كييف: الغرب يتجه نحو انتصار مشترك

لندن وواشنطن تعتبران استعادة خيرسون «انتكاسة» تؤدي إلى «تداعيات استراتيجية»

سكان محليون يحتفلون في خيرسون بعد انسحاب القوات الروسية (رويترز)
سكان محليون يحتفلون في خيرسون بعد انسحاب القوات الروسية (رويترز)
TT

كييف: الغرب يتجه نحو انتصار مشترك

سكان محليون يحتفلون في خيرسون بعد انسحاب القوات الروسية (رويترز)
سكان محليون يحتفلون في خيرسون بعد انسحاب القوات الروسية (رويترز)

هناك إجماع غربي على أن دخول القوات الأوكرانية خيرسون يعد انتكاسة كبيرة أخرى لموسكو بعد نحو تسعة أشهر من بدء الحرب. والانسحاب الروسي من خيرسون هو الثالث من حيث الحجم منذ بدء الغزو في 24 فبراير (شباط)، إذ اضطرّت روسيا للتراجع في الربيع خلال محاولتها السيطرة على كييف في مواجهة مقاومة أوكرانيّة شرسة، قبل طردها من منطقة خاركيف (شمال شرق) بشكل شبه كامل في سبتمبر (أيلول).
وبعد إعلانها استعادة خيرسون، قالت كييف إنها تسير نحو تحقيق «انتصار مشترك» للغرب، في حين رأت لندن وواشنطن في الانسحاب «خسارة استراتيجية جديدة» لموسكو. وأكد وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا السبت، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في كمبوديا: «قلة من الناس آمنوا بأن أوكرانيا ستنجو... فقط بعملنا معاً يمكننا أن ننتصر ونخرج روسيا من أوكرانيا... سيكون انتصارنا المشترك انتصاراً لكل الدول المحبة للسلام في كل أنحاء العالم».
وأشاد بلينكن «بالشجاعة الرائعة» للجيش والشعب الأوكرانيين، ووعد بأن الدعم الأميركي «سيستمر طالما لزم الأمر» لإنزال الهزيمة بروسيا.
ونقلت قوات الاحتلال الروسي مركزها الإداري الإقليمي بعد انسحابها من المدينة. وذكرت وكالات أنباء روسية أمس (السبت)، نقلاً عن متحدث باسم إدارة احتلال خيرسون، أنه جرى نقل جزء كبير من الإدارة الروسية بالفعل إلى بلدة هينيتشيسك التي تقع أقصى الجنوب الشرقي لخيرسون، على بحر آزوف، وعلى مسافة عشرات الكيلومترات من شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو من أوكرانيا بالقوة في 2014.
وغزت روسيا أغلب أرجاء خيرسون بعد فترة قصيرة من شن حربها على أوكرانيا في 24 فبراير الماضي. وفي سبتمبر، ضم الكرملين خيرسون، وثلاث مناطق أوكرانية أخرى - زابوريجيا ولوغانسك ودونيتسك - إلى الاتحاد الروسي.
ويؤكد كبار مسؤولي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، أن الانسحاب الروسي من خيرسون يشكل «انتكاسة» ستؤدي إلى «تداعيات استراتيجية». ووصف مستشار الأمن القومي جيك سوليفان هذا الانسحاب، بأنه «نصر استثنائي» لأوكرانيا. وقال للصحافيين، في الطائرة الرئاسية خلال توجهه إلى كمبوديا: «يبدو أن الأوكرانيين حققوا لتوهم انتصاراً استثنائياً: العاصمة الإقليمية الوحيدة التي استولت عليها روسيا في هذه الحرب عادت الآن تحت العلم الأوكراني، وهذا أمر رائع جداً».
واعتبر أن انسحاب القوات الروسية ستكون له «تداعيات استراتيجية أوسع»، بما في ذلك التخفيف من حدة التهديد الذي تشكله روسيا على المدى الطويل لمدن أخرى في جنوب أوكرانيا، مثل أوديسا. وأضاف: «هذه لحظة عظيمة وهي نتيجة مثابرة ومهارة مذهلتين لدى الأوكرانيين، بدعم موحد ومتواصل من الولايات المتحدة وحلفائنا».
واعتبر وزير الدفاع البريطاني بن والاس أن الانسحاب الروسي من المدينة يشير إلى «خسارة استراتيجية جديدة» لموسكو. ورأى أن الخسارة ستزرع الشك في صفوف الرأي العام الروسي. وقال في بيان: «الانسحاب من خيرسون الذي أعلنته روسيا يشير إلى خسارة استراتيجية جديدة لهم». وأضاف: «حالياً ومع (هذه المدينة) التي انسحبوا منها أيضاً، يجب أن يتساءل الناس في روسيا: ما الجدوى من كل ذلك؟».
وفي حين سحبت روسيا قواتها لتتمركز في مواقع دفاعية، اعتبر والاس أن الغزو الروسي في فبراير «لم يجلب سوى العزلة الدولية والإهانة»، لموسكو. وأضاف: «تستمر كل من المملكة المتحدة والمجتمع الدولي في دعم (الأوكرانيين)، وفي حين نرحب بالانسحاب لا نستخف بالتهديد الذي تشكله روسيا».
وأشارت تقديرات الاستخبارات البريطانية إلى أن استعادة القوات الأوكرانية لخيرسون تعني إضراراً كبيراً بسمعة روسيا. وذكرت وزارة الدفاع البريطانية صباح السبت، في تحديثها الاستخباراتي اليومي لتطورات الحرب، أن «الانسحاب يعد اعترافاً صريحاً بالصعوبات التي تواجهها القوات المسلحة الروسية على الضفة الغربية لنهر دنيبرو». وشككت الوزارة في أن روسيا أجلت قواتها وعتادها في أقصر وقت ممكن، مشيرة إلى أنه من المرجح أن الانسحاب بدأ بالفعل في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما طالبت إدارة الاحتلال الروسي السكان بمغادرة المدينة.

سيدة  أوكرانية تعانق جندياً في خيرسون (رويترز)
* الحرب في الشتاء
إلى ذلك، يعتقد المسؤولون الأميركيون أن قرار روسيا بالانسحاب من مدينة خيرسون، استند جزئياً إلى مخاوف من أن جنودها سيُحاصرون وينقطعون عن الإمدادات مع حلول فصل الشتاء. وفيما كانوا يقدرون أن يستغرق الانسحاب، أسبوعين، أنجزت القوات الروسية انسحابها في أيام. ويؤكد مسؤولو إدارة بايدن أن العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا ستظل متوقفة حتى العام المقبل، بعد التقدم الأخير للقوات الأوكرانية، الذي قوض آمال موسكو في الاستيلاء على مزيد من الأراضي. ويتوقع القادة العسكريون الأميركيون أن تواصل موسكو مهاجمة القوات والقواعد والبنية التحتية وشبكة الكهرباء الأوكرانية، لأن فصل الشتاء من شأنه أن يجمد العمليات العسكرية الهجومية من الطرفين.
وكان كولن كال، وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية، قد أشار الأسبوع الماضي، إلى تباطؤ العمليات العسكرية في أوكرانيا خلال الشتاء. وقال للصحافيين: «نرى بالفعل أن الطقس السيئ في أوكرانيا يبطئ الأمور قليلاً... أصبحت الأرض موحلة حقاً، ما يجعل من الصعب القيام بهجمات واسعة النطاق». وأضاف: «يجب أن نتوقع أن يتبادل الجانبان نيران المدفعية». «يبدو أن الروس عازمون على الاستمرار في إطلاق صواريخ كروز والطائرات من دون طيار الإيرانية على البنية التحتية المدنية الأوكرانية». وقال إن موسكو قد تستمر في ذلك، «لذا ستستمر الحرب، حتى لو تغيرت حدتها إلى حد ما».

أوكرانيون نزحوا من خيرسون يحتفلون في أوديسا بتحرير مدينتهم (رويترز)
وفيما يتوقع البنتاغون أن تعمد روسيا إلى استغلال التوقف المؤقت للعمليات الهجومية، من أجل إعادة تجميع وتدريب وتجهيز جيشها، تشير تقديرات استخبارية إلى أن روسيا قد لا تكون قادرة على إعادة تصنيع معداتها العسكرية، في ظل الصعوبات التي تواجهها من العقوبات التي فرضت عليها. في المقابل، يقول مسؤولو إدارة بايدن، إنه من الضروري استخدام فترة الشتاء لإعادة بناء إمدادات الجيش الأوكراني بالأسلحة الهجومية والدفاعية. ويقول محللون عسكريون إنه خلال فترة التوقف التي تلوح في الأفق، سيعيد الجانبان تدريب القوات أيضاً ويستعدان لمعركة جديدة في فبراير المقبل. لكنهم يحذرون من أن «وقف إطلاق النار قد يكون مفيداً من الناحية التكتيكية لروسيا أكثر، في تثبيت سيطرتها على الأراضي المحتلة». ويضيف هؤلاء أنه ليس من مصلحة أوكرانيا أن توقف عملياتها، خصوصاً عمليات التخريب خلف خطوط العدو، واستهداف البنية العسكرية والمدنية لسلطة الاحتلال الروسية، خصوصاً أن روسيا ستواصل استهداف البنية التحتية المدنية وشبكة الكهرباء.
ويرجح مسؤولون أوكرانيون أن تستهدف روسيا إمدادات المياه أيضاً. ورغم ذلك، يرى مسؤولون في إدارة بايدن أن هناك حدوداً لقدرة روسيا على مواصلة حملتها التدميرية للبنية التحتية، مع تضاؤل إمداداتها من الصواريخ الطويلة المدى الموجهة بدقة. وبحسب تقارير استخبارية أميركية، فقد استخدمت موسكو طائرات إيرانية من دون طيار لتعويض النقص، وليس من الواضح بعد كم هو عدد الطائرات الذي يمكنها الحصول عليه، مع تصاعد قدرات الدفاعات الأوكرانية في إسقاطها. ولا تملك الاستخبارات الأميركية تقديراً دقيقاً لما تبقى من مخزونات روسيا من الذخيرة الموجهة بدقة، بما في ذلك صواريخ كروز والطائرات من دون طيار، في الوقت الذي تعاني فيه قاعدتها الصناعية العسكرية من مشاكل حقيقية.



ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسّق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدية، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».

وفي بريطانيا، اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أنّ «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء (الناتو) أمر خاطئ تماماً»، مضيفاً: «سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأميركية».

«دوامة خطيرة»

وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة» بعد إعلان الرئيس الأميركي.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في بيان مشترك، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».

وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها». وصدر هذا الموقف بعد أيام من إجراء مسؤولين دنماركيين ومن غرينلاند محادثات في واشنطن بشأن سعي ترمب لضم غرينلاند، دون التوصل إلى اتفاق.

وأضافت فون دير لاين وكوستا: «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون بالبناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».

امتنان للموقف الأوروبي

أشادت وزيرة الموارد المعدنية في حكومة غرينلاند ناجا ناثانييلسن، السبت، برد فعل الدول الأوروبية على تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة عليها لمعارضتها جهوده للاستحواذ على غرينلاند.

محتجون على سياسة ترمب تجاه الجزيرة يحملون لافتة «غرينلاند ليست للبيع» في مسيرة باتجاه القنصلية الأميركية في غرينلاند (ا.ب)

وقالت الوزيرة في رسالة نشرتها على موقع «لينكد إن»: «أذهلتني ردود الفعل الأولية من الدول المستهدفة. أنا ممتنة ومتفائلة بكون الدبلوماسية والتحالفات ستنتصر».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.