الاستدامة وحماية البيئة في الممارسات الزراعية التقليدية

8 مواقع عربية على لائحة التراث الزراعي العالمي

عامل يقوم بقطف التمور خلال موسم الحصاد السنوي في دهشور جنوب محافظة الجيزة بمصر 21 سبتمبر 2022 (إ.ب.أ)
عامل يقوم بقطف التمور خلال موسم الحصاد السنوي في دهشور جنوب محافظة الجيزة بمصر 21 سبتمبر 2022 (إ.ب.أ)
TT

الاستدامة وحماية البيئة في الممارسات الزراعية التقليدية

عامل يقوم بقطف التمور خلال موسم الحصاد السنوي في دهشور جنوب محافظة الجيزة بمصر 21 سبتمبر 2022 (إ.ب.أ)
عامل يقوم بقطف التمور خلال موسم الحصاد السنوي في دهشور جنوب محافظة الجيزة بمصر 21 سبتمبر 2022 (إ.ب.أ)

بدأت الأنشطة الزراعية في أجزاء مختلفة من العالم منذ نحو 12 ألف عام. وأدّى تطور الزراعة إلى تغيُّر الطريقة التي يمارسها البشر لتأمين البقاء، حيث تحولوا من أنماط الحياة القائمة على الصيد وجمع ما تيسّر مما تنتجه الطبيعة، إلى العيش في مستوطنات دائمة تعتمد على الزراعة.
واقترح العلماء عدداً من الفرضيات لنشأة الممارسات الزراعية، أبرزها نمو التجمعات البشرية التي تميل إلى الاستقرار في مناطق محددة، ما استتبع الحاجة لتوفير الغذاء لها على نحو يتجاوز طرق الصيد والجمع التي كانت سائدة. وترتبط نشأة الزراعة في بلاد الشام بتغيُّر المناخ المحلي بعد العصر الجليدي الأخير، حيث أصبح جزء كبير من الأراضي عرضةً لمواسم جفاف طويلة، ما دعم انتشار الزراعات الموسمية. ومكّنت وفرة الحبوب والبقول البرية القابلة للتخزين بسهولة، الصيادين من تكوين أولى القرى المستقرة في ذلك الوقت.
وخلال آلاف السنين، نجحت المجتمعات البشرية في تطوير ممارساتها الزراعية. وفي أكثر من مكان، كان للخبرات والمعارف الزراعية المتراكمة دور في زيادة إنتاجية المحاصيل واستدامتها في تناغم مع الطبيعة والنظم الإيكولوجية المحيطة. كما قام المزارعون والمجتمعات الريفية بابتكار سبل زراعة بارعة تحفظ التنوُّع البيولوجي على نحو مستدام يحمي سبل عيشهم والمناظر الطبيعية التي يعيشون في أحضانها.
- العودة إلى الجذور لحماية البيئة
تُعد الزراعة في كثير من الأحيان أحد المحركات الرئيسية لتغيُّر المناخ وتدهور الأراضي والنظام البيئي. وتهدد الممارسات الزراعية والاستخدام غير المستدام للأراضي الأمن الغذائي العالمي، وسبل العيش، والقِيَم الثقافية للمجتمعات الريفية.
ومع حركة التمدّن التي تدفع الشباب إلى هجرة الأراضي الزراعية، ونتيجة انتشار أنماط الزراعة الحديثة القائمة على المكننة واستخدام المواد الكيميائية وسلالات المحاصيل ذات الإنتاجية المرتفعة، أصبحت النظم الزراعية التقليدية مهددة على نحو غير مسبوق. وهذا ما دفع منظمة الأغذية والزراعة (فاو) قبل 20 عاماً إلى إطلاق برنامج للحفاظ على المعارف والمهارات الزراعية التقليدية تحت عنوان «نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية».
ويهدف برنامج نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية إلى حماية المعارف التقليدية للمجتمعات الريفية، ودعم قدرة ممارساتها الزراعية التطبيقية على الصمود، وتعزيزها عن طريق تشجيع حفظها على نحو ديناميكي يضمن تنمية النظم الإيكولوجية الزراعية الفريدة على نحو مستدام.
ولا تمثل أنظمة التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية المناظر الطبيعية المذهلة فحسب، بل تهتم أيضاً بالممارسات الزراعية التي تخلق سبل العيش في المناطق الريفية، وتجمع بين التنوُّع البيولوجي والنظم الإيكولوجية المرنة والتقاليد والابتكار بطريقة فريدة. وبين عام 2005 واليوم، حددت منظمة الأغذية والزراعة 67 نظاماً في 22 دولة كمواقع للتراث الزراعي، بينما يوجد 13 اقتراحاً جديداً لنظم زراعية في 8 دول مختلفة قيد الدراسة حالياً.
ويتعيّن على المناطق المرشَّحة للانضمام إلى قائمة نظم التراث الزراعية ذات الأهمية العالمية أن تستوفي 5 معايير، لتستفيد في المقابل من دور البرنامج في تنشيط المجتمعات الريفية وتعزيز التنمية الريفية. وتشمل هذه المعايير مدى مساهمة النظام الزراعي المقترح في الغذاء والأمن المعيشي للمجتمعات المحلية، وتميُّزه بالتنوُّع البيولوجي والموارد الوراثية ذات الأهمية للأغذية والزراعة، ومحافظته على المعارف والممارسات التقليدية المحلية والقيّمة، وهويته الثقافية وانتمائه للمكان، وتكامله مع المناظر الطبيعية في المنطقة أو الإقليم.
وتتوزّع قائمة «فاو» لنظم التراث الزراعية ذات الأهمية العالمية على خمس مناطق؛ هي الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، وأفريقيا، وأوروبا وآسيا الوسطى، وأميركا اللاتينية والبحر الكاريبي، وآسيا والمحيط الهادي، التي تضم وحدها 45 نظام تراث زراعياً مهماً.
وتمثّل هذه النظم ثروة معرفية يمكن الاستفادة منها في مواجهة التحديات البيئية العالمية، بما فيها مشاكل الغذاء والماء والمناخ. وعلى سبيل المثال، تتسبب قلّة هطول الأمطار في المنطقة الجافة من سريلانكا في تدني إنتاج المحاصيل، لا سيما في موسم الجفاف. غير أن المجتمعات المحلية في هذه المنطقة اعتمدت مع مرور الوقت استراتيجيات تمكّنها من التكيُّف مع الظروف المناخية المختلفة وضمان إمدادات المياه من خلال بناء الخزانات.
ويتألف النظام الزراعي في هذه المنطقة من خزانات وحقول أرز وغابات وحدائق منزلية متصلة بنظام فريد لإدارة المياه بغية احتواء مياه الفيضانات، فضلاً عن توزيع المياه والاحتفاظ بها على مدار السنة. وقد حافظ هذا النمط من التكيُّف، بالإضافة إلى الممارسات المستدامة في تربية الأسماك وزراعة المحاصيل، على ضمان التنوُّع البيولوجي وازدهاره.
وفي مصر، تُعدّ واحة سيوة تجسيداً لقدرة المزارعين على تكييف الزراعة مع الظروف المناخية الصعبة. وتساعد الممارسة الزراعية في هذه المنطقة الصحراوية على تحسين وفرة الغذاء وتربية الثروة الحيوانية والحفاظ على الأنواع الحيّة، بموازاة ترشيد استخدام المورد النادر، وهو الماء.
وتسود زراعة أشجار النخيل في نظام واحة سيوة، وتتخللها محاصيل أخرى مثل أشجار الزيتون والبرسيم. وبصورة عامة، يوجد في واحة سيوة 46 نوعاً مختلفاً من المحاصيل، وهي توفّر الموئل والمياه للحيوانات البرية مثل البرمائيات والزواحف وكثير من أصناف الطيور. وقد أنشأ هذا النظام المتكيّف مناخاً محلياً ملائماً لإنتاج المحاصيل وضرورياً لضمان سبل عيش المجتمع المحلي وأمنه الغذائي.
- نظم زراعية تتقن التكيُّف مع الطبيعة
من بين نظم التراث الزراعية المهمة أيضاً نظام مصاطب الأرز المروية في جبال كوريليرا بالفلبين، الذي يبلغ عمره 2000 عام. وقد حفر السكان الأصليون تلك المصاطب بأيديهم وفق منحنيات الجبال، وهي تتميز بنظام ري مقنّن وتُعدّ أعجوبة هندسية من العالم القديم. وأسهم تسجيل هذا النظام على قائمة «فاو» في تنفيذ مشروع لإضفاء بعض التحسينات وإيجاد توازن بين صون التنوُّع البيولوجي الزراعي في المنطقة واستغلاله المستدام، كما ساعد في زراعة محاصيل عالية القيمة مثل القلقاس والبطاطا الحلوة والباذنجان والزنجبيل.
وفي اليابان، تمثّل شبه جزيرة نوتو عالماً مصغّراً عن المناطق الريفية التقليدية، حيث تترابط الجبال والغابات والمناطق الساحلية في نظام زراعي رائع. وتتميّز شبه الجزيرة بنظام «ساتوياما»، وهو مجموعة من النظم الإيكولوجية الأرضية والمائية تشمل الغابات المختلطة وحقول الأرز والأراضي العشبية والجداول والبرك وأحواض الري، ونظام «ساتومي» الذي يضم مناظر طبيعية بحرية وساحلية أمكن تشكيلها والحفاظ عليها من خلال التفاعل المطوَّل بين البشر والطبيعة. وقد دفع إدراج شبه جزيرة نوتو على قائمة «فاو» إلى إنشاء نظام لإصدار شهادات ضمان أصل المنتجات المحلية، وتشجيع المنتجات الزراعية الصادرة عن الإقليم، من أجل زيادة دخل المزارعين.
وفي ولاية وادي سوف الجزائرية، جرى تصميم نظام واحات الغوط في القرن الخامس عشر، وهو يقوم على زراعة نخيل التمور في حفر شبيهة بفوهة البركان أو أحواض تدعى الأغواط أو الغيطان. ويساعد الغوط نخيل التمور في الازدهار ببيئة صحراوية تصارع فيها معظم أنواع الحياة من أجل البقاء والنمو. وتكون أشجار النخيل في هذا النظام محمية أيضاً من مخاطر المناخ، وليست هناك حاجة لنظام ري، لأن الجذور تكون قريبة من المياه الجوفية نتيجة الحفر.
وعلى مدى السنوات العشر الماضية، عمل برنامج نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية من أجل إنشاء أنشطة مدرّة للدخل لصالح المجتمعات المحلية في وادي سوف، إلى جانب حماية التنوُّع البيولوجي فيها. وعلى سبيل المثال، جرى دعم أحد المجتمعات المحلية في المنطقة لزراعة أحد أصناف نخيل التمور التي كانت على وشك الاندثار، كما أُدخلت سلالة محلية من طيور الحمام إلى المنطقة لتجنُّب انقراضها.
وإلى جانب واحات الغوط في الجزائر وواحة سيوة في مصر، يوجد في العالم العربي 6 مواقع أخرى مدرجة ضمن نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية، هي واحات نخيل التمر التاريخية في العين وليوا التي تمثّل جزءاً من التراث الزراعي للإمارات، ونظام الواحات في جبال أطلس وكذلك النظام الزراعي الرعوي القائم على زراعة شجر أرغان في منطقتي آيت صواب وآيت منصور بالمغرب. وفي تونس، جرى إدراج النظم الزراعية في واحة قفصة، والحدائق المعلّقة في دجبة العليا، وأنظمة محاصيل الرملي في بحيرات غار الملح.
كانت للمعارف المتوارثة أباً عن جد في المجتمعات الزراعية المحلية أهمية حاسمة في نشأة الحضارات، وضمان سُبُل العيش، وصون وحفظ التنوُّع البيولوجي الضروري للكوكب برمّته. والحفاظ على الموروث الزراعي التقليدي، الذي يحمي النظم الإيكولوجية ويتيح للمجتمعات العيش في تناغم مع الطبيعة، قد يكون طوق النجاة في مواجهة المشاكل البيئية العالمية والتكيُّف معها.


مقالات ذات صلة

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا أحياء غارقة بكاملها في مدينة نها ترانغ الساحلية بفيتنام جراء الفيضانات (أ.ف.ب)

ارتفاع حصيلة الوفيات من الفيضانات والانهيارات الأرضية في فيتنام إلى 43

أعلنت السلطات الفيتنامية، الجمعة، أن الأمطار الموسمية والانهيارات الأرضية الناجمة عنها أسفرت عن وفاة 43 شخصاً في فيتنام منذ مطلع الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (هانوي)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.


دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
TT

دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)

رصد باحثون في كندا مؤخراً حالة نادرة جداً لدبة قطبية تبنَّت شبلاً لم تلده في شمال البلاد.

وقال الباحث في هيئة البيئة الكندية إيفان ريتشاردسون الذي يجري دراسات بشأن هذا المفترس الأكبر في القطب الشمالي منذ 25 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم تُسجَّل سوى 13 حالة (من هذا النوع) خلال 45 عاماً».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، تمكن ريتشاردسون وفريقه من الإمساك بدبة مع شبلين لها، يبلغ سن أحدهما 10 أشهر، والآخر 11 شهراً، بالقرب من تشرشل التي تُلقَّب بـ«عاصمة الدببة القطبية في العالم»، والواقعة في شمال مانيتوبا بوسط كندا.

وأضاف: «عندما اقتربنا، لاحظنا أن أحد الشبلين يحمل علامة تعريف، بينما الآخر لا يحملها»؛ مشيراً إلى أن الأم نفسها شوهدت قبل بضعة أشهر مع شبل واحد فقط.

دب قطبي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي هذه المنطقة الشمالية، يضع الباحثون علامات تعريف على الدببة القطبية ليتسنى لهم تتبعها ودراستها طوال حياتها.

وأكدت عمليات التتبع عبر أطواق مزودة بنظام تحديد المواقع العالمية (جي بي إس) والملاحظات التي أجرتها منظمة «بولار بيرز إنترناشيونال»، وهي مجموعة بحثية معنية بالدببة القطبية، أن الأنثى المعنية احتفظت بالشبلين معها لأسابيع.

وقال إيفان ريتشاردسون: «إنها قصة رائعة. هذه الدببة القطبية تتمتع بحسِّ أمومة مذهل؛ إذ إنها مهيَّئة بطبيعتها لرعاية صغارها».

وقد انخفض عدد الدببة القطبية في غرب خليج هدسون بنسبة 30 في المائة خلال بضعة عقود فقط، من نحو 1200 دب في ثمانينات القرن الماضي إلى 800 دب اليوم. ويعود ذلك جزئياً إلى تسارع ذوبان الجليد الذي يشكل عنصراً ضرورياً لبقائها.

مع ذلك، لا يوجد دليل يربط بين هذا التبني وتغير المناخ، وفق ريتشاردسون.

ويجري حالياً فحص جيني لتحديد الأم البيولوجية للشبل المتبنَّى. وقال العالِم إنَّ ثمة «احتمالاً كبيراً أن نكتشف هويتها».

على مدى 45 عاماً، رُصد أكثر من 4600 دب قطبي في هذه المنطقة من كندا، ما يجعلها، حسب ريتشاردسون: «أفضل مجموعة دببة قطبية دُرست في العالم».