عالم الجمال يغوي كبريات دور الأزياء

«هيرميس» و«فالنتينو» و«فارفيتش» آخر من ركب موجة طرح مستحضرات تجميل

هناك شريحة مهمة من النساء يطمحن للحصول على المظهر نفسه الذي يتابعنه على منصات العرض من دون نقصان أو تخفيف من جرعته القوية
هناك شريحة مهمة من النساء يطمحن للحصول على المظهر نفسه الذي يتابعنه على منصات العرض من دون نقصان أو تخفيف من جرعته القوية
TT

عالم الجمال يغوي كبريات دور الأزياء

هناك شريحة مهمة من النساء يطمحن للحصول على المظهر نفسه الذي يتابعنه على منصات العرض من دون نقصان أو تخفيف من جرعته القوية
هناك شريحة مهمة من النساء يطمحن للحصول على المظهر نفسه الذي يتابعنه على منصات العرض من دون نقصان أو تخفيف من جرعته القوية

سرب من بيوت الأزياء والشركات العالمية دخل قطاع الماكياج مؤخراً. الهدف ليس دائماً من أجل جمال عيون المستهلك؛ بل هو حسبة تجارية أولاً وأخيراً، بعد أن أكدت الدراسات وأرقام المبيعات أنه ورقة رابحة في أياديهم، وفي أحيان كثيرة يمول قطاعات أخرى مثل الأزياء. لهذا؛ فإن دخول بيوت كانت إلى زمن قريب مُكتفية بتصميم الأزياء والإكسسوارات إلى هذا المجال، مثل «هيرميس» و«فالنتينو» وقبلهما «غوتشي» و«دولتشي آند غابانا» و«جيورجيو أرماني، لا يترك مجالاً للشك في أن هناك توجهاً جديداً يُحرك عالم الترف. منذ أكثر من شهر، أعلنت منصة «فارفيتش ( FARFETCH)» دخولها سوق مستحضرات التجميل. ورغم أهمية الخبر؛ فإنه لم يكن مفاجئاً؛ إذ إن بوادره بدأت منذ أن استحوذت «فارفيتش» المختصة في مجال الموضة سابقاً على محلات «فايلت غراي» الأميركية. ليس هذا فقط؛ بل دعمت دخول محلات «براونز» و«أوف وايت» المنضويتين تحت جناحيها هذا المجال أيضاً حتى يتمكن زائر الموقع من أن يتسوق كل ما يحتاجه وهو في عقر داره أو بضغطة على الهاتف، ومن دون أن يحتاج الانتقال إلى منصة أخرى. المفاجئ في دخول «فارفيتش» هذا المجال أن مستحضرات التجميل، مثل العطور، تحتاج إلى تجربة حسية تعتمد على اللمس والشم. لكن الشركة تعرف أن سلوكيات التسوق تغيرت، وبالتالي تُعول على شريحة تعرف ما تريد من جهة؛ وتفضل التسوق الإلكتروني من جهة أخرى. وراء هذا التوجه مديرون فنيون ورؤساء تنفيذيون يرون أن الصورة الأحادية لتسويق الأزياء لم تعد كافية، ويجب أن يشمل صورة ثلاثية الأبعاد قد تبدأ من منصات عروض الأزياء بكل إبهارها وبهاراتها ثم تصل إلى الشارع بشكل أو بآخر.


مصمم دار «فالنتينو» يلبس سترة رياضية كتب عليها: «أحب الجمال... إنه ليس ذنبي» ملخصاً رؤيته للجمال والموضة على حد سواء

واحد من هذه الأشكال يتمثل في مستحضرات تجميل قد تُشبع رغبة أي شخص يحلم بقطعة بتوقيع هذه البيوت الراقية ولا يستطيع إليها سبيلاً. مصمم دار «فالنتينو» بيير باولو بيكيولي يشرح الأمر قائلاً: «الجمال والموضة وجهان لعملة واحدة، وللأسف ظلت الموضة لزمن طويل أحادية الأبعاد تهتم بالأزياء أولاً وأخيراً، وهو ما كان مناسباً وجميلاً في وقت من الأوقات؛ لكن الأمر تغير الآن... أصبح من الضروري إضافة عُمق على الصورة التي كنا نقدمها». يتابع: «أرى أنه من دون ماكياج لا تأخذ القطعة مهما كانت راقية ورائعة حقها كاملاً؛ لأنه هو الذي يضيف تلك الطبقة التي تلمس المشاعر والوجدان». كما لمح المصمم إلى أن ما شجعه أكثر انتباهه إلى أن الزبونات لا يردن الاستلهام فقط؛ بل هناك شريحة مهمة منهن يطمحن للحصول على المظهر نفسه الذي يتابعونه على منصات العرض، من دون نقصان أو تخفيف من جرعته القوية. وهو محق في رأيه. ففي موسم الـ«هوت كوتور» الذي يسمح بكثير من الفنية والتفرد، فإن التغطيات الخاصة بالماكياج تكاد تغطي أحياناً على تلك التي تغطي الأزياء، بدليل صور رموش العيون الجريئة والألوان الصارخة التي يتم تداولها عبر «إنستغرام» و«تيك توك». من جهته؛ علق ستيفن كولب، المدير التنفيذي للمصممين في أميركا، على هذا الزحف الصارخ نحو قطاع الجمال والتجميل في مقال قال فيه: «عندما نتابع أي عرض أزياء، فإن عنصر الإبهار لا يقتصر على الأزياء وحدها؛ بل يعتمد على عناصر كثيرة يكمل بعضها بعضاً، مثل الماكياج وتسريحات الشعر التي تعدّ جزءاً لا يتجزأ من العرض، لا سيما في عصر وسائل التواصل الاجتماعي التي عززت قوة الألوان. كل هذا بات يفرض على أي ماركة عالمية تريد أن تواكب العصر وتغيراته السريعة أن تأخذ في الحسبان ثقافة الأجيال الصاعدة ومتطلباتها».


ماكياج «فالنتينو» بكل مبالغاته الفنية خلال عروض الأزياء أصبح ملهماً لجيل الـ«تيك توك»

لا يختلف اثنان على أن جيلاً كهذا كان له دور مؤثر في تشجيع هذه البيوت على دخول مجال الجمال؛ وفق تقرير نشرته شركة «ماكينزي آند كومباني». هذا الجيل يرى أن الماكياج أداة تعكس شخصيته وتفرده وحتى ميوله. نظرة سريعة للحملات الترويجية المصورة أيضاً، أو ما يجري تداوله على منصات مثل «تيك توك» و«يوتيوب» تؤيد هذا التفكير؛ فالماكياج لم يعد قائماً على التمويه على العيوب وإبراز مكامن الجمال، بقدر ما أصبح وسيلة لإخراج الجانب الإبداعي والفردي لكل شخص. في حملة «فالنتينو» مثلاً ظهرت 16 عارضة من كل جنس ولون، وفي حملة «غوتشي» تعمد المصمم أليساندرو ميكيلي عدم الاستعانة بعارضات جميلات بالمعنى التقليدي، واختار في المقابل عارضات عاديات جداً، ركز على عيوبهن كأنه يحتفل بها بدل إخفائها.


كل بيوت الأزياء التي دخلت هذا القطاع جست النبض بأحمر الشفاه قبل أن تتوسع إلى باقي المستحضرات

بيد أنه لا يمكن القول إن الهدف من دخول «فالنتينو» و«هيرميس» ومنصة «فارفيتش» ومحلات «براونز» وغيرها هذا الشهر مجال الجمال والتجميل مثالي من أجل عيون الزبونات فقط؛ فهناك الجانب الربحي الذي يأتي من وراء استقطاب شرائح واسعة من الزبائن مستعدة لصرف مئات الدولارات على عطر أو قلم أحمر أو كريم أساس. مبيعات بيوت أزياء أخرى مثل «جيورجيو أرماني» و«دولتشي آند غابانا» و«إيف سان لوران» و«ديور» وغيرها، تؤكد أنه قطاع يُعول عليه ولا يُخيب الآمال. فقيمة سوق مستحضرات التجميل العالمية، تُقدر بنحو 69 مليار دولار أميركي؛ وفقاً للنسخة العشرين من دراسة السوق الفاخرة التي أجرتها « «Bain Altagammaفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، وبهذا تكون ثانية كبرى الفئات بعد فئة البضائع الجلدية وقبل فئة الملابس. ويتوقع أن تصل قيمة قطاع مستحضرات التجميل إلى 85 مليار دولار بحلول 2024 بفضل جيل تشير دراسة صدرت بعد الجائحة إلى أن 40 في المائة منه مستعد أكثر من أي وقت مضى لأن يجرب أي جديد تطرحه بيوت الأزياء وأسماء جديدة. أمر يعرفه المصمم توم فورد جيداً ويعيشه منذ عام 2010 عندما طرح مجموعة مكونة من أحمر شفاه بـ50 دولاراً، وهو ضعف سعر أي أحمر شفاه آخر في السوق آنذاك، ومع ذلك حقق وفي فترة وجيزة مليار دولار لشركة «إيستي لودر» التي كانت وراء تصنيعه، كما يقال إنه باع منه ما قيمته 500 مليون دولار.

«غوتشي»؛ التي تعدّ جديدة هي الأخرى في هذا المجال، حيث دخلته في عام 2019 فقط، حذت حذوه وجست نبض السوق بمجموعة من أحمر شفاه بيع منها مليون قلم خلال شهر واحد، مما شجعها على التوسع إلى كريم أساس وأقلام كحل سائلة للعيون وماسكارا. قبل «فالنتينو» اقتحمت دار «هيرميس» بعد أكثر من قرن من بناء سمعتها على الإكسسوارات والأزياء، مجال التجميل. تسلحت بتاريخها العريق وقراءتها للسوق وتغيراتها. انتبهت إلى أن الحرفية العالية التي تقوم عليها ماكينة تسويقها، لها ثمن باهظ يجعل العين بصيرة واليد قصيرة في أغلب الأحيان. من هنا؛ فإن الحصول على قلم أحمر أو كريم أساس أو بودرة مضغوطة في علبة أنيقة مطبوعة بلونها البرتقالي بمثابة تحقيق حلم لشريحة كبيرة من الزبونات ليس في مقدورهن شراء إيشارب منها بـ300 دولار؛ لكن لا يستغنين عن أحمر شفاه أيا كان سعره. هي الأخرى بدأت بأحمر شفاه في العام الماضي. عندما طرحت مجموعة بألوان متنوعة منه كان لسان حالها يقول إن «ديور» و«شانيل» و«سان لوران»... وغيرها من الدور التي دخلت عالم الجمال منذ عقود وحققت أرباحاً هائلة ساعدتها على التوسع والانتشار عالمياً، ليست بأحسن منها. ثم إن هذه المستحضرات يمكن أن تُباع في محلاتها، كما في محلات غيرها من دون أي خوف من تأثير هذه الوفرة على صورتها الأيقونية ولا على مكانة إكسسواراتها وأزيائها. المهم أن تحمل هذه المستحضرات ثقافتها وبصماتها، وهو ما فهمته «هيرميس» وترجمته في جودة المنتجات وأناقة العلب والتغليف باللون البرتقالي الذي أصبح لصيقاً بها.


مقالات ذات صلة

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.