مسؤول ليبي: عشرات الدواعش فروا إلى مصر.. ولا نستبعد مشاركتهم في أحداث سيناء

المتحدث باسم الخارجية المصرية لـ {الشرق الأوسط}: الجيش يؤمن الحدود.. وتوجد تعبئة كاملة

قافلة من السيارات ذات الدفع الرباعي لمسلحي داعش مدججين بالسلاح في ليبيا
قافلة من السيارات ذات الدفع الرباعي لمسلحي داعش مدججين بالسلاح في ليبيا
TT

مسؤول ليبي: عشرات الدواعش فروا إلى مصر.. ولا نستبعد مشاركتهم في أحداث سيناء

قافلة من السيارات ذات الدفع الرباعي لمسلحي داعش مدججين بالسلاح في ليبيا
قافلة من السيارات ذات الدفع الرباعي لمسلحي داعش مدججين بالسلاح في ليبيا

كشفت مصادر أمنية مصرية وليبية عن فرار عشرات المتطرفين من جنسيات مختلفة مما يسمى تنظيم داعش من ليبيا إلى مصر خلال الشهرين الماضيين، بسبب تضييق الجيش الليبي الخناق على معقل هذا التنظيم المتشدد في بلدة درنة الواقعة على البحر المتوسط، والتي تبعد عن الحدود المصرية نحو 300 كيلومتر. ورجحت مشاركة بعضهم في تنفيذ عمليات ضد الجيش والشرطة ورجال القضاء في عدة مناطق بالقاهرة والجيزة وسيناء. لكن السفير بدر عبد العاطي المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية قال لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات المسلحة المصرية تقوم بتأمين الحدود و«توجد تعبئة كاملة من الجانب المصري».
ومنذ انتشار التنظيمات المتطرفة والعناصر الأجنبية المنخرطة فيها في ليبيا، بعد سقوط نظام معمر القذافي، وظهور تنظيم داعش وتنامي نفوذ القاعدة، تخشى دول الجوار الليبي من انتقال الجماعات المتشددة عبر حدودها. وقال المستشار في الجيش الليبي، الدكتور صلاح الدين عبد الكريم، لـ«الشرق الأوسط»، إن عشرات الدواعش فروا إلى دول الجوار، بما فيها مصر، عن طريق البر أو البحر، في الشهرين الأخيرين، بسبب ضربات الجيش الليبي رغم ضعف إمكاناته.
وتوجد لجنة من دول الجوار تضم ليبيا أيضا، وتعقد اجتماعات بين حين وآخر في محاولة لمساعدة الدولة الليبية على بسط سلطانها على أراضيها وحدودها، وكبح نفوذ المتطرفين. وبينما لمح المستشار عبد الكريم، إلى وجود عدم تفاهم بين دول الجوار حول الملف الليبي، ما يؤثر بالسلب على جهود الحرب على الإرهاب عبر الحدود، شدد السفير عبد العاطي على أن الاجتماعات بين هذه الدول مستمرة، قائلا إنه «لا توجد خلافات».
ووقعت أعمال عنف في مصر وتونس، وهما من أكثر البلدان التي لها رعايا منخرطين في صفوف المتطرفين في ليبيا، خاصة قرب المناطق الحدودية مثل درنة من ناحية مصر وصبراتة من جهة تونس. وتخشى السلطات في هاتين البلدين من عودة المتطرفين لتنفيذ أعمال انتقامية.
وأودت هجمات إرهابية بحياة عشرات السياح في تونس، أعقبها بعدة أيام عمليات إرهابية ضخمة في مصر راح ضحيتها النائب العام هشام بركات، إثر تفجير موكبه في القاهرة، ونحو 17 من جنود وضباط الجيش في هجمات أخرى في سيناء. وقال تقرير أعده مركز يشرف على إدارته فرع في جهاز الأمن المصري إن «نشاط الميليشيات العسكرية التي لها صلة بتنظيم القاعدة قرب حدودنا مع ليبيا، يزيد من حجم المخاطر على الأمن القومي».
ووفقا للمصادر فإن عناصر عربية وأجنبية، من بينهم مصريون أيضا، فروا خلال الشهرين الماضيين، من درنة إلى مصر عبر طريقين الأول الدروب البرية على الحدود، وهذا الطريق يصل عبر الصحراء إلى مدينة السادس من أكتوبر (تشرين الأول) على المشارف الغربية للقاهرة، والثاني من خلال بواخر في البحر المتوسط تقف قبالة سواحل سيناء ويتسلل المتطرفون منها عبر مراكب مطاطية إلى البر. وتردد على ألسنة ضباط ليبيين في ميدان الحرب في بنغازي أن طبيعة الهجمات الإرهابية التي وقعت في مصر الأسبوع الماضي، والمواد المستخدمة فيها، شبيهة بتلك «المعروفة لدينا من خلال تعاملنا مع المتطرفين هنا». وقتل المتطرفون باستخدام السيارات المفخخة والهجوم على الأكمنة داخل بنغازي حولي 700 جندي وضابط من الجيش الليبي العام الماضي.
ووفقا للتقرير الأمني المشار إليه فإن المتطرفين في ليبيا يضعون أيديهم على مخازن ضخمة من الأسلحة من مختلف الأنواع، ولديهم معرفة بدروب وطرق التسلل والتهريب إلى داخل مصر. ويأتي هذا في وقت أقرَّ فيه مسؤول في جهاز الاستخبارات المصري، في حديث مع «الشرق الأوسط» بوجود صعوبة في تأمين بعض المناطق الحدودية البرية مع ليبيا، خاصة منطقة الصخور المهجورة والوعرة والموجودة بين واحتي «سيوة» المصرية و«جغبوب» الليبية. وهذه المنطقة تقع على بعد نحو 300 كيلومتر جنوب ساحل السلوم. بينما أكد المستشار عبد الكريم، أن تأمين الحدود مع مصر، البالغ طولها 1150 كيلومترا يحتاج إلى دولة قوية في ليبيا، و«هذا أمر لم يتحقق بعد، منذ 2011 حتى الآن».
وعما إذا كان يعتقد أن المواد المتفجرة التي جرى استخدامها في العمليات الإرهابية الأخيرة بمصر، يمكن أن تكون مهربة من ليبيا، قال المستشار عبد الكريم، إن «كل الاحتمالات واردة.. نحن الآن أمام إرهاب يدعم بعضه بعضا، من سوريا لليبيا لمصر وغيرها.. نحن أمام منظومة إرهابية متكاملة تتبادل الخبرة والأسلحة والانتحاريين».
وعلى الجانب الآخر من الصحراء، أي في البحر المتوسط، تنشط بواخر مشبوهة تقوم بنقل متطرفين وأسلحة إلى السواحل الليبية وفقا لما ذكره مستشار الجيش الليبي، قائلا إن هناك دولا بعينها تقوم بالتستر على تسيير مثل هذه المراكب. ووفقا للمصادر الأمنية المصرية فقد جرى توقيف بواخر وتفتيشها أثناء اقترابها من السواحل المصرية في الفترة الأخيرة، من بينها باخرة كانت في طريق عودتها من طبرق إلى تركيا، وجرى رصدها على بعد 45 ميلا قبالة سواحل السلوم.
لكن كابتن الباخرة، وهو سوري الجنسية، ويدعى عبد الرازق السنبوك، قال لـ«الشرق الأوسط» في اتصال بالهاتف: «لا دخل لنا بالأعمال غير المشروعة. والباخرة، وهي مملوكة لرجل سوري أيضا لكنه يحمل الجنسية السويدية، ليس عليها لا إرهابيون ولا أسلحة. لقد فتشتنا السلطات المصرية ولم تعثر معنا على أي شيء مخالف للقانون».
وفي مقابلة سابقة مع محافظ مطروح، اللواء علاء أبو زيد، الذي كان يشغل موقع مدير المخابرات الحربية في المنطقة الحدودية مع ليبيا، أكد لـ«الشرق الأوسط» وجود رقابة صارمة على الحدود برا وبحرا وجوا، وأوامر للطيران بضرب أي سيارات «دفع رباعي» تتسلل لمصر، لكن مصادر أمنية على جانبي الحدود قالت في المقابل إنه تلاحظ وجود اختراقات وأعمال تهريب بسيارات الدفع الرباعي في الآونة الأخيرة.
ومن جانبه، انتقد المستشار عبد الكريم عدم فاعلية الاجتماعات التي تعقدها دول الجوار لبسط الاستقرار ومكافحة الإرهاب في ليبيا، قائلا إنه توجد خلافات بين عدد من هذه الدول. وتابع أن موقف تونس والجزائر كان لغير صالح ليبيا، وضد الشرعية.. و«تونس للأسف بدأت تكتوي بنار الإرهاب الذي سبق وصدرته إلى ليبيا وسوريا. هذا موضوع خطير يتطلب توحيد الجهود والبعد عن المماحكات السياسية، لأن الخطر الآن داهم على الجميع».
ورصدت تقارير أعدتها مراكز تعمل لصالح جهات أمنية بمصر «وجود اتصال بين الميليشيات الليبية وجماعات مصرية متطرفة وتبادل للخبرات والتدريب على أعمال إرهابية، وأن هذا أسهم في صعوبة مواجهة المتطرفين في سيناء سواء مصريين أو أجانب». وقال أحد هذه التقارير، إن الأمر يزداد صعوبة مع وجود متطرفين مصريين لجأوا لشرق ليبيا عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، وإن من تمكن من العودة من هؤلاء، سواء برا أو بحرا، عاد للعمل مع بؤر الإرهاب خاصة في سيناء.
ومن جانبه، قال السفير عبد العاطي، حول انتقاد بعض المسؤولين الليبيين لدول الجوار وعدم عقدها اجتماعات بشأن ليبيا منذ فترة طويلة، إن الاجتماعات مستمرة وأن آخرها عقد في إنجامينا في دولة تشاد منذ نحو ثلاثة أسابيع فقط، مشيرا إلى أن كل دول الجوار كانت مشاركة فيه. وأوضح قائلا إنه «بالنسبة لمصر، نحن ننسق مع كل دول الجوار، ولا توجد هناك خلافات. كلنا متفقون على الحل السياسي، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وعلى تمكين الحكومة من موجهة الإرهاب، وعدم تقسيم ليبيا والحفاظ على وحدتها».
وعما إذا كان هناك أي تنسيق بين هذه الدول في موضوع الإرهاب ومنع المتطرفين من الانتقال لدول الجوار الليبي، قال: «بالتأكيد.. الأجهزة الأمنية تتعاون في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية، والعمل على قطع تمويل الإرهاب، ويتم التعاون بالفعل في موضوعات التدريب والمساعدات الفنية في هذا المجال».
وفي ما يتعلق بما ذكره المستشار عبد الكريم عن فرار دواعش من ليبيا إلى مصر في الشهرين الماضيين، بسبب ضغوط الجيش الليبي على درنة، شدد السفير عبد العاطي على أن «القوات المسلحة المصرية تقوم بتأمين الحدود على أكمل وجه، وتوجد تعبئة كاملة، ويتم تأمين الحدود بشكل كامل، وهي، الحدود، مؤمنة تماما من الجانب المصري».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.