لا حاجة لمزيد من التعهدات، ولا سيما أن سجل الدول المتقدمة في الوفاء بتعهداتها متواضع، رغم كثرة الحماس على مستوى المجتمع المدني، لكن هذا الحماس لم يؤثر على مدى تجاوب متخذي القرار في إتاحة التمويل اللازم في نهاية المطاف».
- التخفيف.. خط الدفاع الأول
يؤمن محيي الدين، الذي شغل عدة مناصب اقتصادية، من بينها منصب وزير الاستثمار المصري، بضرورة تغيير منهج التعامل مع التغيرات المناخية، ويرى أن «هذا هو الوقت المناسب للحديث عن فرص الاستثمار الحكومي والخاص في الأنشطة المناخية، التي تساهم بدورها في حل المشكلات الراهنة»، ويقول إن «العالم في حرب ضد التغيرات المناخية، وخط الدفاع الأول المتعلق بالتخفيف يكاد ينهار»، موضحاً أن التقرير العلمي الصادر مؤخراً عن الأمم المتحدة كان يتحدث عن «ضرورة خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 45 في المائة، لكن تبين زيادة الانبعاثات بنسبة 14 في المائة، ما يعني انحرافاً عن الهدف يقدر بنحو 60 في المائة». هذا الانحراف يتطلب بحسب رائد المناخ المصري «استثمارات في الطاقة الجديدة والمتجددة من القطاع الخاص، ودعماً من الدول في مجال البنية الأساسية».
ويعود محيي الدين للتذكير بالمشكلات الجيوسياسية وتأثيراتها على قضية المناخ، وعلى رأسها الحرب الأوكرانية، التي تسببت في «تراجع أوروبا بشكل مؤقت، لمعالجة أزمة الغاز»، ويقول إن «هذا التراجع يرتبط بظرف راهن ومؤقت، حتى لو استمرت الحرب الأوكرانية، لأن الأوروبيين سيتجهون إلى تنويع مصادر الطاقة جغرافياً، واستثمارياً بالاعتماد على الطاقة المتجددة، ما يشكل فائدة لدولة مثل مصر على المدى القصير، متمثلة في تصدير الغاز الطبيعي، الذي يعتبر مورداً أكثر فاعلية، وأقل ضرراً من الفحم».
- التكيف
وفي ظل خط دفاع يحتاج إلى دعم، يطل التكيف، وهو «الأكثر خطورة»، على حد وصف محيي الدين، الذي يشير إلى أن «ملف التكيف يتضمن مشكلات تحتاج استثمارات لإنقاذ القطاع الزراعي، وإدارة المياه، وتطوير البنية الأساسية، خاصة في المناطق الشاطئية، إضافة إلى حماية الأراضي من التصحر، ما يتطلب استثمارات ضخمة، هي بالأساس استثمارات عامة، لا يقدم عليها القطاع الخاص، لأن تكلفتها مرتفعة».
ويقول رائد المناخ المصري إنه «لدفع القطاع الخاص للاستثمار في هذا الملف عالي المخاطرة، يجب تنفيذ مزيد من الإجراءات للمساندة والتحفيز، إضافة إلى ما يسمى تعظيم أو دمج المشروعات»، ضارباً المثل بمشروعات «عالية القيمة» مثل غابات المانغروف.
- الخسائر والأضرار
أما الملف الثالث والأخير على أجندة المفاوضات المناخية فهو ملف «الخسائر والأضرار»، وهو ملف «خلافي» بين الدول، حسب محيي الدين، الذي يشير إلى أن كارثة باكستان أثبتت أنه «لا يمكن الحديث عن تخفيف أو تكيف في ظل كوارث على الأرض»، ويقول إن «دمج (الخسائر والأضرار) في ملف التكيف كان خطأ كبيراً، عطّل المفاوضات لسنوات طويلة»، مشيراً إلى أن «من سعى إلى الدمج في السابق كان يخشى العواقب، إذا ما تمددت المطالبات بالتعويض، من دول يمكن أن تثبت خسائرها المناخية لسنوات».
ويطمح محيي الدين إلى «الموضوعية» في التعامل مع ملف المناخ، من خلال «وضع قواعد منع الضرر، ودعم خط الدفاع الأول، ومساندة الخط الثاني»، معولاً على «دور الإرادة السياسية للدول كمحفز، وداعم للثقة، في مواجهة هذه التحديات».
وحول اعتراض بعض الدول، وبينها الولايات المتحدة الأميركية، على استخدام كلمة «تعويض» في ملف «الخسائر والأضرار»، يقول محيي الدين إن «المفاوضات الجارية في (كوب27) حالياً ستحدد إلى أين وصلنا في هذا الملف، بغضّ النظر عن المسمى»، ضارباً المثل بحالة باكستان التي «خسرت 30 مليار دولار، نصفهم من تبعات التغيرات المناخية، ولم تحصل سوى على أقل من 1 في المائة من احتياجاتها».
ويقول رائد المناخ المصري إن «آليات الغوث الإنساني عادة ما تكون متواضعة، وتأتي متأخرة، لذلك علينا العمل وفقاً لمقولة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وقت أن كان يعمل في هيئة الإغاثة الدولية، التي تقول إن الاستثمار في المنع أفضل من العلاج».
- العلم والمال
ويعتمد رائد المناخ المصري قول الشاعر أحمد شوقي: «بالعلم والمال يبني الناس ملكهم»، شرطاً لمواجهة تأثير التغيرات المناخية، ويقول إن «حلّ المعضلة المناخية لن يتم دون تكامل العلم متمثلاً في التكنولوجيا، والمال اللازم لتنفيذ هذه التكنولوجيا».
ويعد التمويل أحد التحديات في ملف التغيرات المناخية، في ظل «عدم وفاء» الدول الصناعية الكبرى بتعهداتها السابقة التي ترجع إلى عام 2009، والتي تتحدث عن تمويل بقيمة 100 مليار دولار سنوياً لمواجهة التغيرات المناخية، ويقول محيي الدين إن «هذا التعهد فقد قيمته بعد سنوات قليلة من إقراره، فالفجوة التمويلية كبيرة للغاية، والعالم، مع استبعاد الصين والدول المتقدمة، يحتاج إلى تريليون دولار سنوياً، للاستثمار في مجالات التحول في الطاقة، وغيرها»، مشيراً إلى أنه «من باب الظلم وضع كل الدول المتقدمة في سلة واحدة، فهناك 7 دول من أصل 23 وفت بتعهداتها عام 2020. وهي السويد، وفرنسا، والنرويج، واليابان، وهولندا، وألمانيا، والدنمرك، وإن بقيت مساهمات 6 دول أخرى حتى الآن دون الـ23 في المائة».
ويطرح محيي الدين حلولاً لمواجهة فجوة التمويل، عبر «اعتماد آليات جديدة تستفيد من خبرات المؤسسة الدولية للتنمية (IDA) التابعة للبنك الدولي، وتجربة صندوق المناخ الأخضر، والصندوق الائتماني للاستدامة التابع لصندوق النقد، لتقديم تمويل بفترات سداد تصل إلى 20 عاماً، مع فترة سماح 10 سنوات، وخفض الفائدة إلى 1 في المائة»، ويقول إنه «من غير المنصف أن تقترض الدول النامية لتعويض خسائر لم تتسبب فيها، وتدفع فوائد تصل إلى 14 في المائة».
ويأمل رائد المناخ المصري في اعتماد آلية «لمبادلة الديون»، وتحويلها إلى استثمارات في العمل المناخي، ضارباً المثال بتجارب جزر بليز وسيشل وباربادوس، ويقول إن «تطبيق هذا النظام يتطلب توافق الطرفين الدائن والمدين، إضافة إلى وجود مؤسسات دولية تتابع سير الاتفاق»، مشيراً إلى أن «مصر تبذل جهوداً مع 3 دول أوروبية في هذا الإطار».
- خفض الانبعاثات
ويرى رائد المناخ المصري أن «اختزال قضية المناخ في خفض الانبعاثات أضاع القضية»، مشيراً إلى أن «قيادة العمل المناخي كانت في يد دول، ليست لديها مشكلات في التنمية المستدامة، وبالتالي اختزلت الموضوع في تخفيض الانبعاثات، وتسعير الكربون، وهي أمور حيوية، لكنها لا تعالج القضية كلها»، من هنا «تبنت الرئاسة المصرية للمؤتمر نهجاً شمولياً انعكس في البنود التي ضمّتها الجلسات المختلفة، من طاقة، ومياه، وشباب، وزراعة، وتمويل، وغذاء»، على حد قوله.
ويؤكد محيي الدين أنه «لا يوجد تعارض بين التنمية وخفض الانبعاثات»، وهو ما «أثبته تقارير علمية صدرت مؤخراً عن الرئاسة المصرية للمؤتمر، قالت إن الحديث عن تعارض بين التنمية وتغيرات المناخ محض افتراء، ولا دليل علمي يثبته».
ورغم الحديث عن وجود «خلافات» تعترض طريق المفاوضات الدائرة حالياً، فإن محيي الدين ما زال «متفائلاً»، ويقول إن «الساعات الأخيرة شهدت تقارباً بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، على هامش قمة العشرين في بالي، وعلى مستوى أطراف التفاوض في شرم الشيخ، نستشعر بعض التوافق في الأهداف، نأمل أن نرى نتيجته في البيان الختامي للمؤتمر». ويضيف رائد المناخ المصري أن «أجندة المفاوضات متميزة، لكن الإرادة السياسية والتمويل والتكنولوجيا ستكون عوامل حاسمة للقياس بعد المؤتمر»، مختتماً حديثه بنبرة تفاؤلية، أكد فيه أن «الفترة المقبلة، حتى وقت انعقاد مؤتمر (كوب 28) في دبي، العام المقبل، ستشهد قدراً جيداً من العمل المناخي».


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

من المقرر أن يلغي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، نصاً يُشكّل الأساس القانوني للتشريعات التي تُكافح انبعاث غازات الدفيئة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (رويترز)

رئيس الوزراء الكندي يقر بأن بلاده لن تحقق أهدافها المناخية

أقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مقابلة بثتها «راديو-كندا» العامة الثلاثاء، بأن البلاد لن تتمكن من تحقيق أهدافها المناخية لعامي 2030 و2050.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
الاقتصاد جانب من الجلسات في اليوم الختامي لمؤتمر المناخ «كوب 30» المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية (أ.ب)

مؤتمر المناخ يصل إلى محطته الأخيرة دون توافق في نسخة «كوب 30»

دخل مؤتمر المناخ «كوب 30»، المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية وسط غابات الأمازون، يومه الأخير على وقع توتر غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
أميركا اللاتينية انتشر الدخان داخل وخارج المكان الذي يستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (أ.ف.ب)

علاج 13 شخصاً بعد استنشاق الدخان إثر حريق بمقر مؤتمر المناخ «كوب 30»

قال منظمون، في بيان، إن 13 شخصاً تلقوا العلاج من استنشاق الدخان الناجم عن حريق اندلع في المقر الذي ينعقد فيه مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمناخ (كوب 30).

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
تحليل إخباري الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يصافح نائب رئيس الوزراء الصيني دينغ شيويه شيانغ قبل مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ في بيليم (رويترز)

تحليل إخباري الصين تتربع على عرش «كوب 30» وتملأ الفراغ الأميركي

لأول مرة منذ 3 عقود، تغيب أميركا عن قمة الأمم المتحدة للمناخ، تاركة الباب مفتوحاً أمام الصين لتتصدر المشهد قائدةً جديدة في مكافحة الاحتباس الحراري.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.