مهرجان القاهرة السينمائي المستمر بروح الصبر والمثابرة

ينطلق غدا في دورته الـ44

فيلم «بعيداً عن النيل»
فيلم «بعيداً عن النيل»
TT

مهرجان القاهرة السينمائي المستمر بروح الصبر والمثابرة

فيلم «بعيداً عن النيل»
فيلم «بعيداً عن النيل»

هناك أمر يستدعي الاحترام المطلق بالنسبة لمهرجان القاهرة السينمائي، وهو الإصرار على المثابرة لتنظيم دوراته في أوقاتها ومع مجموع أفلامها وبحضور ضيوفها.
هذا ليس أمراً سهلاً على مهرجان ربما يملك ما يصل بالكاد إلى نصف ميزانية مهرجان مراكش مثلاً، أو ثلث مهرجان من تلك الثلاثة التي تقود هذه المحافل، وهي بحسب تواريخ إقامتها، برلين وكان وڤنيسيا.
وليس أمراً سهلاً حين تتغير الإدارات على نحو متوالٍ فتنتقل، في غضون عشرين سنة، من رئيس إلى آخر من دون أن يستمر بعضهم لأكثر من عام واحد. ومع كل تغيير في القمّة تتحدر مجموعة تغييرات إدارية بعضها غير ملحوظ، وتبقى أخرى لا بد من بقائها لسبب أو لآخر.
عبر تاريخه الذي يمتد من منتصف السبعينات وإلى اليوم، صاحب الإصرار على أن يكون للعاصمة المصرية مهرجانها السينمائي الكبير والدولي. كلتا الصفتين (كبير ودولي) تحتويان على مصاعب عديدة مرّ بها المهرجان العريق في العديد من الدورات السابقة، ويأمل هذا العام في تحقيق انطلاقة جديدة تنتمي إلى أيام المهرجان في أفضل سنواته.

فيلم المسابقة المصري «19 ب»

- فيلم مصري وحيد
الدورة الرابعة والأربعون التي تنطلق اليوم، في الثاني عشر من الشهر الحالي، وتستمر حتى الثالث والعشرين منه، زاخرة بالأفلام المنتقاة بعناية. هذا ليس غريباً لكون المدير الفني للمهرجان، المخرج أمير رمسيس، يمتلك عيناً لاقطة وتجربة لافتة من خلال عمله لسنوات في مهرجان الجونة بالقرب من مديره الفني انتشال التميمي.
ليس غريباً كذلك حقيقة أن رئيس المهرجان بدءاً من هذه الدورة هو حسين فهمي، أحد كلاسيكيي السينما العربية بخبرات مختلفة تمتد لخمسة عقود. كأي مدير في أي مهرجان تُسند إليه مهمّة إدارته، سعى حسين فهمي منذ توليه الثاني (الأول كان في أواخر القرن الماضي) لإنجاز دورة جديدة تلد جديداً ونتائج فنية وإدارية أفضل من السنوات السابقة.
نتائج هذا المسعى لا يمكن الحكم عليها لا اليوم ولا في الغد، بل مع اقتراب نهاية الدورة وما بعدها، لكن بالحكم على الأفلام المشتركة فإن الجهد المبذول في هذا الشأن ملحوظ، باستثناء أن مصر غائبة عن المسابقة الرئيسية، إلا من خلال فيلم واحد.
الفيلم هو «19 ب»، فيلم جديد للمخرج أحمد عبد الله الذي سبق أن خص دورات سابقة من مهرجان القاهرة ببعض أفلامه، ومنها «ديكور» (2014) و«خارجي/ ليلي» (2018). فيلمه الجديد يدور حول حارس فيلا تحمل رقم «19 ب»، يواجه عداوة أحد أبناء الحي. من المتوقع أن يعلّق المخرج على التباين في الأزمنة، وبين الأجيال والبيئة الحاضنة لحياة معاصرة لرجل من خارج هذا العصر.
وكان المهرجان ردّ، خلال المؤتمر الصحافي الذي انعقد في أواسط الشهر الماضي، على السؤال حول السبب الذي تغيب فيه السينما المصرية عن الحضور.
هذا الأمر ليس لغزاً، ورئيس المهرجان أجاب عن هذا السؤال بالقول إنه كان يأمل أن يجد بين ما هو جديد أعمالاً أخرى تليق بمهرجان القاهرة، لكنه لم يرَ ما يستحق ضمّه إلى المسابقة من بين ما شاهده. هذا الوضع في الواقع هو نتيجة استمرار السينما المصرية (ممثلة في منتجيها) بتمويل أفلام تحمل الهوية المصرية، وليس النبوغ المصري.
هناك مخرجون ممتازون لا يعملون، والعاملون هم مستنسخون لأعمال هوليوودية في مجالي الكوميديا والأكشن غالباً. كيف يمكن أن تحقق فيلم أكشن ذا قدرة على طرح ما يُثير اهتماماً اجتماعياً وبأسلوب فني متميّز؟
الجواب كان دائما حاضراً في سينما جيل الثمانينات، والمخرج الراحل محمد خان نجح في هذا المزج الثلاثي أكثر من مرّة. بؤرة اهتمامه كانت أرض الواقع الاجتماعي وسماء الشخصيات الحالمة بالخروج من أزماتها الشخصية.
اليوم، هناك مخرجون مصريون مُغيّبون؛ لأنه لا أحد يريد الاستثمار في السينما الفنية، ولو أنها هي من ترفع اسم البلد عالياً في المحافل الفنية. من بين هؤلاء تامر السعيد («آخر أيام المدينة»)، ومحمد حمّاد («أخضر يابس»)، وهالة القوصي («زهرة الصبّار»)، وكريم حنفي («باب الوداع»)... ألم يؤدِ ذلك إلى قرار داود عبد السيد الاعتزال عن العمل السينمائي؟

مشهد من فيلم «بِركة العروس»

- مقارنات
بمثل هذا الوضع كيف يمكن للسينما المصرية أن تشارك فعلياً في مهرجان القاهرة أو في أي مهرجان آخر؟ صحيح أن هناك أفلاماً منفردة تُعرض هنا وهناك، ولو على نحو ما يتيسّر من أعمال متباعدة، لكن هذا، بطبيعة الواقع، لا يكفي.
الحال ذاتها لأكثر من سينما عربية، ويتجلى ذلك باختيارات محدودة في شتّى أقسام مهرجان القاهرة، كما كان الحال بالنسبة لمهرجان أيام قرطاج السينمائية الذي بدأ وانتهى في مطلع هذا الشهر من دون كثير ضجة.
في المقابل، يحتوي مهرجان «البحر الأحمر الدولي» الذي سينطلق مع أول يوم من الشهر المقبل، على سبعة أفلام سعودية روائية طويلة تم إنجازها في غضون الأشهر الاثني عشر الماضية. هذا تم بسبب الرعاية الرسمية والتوجه الجديد على الأصعدة كافة، بما في ذلك صعيدا الفن والثقافة للمملكة، وبسبب نظرة شاملة لكيف يمكن لصناعة الفيلم السعودي أن تتقدّم في المجالات كافة (عروض، وتصوير أفلام أجنبية، ومهرجانات، وتحقيق أفلام سعودية) في وقت واحد.
طبعاً، المقارنة بين مهرجاني القاهرة والبحر الأحمر ليست نموذجية لأسباب مختلفة. الوضع الاقتصادي المصري يختلف، والميزانية التي يعمل مهرجان القاهرة بمقتضاها تنجز - في حدودها - أقصى ما تستطيعه، لكن المقارنة تصح أكثر عندما ننظر إلى ما يستطيع كل مهرجان توفيره من أفلام محلية، فنجد أن السينما المصرية، بتاريخها العريق، واقعة تحت براثن منتجين يعاملونها كبضاعة استهلاكية فقط، مع غياب نظام شامل لتقدّم هذه السينما لتواكب العصر الذي نحن فيه.
الأفلام العربية المعروضة في المسابقة الرسمية أربعة، وهي المصري «19 ب»، والسوداني/ اللبناني «السد» لعلي الشري (ويبدو أن التمويل الرئيسي لهذا الفيلم أتى من فرنسا)، والفيلم التونسي «جزيرة الغفران» للمخرج رضا الباهي، يجاوره فيلم آخر من تونس (تحت أعلام السعودية وفلسطين وفرنسا أيضاً) هو «علَم» لفراس خوري.
لا توجد أفلام عربية مطلقاً في برنامج «عروض رسمية خارج المسابقة»، ولا في برنامج «العروض الخاصة»، وهناك فيلم واحد من مصر في تظاهرة «أسبوع النقاد» (إلى جانب ستة أفلام أخرى).
ما يتوفر من أفلام عربية تحتشد في التظاهرة المهمّة، عاماً بعد عام، «آفاق السينما العربية» التي تعرض هذه السنة ثمانية أفلام تتنافس لنيل جائزة هذه التظاهرة الخاصّة؛ هذه الأفلام هي «بعيداً عن النيل» لشريف القطشة (مصر، والولايات المتحدة)، و«رحلة يوسف» لجود سعيد (سوريا)، و«جلال الدين» لحسن بنجلون (المغرب)، و«العايلة» لمرزاق علواش (الجزائر)، و«أرض الوهم» لكارلوس شاهين (لبنان، وفرنسا)، و«حورية» لمنيا ميدور (إنتاج فرنسي/ بلجيكي)، و«بِركة العروس» لباسم بريش (لبنان، وقطر)، و«نرجعلك» لياسين الرديسي (تونس).

فيلم «علَم» لفراس خوري

- اختيارات كلاسيكية
إلى كم تعكس هذه الاشتراكات وضع السينما العربية؟ أمر متروك لما بعد المشاهدة، لكن المرء لا يستطيع أن يغفل أن هذه التظاهرة، إلى جانب برنامج المسابقة الرئيسي، هما ما يستحوذان على الاهتمام الأكبر من قِبل الجمهور والنقاد على حد سواء.
كل هذه العروض تمضي في دار الأوبرا المصرية كما هي العادة، كذلك المحاضرة التي سيلقيها المخرج المجري بيلا تار حول الإخراج السينمائي، مع عرض فيلميه «ألحان مركمايستير» و«حصان تورينو» المشتركين في تظاهرة «كلاسيكيات القاهرة».
هذه التظاهرة هي ثروة للمعرفة يتم فيها عرض اثني عشر فيلماً، من بينها أربعة أفلام مصرية من سنوات خلت، وهي «أغنية على الممر» لعلي عبد الخالق، و«الاختيار» ليوسف شاهين، و«يوميات نائب في الأرياف» لتوفيق صالح، و«جنة الشياطين» لأسامة فوزي.


مقالات ذات صلة

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

يوميات الشرق المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية، التابعة لوزارة الثقافة، بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما «ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين

محمد رُضا (لندن)
سينما «الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق شكري سرحان في لقطة من فيلم «اللص والكلاب» (الشركة المُنتجة)

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

اعترضت أم كلثوم، ابنة الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، على إعلان الفنان عمرو سعد عزمه إعادة تقديم رواية «اللص والكلاب» سينمائياً.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق يهدف الفيلم لتعريف الأطفال بقضية اللجوء - (الشركة المنتجة)

«اللجوء إلى المدرسة» يتعاطف مع أوضاع اللاجئين في أوروبا

احتضنت الدورة الـ16 من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، عرض فيلم الرسوم المتحركة «اللجوء إلى المدرسة».

أحمد عدلي (مالمو (السويد))

ترمب: يبدو أننا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: يبدو أننا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في حديث إلى الصحافيين في البيت الأبيض: «يبدو أننا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران».

وأضاف أن «الاجتماع التالي مع إيران قد يُعقَد مطلع الأسبوع المقبل»، لافتاً إلى أن إيران «مستعدّة، اليوم، لفعل أمور رفضتها بالأمس»، ومؤكداً إحراز «تقدم كبير» في السعي إلى حل، مستدركاً أنه ليس «متأكداً مما إذا كان يتعين تمديد وقف إطلاق النار» مع طهران.

وجزم بأن «الحصار الأميركي لمضيق هرمز صامد على نحو جيد»، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وتطرّق الرئيس الأميركي إلى إعلانه هدنة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، موضحاً أن وقف إطلاق النار «سيشمل (حزب الله)».

وتناول موضوع السجال الكلامي مع الفاتيكان بقوله إن «على البابا ليو أن يدرك أن إيران تشكل تهديداً للعالم».


دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
TT

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت «المكاسب التي حققتها إيران بعد الحرب»، معتبراً أن البلاد باتت في موقع يتيح لها السعي إلى «سلام مستدام» رغم صعوبة المرحلة.

وقال خاتمي، خلال اجتماع مع مستشاريه، إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعد أربعين يوماً من القتال والهجمات المكثفة على الموارد البشرية والعسكرية والاقتصادية والعلمية، أدخلت البلاد في «مرحلة جديدة»، مضيفاً أن هذا الواقع لا يمكن فهمه أو التعامل معه بالأدوات الذهنية والافتراضات السابقة.

وأضاف أن إيران، «بفضل المدافعين الشجعان وتضحيات الشعب الواعي»، تمكنت من إحباط ما وصفه بـ«حلم إسقاط نظامها السياسي واستقلالها ووحدة أراضيها وحضارتها التاريخية»، مضيفاً أن «الصمود» وضعها في «موقع عزة» يجعل الوصول إلى «سلام دائم»، رغم تعقيداته، «ليس بعيد المنال».

وشدّد خاتمي على أن السلام المستدام هو «الوجه الآخر للدفاع الشامل»، لكنه أكثر تعقيداً من الميدان العسكري، موضحاً أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يحتاج إلى «حوارات حقيقية، ومفاوضات ذكية، واتفاقات معقولة». وقال إن الحوار في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى المستويين الداخلي والخارجي، يمثل بدوره شكلاً من أشكال الدفاع الفعال.

وأشار إلى أن مؤسسات الدولة والحكومة بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، مضيفاً أن «الأركان القانونية في البلاد شرعت في إجراءات مهمة، وأجرت المفاوضات اللازمة»، ومعتبراً أن «على الجميع أن يساعدوا في إنجاح هذه الجهود».

ورأى خاتمي أن الحرب أظهرت بوضوح مواقف القوى والتيارات من مسألة السلام، ومنحت صورة أوضح عن الجهات الداعمة له والجهات المنخرطة في تأجيج الحرب. كما قال إن مفكرين ومراكز أبحاث ووسائل إعلام وحكومات عدة باتت تتحدث بوضوح عن فشل الاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية القائمة على الحرب والتصعيد.

وأضاف أن تراجع هذا النهج، إلى جانب التأثير المتزايد للحرب على الاقتصاد العالمي، وضع إيران في موقع يمكنها من امتلاك هامش أوسع بعد الحرب، ليس في إدارة المواجهة فقط، بل أيضاً في الإسهام في تثبيت سلام إقليمي ودولي.

وأعرب خاتمي عن اعتقاده أن البلاد دخلت مرحلة «أكثر حساسية»، تستوجب «تجنب الاندفاع والتطرف، والعمل على تثبيت النجاحات العسكرية والسياسية الراهنة»، فضلاً عن قراءة دقيقة لاحتياجات المجتمع ومتطلبات ما بعد الحرب والتحولات الاقتصادية والسياسية الدولية.

ودعا إلى التوجه نحو مستقبل يبعد شبح الحرب والتهديد عن إيران، ويتيح مشاركة جميع المواطنين، وخصوصاً النخب والمفكرين والشرائح المختلفة، في إعادة بناء البلاد على أسس الحرية والاستقلال والازدهار.

وشدّد خاتمي على أن دعم المفاوضات يمثل أولوية في هذه المرحلة، وأن الحفاظ على المكاسب الحالية يمر عبر إدارة هادئة وعقلانية للمرحلة المقبلة، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية مستقرة.

الحفاظ على السرية

وعكست الصحف الإيرانية الصادرة، الخميس، تبايناً في مقاربة ملف الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة، بين دعوات إلى الحفاظ على السرية، واعتبار فشل محادثات إسلام آباد موقفاً أفضل من التوصل إلى اتفاق، وانتقادات لضعف إدارة المعلومات الموجهة إلى الرأي العام.

وكتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، أن جميع الأنظمة الحاكمة «لديها أسرار وخفايا لا يمكن كشفها ويجب أن تبقى مخفية»، معتبراً أن حجب بعض المعلومات لا يعني استبعاد الناس، بل يهدف إلى إبقاء أسرار الدولة بعيداً عن الخصوم ومنعهم من القيام بردود فعل استباقية.

وأضاف أن إجابة المسؤولين المعنيين بالحرب على بعض الأسئلة قد تؤدي إلى «كشف أسرار البلاد وتسبب مشكلات للنظام»، مشيراً إلى أن بعض القرارات قد تستند إلى «حسابات دقيقة وواقعية» لا يمكن إعلانها.

أما صحيفة «قدس»، التابعة لهيئة «آستان قدس رضوي» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني، فرأت أن فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد بدا «أفضل من أي اتفاق»، معتبرة أن الوفد الإيراني واجه «المطالب المفرطة» للجانب الأميركي وتمسك بمصالح البلاد.

وقالت الصحيفة إن إيران «لا تملك خياراً سوى إثبات وجودها وفرضه بقوة»، مضيفة أن ذلك لا يتحقق إلا عبر «المقاومة والاستعداد للمواجهة وتحميل العدو التكلفة». كما اعتبرت أن المفاوضات لا ينبغي أن تستهدف إنهاء النزاع، بل إدارة الصراع وتثبيت الوقائع والضغط المتبادل.

على الضفة الأخرى، انتقدت صحيفة «خراسان»، القريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، طريقة إدارة المعلومات المرتبطة بالمفاوضات، مشيرة إلى وجود فجوة واضحة بين السلطات والرأي العام.

وقالت إن المشكلة الأساسية ليست في معارضة المجتمع لقرارات النظام، بل في «نقص المعلومات»، مضيفة أن المواطنين الذين أظهروا دعماً خلال «40 ليلة» ينتظرون معلومات دقيقة وسريعة، لا مجرد بيانات عامة.

وحذرت الصحيفة من أن الفراغ المعلوماتي يمكن أن يتحول سريعاً إلى قلق، ثم إلى فقدان للثقة إذا لم يعالج في الوقت المناسب، مشددة على ضرورة بناء رواية إعلامية واضحة للمفاوضات، تتولاها جهة واحدة تتمتع بالمصداقية والسرعة والخبرة الإعلامية، مع رسائل مفهومة وتوقيت واضح.

«تراجع واشنطن»

ورأت صحيفة «فرهيختغان»، المقربة من علي أكبر ولايتي، أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران تحمل دلالات تتجاوز الوساطة المباشرة بين واشنطن وطهران.

وبحسب الصحيفة، فإن منير بات، منذ إقصاء عمران خان، صاحب الدور الأبرز في إدارة الملفات الكبرى في باكستان، ولا سيما تلك المرتبطة بالتوازنات الدولية وانعكاسات التنافس بين الصين والولايات المتحدة على بلاده. ومن هذا المنطلق، فسّرت الصحيفة تحركه نحو طهران بوصفه جزءاً من موقع باكستان داخل هذا التنافس، وليس استجابة ظرفية فقط للأزمة الإيرانية - الأميركية.

وأضافت الصحيفة أن اختيار باكستان لتولي الوساطة بعد تراجع أدوار وسطاء إقليميين سابقين، مثل عُمان وقطر، يعكس تحولاً في بيئة التفاوض فرضته الحرب، كما يعكس، في تقديرها، صعوداً نسبياً للموقع الصيني في إدارة التوازنات الإقليمية، في مقابل تراجع هامش الحركة الأميركي.

وأشارت إلى أن إسلام آباد تحركت خلال الحرب في خط أقرب إلى بكين، سواء في مواقفها المعلنة أو في قبولها استضافة المفاوضات.

وفي هذا السياق، اعتبرت «فرهيختغان» أن مجرد عودة عاصم منير إلى طهران بعد جولة إسلام آباد تمثل، في أحد أوجهها، مؤشراً إلى «تراجع واشنطن» عن لهجة الإنذار التي حملها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إذ كان قد قدم المقترح الأميركي عند مغادرته باكستان على أنه «العرض النهائي»، وأن على إيران قبوله أو رفضه.

وترى الصحيفة أن دخول منير مجدداً على خط الوساطة بعد ذلك يعني عملياً أن باب التفاوض لم يغلق، وأن الولايات المتحدة عادت إلى البحث عن مخرج عبر الوسيط الباكستاني، بما يوحي، من وجهة نظرها، بأن الضغط العسكري والحصار البحري لم يحققا حسماً سريعاً، وأن واشنطن اضطرت إلى العودة إلى مسار المراجعة والاتصال.


«المملكة القابضة» تستحوذ على 70 % من الهلال بـ840 مليون ريال

صندوق الاستثمارات العامة السعودي (الشرق الأوسط)
صندوق الاستثمارات العامة السعودي (الشرق الأوسط)
TT

«المملكة القابضة» تستحوذ على 70 % من الهلال بـ840 مليون ريال

صندوق الاستثمارات العامة السعودي (الشرق الأوسط)
صندوق الاستثمارات العامة السعودي (الشرق الأوسط)

في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الرياضة السعودية، وقّع صندوق الاستثمارات العامة وشركة المملكة القابضة، الخميس، اتفاقية بيع وشراء أسهم ملزمة، تستحوذ بموجبها شركة المملكة القابضة على 70 في المائة من إجمالي رأس مال شركة نادي الهلال، أحد أبرز الأندية في المملكة العربية السعودية وآسيا، وذلك على أساس قيمة منشأة كلية تبلغ نحو 1.4 مليار ريال سعودي لكامل رأس مال الشركة، فيما تُقدّر قيمة حقوق الملكية بنحو 1.2 مليار ريال، لتبلغ قيمة المقابل للاستحواذ على الحصة محل الصفقة نحو 840 مليون ريال سعودي.

ويخضع إتمام الصفقة لعدد من الشروط والأحكام، من بينها الحصول على الموافقات أو الإفادات اللازمة بعدم الممانعة من الجهات التنظيمية، واستيفاء متطلبات الإخطار لديها، بما في ذلك الهيئة العامة للمنافسة، إلى جانب استيفاء الشروط والموافقات الداخلية الأخرى وفقاً لاتفاقية بيع وشراء الأسهم. وتعتزم شركة المملكة القابضة تمويل قيمة الصفقة من مواردها الداخلية، علماً بأن تاريخ إبرام الاتفاقية تم في 16 أبريل (نيسان) 2026.

وتأسست شركة نادي الهلال في عام 2023، بينما يعود تأسيس النادي إلى عام 1957، ويُعد الأكثر تتويجاً بالألقاب في كرة القدم السعودية، بعدما حقق 90 لقباً رسمياً، من بينها أربعة ألقاب في دوري أبطال آسيا، و21 لقباً في الدوري السعودي، إضافةً إلى إنجاز وصافة كأس العالم للأندية عام 2022. ويحظى النادي بقاعدة جماهيرية واسعة في الشرق الأوسط، ويُعد من أبرز العلامات التجارية الرياضية تأثيراً في المنطقة.

الأمير الوليد بن طلال ويزيد الحميّد خلال توقيع اتفاقية الاستحواذ (صندوق الاستثمارات العامة)

وسجّلت إيرادات الأنشطة الرئيسية لشركة نادي الهلال نمواً ملحوظاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة، حيث بلغت 842 مليون ريال للسنة المالية المنتهية في 30 يونيو (حزيران) 2025، مقارنةً بـ659 مليون ريال في 2024، و413 مليون ريال في 2023.

ويُعد هذا الاستحواذ خطوة استراتيجية لشركة المملكة القابضة لتوسيع حضورها في قطاع الرياضة والترفيه سريع النمو في المملكة، بما يتماشى مع مستهدفات «رؤية 2030»، مستفيدةً من قوة العلامة التجارية لنادي الهلال وقاعدته الجماهيرية وسجله الحافل بالنجاحات، بما يعزز من فرص تحقيق عوائد تجارية مجزية على المدى الطويل، إلى جانب دعم تطوير منظومة رياضية تُدار باحترافية.

وتُعد الصفقة أيضاً ضمن إطار العلاقة بين الطرفين، حيث يُعد صندوق الاستثمارات العامة مساهماً كبيراً في شركة المملكة القابضة بنسبة تبلغ 16.865 في المائة من أسهمها، كما كان الصندوق المساهم الرئيسي في شركة نادي الهلال منذ يوليو (تموز) 2023 ضمن مشروع الاستثمار والتخصيص للأندية الرياضية، الذي يستهدف تسريع تطوير الأندية وزيادة مساهمة القطاع الرياضي في الناتج المحلي.

وخلال تلك الفترة، قاد الصندوق عملية التحول في شركة نادي الهلال، عبر تطوير أطر الحوكمة والبنية التحتية والمرافق والأداء التشغيلي، وهو ما انعكس على نمو العوائد والقيمة التجارية للنادي، مدعوماً بزيادة الرعايات ومبيعات المنتجات وإيرادات المباريات، مع تطلعه إلى مواصلة دعم مسيرة النمو بوصفه مالكاً مستمراً لحصة في النادي.

بلغت قيمة المقابل للاستحواذ على حصة بنسبة 70% مبلغ 840 مليون ريال سعودي (نادي الهلال)

من جانبها، تسعى شركة المملكة القابضة، بصفتها شركة استثمارية قابضة تعمل في قطاعات متعددة تشمل الضيافة والخدمات المصرفية والتقنية، إلى دعم شركة نادي الهلال في تعزيز أدائها التجاري، وتوسيع شراكاتها الدولية، وتطوير بنية تحتية رياضية بمعايير عالمية، بما يعكس قدرتها على استثمار الفرص الواعدة وخلق قيمة مستدامة للمساهمين والاقتصاد الوطني.

وقال الأمير الوليد بن طلال بن عبد العزيز آل سعود، رئيس مجلس إدارة شركة المملكة القابضة: «يمثّل نادي الهلال رمزاً وطنياً ومصدراً للفخر والاعتزاز. واستحواذنا عليه يعكس إيماننا بدور الرياضة كقوة تنموية للاقتصاد والمجتمع، وسيوفر منصة لتطبيق معاييرنا الاستثمارية العالمية وبناء شراكات استراتيجية تُطلق الإمكانات التجارية والرياضية للنادي مع الحفاظ على إرثه».

من جانبه، قال يزيد الحميّد، نائب المحافظ ورئيس الإدارة العامة للاستثمارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في صندوق الاستثمارات العامة: «يفخر الصندوق بالمساهمة في جهود التحول في قطاع الرياضة وزيادة جاذبيته للمستثمرين، بما يحقق نتائج مستدامة على مختلف المستويات. ومع إعلان اليوم، يبدأ نادي الهلال فصلاً جديداً يتماشى مع استراتيجية الصندوق لتعظيم العوائد وإعادة تدوير رأس المال في الاقتصاد المحلي».

جماهير الهلال معروفة بشعبيتها الكبيرة في المنطقة (نادي الهلال)

وترتبط شركة المملكة القابضة بعلاقة ممتدة مع نادي الهلال بوصفها راعياً رئيسياً للنادي، كما يحظى النادي بدعم الأمير الوليد بن طلال، الذي يحمل صفة «عضو ذهبي» بوصفه أحد أبرز داعمي الهلال، في وقت يُنتظر أن يسهم هيكل الملكية الجديد في تعزيز النمو المستقبلي للنادي وتحقيق استقرار طويل الأمد، إلى جانب تمكينٍ أكبر للقطاع الخاص في المجال الرياضي.

كان صندوق الاستثمارات العامة قد قاد خلال الفترة الماضية رحلة تحول شاملة في نادي الهلال، من خلال تبني نهج استثماري فاعل قائم على التوجيهات الاستراتيجية وتطبيق أفضل الممارسات، إلى جانب تنفيذ تطوير واسع في أطر الحوكمة والبنية التحتية والمرافق والأداء التشغيلي، بما في ذلك توظيف البيانات، وهو ما انعكس على نمو العوائد والقيمة التجارية للنادي بدعم من الرعايات ومبيعات المنتجات وإيرادات المباريات.

تبلغ قيمة حقوق الملكية في الهلال بحسب تداول 1.2 مليار ريال (نادي الهلال)

وحقق نادي الهلال خلال هذه المرحلة عدداً من الإنجازات، من بينها تسجيل الرقم القياسي لأطول سلسلة انتصارات متتالية في تاريخ كرة القدم بـ34 فوزاً، إلى جانب التتويج بلقب الدوري السعودي للمحترفين، وكأس الملك، وكأس السوبر في موسم 2023-2024، فضلاً عن كونه أول نادٍ آسيوي يبلغ ربع نهائي كأس العالم للأندية بصيغته الجديدة عام 2025.

وتُمثل هذه الاتفاقية محطة بارزة في استثمارات الصندوق في قطاع الرياضة، حيث وضع برنامجاً طموحاً للأندية التي انتقلت ملكيتها إليه، يهدف إلى تطوير بنيتها التحتية والتشغيلية وفق أفضل الممارسات العالمية وتحقيق الاستدامة المالية، إلى جانب تشجيع المستثمرين والشركات والرعاة من القطاع الخاص على بناء شراكات وتوجيه الاستثمارات نحو القطاع الرياضي لدعم نموه وتطوره.

كما تتماشى هذه الاتفاقية مع الاستراتيجية الاستثمارية لصندوق الاستثمارات العامة الهادفة إلى تعظيم العوائد وإعادة تدوير رأس المال في الاقتصاد المحلي، بما يدعم جهود التنمية المستدامة وتنويع الاقتصاد، ويمهد الطريق لمزيد من استثمارات القطاع الخاص في الأندية الرياضية.