انسحاب خيرسون اكتمل... «علينا أن نتراجع أحياناً حتى نتقدم دائماً»

كيف يقرأ الروس قرار الخروج من المدينة؟ جولة على مواقف المعلقين في موسكو

مدنيون خلال خروجهم من خيرسون إلى شبه جزيرة القرم (رويترز)
مدنيون خلال خروجهم من خيرسون إلى شبه جزيرة القرم (رويترز)
TT

انسحاب خيرسون اكتمل... «علينا أن نتراجع أحياناً حتى نتقدم دائماً»

مدنيون خلال خروجهم من خيرسون إلى شبه جزيرة القرم (رويترز)
مدنيون خلال خروجهم من خيرسون إلى شبه جزيرة القرم (رويترز)

لم يكن قرار الانسحاب من خيرسون بعد أسابيع من المعارك الضارية حول المدينة الاستراتيجية، مفاجئاً للنخب الروسية. كانت التحضيرات لذلك تجري على قدم وساق خلال الأسبوعين الأخيرين على الأقل، وتم استباق الانسحاب العسكري بإجلاء أكثر من 115 ألف مدني وآلاف المعدات الضرورية بما في ذلك سيارات إطفاء الحريق وسيارات الإسعاف من المدينة على وقع التقدم الأوكراني المتواصل في ضواحيها.
لكن برغم كل ذلك، أثار قرار الانسحاب - الذي أعلن الجيش الروسي أنه اكتمل اليوم - كثيراً من السجالات ونشر ظلالاً من خيبة الأمل حول المعركة «المصيرية» التي خاضتها موسكو في المنطقة الحيوية التي تحظى بأهمية خاصة، ليس فقط كونها «انضمت» أخيراً إلى قوام روسيا الاتحادية، و«غدت أرضاً روسية إلى الأبد» وفق تعليق الرئيس فلاديمير بوتين، بل أيضاً لأنها المنطقة الأهم في تعزيز الدفاعات عن - والإمدادات إلى - شبه جزيرة القرم. وهذا ما يفسّر حرص موسكو في الأيام الأولى للحرب على انتزاع هذه المدينة من القوات الأوكرانية.
خلال الشهور التسعة الماضية، كانت موسكو قادرة على نقل الإمدادات للمرة الأولى براً إلى شبه الجزيرة، وأيضاً استخدام خيرسون كنقطة انطلاق وإمداد لكل المناطق «الروسية» في جنوب أوكرانيا وشرقها. لذلك فإن قرار الانسحاب، ومهما كانت مبرراته الميدانية والعسكرية، ترافق مع موجة غضب برزت في تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، وشعور مرير بالهزيمة بسبب الاضطرار إلى تقديم تنازلات مؤلمة على وقع المعارك.
دفعت التعليقات الكثيرة في هذا الشأن إلى تعزيز محاولات التصدي لموجة القلق التي انتابت المزاج الشعبي، وهو ما برز من خلال مسارعة إعلان المركز الروسي لدراسات الرأي العام عن تنظيم استطلاع أظهرت نتائجه أن «الروس يحافظون على معدلات ثقة عالية بقرارات القيادة الروسية». لكن الأهم ليس الاستطلاع الذي أجراه المركز المقرب من الكرملين، بل في آليات مناقشة الموضوع في وسائل الإعلام الروسية، التي خلت من أي انتقاد لأداء المؤسسة العسكرية، خلافاً لبعض التغطيات التي ظهرت في فترة سابقة، خصوصاً عند التراجع عن مواقع حول كييف وعند التراجع الواسع في خاركيف لاحقاً.
الأبرز من ذلك كان التركيز على أهمية اتخاذ القرار وتوقيته، بهدف المحافظة على أرواح المدنيين والعسكريين وحماية المعدات القتالية ومنع وقوع الأسوأ من خلال ترك القوات تُحاصر من دون إمدادات داخل منطقة قد تغرقها فيضانات في حال أقدمت أوكرانيا - كما يقول الروس - على تفجير السدود المقامة على نهر دنيبر.
سارعت وسائل الإعلام الحكومية الروسية إلى تأكيد أن الخطوة «مؤقتة» وتكتيكية سيتبعها تحرك قوي بعد استكمال إعادة توزيع القوات على الضفة اليسرى للنهر، وفقاً لمعلقين في وكالة «نوفوستي» الحكومية التي عنونت مقالة رئيسية بعبارة «لم ننسحب من خيرسون». بينما نشرت صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا» في ملحقها العسكري، الجمعة، مقالة مطولة تبرز حيثيات قرار الانسحاب وخلفياته والتوقعات المستقبلية، ورأت فيها أن انسحاب القوات الروسية من خيرسون إلى الضفة اليسرى لنهر دنيبر «لن يكون سريعاً». وقالت إن الخبراء العسكريين يعتقدون أن نقل وحدات القوات المسلحة الروسية سيستغرق عدة أسابيع (بيان الجيش الروسي خالف هذا الكلام بالإعلان عن اكتمال الانسحاب).
اللافت هنا أن خبراء أقروا بأنه «ليس من المؤكد أن المناورة الاستراتيجية (بالانسحاب) ستجلب لموسكو أي فوائد دفاعية كبيرة. إذ تتعرض القوات الروسية المنسحبة لضربات مدفعية من القوات المسلحة الأوكرانية».
هنا تكمن واحدة من الإشارات المهمة للتحليلات العسكرية، إذ يواصل الجيش الأوكراني الضغط العسكري المباشر حتى خلال الانسحاب، ويجري ضرب المعابر والجسور العائمة التي يتم إجلاء القوات من خلالها. وبحسب القائد السابق للجيش الثامن والخمسين، النائب في مجلس الدوما أندريه غوروليف، فإن الانسحاب «من أصعب أنواع العمليات العسكرية»، مشيراً إلى أن هناك أيضاً «تهديداً جدياً» بأن وحدات القوات المسلحة الأوكرانية التي تم تخفيف الضغط عليها في الجنوب يمكن أن تنتقل إلى مناطق الجبهات في دونباس ومنطقة خاركيف وتشارك في هجمات مضادة على مواقع القوات الروسية في هذه الاتجاهات. واللافت أن الصحافة الروسية ذهبت أبعد من تصريحات المسؤولين العسكريين، فهي أشارت إلى ضرورة قيام الجيش الروسي أثناء الانسحاب بتدمير الجسور في زاباروجيا ودنيبروبيتروفسك وكريمنشوك و«أن تقويض هذه الجسور، حتى الجزئية منها، سيسمح بتأجيل وصول الاحتياطيات الأوكرانية لفترة طويلة. في المقابل، سيسمح لنا هذا بمحاولة التحرك نحو زاباروجيا ودنيبروبيتروفسك، لتغطية نهر دونباس من الغرب».
الأبرز من ناحية ثانية، كان في إطلاق تحذيرات من تكرار تجربة الانسحاب من خاركيف، ووفقاً لبعض الخبراء فإن «هناك أملاً في أنه عند الانسحاب عبر نهر دنيبر، سيأخذ الجيش الروسي في الاعتبار الأخطاء التي حدثت أثناء إعادة تجميع القوات قرب خاركيف في سبتمبر (أيلول)، ويجب التيقن من أنه في خيرسون لن يتم الحفاظ على القوة البشرية فحسب، بل سيتم أيضاً الحفاظ على المركبات المدرعة وأسلحة القوات الروسية»، كما قال الخبير العسكري الجنرال المتقاعد يوري نيتكاتشيف لـ«نيزافيسيمايا غازيتا».
وهنا يتذكر الروس مشاهد الانسحاب خلال الهجوم المضاد الأوكراني على خاركيف؛ عندما انسحبت القوات الروسية من مواقعها وتخلت عن مدينتي إيزيوم وبالاكليا المهمتين. وزعمت وسائل الإعلام الأوكرانية والمراسلون العسكريون الروس أنه في بعض الحالات تحركت القوات على عجل، من دون تحضير مناسب، ما أدى إلى خسائر فادحة في صفوف الجيش الروسي.
وثمة خلاصة أخرى ذكرها اللواء المتقاعد ألكسندر ميخائيلوف لصحيفة «أر بي كا»، فهو وصف الحدث بأنه «تراجع غير سار». لكنه شدد على أنه «قبل استخلاص النتائج من المفيد تحليل الوضع الحالي بعناية... الوضع العسكري في خيرسون متوتر للغاية». قال الجنرال: «من الواضح أن الجميع مستعد للمضي قدماً، والتراجع يمكن أن يسبب القلق والذهول وخيبة الأمل. لكن الوضع يتطور بطريقة تجعل وجود قواتنا اليوم على الضفة اليمنى لنهر دنيبر محاطاً بالمخاطر».
وانتقد المسؤول العسكري السابق معارضي خطوة الانسحاب من خيرسون، قائلاً: «أولئك الوطنيون الذين يصرخون قائلين: دعونا نمضي قدماً، من غير المرجح أن يتمنوا لآبائهم أو أبنائهم أن ينتهي بهم الأمر في هذا المرجل من دون قذائف وطعام وأسلحة. الحرب شيء متموج... في بعض الأحيان يتعين علينا تقديم بعض التنازلات لإنقاذ حياة الناس». وأضاف أن دخول منطقة خيرسون إلى روسيا خطوة جادة ومدروسة. لكن الأمر سيستغرق الكثير من الوقت والجهد للسيطرة على المنطقة.
أما المعلق السياسي لوكالة «نوفوستي» وهي الهيكل الإعلامي الأهم لدى الكرملين، فقد سارع للتحذير من تصاعد موجة خيبة الأمل بعبارات لافتة للغاية. كتب: «ليست هناك خيانة في النخب، لأن أولئك الذين لا يشاركونهم تطلعات النصر، أولاً، ليس لهم تأثير على السلطة العليا، وثانياً، كفّوا عن كونهم نخباً. نعم، لدينا مشكلة كبيرة في الموظفين بسبب حقيقة أن المحترفين غالباً ما يكونون غير وطنيين، والوطنيون غير محترفين، ولكن في الحالات القصوى يتم تسريع جميع العمليات وتشكيل نخبة جديدة ذات تفكير حكومي من السلطة إلى الأعمال التجارية والثقافة أسرع بكثير. لكن التجديد ينبغي ألا يحل محله البحث عن خونة وخونة في السلطة (باستثناء الخونة الحقيقيين بالطبع)، فنحن لا نحتاج إلى تطهير من أجل التطهير - نحتاج إلى التخلص من القادة الضعفاء وغير الأكفياء، مع الاعتماد على توحيد كل القوى التي تدرك خطورة التحديات التي تواجهنا بالمهام».
ودعا المشككين إلى «عدم إلقاء اللوم المرير (على أحد) بسبب التخلي عن خيرسون. فبعد كل شيء، خيرسون مدينة روسية، مثل أوديسا تدمر الروسية، ونيكولاييف، مدينة بناة السفن. أينما نقرت على الخريطة، ستجد نفسك في مكان يمكنك بثقة إضافة صفة (الروسية) إليه».
ولا بأس هنا من استعارة دروس التاريخ لمواجهة حال فقدان الثقة أو خيبة الأمل، ويكفي أن يتذكر المواطن الروسي العادي، وفقاً للمعلق السياسي، أن هذه «ليست المرة الأولى التي تغادر فيها روسيا مناطق مهمة جداً، وميخائيل كوتوزوف يمكن أن يخبرنا الكثير عن الانسحاب الاستراتيجي الذي يفتح دائماً الطريق أمام روسيا للعودة والتقدم». إنها استعارة تذكّر بانسحاب القائد الروسي أمام جيوش نابليون التي دخلت موسكو عام 1812 قبل أن يدير حملة مقاومة ضارية انتهت بهزيمة القائد الفرنسي.


مقالات ذات صلة

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.