«لولا»... السبعيني اليساري يحقق سابقة في تاريخ البرازيل إثر فوزه بولاية رئاسية ثالثة تلت الإدانة والسجن والتبرئة

تحديات صعبة تنتظره بعد تدهور المؤسسات الديمقراطية

«لولا»... السبعيني اليساري يحقق سابقة في تاريخ البرازيل إثر فوزه بولاية رئاسية ثالثة تلت الإدانة والسجن والتبرئة
TT

«لولا»... السبعيني اليساري يحقق سابقة في تاريخ البرازيل إثر فوزه بولاية رئاسية ثالثة تلت الإدانة والسجن والتبرئة

«لولا»... السبعيني اليساري يحقق سابقة في تاريخ البرازيل إثر فوزه بولاية رئاسية ثالثة تلت الإدانة والسجن والتبرئة

بعد 12 سنة على نهاية ولايته الرئاسية الثانية، يعود لويس إيناسيو «لولا» دا سيلفا، مطلع العام المقبل إلى قصر الفورادا، مقر رئيس جمهورية البرازيل، وذلك إثر فوزه في الجولة الثانية من الانتخابات الأخيرة التي نال فيها نحو 51% من الأصوات مقابل نحو 49% لمنافسه الرئيس الحالي اليميني المتطرف جاير بولسونارو. ولقد حصل حزب العمّال الذي يتزعمه «لولا» على 13.3 مليون صوت، أكثر مما جمعه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في عام 2018، في حين لم يجمع بولسونارو أكثر من 400 ألف صوت، أكثر من الانتخابات السابقة. تُعد عودة «لولا» إلى الحكم، وهو أول رئيس يفوز بولاية ثالثة في تاريخ البرازيل، بمثابة بداية عصر جديد يقتضي إعادة ترميم هذا البلد الذي يعاني من شرخ سياسي واجتماعي عميق، ويُلقي بمسؤولية ضخمة على عاتق هذا الزعيم اليساري الذي تجاوز السابعة والسبعين من عمره، وتعافى من مرض السرطان وأمضى سنة ونصف السنة في السجن بعد إدانته بتهمة الفساد التي برّأته منها لاحقاً المحكمة الدستورية وأعادت إليه حقوقه السياسية التي كان حرمانه منها قد منعه من خوض الانتخابات السابقة التي فاز بها بولسونارو. وبعد أربع سنوات من الاستقطاب الممنهج الذي اتسمت به ولاية الرئيس السابق اليميني المتطرف، وما نجم عنه من تدهور للمؤسسات الديمقراطية وتهميش للسلطات القضائية وتحقير للأقليات وترويج لاستخدام الأسلحة الفردية، تقع الآن على عاتق «لولا» مهمة ترميم التعايش في بلد يزيد عدد سكانه على 214 مليوناً، واستعادة القيم التي انهارت، وتجاوز الانقسام الحاد الذي أظهرته نتائج الانتخابات الذي يهدد بتعطيل السياسات الإصلاحية في المستقبل.
يقول فرناندو مورايس، صديق الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو «لولا» دا سيلفا وكاتب سيرته، إن الأخير أمضى العقود الثلاثة المنصرمة من حياته يتنفسّ السياسة ولا يمارس أي نشاط غيرها. وهي الوقود الذي يحرّك هذا الرجل الذي خاض كل المعارك، ونهض من موت سياسي سريري، ليعود ويمسك بزمام القوة الاقتصادية والديمغرافية في أميركا اللاتينية، بعدما سبق وحكمها في العام 2003 ثم في العام 2010.
كان ضرباً من الخيال تصوّر المشهد الذي تعيشه البرازيل اليوم، عندما كان «لولا»، الذي بدأ يعمل منذ صباه في مصنع للصلب قبل أن يصبح زعيماً نقابياً ويؤسس حزب العمّال، مجرد جثّة سياسية منذ أربع سنوات. إذ أُدخل السجن قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية التي فاز بها المرشح اليميني المتطرف جاير بولسونارو الذي يحنّ إلى عهد الديكتاتورية العسكرية... التي أمضى «لولا» في سجونها فترات عندما كان زعيماً نقابياً يقود المظاهرات المطالبة بحقوق العمال.
- رجل دخل التاريخ
دخل «لولا» التاريخ البرازيلي في العام 2003 عندما أصبح أول عامل يصعد إلى سدّة الرئاسة في بلد طبقيّ بامتياز وموصوف بالفوارق الاجتماعية الحادة. ولقد تحوّل بالنسبة لبعض مواطنيه إلى بطل قومي أنهض عشرات الملايين من براثن الجوع والفقر وأعطاهم فرصاً لم يكن آباؤهم يحلمون بها، في حين رأى فيه آخرون زعيماً لعصابة نهبت المال العام من عائدات شركة النفط الوطنية ومُداناً محكوماً عليه بالسجن عشرين شهراً قبل أن تلغي المحكمة العليا الحكم الصادر بحقه.
منذ ثلاثة عقود يتصدّر «لولا» المشهد السياسي البرازيلي الذي يدور حوله باستمرار. ولا ينكر له أحد قدراته الخارقة على التفاوض، وبراعته في التواصل مع الجماهير، ووقوفه دائماً إلى جانب المهمّشين والكادحين. ويؤكد الذين رافقوه على مقاعد الدراسة، أنه كان متفوقاً في التعبير الشفوي والخطّي مع أنه لم يكن في عداد الناجحين دائماً.
شارك «لولا» خلال النصف الأول من سبعينات القرن الفائت في الحركة التأسيسية لحزب العمال البرازيلي، التي كانت تضمّ مجموعة متباينة المشارب من معارضي النظام العسكري، يتراوح أعضاؤها بين قادة نقابيين ومثقفين يساريين وناشطين كاثوليكيين من تيّار لاهوت التحرّر.
كانت تلك الحركة تسعى إلى التمايز عن التيارات النقابية الرسمية، في الوقت الذي كانت تحاول أيضاً تطبيق نمط جديد من الاشتراكية الديمقراطية يختلف جذريّاً عن النموذجين السوفياتي والصيني اللذين كانا قد دخلا مرحلة الأفول والانهيار.

من النقابة إلى الرئاسة
في أواسط الثمانينات تولّى «لولا» قيادة نقابة عمّال الصلب، وكان أحد المخططين البارزين للإضرابات الكبرى إبان الحكم العسكري، التي كان لها كبير الأثر في تسريع سقوط النظام. وبعدما فشلت محاولاته الثلاث المتتالية للوصول إلى الرئاسة منذ العام 1989. تمكّن في العام 2002 من الفوز بالانتخابات الرئاسية، ثم جدّد ولايته في الانتخابات التالية عندما كان في ذروة شعبيته التي حطمّت كل الأرقام القياسية في تاريخ البرازيل. وخلال السنوات الثماني التي أمضاها في الرئاسة، أجرى إصلاحات وتغييرات جذرية أحدثت تحولاً اجتماعياً واقتصادياً عميقاً ضاعف الناتج المحلي ثلاث مرات، ورفع البرازيل إلى مرتبة القوة الاقتصادية السادسة في العالم.
المراقبون يُجمعون على أن السياسات التي انتهجتها حكومات «لولا» لعبت الدور الأساسي في النهضة الاقتصادية البرازيلية، وحققت إنجازات مشهودة في مجال الحد من الفقر والجوع استفاد منها أكثر من ربع سكان البلاد. وعلى الصعيد الدولي كان له دور بارز في التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران، وفي إبرام الاتفاقية الدولية لتغيّر المناخ. وعند نهاية ولايته الرئاسية الثانية كانت شعبيته تتجاوز 80% بين السكان، إلا أنها بدأت تتراجع في العام 2016 بعد انفجار قضية الفساد حول شركة النفط الوطنية «بتروبراز» التي طالت عدداً كبيراً من أعضاء حزب العمال وأدّت إلى صدور حكم بسجنه لمدة تسع سنوات وستة أشهر، وكانت تلك أول مرة يُحكَم فيها على رئيس برازيلي بالسجن بتهمة الفساد.
وحقاً، في أبريل (نيسان) 2018 أُدخل «لولا» السجن حيث أمضى 580 يوماً، ومنعه ذلك العام من الترشح للانتخابات الرئاسية التي فاز بها بولسونارو، الذي عيّن القاضي سيرجيو مورو، الذي كان قد أصدر الحكم بسجن «لولا»، وزيراً للعدل في حكومته الأولى قبل أن يختلف معه ويقدم مورو استقالته. وبعدها، في أواخر العام 2019 صدر قرار قضائي بالإفراج عن «لولا»، ثم أصدرت المحكمة العليا قراراً في مارس (آذار) من العام التالي يلغي جميع الأحكام الصادرة بحقه على أساس أن القاضي مورو لم يكن يتمتع بالصلاحيات التي تخوّله النظر بالجرائم المنسوبة إليه.
- النشأة وبداية المسيرة
نشأ «لولا» في كنف أسرة من الفلاحين، صغيراً لسبعة أشقاء، في إحدى قرى الريف الصغيرة التي هاجرها والده بُعيد ولادته إلى مدينة ساو باولو ليعمل حمّالاَ في المرفأ. والحقيقة أن «لولا» لم يعرف والده حتى بلوغه الخامسة، وقد وصفه في سيرته الذاتية بأنه «كان بئراً من الجهل ومدمناً على الخمر».
في العام 1956 وبعد رحلة شاقة طالت ثلاثة عشر يوماً مع والدته وإخوته في شاحنة زراعية، استقرّت العائلة في ساو باولو حيث بدأ بالعمل ماسح أحذية وهو لا يزال في الثانية عشرة من عمره. ثم انتقل بعدها ليعمل مساعداً في مصبغة قبل أن ينصرف إلى بيع الفواكه على عربة نقّالة.
في الرابعة عشرة غادر «لولا» المدرسة نهائياً ليعمل في مصنع صغير للصلب، حيث تابع دورة دراسة مهنية لثلاث سنوات. في تلك الفترة تفتحت اهتماماته السياسية عندما اعتقلت السلطات العسكرية شقيقه الأكبر، الذي كان منتسباً إلى الحزب الشيوعي، وتعرّض الأخ يومها للتعذيب.
وفي العام 1969 انتُخب «لولا» وشقيقه عضوين في اللجنة التنفيذية لنقابة عمال الصلب، التي أصبح لاحقاً مديراً لقسم الرعاية الاجتماعية فيها قبل أن يُنتخَب رئيساً لها عام 1975 بنسبة 92% من الأصوات. وبعد ثلاث سنوات، أُعيد انتخابه... ليبدأ مرحلة من المواجهة مع النظام العسكري (يومذاك)، تخللتها سلسلة من الإضرابات العامة والمظاهرات الحاشدة في ساو باولو التي طالت إحداها 41 يوماً وشارك فيها أكثر من 300 ألف عامل.
- الفكر الحزبي العملي
في تلك الفترة طرح «لولا» على مجموعة من رفاقه فكرة تأسيس حزب سياسي يكسر المعادلة الثنائية التي كانت سائدة في حينه، ويكون المدافع عن حقوق العمال. وهكذا تأسس حزب العمال البرازيلي في فبراير (شباط) 1980 بدعم من بعض السياسيين والمثقفين اليساريين، وتوجُّه اشتراكي تروتسكي. وفي العام 1986 انتُخب «لولا» عضواً في الجمعية التأسيسية التي قررت استعادة نظام الاقتراع الحر والمباشر لرئيس الجمهورية وإنهاء النظام العسكري.
وفي الانتخابات العامة التي أُجريت ذلك العام، حلّ حزب العمال أولاً بين الأحزاب اليسارية، ليحقق لاحقاً أول انتصار كبير له عندما فاز في الانتخابات البلدية في 36 من المدن الكبرى، من بينها ساو باولو وبورتو آليغري. ولكن في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت عام 1989. خسر «لولا» رهانه الأول في الدورة الثانية بفارق صغير أمام فرناندو كوليور دي ميلو. إلا أنها كانت المرة الأولى في تاريخ البرازيل التي يترشّح فيها للرئاسة زعيم نقابي كان قد طرح في برنامجه خطة لوضع حد أدنى لأجور العمال ومشروعاً للإصلاح الزراعي. ولقد بيّنت تحقيقات صحافية لاحقة أن تلك الانتخابات، التي تضافرت فيها جهود وسائل الإعلام الكبرى وقطاعات المال والأعمال ضد «لولا»، شهدت تزويراً وتخللتها تجاوزات قانونية كثيرة لصالح المرشح اليميني الذي قاد أيضاً حملة تشهير وأضاليل وتلفيقات ضد «لولا»، من بينها تركيب عملية اختطاف لأحد رجال الأعمال المعروفين قبل أسبوع من الانتخابات، ثم تحريره على يد الشرطة، واتهام حزب العمال بتدبير تلك العملية. وأدى انكشاف تلك التجاوزات إلى موجة عارمة من الاحتجاجات في كل أنحاء البلاد شارك فيها أكثر من خمسين مليون برازيلي، وانتهت باستقالة كوليور دي ميلو بنهاية العام 1992 وإحالته إلى المحاكمة. لكن «لولا» عاد ليفشل في ترشحه للرئاسة مرتين في العام 1994 ثم في العام 1998، قبل أن يفوز عام 2002 بولايته الرئاسية الأولى التي عاد وجدّدها في العام 2006.
- دور أمّه المحوري
يقول المقرّبون من «لولا» إن أمه هي الشخصية المحورية في حياته. وهو يذكرها باستمرار في كل المناسبات، وغالباً ما يتحدث في خطاباته عن «تلك المرأة الأميّة والصارمة التي ربّت عائلة من سبعة أولاد، وهي تتعرّض للمهانة وسوء المعاملة من زوجها المدمن على الكحول». ويقول مورايس، صديقه وكاتب سيرته، إن «لولا» يتميّز بحرصه على الاستماع لأكبر عدد ممكن من الآراء قبل أن يتخذ قراره النهائي، ثم إنه يتقن التواصل بعفوية مع بسطاء القوم وكبارهم، ولا مكان عنده للحقد حتى على ألدّ أعدائه، علماً بأن حياته كانت صعبة جداً منذ بداياتها، وفقد زوجته الأولى عند ولادة ابنهما الثالث، كما توفيت زوجته الثانية عندما كان على وشك دخول السجن عام 2018.
ختاماً، عندما تأكد فوزه في الانتخابات الرئاسية يوم الأحد الفائت، خرج «لولا» أمام أنصاره ليقول: «أعدّ نفسي مواطناً قام من الموت. حاولوا دفني حيّاً، لكن ها أنا ذا هنا من جديد... وأعدكم بأن مكافحة الجوع ستكون في طليعة أولوياتي، تليها إعادة البرازيل إلى المسرح الدولي».


مقالات ذات صلة

رونالدينيو يُطلق دورياً عالمياً لكرة قدم الشارع

الرياضة رونالدينيو يُطلق دورياً عالمياً لكرة قدم الشارع

رونالدينيو يُطلق دورياً عالمياً لكرة قدم الشارع

يُطلق نجم كرة القدم البرازيلي رونالدينيو دوريا مخصصا لكرة قدم الشارع في جميع أنحاء العالم، وذلك لمنح اللاعبين الشباب الموهوبين فرصة لإظهار مهاراتهم واتباع نفس المسار نحو النجومية مثل لاعب برشلونة السابق، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس». قال المنظمون اليوم (السبت) إن دوري رونالدينيو العالمي لكرة قدم الشارع سيبدأ في «أواخر عام 2023»، وسيتضمن في البداية عملية اختبار على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن للاعبي كرة القدم في الشوارع من جميع الأعمار تحميل أفضل مهاراتهم وحيلهم في محاولة للانضمام إلى أحد فرق المسابقة. ستقام المباريات وجهاً لوجه في المدن الكبرى في جميع أنحاء العالم، وستتنافس الفرق في الدور

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي: تحديد الطرف المحقّ في النزاع بين روسيا وأوكرانيا لا يفيد

الرئيس البرازيلي: تحديد الطرف المحقّ في النزاع بين روسيا وأوكرانيا لا يفيد

أكد الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، اليوم الأربعاء في مدريد أن «تحديد الطرف الم»" في النزاع بين روسيا وأوكرانيا «لا يفيد في شي»، مؤكدا أن مفاوضات السلام لها الاولوية. وقال الرئيس البرازيلي الذي يزور اسبانيا في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز «لا يفيد أبدا تحديد الطرف المحق والطرف الخاطئ (...). ما يجب القيام به هو إنهاء هذه الحرب»، وفق ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أميركا اللاتينية لولا في أوروبا سعياً لاستثمارات وللتهدئة مع الغرب

لولا في أوروبا سعياً لاستثمارات وللتهدئة مع الغرب

يعود لويس إينياسيو لولا إلى أوروبا، لكن رئيساً للبرازيل هذه المرة، بعد أن أثارت مواقفه وتصريحاته بشأن الحرب في أوكرانيا موجة من الاستغراب والاستياء في العديد من البلدان الغربية لاعتبارها منحازة إلى موسكو وبعيدة حتى عن موقف الأمم المتحدة. وكان لولا قد وصل مساء الجمعة إلى العاصمة البرتغالية، لشبونة، التي هي عادة البوابة التي يدخل منها البرازيليون إلى القارة الأوروبية، ومن المتوقع أن ينتقل غداً إلى مدريد التي تستعد منذ فترة لتحضير القمة المنتظرة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا اللاتينية، في مستهل رئاسة إسبانيا الدورية للاتحاد خلال النصف الثاني من هذه السنة. وسيحاول الرئيس البرازيلي في محادثاته مع رئ

شوقي الريّس (مدريد)
أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي يسعى لإيجاد «حل تفاوضي» بين أوكرانيا وروسيا

الرئيس البرازيلي يسعى لإيجاد «حل تفاوضي» بين أوكرانيا وروسيا

أعلن الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، اليوم (السبت)، رفضه «المشاركة» في النزاع بشأن أوكرانيا، ورغبته في المساهمة بإيجاد «حل تفاوضي» بين كييف وموسكو، بعدما انتقد الغربيون تصريحاته الأخيرة بشأن الحرب في أوكرانيا. وصرح لولا للصحافة عقب لقاء في لشبونة مع نظيره البرتغالي مارسيلو ريبيلو دي سوزا، أنه «في الوقت الذي تدين فيه حكومتي انتهاك وحدة أراضي أوكرانيا، ندافع أيضاً عن الحل التفاوضي للنزاع».

«الشرق الأوسط» (لشبونة)
أميركا اللاتينية بولسونارو يواجه «إقصاءً طويلاً» من الحياة السياسية

بولسونارو يواجه «إقصاءً طويلاً» من الحياة السياسية

بدأ الطوق القضائي يضيق حول الرئيس البرازيلي السابق جاير بولسونارو، تمهيداً لإقصائه فترة طويلة عن العمل السياسي، بعد أن وجهت النيابة العامة الانتخابية طلباً إلى المحكمة العليا، الأسبوع الماضي، لمنعه من ممارسة أي نشاط سياسي لمدة لا تقل عن ثماني سنوات بتهمة إساءة استخدام السلطة. وكان بولسونارو قد انتقد النظام الانتخابي الإلكتروني، وشكّك في نزاهته خلال اجتماع مع السفراء الأجانب العام الماضي عندما كان لا يزال رئيساً. وتعود تلك التصريحات لبولسونارو إلى مطلع الصيف الماضي، عندما كانت البرازيل في بداية حملة الانتخابات الرئاسية.

شوقي الريّس (مدريد)

الرئيس الكوبي يرفض التنحي تحت الضغوط الأميركية

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل مجتمعاً مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في هافانا (أ.ف.ب)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل مجتمعاً مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في هافانا (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الكوبي يرفض التنحي تحت الضغوط الأميركية

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل مجتمعاً مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في هافانا (أ.ف.ب)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل مجتمعاً مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في هافانا (أ.ف.ب)

رفض الرئيس الكوبي، ميغيل دياز كانيل، في مقابلة أجرتها معه شبكة «إن بي سي» الأميركية للتلفزيون في هافانا الاستقالة من منصبه تحت الضغوط الشديدة التي تمارسها إدارة الرئيس دونالد ترمب ضد الجزيرة الشيوعية. في حين تعهَّدت روسيا بعدم التخلي عن حليفتها في النصف الغربي للأرض.

وعندما سئل عمّا إذا كان «مستعداً للتنحي لإنقاذ بلاده»، عبَّر دياز كانيل عن غضبه اعتراضاً على السؤال. وتساءل: «هل توجهون هذا السؤال إلى ترمب؟»، وكذلك عمّا إذا كان السؤال «صادراً عن وزارة الخارجية الأميركية».

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (إ.ب.أ)

ثم أصرَّ على أنَّ زعماء البلاد «ينتخبهم الشعب، على الرغم من وجود سردية تحاول تجاهل ذلك. أياً منا، قبل أن يصير جزءاً من دور قيادي، يجب أن يُنتخَب على مستوى القاعدة الشعبية في دائرته الانتخابية من آلاف الكوبيين». وقال أيضاً: «في كوبا، لا يجري انتخاب مَن يشغلون المناصب القيادية من الحكومة الأميركية، ولا يملكون تفويضاً منها»، مضيفاً أن «لدينا دولة حرة ذات سيادة. لنا حق تقرير المصير والاستقلال، ولسنا خاضعين لمخططات الولايات المتحدة». وأكد أن «التنحي ليس ضمن مفرداتنا».

«دولة فاشلة»

وجاء كلام الرئيس الكوبي في وقت تُصعِّد فيه إدارة ترمب ضغوطها لتغيير الحكومة الشيوعية، بعدما وصف الرئيس ترمب كوبا بأنها «دولة فاشلة»، ويسعى إلى السيطرة عليها، قائلاً إنها قد تكون «استحواذاً ودياً، وقد لا تكون كذلك».

ورداً على تصريحات دياز كانيل، لفت مسؤول في البيت الأبيض إلى أنَّ إدارة ترمب تجري محادثات مع كوبا، التي يرغب قادتها في صفقة، وعليهم توقيعها. وكرَّر أن «كوبا دولة فاشلة، ومُني حكامها بنكسة كبيرة بفقدان الدعم من فنزويلا».

وخلال الشهر الماضي، وصف وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، كوبا بأنها «كارثة»، عازياً السبب إلى «عدم جدوى نظامها الاقتصادي». وقال: «يجب أن يتغيَّر هذا الوضع، ولكي يتغيَّر، يجب تغيير المسؤولين»، فضلاً عن تغيير النموذج الاقتصادي للبلاد.

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل خلال استقباله نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في هافانا (أ.ف.ب)

ولام دياز كانيل السياسات الأميركية في الوضع الراهن للعلاقات بين البلدين. وقال: «أعتقد أنَّ أهم شيء هو أن يفهموا هذا الموقف الحاسم، وأن يتخذوه بصدق، وأن يُدركوا حجم الخسائر التي تكبَّدها الشعب الكوبي، ومدى حرمانهم الشعب الأميركي من علاقة طبيعية مع الشعب الكوبي».

وقال ترمب إن روبيو يجري محادثات مع كوبا، وأقرَّ مسؤولون كوبيون بوجود محادثات، من دون الإفصاح عن تفاصيلها. وقالت نائبة وزير الخارجية الكوبي، جوزفينا فيدال، هذا الأسبوع: «إن المحادثات بين كوبا والولايات المتحدة في شأن خفض حدة التوتر لا تزال في مراحلها الأولية للغاية».

كوبا تعاني شحّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)

ويندِّد المسؤولون الكوبيون بإجراءات إدارة ترمب، التي منعت تدفق شحنات النفط الفنزويلي إلى البلاد بعد القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مطلع العام الحالي. كما هدَّدت الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع أو تزوِّد كوبا بالنفط. وأدى ذلك إلى تناقص احتياطات النفط؛ مما فاقم نقص الوقود، وتسبَّب في مزيد من انقطاعات التيار الكهربائي في كل أنحاء البلاد.

وصرَّح ترمب أخيراً بأنه «لا يمانع» في وصول ناقلة نفط روسية، قائلاً إنه لا يعتقد أنها ستساعد على دعم الحكومة الكوبية. وكانت هذه أول ناقلة ترسو في كوبا منذ 3 أشهر. وأعلنت روسيا أنَّها تُجهِّز شحنة نفط ثانية إلى الجزيرة.

كوبيون يتجمعون للحصول على الماء من صهريج وسط انقطاع إمدادات الماء جراء أزمة الطاقة بهافانا بتاريخ 19 مارس 2026 (رويترز)

«لن نخون كوبا»

في غضون ذلك، زار نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، هافانا، مشيداً من هناك بـ«الطابع الخاص» للعلاقات مع كوبا. وبعد اجتماعه مع الرئيس دياز كانيل، قال ريابكوف: «لن تغادر روسيا نصف الكرة الغربي، مهما قالوا في واشنطن»، مضيفاً أن «علاقاتنا مع كوبا ذات طابع خاص... لا يمكننا ببساطة خيانة كوبا، فهذا أمر مرفوض تماماً، ولا يمكننا تركها لمصيرها»، مضيفاً بحسب الرئاسة الكوبية: «روسيا تقف متضامنةً بنسبة 100 في المائة مع كوبا. رغم الوضع المُعقَّد الذي تمرُّ به البلاد فإننا بجانبكم».

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

وقال دياز كانيل خلال الاجتماع: «نغتنم هذه الفرصة لنرسل تحياتنا الحارة إلى صديقنا العزيز، الرئيس فلاديمير بوتين». ونقل مكتب الرئيس الكوبي عن نائب وزير الخارجية الروسي أيضاً أنه «في الوقت الراهن، روسيا متضامنة تماماً مع كوبا». وأضاف في منشور على منصة «إكس» أنه «على الرغم من الظروف المعقدة التي تمرُّ بها البلاد، فإننا بجانبكم».

وتأتي هذه الزيارة بعد 10 أيام من وصول ناقلة نفط روسية. وقال الرئيس كما ورد في منشور الرئاسة: «أود أن أعرب عن شكري، باسم (الحزب الشيوعي) والحكومة والشعب الكوبي، على النفط الذي أرسلته إلينا روسيا الاتحادية». وأضاف: «هذا دليل على أن كوبا ليست وحدها».

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي 31 مارس (آذار)، وصلت ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» إلى كوبا محملة بـ730 ألف برميل من النفط الخام. وكانت هذه أول شحنة نفط تستقبلها الجزيرة منذ 9 يناير (كانون الثاني). ويمنع ترمب عملياً تصدير النفط إلى كوبا منذ يناير، بعدما أطاحت القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أكبر حليف إقليمي لهافانا. ويفاقم هذا التدبير أزمة الطاقة في كوبا التي تشهد انقطاعات للتيار الكهربائي. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدّ وقتها أنَّ هذه الشحنة «لن يكون لها أي تأثير» مضيفاً: «كوبا انتهت (...)، سواء تلقت شحنة نفط أم لا، لن يغيِّر ذلك شيئاً». وفي 2 أبريل (نيسان)، أعلن وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليوف، أن روسيا تستعد لإرسال ناقلة نفط ثانية إلى كوبا.


الرئيس الكوبي يؤكد أنه لن يستقيل تحت ضغط واشنطن

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (إ.ب.أ)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (إ.ب.أ)
TT

الرئيس الكوبي يؤكد أنه لن يستقيل تحت ضغط واشنطن

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (إ.ب.أ)
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (إ.ب.أ)

قال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، الخميس، إنه لن يستقيل تحت ضغط الولايات المتحدة، ودعا إلى حوار مفتوح، في أول مقابلة تلفزيونية له مع محطة إذاعية أميركية.

وصرّح دياز كانيل لشبكة «إن بي سي»: «لدينا دولة ذات سيادة حرة، دولة حرة. لدينا حق تقرير المصير والاستقلال، ولسنا خاضعين لمخططات الولايات المتحدة».

وأضاف الرئيس البالغ 65 عاما أن «الحكومة الأميركية التي مارست تلك السياسة العدائية ضد كوبا لا يحق لها المطالبة بأي شيء من كوبا».

وتابع «مفهوم استسلام الثوار وتنحيهم عن مناصبهم ليس جزءا من مفرداتنا».

وتمارس واشنطن ضغوطا على كوبا الشيوعية، وفرضت حصارا نفطيا فعليا على الجزيرة بالتهديد بفرض تعرفات جمركية على أي دولة تحاول بيعها النفط.

وتعاني كوبا أزمة طاقة حادة منذ يناير (كانون الثاني) عندما انقطع إمدادها الرئيسي من فنزويلا مع إطاحة نيكولاس مادورو.

وتخضع الجزيرة الكاريبية لحظر تجاري أميركي منذ أكثر من ستة عقود.

وطرح ترمب علنا فكرة «الاستيلاءر على كوبا، كما فعل مع غرينلاند وكندا وفنزويلا، فيما تصف إدارته قادة هافانا بأنهم «تهديد» للأمن القومي الأميركي.

وتولى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وهو من أصل كوبي، زمام المفاوضات مع هافانا ودعا إلى تغييرات في القيادة الكوبية التي يعتبرها غير كفؤة.

لكن روبيو ينفي دعوته إلى استقالة دياز كانيل.

وقال الرئيس الكوبي إن هافانا تريد «الانخراط في حوار ومناقشة أي موضوع دون أي شرط».


سياسيان ونجم تواصل اجتماعي من جيل آل كاسترو الجديد يبرزون في كوبا

درّاجان يمرّان بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راؤول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل وسط هافانا (أ.ب)
درّاجان يمرّان بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راؤول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل وسط هافانا (أ.ب)
TT

سياسيان ونجم تواصل اجتماعي من جيل آل كاسترو الجديد يبرزون في كوبا

درّاجان يمرّان بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راؤول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل وسط هافانا (أ.ب)
درّاجان يمرّان بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راؤول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل وسط هافانا (أ.ب)

بدأ جيل جديد من آل كاسترو يرسّخ حضوره في الشأن العام في كوبا؛ إذ يكتسب اثنان من الأحفاد تدريجياً مكانة في أوساط النخبة السياسية، في حين يبرز آخر وهو أحد مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، ويؤكد بأسلوبه غير التقليدي أن الكوبيين يتطلعون إلى الرأسمالية.

وتنتهج الولايات المتحدة منذ يناير (كانون الثاني) سياسة تشديد الضغط إلى أقصى حد على الجزيرة الشيوعية، مانعة إياها من استيراد النفط؛ سعياً لدفعها إلى تغييرات اقتصادية وسياسية. لكنّ عائلة كاسترو لا تزال تحتفظ بنفوذها في هذه الدولة الأميركية اللاتينية البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة.

فالضابط برتبة كولونيل في وزارة الداخلية راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، وهو حفيد الرئيس السابق راؤول كاسترو البالغ 94 عاماً، شارك في الآونة الأخيرة، وفقاً لموقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي، في محادثات مع مسؤولين أميركيين. أما وزير التجارة الخارجية أوسكار بيريز أوليفا، وهو نجل كبرى شقيقات فيدل وراؤول كاسترو، فرُقِّيَ أخيراً إلى منصب نائب رئيس الوزراء.

ومن أفراد العائلة الذين حققوا شهرة ولكن بطريقة أخرى ساندرو كاسترو، وهو حفيد الزعيم السابق للثورة الكوبية فيدل كاسترو (1926- 2016)؛ إذ إن لدى الرجل البالغ 34 عاماً نحو 160 ألف متابع على منصة «إنستغرام»، وينشر عبر حسابه عليها مقاطع فيديو طريفة عن الصعوبات التي تعانيها الجزيرة.

وأثار ساندرو كاسترو الجدل قبل أسبوع عندما صرّح لمحطة «سي إن إن» الأميركية بأن الرئيس ميغيل دياز-كانيل «لا يقوم بعمل جيد»، وأن «غالبية الكوبيين يريدون الرأسمالية لا الشيوعية».

وبينما هاجمته وسائل الإعلام الرسمية بسبب هذا التصريح، يرى فيه الكوبيون المقيمون في الخارج نموذجاً عن فئة محظية تتمتع بامتيازات ومنفصلة عن واقع كوبا التي يبلغ متوسط الراتب فيها 6680 بيزو (نحو 14 دولاراً).

وفي مقطع فيديو حديث، يتحاور ساندرو كاسترو مع شخص يقلّد دونالد ترمب، يقول له إنه يريد شراء كوبا. ونُشر هذا المشهد التمثيلي الهزلي في اليوم نفسه الذي أكد فيه الرئيس الكوبي وجود محادثات بين واشنطن وهافانا.

ورأت الأستاذة في جامعة فلوريدا ليليان غويرّا التي تُدرِّس تاريخ كوبا في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن ساندرو كاسترو جزء من خطة «محبوكة جيداً» تهدف إلى إقناع الرأي العام الأميركي بأن نظام كاسترو لا يشكل أي تهديد.

لكنّ المؤرخ في جامعة ويسكونسن أندريس بيرتييرا يرى أن كلام ساندرو كاسترو يجب ألاّ يؤخذ «على محمل الجد».

وعندما تواصلت «وكالة الصحافة الفرنسية» مع ساندرو كاسترو، طالبة مقابلته، أحال طلبها على ما وُصِف بمدير أعماله الذي لم يرد. وعرّف كاسترو عن نفسه عبر «سي إن إن» بأنه «مجرّد مواطن».