حرب أوكرانيا قد تتسبب بأزمة كبيرة في أوزبكستان

طشقند تضغط على بروكسل لرفع اسم الملياردير عثمانوف من قائمة العقوبات

الملياردير الروسي الأوزبكي الأصل علي شير عثمانوف (رويترز)
الملياردير الروسي الأوزبكي الأصل علي شير عثمانوف (رويترز)
TT

حرب أوكرانيا قد تتسبب بأزمة كبيرة في أوزبكستان

الملياردير الروسي الأوزبكي الأصل علي شير عثمانوف (رويترز)
الملياردير الروسي الأوزبكي الأصل علي شير عثمانوف (رويترز)

بعد ضم شبه جزيرة القرم، وبسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ركزت روسيا على تعزيز علاقاتها مع دول آسيا الوسطى.
ولتعميق العلاقات الاقتصادية بشكل أكبر، تنازلت روسيا عن مئات الملايين من الديون المستحقة على أوزبكستان. كما سمح توسيع التعاون بين روسيا وأوزبكستان للأخيرة بالحصول على وضع مراقب في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
وقال ساردور ألاياروف، وهو مساعد أبحاث في مركز التحليل والإبلاغ والرصد في العاصمة السلوفاكية براتيسلافا، ومتدرب سابق في معهد الشؤون الخارجية والتجارة في العاصمة المجرية، بودابست، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه في أعقاب اجتياح روسيا لأوكرانيا، أصدرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حزمة غير مسبوقة من العقوبات الرامية إلى ضرب الاقتصاد الروسي وعقاب النخبة الروسية.
وغادر روسيا طواعية العديد من الشركات الغربية في قطاعات تتراوح من الغذاء إلى التمويل، في حين قامت شركات أخرى، مثل شركات التكنولوجيا والسيارات بقطع العلاقات مع موسكو تماماً.
ووفرت هذه الشركات نطاقاً كبيراً من فرص العمل لقوة العمل المحلية. ولكن الآن، يتوقع محللون غربيون و«صندوق النقد الدولي» أن تشهد روسيا تراجعاً في النمو الاقتصادي والتنمية.
وذكرت وزارة التنمية الاقتصادية الروسية هذا الشهر أن الناتج المحلي الإجمالي تراجع بنسبة 5 في المائة في سبتمبر (أيلول) الماضي، على أساس سنوي، بينما وصل التضخم إلى 9.‏12 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول).
ورأى ألاياروف أنه نتيجة لمعدلات المواليد المنخفضة وتراجع عدد السكان، اعتمد الاقتصاد الروسي بشكل متزايد على العمال المهاجرين منذ عام 2000. وتتألف القوة العاملة المهاجرة من نحو 14 مليون عامل من العديد من الدول، معظمهم من الدول المجاورة في آسيا الوسطى.
ومع ذلك، فإن العقوبات الغربية يمكن أن تسهم في زيادة معدل البطالة في روسيا، وتضعف الطلب على العمال المهاجرين. بالإضافة إلى ذلك، ونتيجة لانخفاض قيمة الروبل وارتفاع معدل التضخم، سيتراجع دخل وتحويلات العمال المهاجرين بشكل كبير.
وتُعدّ روسيا الوجهة الرئيسية للعمال المهاجرين من أوزبكستان بسبب الروابط التاريخية واللغة المشتركة، ودخول روسيا دون تأشيرات لحاملي جوازات السفر الأوزبكية. وقد هاجر نحو 70 في المائة من العمال الأوزبك المهاجرين إلى روسيا، خصوصاً إلى موسكو وسان بطرسبرغ.
ووفقاً لوزارة الشؤون الداخلية الروسية، كان هناك 5.‏4 مليون عامل مهاجر مسجل من أوزبكستان في عام 2021، كما أن 6.‏7 مليار دولار من التحويلات التي وصلت إلى أوزبكستان من روسيا في 2021 كانت تمثل 6.‏11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لأوزبكستان و55 في المائة من إجمالي التحويلات للبلاد.
واعتبر الباحث ساردور ألاياروف أن اعتماد أوزبكستان على سوق العمل الروسية والعقوبات المفروضة من جانب الدول الغربية سيؤثران بشكل سلبي على سياسات التوظيف والضمان الاجتماعي والنمو الاقتصادي بها.
وقد توقع «صندوق النقد الدولي» أنه سيكون هناك تراجع يتراوح بين 3 و4 في المائة في نمو الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لأوزبكستان نتيجة للمستويات المنخفضة من تحويلات العاملين والتمويل من روسيا.
وخلص تحليل للبنك الدولي إلى أنه من المتوقع أن تخفض تحويلات العاملين في روسيا إلى أوزبكستان بنسبة 21 في المائة في 2022، كما درست وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني تأثير الحرب الروسية الأوكرانية من منظور مالي، وخلصت إلى أن معدل التضخم في أوزبكستان وعجز الحساب الحالي سيرتفعان في الأعوام المقبلة.
وتسبب اندلاع الحرب في أوكرانيا سريعاً في قلب حياة العمال الأوزبك المهاجرين في روسيا رأساً على عقب. في الربع الأول من عام 2022 غادر 133 ألف أوزبكي روسيا.
وكشف استطلاع لرأي 15 ألف أوزبكي أجرته وكالة هجرة العمالة الخارجية في أوزبكستان أن 40 في المائة أعربوا عن رغبتهم في العودة إلى أوزبكستان، منهم (15 في المائة) بسبب فقدان وظائفهم و(25 في المائة) بسبب عدم استقرار أسعار صرف العملة.
وذكر 24 في المائة من المشاركين في الاستطلاع أنهم غير مهتمين بالعودة إلى أوزبكستان، نظراً لأنهم يعملون في الوقت الراهن، إلا أنهم قد يفكرون في العودة إذا فقدوا عملهم.
واعتبر ألاياروف أن انخفاض قيمة الروبل سيكون ضاراً بشكل خاص بالعمال الأوزبك منخفضي المهارة، ويزيد البطالة بشكل مؤقت، موضحاً أن التحويلات تحفز الطلب في الاقتصاد الأوزبكي، حيث تشجع الإنفاق على الاستهلاك والخدمات الصحية والسيارات والعقارات وحفلات الزفاف وتحسين المنازل.
ويشكل الرجال نحو 80 في المائة من العاملين المهاجرين الأوزبك في روسيا. وستقلل العائلات ذات الدخل المنخفض في مختلف مناطق أوزبكستان التي تعتمد على تحويلات العاملين من الطلب الإجمالي على السلع والخدمات عندما تصبح أكثر فقراً.
في المقابل، فإن انخفاض الطلب الإجمالي وارتفاع معدلات البطالة، خاصة في المناطق التي تعتمد على التحويلات، سيتسببان في زعزعة استقرار الاقتصاد الكلي ووضع استقرار الأسعار والبطالة في قلب الأجندة السياسية.
وللتغلب على هذه التحديات، يتعين على الحكومة الأوزبكية أولاً تقصي أحوال العائلات في المناطق التي تعتمد على تحويلات العاملين والبحث عن سبل مساعدة تلك العائلات.
وبالطبع ليس من الممكن توفير الوظائف للعمال المهاجرين في المدى القصير، ولذلك فإن قيام الدولة بتوفير فرص العمل الحر ودعمها يمكن أن يخفف من حدة هذه المشكلة.
واختتم ألاياروف تقريره بالقول إنه مع استمرار تأثير الحرب في أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية الغربية على مختلف أنحاء آسيا الوسطى، يتعين على أوزبكستان دراسة بدائل جديدة لدعم تنميتها الاقتصادية.
وفي سياق متصل، ذكرت تقارير أن حكومة أوزبكستان استغلت الاجتماعات الأخيرة مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي للضغط على الاتحاد من أجل رفع العقوبات الأوروبية على الملياردير الروسي الأوزبكي الأصل علي شير عثمانوف وشقيقته جولبهار إسماعيلوفا.
ونقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية عن مصادر لم تسمها القول إن أوزبكستان تقدم أيضاً المساعدة القانونية لعثمانوف من أجل اللجوء المحتمل إلى القضاء الأوروبي لرفع اسمه من العقوبات، إذا ما رفض الاتحاد الأوروبي رفع اسمه.
وقال مسؤولون في الاتحاد الأوروبي إن أي تحرك لرفع اسمي أوسمانوف وإسماعيلوفا من قائمة العقوبات التي تم فرضها على عشرات المؤسسات والأثرياء المرتبطين بروسيا سيثير جدلاً واسعاً، بشأن مصير العقوبات المفروضة على عشرات الأثرياء الآخرين.
وأشارت وكالة «بلومبرغ» للأنباء، اليوم (الأربعاء)، إلى أن متحدثاً باسم المفوضية الأوروبية قال إن المفوضية لا تعلق على الاجتماعات بين مسؤولي الاتحاد والدول الأخرى.
يأتي ذلك في حين قالت مصادر مطلعة إن مكاتب «بنك يو بي إس غروب» السويسري العملاق في مدينتي فرنكفورت وميونخ الألمانيتين تخضع للتفتيش من جانب ممثلي الادعاء الألماني، في إطار تحقيق واسع النطاق بشأن أنشطة الملياردير الروسي علي شير عثمانوف الخاضع للعقوبات الغربية. وأكد البنك السويسري عمليات التفتيش، وقال إنه يتعاون تماماً مع السلطات، في حين رفض التعليق على أسباب التفتيش.
وقال مكتب الادعاء في فرنكفورت إن المداهمات تندرج في إطار تحقيق بشأن عمليات غسل أموال دون ذكر اسم البنك. وشدد المكتب على أنه لا يوجد اشتباه في أي من موظفي البنك.
ورفض متحدث باسم عثمانوف جميع الاتهامات المرتبطة بغسل الأموال أو التهرب من الضرائب، قائلاً إن التحقيقات ستظهر أن هذه الاتهامات دون أساس وملفقة وتشهيرية.
وأضاف أن «الملياردير الروسي ملتزم بالقانون، ومسدد للضرائب، وفاعل خير معروف على مستوى العالم».



الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.


ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته القاضية بالاستيلاء على غرينلاند، علماً بأنها تتبع الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

وقال ترمب، خلال اجتماع لمناقشة الملف الصحي في البيت الأبيض: «قد أفرض رسوماً على الدول إذا كانت لا تؤيد (الخطة في شأن) غرينلاند؛ لأننا نحتاج إلى غرينلاند (لأغراض) الأمن القومي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة، الخميس، إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف «الناتو»، أنّها تُعزز وجودها العسكري في غرينلاند، رداً على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.

ويوم الأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة، للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تُنظمها الدنمارك.

وقالت مصادر دفاعية من دول عدة إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانياً، على سبيل المثال، وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

غير أن البيت الأبيض عَدَّ، الخميس، أن هذه الخطوة لن تُغيّر شيئاً في خطط ترمب. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: «لا أعتقد أن نشر قوات أوروبية يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبداً على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».