كييف: الغرب يتجه نحو انتصار مشترك

لندن وواشنطن تعتبران استعادة خيرسون «انتكاسة» تؤدي إلى «تداعيات استراتيجية»

سكان محليون يحتفلون في خيرسون بعد انسحاب القوات الروسية (رويترز)
سكان محليون يحتفلون في خيرسون بعد انسحاب القوات الروسية (رويترز)
TT

كييف: الغرب يتجه نحو انتصار مشترك

سكان محليون يحتفلون في خيرسون بعد انسحاب القوات الروسية (رويترز)
سكان محليون يحتفلون في خيرسون بعد انسحاب القوات الروسية (رويترز)

هناك إجماع غربي على أن دخول القوات الأوكرانية خيرسون يعد انتكاسة كبيرة أخرى لموسكو بعد نحو تسعة أشهر من بدء الحرب. والانسحاب الروسي من خيرسون هو الثالث من حيث الحجم منذ بدء الغزو في 24 فبراير (شباط)، إذ اضطرّت روسيا للتراجع في الربيع خلال محاولتها السيطرة على كييف في مواجهة مقاومة أوكرانيّة شرسة، قبل طردها من منطقة خاركيف (شمال شرق) بشكل شبه كامل في سبتمبر (أيلول).
وبعد إعلانها استعادة خيرسون، قالت كييف إنها تسير نحو تحقيق «انتصار مشترك» للغرب، في حين رأت لندن وواشنطن في الانسحاب «خسارة استراتيجية جديدة» لموسكو. وأكد وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا السبت، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في كمبوديا: «قلة من الناس آمنوا بأن أوكرانيا ستنجو... فقط بعملنا معاً يمكننا أن ننتصر ونخرج روسيا من أوكرانيا... سيكون انتصارنا المشترك انتصاراً لكل الدول المحبة للسلام في كل أنحاء العالم».
وأشاد بلينكن «بالشجاعة الرائعة» للجيش والشعب الأوكرانيين، ووعد بأن الدعم الأميركي «سيستمر طالما لزم الأمر» لإنزال الهزيمة بروسيا.
ونقلت قوات الاحتلال الروسي مركزها الإداري الإقليمي بعد انسحابها من المدينة. وذكرت وكالات أنباء روسية أمس (السبت)، نقلاً عن متحدث باسم إدارة احتلال خيرسون، أنه جرى نقل جزء كبير من الإدارة الروسية بالفعل إلى بلدة هينيتشيسك التي تقع أقصى الجنوب الشرقي لخيرسون، على بحر آزوف، وعلى مسافة عشرات الكيلومترات من شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو من أوكرانيا بالقوة في 2014.
وغزت روسيا أغلب أرجاء خيرسون بعد فترة قصيرة من شن حربها على أوكرانيا في 24 فبراير الماضي. وفي سبتمبر، ضم الكرملين خيرسون، وثلاث مناطق أوكرانية أخرى - زابوريجيا ولوغانسك ودونيتسك - إلى الاتحاد الروسي.
ويؤكد كبار مسؤولي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، أن الانسحاب الروسي من خيرسون يشكل «انتكاسة» ستؤدي إلى «تداعيات استراتيجية». ووصف مستشار الأمن القومي جيك سوليفان هذا الانسحاب، بأنه «نصر استثنائي» لأوكرانيا. وقال للصحافيين، في الطائرة الرئاسية خلال توجهه إلى كمبوديا: «يبدو أن الأوكرانيين حققوا لتوهم انتصاراً استثنائياً: العاصمة الإقليمية الوحيدة التي استولت عليها روسيا في هذه الحرب عادت الآن تحت العلم الأوكراني، وهذا أمر رائع جداً».
واعتبر أن انسحاب القوات الروسية ستكون له «تداعيات استراتيجية أوسع»، بما في ذلك التخفيف من حدة التهديد الذي تشكله روسيا على المدى الطويل لمدن أخرى في جنوب أوكرانيا، مثل أوديسا. وأضاف: «هذه لحظة عظيمة وهي نتيجة مثابرة ومهارة مذهلتين لدى الأوكرانيين، بدعم موحد ومتواصل من الولايات المتحدة وحلفائنا».
واعتبر وزير الدفاع البريطاني بن والاس أن الانسحاب الروسي من المدينة يشير إلى «خسارة استراتيجية جديدة» لموسكو. ورأى أن الخسارة ستزرع الشك في صفوف الرأي العام الروسي. وقال في بيان: «الانسحاب من خيرسون الذي أعلنته روسيا يشير إلى خسارة استراتيجية جديدة لهم». وأضاف: «حالياً ومع (هذه المدينة) التي انسحبوا منها أيضاً، يجب أن يتساءل الناس في روسيا: ما الجدوى من كل ذلك؟».
وفي حين سحبت روسيا قواتها لتتمركز في مواقع دفاعية، اعتبر والاس أن الغزو الروسي في فبراير «لم يجلب سوى العزلة الدولية والإهانة»، لموسكو. وأضاف: «تستمر كل من المملكة المتحدة والمجتمع الدولي في دعم (الأوكرانيين)، وفي حين نرحب بالانسحاب لا نستخف بالتهديد الذي تشكله روسيا».
وأشارت تقديرات الاستخبارات البريطانية إلى أن استعادة القوات الأوكرانية لخيرسون تعني إضراراً كبيراً بسمعة روسيا. وذكرت وزارة الدفاع البريطانية صباح السبت، في تحديثها الاستخباراتي اليومي لتطورات الحرب، أن «الانسحاب يعد اعترافاً صريحاً بالصعوبات التي تواجهها القوات المسلحة الروسية على الضفة الغربية لنهر دنيبرو». وشككت الوزارة في أن روسيا أجلت قواتها وعتادها في أقصر وقت ممكن، مشيرة إلى أنه من المرجح أن الانسحاب بدأ بالفعل في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما طالبت إدارة الاحتلال الروسي السكان بمغادرة المدينة.

سيدة  أوكرانية تعانق جندياً في خيرسون (رويترز)
* الحرب في الشتاء
إلى ذلك، يعتقد المسؤولون الأميركيون أن قرار روسيا بالانسحاب من مدينة خيرسون، استند جزئياً إلى مخاوف من أن جنودها سيُحاصرون وينقطعون عن الإمدادات مع حلول فصل الشتاء. وفيما كانوا يقدرون أن يستغرق الانسحاب، أسبوعين، أنجزت القوات الروسية انسحابها في أيام. ويؤكد مسؤولو إدارة بايدن أن العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا ستظل متوقفة حتى العام المقبل، بعد التقدم الأخير للقوات الأوكرانية، الذي قوض آمال موسكو في الاستيلاء على مزيد من الأراضي. ويتوقع القادة العسكريون الأميركيون أن تواصل موسكو مهاجمة القوات والقواعد والبنية التحتية وشبكة الكهرباء الأوكرانية، لأن فصل الشتاء من شأنه أن يجمد العمليات العسكرية الهجومية من الطرفين.
وكان كولن كال، وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية، قد أشار الأسبوع الماضي، إلى تباطؤ العمليات العسكرية في أوكرانيا خلال الشتاء. وقال للصحافيين: «نرى بالفعل أن الطقس السيئ في أوكرانيا يبطئ الأمور قليلاً... أصبحت الأرض موحلة حقاً، ما يجعل من الصعب القيام بهجمات واسعة النطاق». وأضاف: «يجب أن نتوقع أن يتبادل الجانبان نيران المدفعية». «يبدو أن الروس عازمون على الاستمرار في إطلاق صواريخ كروز والطائرات من دون طيار الإيرانية على البنية التحتية المدنية الأوكرانية». وقال إن موسكو قد تستمر في ذلك، «لذا ستستمر الحرب، حتى لو تغيرت حدتها إلى حد ما».

أوكرانيون نزحوا من خيرسون يحتفلون في أوديسا بتحرير مدينتهم (رويترز)
وفيما يتوقع البنتاغون أن تعمد روسيا إلى استغلال التوقف المؤقت للعمليات الهجومية، من أجل إعادة تجميع وتدريب وتجهيز جيشها، تشير تقديرات استخبارية إلى أن روسيا قد لا تكون قادرة على إعادة تصنيع معداتها العسكرية، في ظل الصعوبات التي تواجهها من العقوبات التي فرضت عليها. في المقابل، يقول مسؤولو إدارة بايدن، إنه من الضروري استخدام فترة الشتاء لإعادة بناء إمدادات الجيش الأوكراني بالأسلحة الهجومية والدفاعية. ويقول محللون عسكريون إنه خلال فترة التوقف التي تلوح في الأفق، سيعيد الجانبان تدريب القوات أيضاً ويستعدان لمعركة جديدة في فبراير المقبل. لكنهم يحذرون من أن «وقف إطلاق النار قد يكون مفيداً من الناحية التكتيكية لروسيا أكثر، في تثبيت سيطرتها على الأراضي المحتلة». ويضيف هؤلاء أنه ليس من مصلحة أوكرانيا أن توقف عملياتها، خصوصاً عمليات التخريب خلف خطوط العدو، واستهداف البنية العسكرية والمدنية لسلطة الاحتلال الروسية، خصوصاً أن روسيا ستواصل استهداف البنية التحتية المدنية وشبكة الكهرباء.
ويرجح مسؤولون أوكرانيون أن تستهدف روسيا إمدادات المياه أيضاً. ورغم ذلك، يرى مسؤولون في إدارة بايدن أن هناك حدوداً لقدرة روسيا على مواصلة حملتها التدميرية للبنية التحتية، مع تضاؤل إمداداتها من الصواريخ الطويلة المدى الموجهة بدقة. وبحسب تقارير استخبارية أميركية، فقد استخدمت موسكو طائرات إيرانية من دون طيار لتعويض النقص، وليس من الواضح بعد كم هو عدد الطائرات الذي يمكنها الحصول عليه، مع تصاعد قدرات الدفاعات الأوكرانية في إسقاطها. ولا تملك الاستخبارات الأميركية تقديراً دقيقاً لما تبقى من مخزونات روسيا من الذخيرة الموجهة بدقة، بما في ذلك صواريخ كروز والطائرات من دون طيار، في الوقت الذي تعاني فيه قاعدتها الصناعية العسكرية من مشاكل حقيقية.



الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

يُصنّف الخبراء الجيوش الحديثة بناء على حجم استعمال هذه الجيوش للذكاء الاصطناعيّ في عمليّاتها العسكريّة، كما بناء على حجم تصنيع منظومات بما يُسمّى «التحكّم الذاتي»، وفي كل الأبعاد (Autonomous).

كذلك يُقاس مستوى فاعليّة الجيوش بمقدار ما تنخرط هذه الجيوش في قتال مشترك (Combined) بين كل الأسلحة والاختصاصات؛ من قوى برّ، وبحر، وجوّ، وسيبرانيّة وغيرها. يُطلق على هذه المنظومة القتاليّة اسم «العمليات المشتركة والمتكاملة» (Integrated joint operations). فما المقصود بهذه التسميّة؟

حسب التقرير الأخير لـ«البنتاغون» حول استعدادات الجيش الصيني لعام 2027، العام الذي حدّده الرئيس الصيني للهجوم على جزيرة تايوان وضمّها للوطن الأم، كما يقول، فإن الأمر يُحتّم توافر 3 إمكانيّات استراتيجيّة؛ هي: القدرة على تحقيق الانتصار بتكلفة معقولة؛ وردع أميركا، أو تقييد قدرتها على التدخّل في النزاع حول تايوان، مع التلويح بالنووي إذا لزم الأمر؛ كما منع إمكانيّة فتح جبهات إضافية من قبل حلفاء أميركا. وعليه قد تتعدّد سيناريوهات الحرب الصينيّة على تايوان، بدءاً من الإكراه (Coercion) للاستسلام من دون حرب فعليّة تيمناً بما قاله المفكر الصيني، صان تسو، بمهاجمة استراتيجية العدو والانتصار دون حرب، وذلك وصولاً إلى الاجتياح الكامل للجزيرة، عبر القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل التايوانيّة، مع عملية إنزال بحريّة ضخمة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ «إنزال النورماندي» في الحرب العالميّة الثانية.

لكن السؤال يبقى: هل أخذت الصين الدروس من الحرب الروسيّة على أوكرانيا؟ وماذا عن السلوك وردّة الفعل الأميركيّة؟ هل فعلاً سيلتزم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بنصف الكرة الغربيّ بوصفه منطقة نفوذ أميركيّة؟ أم سيتدخّل على الأقلّ عبر مساعدة الحلفاء وعلى رأسهم اليابان؟

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

 

إلى الذكاء الاصطناعي في الحرب

لا تشذّ الصين عن سلوك القوى العظمى خصوصاً الولايات المتحدة، في اعتمادها على استراتيجيّة القتال المشتركة والمتكاملة. ترتكز هذه الاستراتيجيّة في جوهرها على ربط كلّ الأسلحة (بر، وبحر، وجو، وفضاء وسيبراني) بعضها ببعض، لتعطي صورة ثلاثيّة الأبعاد عن حقل الحرب - المعركة (Battlespace). فما المقصود بحقل المعركة؟ إنها بيئة العمليات العسكريّة (Operational). تربط كلّ الأسلحة بعضها ببعض، آخذة في الحسبان كل ما يمتّ بصلة لمسرح الحرب؛ من تضاريس، وطقس، وبنى تحتيّة، وأسلحة مستعملة، وأجهزة استشعار (Sensors)، ومسيّرات، وحرب إلكترونيّة (EW)، وأقمار اصطناعيّة، وكل ما هو قادر على توفير «داتا» عن العدو بهدف تحقيق النصر. والهدف دائماً، هو تقصير عملية اتخاذ القرار للقيادة البشريّة (حتى الآن) كي تحتفظ بحريّة المناورة واستباق ردّة فعل العدو.

لكن الربط بين كل هذه الوسائل في أرض المعركة، سيؤدّي إلى فائض من «الداتا» (Overwhelming) لا يستطيع العنصر البشري التعامل معها بسرعة، عبر تحليلها، وتحويلها إلى معرفة، واتخاذ القرار وتوزيعها على القوى العسكريّة للتنفيذ. هنا يأتي الحل عبر استعمال الذكاء الاصطناعي (AI). لكن الحلّ بطبيعته ينتج مشاكله الخاصة. ألم يقل الفيلسوف الإنجليزي، كارل بوبر، إن «الحياة عبارة عن عملية مستدامة لحل المشاكل؟ فإذا كان الحل عبر الذكاء الاصطناعي لتحليل (الداتا)، فهو بحد ذاته وبطبيعته سوف ينتج كثيراً من المشاكل». فما هي باختصار؟

من المعروف أن الذكاء الاصطناعي يستعمل خوارزميّات (Algorithm) قادرة على إعطاء أجوبة عما يُقارب 500 مليون سؤال من المُستعمل وأكثر. لكن الأجوبة لا تأتي من الفراغ، فهي، أي الخوارزميات، تُدرّب على كميّة كبيرة من «الداتا» قد تصل إلى كثير من «البيتا بايت» (Petabyte) - كل بيتابايت يساوي 500 مليار ورقة مطبوعة تقليديّة. وهذه «الداتا»، تُجمّع أغلبها من المصادر المفتوحة، كما السريّة. فماذا لو سُمّمت هذه «الداتا»؟ وكيف ستكون عملية السيطرة على مسرح الحرب وإدارته بشكل منتظم بناء على معلومات مغلوطة؟

جندي روسي يحضّر مسيرة لإطلاقها في أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب)

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع عملية اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية من ضمن المنظومة للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة؟

إن الاعتماد الكلّي في الحرب على الذكاء الاصطناعيّ، قد يحوّل الحرب إلى عمليّة حسابيّة - خوارزميّة، الأمر الذي يُسرّع الحرب، يُسرّع التصعيد. فماذا لو وصل وضع التصعيد إلى استعمال السلاح النووي بناء على «داتا» مسمومة؟

يقول المفكّر البروسي الشهير، كارل فون كلوزفيتز، إن الشك وعدم اليقين يسيطران عادة وباستدامة على مسرح المعركة (Fog of War). وهذا أمر يُعقّد قرارات القائد العسكريّ. نظّر البعض في هذا المجال بأن الذكاء الاصطناعي سيُقّلل أو يزيل هذه الضبابيّة، عبر توفير كثير من «الداتا» والاستعلام عن العدو. فماذا لو كانت «الداتا» مسمومة؟ إذن، سيبقى عدم اليقين والضبابيّة في ساحة المعركة، حتى مع الذكاء الاصطناعيّ.

لكن الوضع الأخطر هو فيما يُسمّى «فجوة الفهم» بين الذكاء الاصطناعي والقائد (Cognitive Gap)، فما المقصود بذلك؟ قد يقترح الذكاء الاصطناعي أمراً معيّناً على القائد. وقد لا يفهم أو يعي القائد هذا الاقتراح، بسبب الفجوة الهائلة في كميّة «الداتا» التي يملكها الطرفان. فماذا يفعل القائد؟ وكيف يتّخذ القرار بناء على اقتراح لا يفهمه؟ وماذا سيكون عليه الوضع لو كانت «داتا» الذكاء الاصطناعي مسمومة؟ ألا يدخل هنا مبدأ الخداع (Deception) للذكاء الاصطناعي عبر تزويده بـ«داتا» مسمومة؟ وألا يُعدّ هنا قول المفكّر الصيني، صان تسو، إن الحرب تقوم على الخداع، قولاً صالحاً للأزل؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هوارد لوتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض مبادرته الموقعة بشأن الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض - 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأخيراً، لا بد أن تكون للذكاء الاصطناعي بنى تحتيّة يرتكز عليها في الحرب. والمقصود بذلك هو ذلك الوسيط (Medium) الذي ينقل «الداتا» من مكان إلى آخر؛ من الذكاء الاصطناعي إلى القائد العسكريّ. وإذا كنّا نعيش اليوم في عالم رقميّ (Digital)، فإن هذا العالم لا يزال يرتكز على العالم الملموس، والماديّ (البرّ، والبحر، كما الفضاء). وفي هذا الإطار، ألا ينقل العالم أكثر من 90 في المائة من «الداتا» عبر الكوابل البحريّة، والباقي عبر الأقمار؟ فهل لدى القيادات العسكريّة بدائل عن هذه الكوابل؟ ولماذا يتم التخطيط لقطعها؟ ألا يمكن تسميم «الداتا» عبر خرق هذه الكوابل؟

 

 

مسارح الحرب الجديدة

تستدعي حروب القرن الحادي والعشرين مبدأ الدفاع الشامل والكامل، في ظل الهجوم الشامل والكامل. مبدأ الدفاع عن الداخل عبر حماية البنى التحتيّة كونها مرتبطة بعضها ببعض عبر العالم الرقميّ، وهي تخدم المجهود الحربي بعدّة أبعاد. أما مبدأ الهجوم الشامل، فهو يندرج في الحرب الهجوميّة، إن كان على القوى العسكريّة أو على البنى التحتية للعدو عبر الهجمات السيبرانيّة. وفي كل الحالات، ترتبط القوى العسكرية بعضها ببعض كونها تقاتل قتالاً مشتركاً (Combined) عبر العالم الرقميّ (Digital World).

في الحرب العالميّة الثانية، كانت استراتيجية القصف الاستراتيجي لألمانيا تُركّز على قصف القدرات الاصطناعية التي تخدم الحرب. حالياً ومع العصر الرقميّ، حلت الحرب السيبرانية مكان القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل، خصوصاً أن أغلب الأسلحة الحديثة أصبحت تعمل بواسطة خوارزميات، وأن القطاع الخاص هو الذي ينتجها. وعليه، أصبح من الحيويّ والمُلحّ أن تكون هناك جهود جبّارة لإدارة الأزمات الداخليّة التي تسببها الهجمات السيبرانيّة.

في الحرب العالمية الثانية، بدأت الحرب على الجبهات، ومن بعدها انتقلت إلى الداخل. حالياً، ومع العصر الرقميّ والحرب السيبرانيّة؛ قد تبدأ الحرب في الداخل بهدف شلّه، وبعدها الحرب على القوى العسكريّة. لذلك قد يمكن القول إنه لا جبهات (Fronts) مُحدّدة في حروب المستقبل.


السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
TT

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية وتشغيلية للسفن وأنظمة التشغيل، إلى ضابط استخبارات يعمل لصالح الصين، وحُكم عليه أمس (الاثنين) بالسجن لأكثر من 16 عاماً، بحسب الادعاء.

وحكم قاضٍ فيدرالي في سان دييغو على جينتشاو وي، البالغ من العمر 25 عاماً، بالسجن لمدة 200 شهر. وكانت هيئة محلفين فيدرالية قد أدانته في أغسطس (آب)، بارتكاب 6 جرائم، بينها التجسس. وقالت وزارة العدل الأميركية في بيان، إن وي تلقّى أكثر من 12 ألف دولار مقابل المعلومات التي باعها.

وكان وي، وهو مهندس على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس إيسيكس» (USS Essex)، أحد بحارين اثنين مقيمين في كاليفورنيا وُجّهت إليهما الاتهامات في 3 أغسطس 2023، بتزويد الصين بمعلومات عسكرية حساسة. أما الآخر، وينهينغ تشاو، فقد حُكم عليه في عام 2024 بالسجن لأكثر من عامين بعد أن أقرّ بذنبه في تهمة التآمر وتهمة تلقي رشوة واحدة في انتهاك لواجباته الرسمية.

وعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات، عن قلقهم من خطر التجسس الذي يقولون إن الحكومة الصينية تمثّله، ورفعوا في السنوات الأخيرة قضايا جنائية ضد عناصر استخبارات تابعين لبكين سرقوا معلومات حكومية وتجارية حساسة، بما في ذلك عبر عمليات قرصنة غير قانونية.

وقال الادعاء إن وي جرى استقطابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2022، من قبل ضابط استخبارات قدّم نفسه على أنه هاوٍ للشؤون البحرية، ويعمل لدى شركة صناعة السفن الصينية المملوكة للدولة.

وأظهرت الأدلة المقدَّمة أمام المحكمة أن وي قال لصديق له، إن الشخص «مريب للغاية»، وإن الأمر «واضح تماماً أنه تجسس». غير أن وي تجاهل نصيحة صديقه بحذف جهة الاتصال، ونقل محادثاته مع ضابط الاستخبارات إلى تطبيق مراسلة مشفّر آخر كان يعتقد أنه أكثر أماناً، بحسب الادعاء.

وخلال 18 شهراً، أرسل وي إلى الضابط صوراً ومقاطع فيديو لسفينة «إيسيكس»، وأبلغه بمواقع عدد من سفن البحرية الأميركية، كما قدّم له معلومات عن الأسلحة الدفاعية للسفينة، وفقاً للادعاء.

وباع وي لضابط الاستخبارات 60 كتيّباً تقنياً وتشغيلياً، بينها كتيّبات خاصة بأنظمة التحكم بالأسلحة والطائرات ومصاعد سطح السفينة. وكانت هذه الكتيّبات تتضمن تحذيرات تتعلق بضوابط التصدير، وتشرح بالتفصيل كيفية تشغيل عدة أنظمة على متن «إيسيكس» وسفن مماثلة.

وكان وي يحمل رتبة ضابط صف من الدرجة الثانية، وهي رتبة ضمن فئة الأفراد المجنّدين.

ويذكر موقع البحرية الأميركية أن «إيسيكس» مجهّزة لنقل ودعم قوة إنزال من مشاة البحرية (المارينز) قوامها أكثر من 2000 جندي خلال عمليات إنزال جوي وبرمائي.

وفي رسالة إلى القاضي قبل النطق بالحكم، اعتذر وي وقال إنه لم يكن ينبغي له أن يشارك أي شيء مع الشخص الذي كان يعدّه صديقاً. وأضاف أن «الانطواء والشعور بالوحدة» أثّرا على حكمه وتقديره للأمور.


«بي بي سي» تعتزم التقدم بطلب لرفض دعوى ترمب البالغة 10 مليارات دولار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«بي بي سي» تعتزم التقدم بطلب لرفض دعوى ترمب البالغة 10 مليارات دولار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أظهرت وثائق قضائية أن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ستتخذ إجراءات قانونية لطلب رفض دعوى التشهير البالغة قيمتها 10 مليارات دولار التي رفعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضدها، والمتعلقة بتحرير برنامج «بانوراما».

وتَعرّض برنامج «بانوراما» لانتقادات في أواخر العام الماضي بسبب حلقة بُثت في 2024، إذ أعطت الانطباع بأن الرئيس الأميركي كان يشجع مؤيديه على اقتحام مبنى الكابيتول في 2021، بحسب وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

وفي الحلقة، تم دمج مقطع من خطاب ترمب بتاريخ 6 يناير (كانون الثاني) 2021 ليُظهره وهو يقول: «سننزل إلى الكابيتول... وسأكون هناك معكم. وسنقاتل. سنقاتل بشراسة».

ويطالب ترمب بتعويض يصل إلى 10 مليارات دولار رداً على تعديل الخطاب، فيما زعم محاموه أن التحرير كان «زائفاً ويفتقر إلى الحقيقة ويشوه سمعته»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وستقدم هيئة الإذاعة البريطانية طلباً لرفض الدعوى، بحجة أن محكمة فلوريدا لا تتمتع بالاختصاص الشخصي عليها، وأن مكان انعقاد المحكمة غير مناسب، وأن ترمب فشل في تقديم دعوى صحيحة، وفقاً للوثائق المقدمة، مساء الاثنين، بتوقيت بريطانيا.

وستؤكد الهيئة أنها لم تقم بإنشاء أو إنتاج أو بث الوثائقي في فلوريدا، وأن ادعاء ترمب بأن الوثائقي كان متاحاً في الولايات المتحدة عبر خدمة البث «بريت بوكس» غير صحيح.

كما ستزعم الهيئة أن الرئيس فشل في تقديم دليل مقنع على أن «بي بي سي» نشرت الوثائقي بقصد إساءة أو نية خبيثة فعلية، وهو ما يُطلب من المسؤولين العموميين إثباته عند رفع دعاوى التشهير في الولايات المتحدة.

وطلبت الهيئة من المحكمة وقف جميع عمليات الاكتشاف الأخرى، وهي العملية التي يجمع فيها الطرفان معلومات قبل المحاكمة، إلى أن يصدر قرار بشأن طلب رفض الدعوى.

وتم اقتراح موعد محاكمة عام 2027 إذا استمرت القضية.