مصر تطلق تقرير المناخ ومنصة وطنية لـ«المشروعات الخضراء»

وزيرة التعاون الدولي لـ«الشرق الأوسط»: القاهرة تقدم نموذجاً عالمياً لتنفيذ التعهدات

خلال إطلاق مصر تقرير المناخ والتنمية (مجلس الوزراء المصري)
خلال إطلاق مصر تقرير المناخ والتنمية (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تطلق تقرير المناخ ومنصة وطنية لـ«المشروعات الخضراء»

خلال إطلاق مصر تقرير المناخ والتنمية (مجلس الوزراء المصري)
خلال إطلاق مصر تقرير المناخ والتنمية (مجلس الوزراء المصري)

على هامش فعاليات مؤتمر المناخ «كوب 27» أطلقت مصر كلاً من تقرير المناخ والتنمية، وكذلك منصة وطنية للمشروعات الخضراء تحت اسم «نُوَفِّي».
وقالت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي المصرية، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تم الإعلان عنه من تمويلات إنمائية ميسرة خلال مؤتمر المناخ «كوب 27»، للمنصة الوطنية «نُوَفِّي» و«نُوَفِّي+»: «تعزز الجهود التي تبذلها الدولة لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتغيرات المناخية 2050. كما أنها تحفز بشكل كبير مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ المشروعات الخضراء، لا سيما أن ملياري دولار من خلال التمويلات سيتم توجيهها بالفعل كتسهيلات من مؤسسات التمويل الدولية لشركات القطاع الخاص».
وأوضحت الوزيرة أن «مصر من خلال برنامج (نُوَفِّي) تقدم للعالم نموذجاً لكيفية الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ من خلال المنصات الوطنية القطرية، وهو ما يتسق مع شعار وأهداف مؤتمر المناخ الذي ترأسه مصر، وهو الانتقال من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ، لتعزيز جهود التحول الأخضر والعمل المناخي».
جاء ذلك تعليقاً على توقيع مصر اتفاقيات الشراكة وخطابات النوايا لتنفيذ المنصة الوطنية للمشروعات الخضراء برنامج «نُوَفِّي»، والتوقيع على اتفاقيات الشراكة للتحول الأخضر، بحضور مسؤولين حكوميين ومؤسسات دولية.
وأوضحت الوزيرة أن المشروعات المدرجة ضمن برنامج «نُوَفِّي» تتحقق فيها ثلاثة معايير رئيسية، وهي الشمولية حيث تحقق هذه المشروعات التنمية الشاملة وتتوزع في العديد من المناطق في مصر مثل وادي النيل والدلتا ومنطقة قناة السويس وغيرها، كما أنها تنعكس على فئات المجتمع كافة، لا سيما صغار المزارعين والفئات الأكثر تضرراً من تداعيات التغيرات المناخية، منوهة بأن مشروعات الأمن الغذائي والمائي مثل تحلية المياه وتدشين أنظمة الإنذار المبكر وتهيئة المناطق الزراعية القديمة للتكيف مع التغيرات المناخية وتحديث نظم الري تؤثر بشكل مباشر على مستوى معيشة وقدرة نحو 30 مليون مواطن في الوادي والدلتا على التعامل مع تداعيات التغيرات المناخية على الزراعة والإنتاج الحيواني ومصايد الأسماك، وهي كلها مصادر هامة لمعيشة هؤلاء المواطنين.
وأعلنت وزارة التعاون الدولي عن توقيع تمويلات تنموية مُيسرة بقيمة 2.24 مليار دولار، لتنفيذ عدد من المشروعات التنموية وتطوير البنية التحتية المستدامة التي تحفز مشاركة القطاع الخاص، مع عدد من شركاء التنمية في قطاعات النقل والإسكان والكهرباء والطاقة المتجددة والأمن الغذائي، والبيئة.
ومن جهة أخرى على هامش «كوب 27»، قالت رانيا المشاط إن إطلاق تقرير المناخ والتنمية CCDR الخاص بمصر، بالتعاون بين الحكومة ومجموعة البنك الدولي، يأتي نتيجة شراكات وتعاون مثمر بين الجانبين على مدار الفترة الماضية، كما أنه يأتي في ضوء الاستراتيجية القطرية المشتركة الجديدة بين الجانبين المقرر إطلاقها قريباً، لافتة إلى أن طلاق التقرير خلال فعاليات اليوم الثاني من مؤتمر المناخ بمدينة شرم الشيخ، يؤكد حرص مصر على المضي قدماً في جهود التنمية الصديقة للبيئة وتعزيز العمل المناخي والاستراتيجية الوطنية للتغيرات المناخية.
جاء ذلك خلال فعالية إطلاق تقرير المناخ والتنمية في مصر، والذي شهده رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، بمشاركة ديفيد مالباس رئيس مجموعة البنك الدولي، والدكتورة ياسمين فؤاد وزيرة البيئة المصرية، ومختار ديوب المدير التنفيذي مؤسسة التمويل الدولية، واليكس فإن تروتسنبرغ المدير التنفيذي للعمليات بالبنك الدولي، ومارينا ويس المدير الإقليمي لمصر واليمن وجيبوتي بمجموعة البنك الدولي، وماري بونغستو المديرة المنتدبة لشؤون سياسات التنمية والشراكات بمجموعة البنك الدولي، وهيروشي ماتانو نائب الرئيس التنفيذي لمؤسسة التمويل الدولية.
وأوضحت وزيرة التعاون الدولي، أن مثل هذه التقارير تمثل خريطة طريق لدعم جهود المناخ والتنمية في مصر، كما أنها تركز على أولويات الدولة المصرية في الاستراتيجية الوطنية للتغيرات المناخية 2050 والمساهمات المحددة وطنياً NDCs، ورؤية التنمية 2030، وتعمل على تشخيص التحديات التي قد تقف حائلاً أمام جهود التنمية والتحول الأخضر من أجل المضي قدماً في التعامل معها وتذليلها، وكذلك استغلال الفرص المتاحة لتسريع وتيرة التحول إلى الاقتصاد الأخضر في مصر.
وأشارت رانيا المشاط إلى أن التقرير يُحدد الإجراءات على مستوى السياسات وفرص الاستثمار التي يمكن - حال تنفيذها في غضون 5 سنوات - أن تؤدي إلى زيادة كفاءة استخدام الموارد الطبيعية وتخصيصها، والحد من آثار تغير المناخ على الناس والشركات ومؤسسات الأعمال، وتعزيز قدرة مصر على المنافسة في الأسواق العالمية.
ونوهت بأن الاستراتيجية القطرية المشتركة، إلى جانب تقرير المناخ والتنمية، يمثلان خريطة طريق للتعاون بين الحكومة ومجموعة البنك الدولي خلال المرحلة المقبلة من أجل المضي قدماً في جهود تعزيز التحول الأخضر وتنفيذ جهود المناخ والتنمية جنباً إلى جنب.
وقال ديفيد مالباس: «تعمل التقارير القطرية التي يصدرها البنك الدولي عن المناخ والتنمية إلى تحويل محور تركيز النقاش من الآثار البعيدة إلى توصيات فورية وقابلة للتنفيذ لصانعي القرارات اليوم، وتهدف التوصيات الواردة في هذا التقرير إلى بناء الأساس لنموذج نمو منخفض الانبعاثات الكربونية في مصر مع زيادة القدرة التنافسية على الساحة العالمية والحد من قابلية تأثر الناس والاقتصاد بمخاطر الصدمات المناخية».
من جانبه، قال مختار ديوب: «لدى مصر استراتيجية طموحة لمكافحة آثار تغير المناخ، ويظهر هذا التقرير بوضوح أن إطلاق استثمارات القطاع الخاص سيكون غاية في الأهمية لتحقيق أهداف مصر، ومصر شريك قوي لمؤسسة التمويل الدولية في مجال الطاقة المتجددة والتمويل الأخضر، وما زلنا ملتزمين بالعمل والتعاون معاً لتنفيذ النتائج التي خلص إليها التقرير».
ويسلط التقرير الضوء على التحديات التي تواجه قطاع المياه وآثار التغيرات المناخية على توفر المياه النظيفة، وتداعيات ذلك على جهود التنمية، فضلاً عن تأثير التغيرات المناخية على المناطق الساحلية بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر، وانعكاس كل ذلك على معيشة المواطنين ودخولهم. كما يؤكد أن المضي قدماً في مسارات التنمية منخفضة الانبعاثات يمكن أن يعزز ويساعد مصر على بناء قدرة الاقتصاد على الصمود في مواجهة الصدمات وتدعيم قدرتها التنافسية.
ورغم أن مساهمة مصر في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مستوى العالم لا تزال منخفضة عند 0.6 في المائة، فإن الانبعاثات والنمو الاقتصادي لا يزالان مرتبطين ارتباطاً وثيقاً. وهناك 3 قطاعات في مصر هي الطاقة والنقل والصناعة، تتسبب في إطلاق نحو 80 في المائة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في البلاد.
ويقترح التقرير سلسلة من الإجراءات المشتركة على مستوى جميع القطاعات لزيادة مواءمة الأهداف الإنمائية لمصر مع طموحها المناخي، تشمل تقييم الموارد الطبيعية واستخدامها وتخصيصها بمزيد من الكفاءة - وتدعيم أنظمة المعلومات التي تقوم بنشر المعلومات المتعلقة بالمناخ والهيدرولوجيا حتى تتمكن الحكومة والشركات والأفراد من التكيف بشكل أفضل وأسرع مع الصدمات المناخية والحد من المخاطر. يأتي ذلك إلى جانب التركيز على خفض الانبعاثات من قطاعات النقل والطاقة والصناعة، ووضع الأسس لزيادة مشاركة القطاع الخاص من خلال ضمان التنفيذ الكامل للقوانين الجديدة الخاصة بالكهرباء والطاقة المتجددة. وكذلك إطلاق الفرص حتى يتمكن القطاع الخاص من الاستثمار بسهولة أكبر في مجالات مثل إدارة النفايات والمخلفات والمياه البلدية منخفضة الانبعاثات الكربونية، وإعادة تجهيز المباني حتى تتسم بكفاءة استخدام الطاقة، والنقل الأخضر في المناطق الحضرية.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.