الاستدامة وحماية البيئة في الممارسات الزراعية التقليدية

8 مواقع عربية على لائحة التراث الزراعي العالمي

عامل يقوم بقطف التمور خلال موسم الحصاد السنوي في دهشور جنوب محافظة الجيزة بمصر 21 سبتمبر 2022 (إ.ب.أ)
عامل يقوم بقطف التمور خلال موسم الحصاد السنوي في دهشور جنوب محافظة الجيزة بمصر 21 سبتمبر 2022 (إ.ب.أ)
TT

الاستدامة وحماية البيئة في الممارسات الزراعية التقليدية

عامل يقوم بقطف التمور خلال موسم الحصاد السنوي في دهشور جنوب محافظة الجيزة بمصر 21 سبتمبر 2022 (إ.ب.أ)
عامل يقوم بقطف التمور خلال موسم الحصاد السنوي في دهشور جنوب محافظة الجيزة بمصر 21 سبتمبر 2022 (إ.ب.أ)

بدأت الأنشطة الزراعية في أجزاء مختلفة من العالم منذ نحو 12 ألف عام. وأدّى تطور الزراعة إلى تغيُّر الطريقة التي يمارسها البشر لتأمين البقاء، حيث تحولوا من أنماط الحياة القائمة على الصيد وجمع ما تيسّر مما تنتجه الطبيعة، إلى العيش في مستوطنات دائمة تعتمد على الزراعة.
واقترح العلماء عدداً من الفرضيات لنشأة الممارسات الزراعية، أبرزها نمو التجمعات البشرية التي تميل إلى الاستقرار في مناطق محددة، ما استتبع الحاجة لتوفير الغذاء لها على نحو يتجاوز طرق الصيد والجمع التي كانت سائدة. وترتبط نشأة الزراعة في بلاد الشام بتغيُّر المناخ المحلي بعد العصر الجليدي الأخير، حيث أصبح جزء كبير من الأراضي عرضةً لمواسم جفاف طويلة، ما دعم انتشار الزراعات الموسمية. ومكّنت وفرة الحبوب والبقول البرية القابلة للتخزين بسهولة، الصيادين من تكوين أولى القرى المستقرة في ذلك الوقت.
وخلال آلاف السنين، نجحت المجتمعات البشرية في تطوير ممارساتها الزراعية. وفي أكثر من مكان، كان للخبرات والمعارف الزراعية المتراكمة دور في زيادة إنتاجية المحاصيل واستدامتها في تناغم مع الطبيعة والنظم الإيكولوجية المحيطة. كما قام المزارعون والمجتمعات الريفية بابتكار سبل زراعة بارعة تحفظ التنوُّع البيولوجي على نحو مستدام يحمي سبل عيشهم والمناظر الطبيعية التي يعيشون في أحضانها.
- العودة إلى الجذور لحماية البيئة
تُعد الزراعة في كثير من الأحيان أحد المحركات الرئيسية لتغيُّر المناخ وتدهور الأراضي والنظام البيئي. وتهدد الممارسات الزراعية والاستخدام غير المستدام للأراضي الأمن الغذائي العالمي، وسبل العيش، والقِيَم الثقافية للمجتمعات الريفية.
ومع حركة التمدّن التي تدفع الشباب إلى هجرة الأراضي الزراعية، ونتيجة انتشار أنماط الزراعة الحديثة القائمة على المكننة واستخدام المواد الكيميائية وسلالات المحاصيل ذات الإنتاجية المرتفعة، أصبحت النظم الزراعية التقليدية مهددة على نحو غير مسبوق. وهذا ما دفع منظمة الأغذية والزراعة (فاو) قبل 20 عاماً إلى إطلاق برنامج للحفاظ على المعارف والمهارات الزراعية التقليدية تحت عنوان «نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية».
ويهدف برنامج نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية إلى حماية المعارف التقليدية للمجتمعات الريفية، ودعم قدرة ممارساتها الزراعية التطبيقية على الصمود، وتعزيزها عن طريق تشجيع حفظها على نحو ديناميكي يضمن تنمية النظم الإيكولوجية الزراعية الفريدة على نحو مستدام.
ولا تمثل أنظمة التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية المناظر الطبيعية المذهلة فحسب، بل تهتم أيضاً بالممارسات الزراعية التي تخلق سبل العيش في المناطق الريفية، وتجمع بين التنوُّع البيولوجي والنظم الإيكولوجية المرنة والتقاليد والابتكار بطريقة فريدة. وبين عام 2005 واليوم، حددت منظمة الأغذية والزراعة 67 نظاماً في 22 دولة كمواقع للتراث الزراعي، بينما يوجد 13 اقتراحاً جديداً لنظم زراعية في 8 دول مختلفة قيد الدراسة حالياً.
ويتعيّن على المناطق المرشَّحة للانضمام إلى قائمة نظم التراث الزراعية ذات الأهمية العالمية أن تستوفي 5 معايير، لتستفيد في المقابل من دور البرنامج في تنشيط المجتمعات الريفية وتعزيز التنمية الريفية. وتشمل هذه المعايير مدى مساهمة النظام الزراعي المقترح في الغذاء والأمن المعيشي للمجتمعات المحلية، وتميُّزه بالتنوُّع البيولوجي والموارد الوراثية ذات الأهمية للأغذية والزراعة، ومحافظته على المعارف والممارسات التقليدية المحلية والقيّمة، وهويته الثقافية وانتمائه للمكان، وتكامله مع المناظر الطبيعية في المنطقة أو الإقليم.
وتتوزّع قائمة «فاو» لنظم التراث الزراعية ذات الأهمية العالمية على خمس مناطق؛ هي الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، وأفريقيا، وأوروبا وآسيا الوسطى، وأميركا اللاتينية والبحر الكاريبي، وآسيا والمحيط الهادي، التي تضم وحدها 45 نظام تراث زراعياً مهماً.
وتمثّل هذه النظم ثروة معرفية يمكن الاستفادة منها في مواجهة التحديات البيئية العالمية، بما فيها مشاكل الغذاء والماء والمناخ. وعلى سبيل المثال، تتسبب قلّة هطول الأمطار في المنطقة الجافة من سريلانكا في تدني إنتاج المحاصيل، لا سيما في موسم الجفاف. غير أن المجتمعات المحلية في هذه المنطقة اعتمدت مع مرور الوقت استراتيجيات تمكّنها من التكيُّف مع الظروف المناخية المختلفة وضمان إمدادات المياه من خلال بناء الخزانات.
ويتألف النظام الزراعي في هذه المنطقة من خزانات وحقول أرز وغابات وحدائق منزلية متصلة بنظام فريد لإدارة المياه بغية احتواء مياه الفيضانات، فضلاً عن توزيع المياه والاحتفاظ بها على مدار السنة. وقد حافظ هذا النمط من التكيُّف، بالإضافة إلى الممارسات المستدامة في تربية الأسماك وزراعة المحاصيل، على ضمان التنوُّع البيولوجي وازدهاره.
وفي مصر، تُعدّ واحة سيوة تجسيداً لقدرة المزارعين على تكييف الزراعة مع الظروف المناخية الصعبة. وتساعد الممارسة الزراعية في هذه المنطقة الصحراوية على تحسين وفرة الغذاء وتربية الثروة الحيوانية والحفاظ على الأنواع الحيّة، بموازاة ترشيد استخدام المورد النادر، وهو الماء.
وتسود زراعة أشجار النخيل في نظام واحة سيوة، وتتخللها محاصيل أخرى مثل أشجار الزيتون والبرسيم. وبصورة عامة، يوجد في واحة سيوة 46 نوعاً مختلفاً من المحاصيل، وهي توفّر الموئل والمياه للحيوانات البرية مثل البرمائيات والزواحف وكثير من أصناف الطيور. وقد أنشأ هذا النظام المتكيّف مناخاً محلياً ملائماً لإنتاج المحاصيل وضرورياً لضمان سبل عيش المجتمع المحلي وأمنه الغذائي.
- نظم زراعية تتقن التكيُّف مع الطبيعة
من بين نظم التراث الزراعية المهمة أيضاً نظام مصاطب الأرز المروية في جبال كوريليرا بالفلبين، الذي يبلغ عمره 2000 عام. وقد حفر السكان الأصليون تلك المصاطب بأيديهم وفق منحنيات الجبال، وهي تتميز بنظام ري مقنّن وتُعدّ أعجوبة هندسية من العالم القديم. وأسهم تسجيل هذا النظام على قائمة «فاو» في تنفيذ مشروع لإضفاء بعض التحسينات وإيجاد توازن بين صون التنوُّع البيولوجي الزراعي في المنطقة واستغلاله المستدام، كما ساعد في زراعة محاصيل عالية القيمة مثل القلقاس والبطاطا الحلوة والباذنجان والزنجبيل.
وفي اليابان، تمثّل شبه جزيرة نوتو عالماً مصغّراً عن المناطق الريفية التقليدية، حيث تترابط الجبال والغابات والمناطق الساحلية في نظام زراعي رائع. وتتميّز شبه الجزيرة بنظام «ساتوياما»، وهو مجموعة من النظم الإيكولوجية الأرضية والمائية تشمل الغابات المختلطة وحقول الأرز والأراضي العشبية والجداول والبرك وأحواض الري، ونظام «ساتومي» الذي يضم مناظر طبيعية بحرية وساحلية أمكن تشكيلها والحفاظ عليها من خلال التفاعل المطوَّل بين البشر والطبيعة. وقد دفع إدراج شبه جزيرة نوتو على قائمة «فاو» إلى إنشاء نظام لإصدار شهادات ضمان أصل المنتجات المحلية، وتشجيع المنتجات الزراعية الصادرة عن الإقليم، من أجل زيادة دخل المزارعين.
وفي ولاية وادي سوف الجزائرية، جرى تصميم نظام واحات الغوط في القرن الخامس عشر، وهو يقوم على زراعة نخيل التمور في حفر شبيهة بفوهة البركان أو أحواض تدعى الأغواط أو الغيطان. ويساعد الغوط نخيل التمور في الازدهار ببيئة صحراوية تصارع فيها معظم أنواع الحياة من أجل البقاء والنمو. وتكون أشجار النخيل في هذا النظام محمية أيضاً من مخاطر المناخ، وليست هناك حاجة لنظام ري، لأن الجذور تكون قريبة من المياه الجوفية نتيجة الحفر.
وعلى مدى السنوات العشر الماضية، عمل برنامج نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية من أجل إنشاء أنشطة مدرّة للدخل لصالح المجتمعات المحلية في وادي سوف، إلى جانب حماية التنوُّع البيولوجي فيها. وعلى سبيل المثال، جرى دعم أحد المجتمعات المحلية في المنطقة لزراعة أحد أصناف نخيل التمور التي كانت على وشك الاندثار، كما أُدخلت سلالة محلية من طيور الحمام إلى المنطقة لتجنُّب انقراضها.
وإلى جانب واحات الغوط في الجزائر وواحة سيوة في مصر، يوجد في العالم العربي 6 مواقع أخرى مدرجة ضمن نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية، هي واحات نخيل التمر التاريخية في العين وليوا التي تمثّل جزءاً من التراث الزراعي للإمارات، ونظام الواحات في جبال أطلس وكذلك النظام الزراعي الرعوي القائم على زراعة شجر أرغان في منطقتي آيت صواب وآيت منصور بالمغرب. وفي تونس، جرى إدراج النظم الزراعية في واحة قفصة، والحدائق المعلّقة في دجبة العليا، وأنظمة محاصيل الرملي في بحيرات غار الملح.
كانت للمعارف المتوارثة أباً عن جد في المجتمعات الزراعية المحلية أهمية حاسمة في نشأة الحضارات، وضمان سُبُل العيش، وصون وحفظ التنوُّع البيولوجي الضروري للكوكب برمّته. والحفاظ على الموروث الزراعي التقليدي، الذي يحمي النظم الإيكولوجية ويتيح للمجتمعات العيش في تناغم مع الطبيعة، قد يكون طوق النجاة في مواجهة المشاكل البيئية العالمية والتكيُّف معها.


مقالات ذات صلة

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

الولايات المتحدة​ الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الأربعاء إنه ينبغي للحكومات وضع مكافحة تغير المناخ ضمن أولوياتها ​الرئيسية، مع ازدياد حدة المخاطر المناخية

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أشخاص يحتمون بالمظلات من أشعة الشمس مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فعاليات أسبوع الموضة في ميلانو بإيطاليا 22 يونيو 2026 (رويترز)

دراسة: عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير يرتفع عالمياً

ارتفع عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير بشكل حاد عالمياً خلال السنوات الخمسين الأخيرة بسبب التغيّر المناخي، وفق ما كشفت دراسة نُشرت نتائجها الاثنين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

أوروبا تشهد موجة حر شديد وفرنسا تعقد اجتماعات طارئة

أدت موجة من الحر الشديد تجتاح معظم أنحاء أوروبا إلى عقد اجتماعات طارئة في فرنسا، وإصدار تحذيرات على مستوى البلاد في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا حشد من الناس خلال احتجاج ضد منتجع فاخر وهو مشروع لشركة مرتبطة بجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منطقة حساسة بيئياً على ساحل البحر الأدرياتيكي في زفيرنيك بالقرب من فلورا بألبانيا يوم 6 يونيو 2026 (رويترز)

ما أسباب تصاعد المعارضة لمشروع منتجع فاخر مرتبط بعائلة ترمب في ألبانيا؟

يتصاعد الجدل في ألبانيا حول مشروع منتجع مرتبط بعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسط احتجاجات ومخاوف بيئية، فيما تتمسك الحكومة بالمضي فيه.

«الشرق الأوسط» (تيرانا)
يوميات الشرق تم إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

تشمل الطائف وثادق... تأهيل وجهات سعودية لاكتشاف الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي

كشف المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في السعودية عدداً من الفرص والوجهات السياحية المرتبطة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)

تواصل موجة حر شديدة اجتياح غرب أوروبا، متسببة في وفاة أكثر من 40 شخصاً في فرنسا وحدها، وذلك بفعل ظاهرة جوية تعرف باسم «حاجز أوميغا».

إليك ما ينبغي معرفته عن ظاهرة «حاجز أوميغا» وما إذا كان تغيّر المناخ يعني أنها قد تصبح أكثر تواتراً في السنوات المقبلة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

ما ظاهرة «حاجز أوميغا»؟

تستمد الظاهرة الجوية اسمها من شكل الحرف اليوناني Ω، وتنحصر فيها كتلة مستقرة من الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع بين نظامين من الضغط المنخفض الأكثر برودة.

ويشير عنصر «الحجز» إلى كيفية احتجاز منطقة الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع. ففي الظروف العادية، ينقل التيار النفاث الأنظمة الجوية بثبات من الغرب إلى الشرق.

ولكن خلال حدوث ظاهرة «حاجز أوميغا»، يتعطل هذا التدفق وقد ينحرف بنحو كبير شمالاً وجنوباً؛ ما يؤدي إلى عزل أنظمة الضغط. ويسهم ضعف الرياح والتباينات في درجات حرارة الغلاف الجوي في ظهور هذه الأنماط المستقرة بطيئة الحركة.

ونتيجة ذلك، يستقر الهواء الساخن فوق المنطقة نفسها. وعادة ما تستمر ظاهرة «حاجز أوميغا» ما بين ثلاثة إلى عشرة أيام، لكنها قد تستمر أسابيع.

امرأة تستخدم مظلة لحماية نفسها من الشمس في أثناء سيرها في شارع أكسفورد حيث تشهد بريطانيا درجات حرارة قياسية... لندن يوم 23 يونيو 2026 (رويترز)

ماذا يحدث خلال «حاجز أوميغا»؟

أسفل منطقة الضغط المرتفع في الوسط، تصبح الأحوال الجوية حارة وجافة. ويمنع الضغط المرتفع أيضا تشكّل السحب؛ ما يؤدي إلى سماء صافية ومشمسة تسمح بارتفاع درجات الحرارة.

وهذه الظروف هي التي تسبب موجة الحر الشديدة في فرنسا وإسبانيا حيث تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تشهد المناطق الواقعة في مناطق الضغط المنخفض المحيطة بموجة الحر ظروفاً أكثر برودة وأمطاراً.

وتقع بريطانيا على الحدود بين نظام الضغط المرتفع والهواء الأكثر برودة في شمال الغرب. ويقول مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إن ذلك يؤدي إلى حرارة شديدة في الجنوب والشرق، وظروف أكثر برودة ورطوبة في الشمال والغرب.

هل تغيّر المناخ هو السبب؟

لم يتفق العلماء بعد على كيفية تأثير تغيّر المناخ على تواتر ظواهر الحواجز الجوية مثل «حاجز أوميغا».

ومع ذلك، فإن الإجماع العلمي العالمي يؤكد أن تغيّر المناخ يزيد من تواتر موجات الحرارة وشدتها.

وأدت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، الناجمة في الأساس من حرق الفحم والنفط والغاز، إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بنحو 1.3 درجة مئوية منذ عصر ما قبل الثورة الصناعية.

ويعني هذا الارتفاع في درجة الحرارة أن موجات الطقس الحار تصل إلى درجات حرارة أعلى.

وقالت كلير بارنز، الباحثة المشاركة في مجال الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة في «إمبريال كوليدج لندن»، إن أوروبا تشهد حالياً موجات حرارة أعلى بمقدار درجتين إلى 4 درجات مئوية عما كانت لتصبح عليه لولا الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية.

ونتيجة ذلك، عندما تحدث ظواهر مثل «حاجز أوميغا»، قد تكون الحرارة الناتجة أشد بنحو ملحوظ.


علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».