«كوب 27»... حذر أفريقي ورسائل مطمئنة من أوروبا

على طريق خفض الانبعاثات الكربونية

انطلاق قمة المناخ العالمية (كوب 27) خلال أيام
انطلاق قمة المناخ العالمية (كوب 27) خلال أيام
TT

«كوب 27»... حذر أفريقي ورسائل مطمئنة من أوروبا

انطلاق قمة المناخ العالمية (كوب 27) خلال أيام
انطلاق قمة المناخ العالمية (كوب 27) خلال أيام

مع كل ظاهرة مناخية متطرفة شهدها العالم خلال عام 2022، كان صوت الخطر المناخي يرتفع محذراً من أوضاع أكثر مأساوية إذا تجاوز العالم عتبة الـ1.5 درجة مئوية زيادة في درجة حرارة سطح الأرض التي حددتها اتفاقية باريس للمناخ عام 2015.
ولا يزال العالم في نطاق الـ1.1 درجة زيادة في درجة حرارة سطح الأرض، مقارنة بما قبل الثورة الصناعية، ومع ذلك كانت هذه الزيادة كافية ليواجه العالم هذه الظواهر المناخية المتطرفة، والتي كانت بمثابة إنذار مناخي يدعم الحاجة إلى اتخاذ مواقف أكثر حسماً تجاه تقليل الانبعاثات المسؤولة عن الاحترار العالمي في قمة المناخ التي تستضيفها مصر الأحد في شرم الشيخ.
وعبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن هذا المعنى في مؤتمر صحافي عقده في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حينما قال إن «العمل الذي ينتظرنا في (كوب 27) هائل، فثلث باكستان غمرتها المياه، وشهدت أوروبا أحر صيف منذ 500 عام، كما أن إعصار إيان في الولايات المتحدة يذكرنا تذكيراً وحشياً بأنه لا يوجد بلد ولا اقتصاد في مأمن من أزمة المناخ».
كما أن أحدث تقرير صادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) التابعة للأمم المتحدة، يذكر العالم بأن تلك الظواهر المناخية المتطرفة قد تصبح أكثر تواتراً وأشد قسوة، لأن الزيادة في درجة حرارة سطح الأرض، وفق التقرير، تتجه بخطورة متزايدة نحو تجاوز عتبة الـ1.5 درجة مئوية، التي قالت اتفاقية باريس، إنه لا ينبغي تجاوزها.
ورغم هذا التقرير والظواهر التي عايشها العالم، أعطت العودة الأوروبية لاستخدام الفحم في توليد الكهرباء، على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية وما ترتب عليها من الضغط الروسي على بعض دول أوروبا بقطع إمدادات الغاز عنها، رسائل محبطة، بأن القارة الأوروبية التي كانت صاحبة مواقف أكثر حماساً لصالح البيئة، قد تتخلى عن هذه الحماسة في «كوب 27».
لكن اجتماع وزراء البيئة في الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ الاثنين الماضي، للاتفاق على الموقف التفاوضي للكتلة الأوروبية في «كوب 27»، حمل رسائل مطمئنة. وقال فرانس تيمرمانز، نائب رئيس المفوضية الأوروبية ومسؤول ملف المناخ، والذي سيمثل الكتلة الأوروبية في قمة المناخ، إن الحرب في أوكرانيا لم تفسد الخطط الطموحة لتحقيق الحياد الكربوني، رغم العودة للفحم.
وأضاف في تصريحات للصحافيين: «الاستنتاج الوحيد الذي توصلنا إليه من الحرب هو أننا بحاجة إلى تسريع عملية انتقال الطاقة لدينا، لذلك حتى إذا استخدمنا المزيد من الفحم اليوم، فسنكون أسرع بكثير في الانتقال للطاقة المتجددة، لذا مع التوازن، ستنخفض الانبعاثات».
وبينما جاءت الرسائل من أوروبا مطمئنة، فإن مواقف أفريقيا تبدو حذرة للغاية قبل (كوب 27)، حيث لم تشذ عن الهدف العالمي في تحقيق صافي الصفر من الانبعاثات، لكنها أعربت في الوقت ذاته، عن الحاجة إلى الوقت والمال لتنفيذ ذلك. وقالت مفوضة الاتحاد الأفريقي للطاقة، أماني أبو زيد، لوكالة «الصحافة الفرنسية» في 5 أكتوبر، على هامش قمة أفريقيا للطاقة الخضراء في كيب تاون بجنوب أفريقيا، إن «أفريقيا مقتنعة تماماً وملتزمة بحدود الصفر الصافي وتدعم أجندة المناخ، ولكن ما قد نختلف فيه هو الإطار الزمني».
وقالت من المقرر أن يتضاعف عدد سكان أفريقيا البالغ 1.3 مليار نسمة بحلول عام 2050، وتهدف دول الاتحاد الأفريقي إلى توفير طاقة ميسورة التكلفة وموثوقة للجميع.
وترى دول أفريقيا أنه من الغبن إلزامها بهذا الهدف البيئي الذي يحرمها من الفحم والنفط والغاز لتشغيل تنميتها، بينما لم تتلق الدعم الكافي من الدول الغنية للتحول نحو الطاقة الخضراء.
ومن المرجح أن يكون تمويل التحول الأخضر في أفريقيا نقطة ساخنة في «كوب 27»، حيث تعهدت الدول الغنية بموجب اتفاقية باريس، بتقديم 100 مليار دولار سنوياً لمساعدة البلدان النامية على الحد من تغير المناخ. لكنهم فشلوا حتى الآن في الوفاء بالوعد، ولا يتوقع أن يحدث أي اختراق في هذا الملف بشكل أكبر هذا العام بسبب الآثار الاقتصادية المدوية لوباء (كوفيد - 19) وحرب أوكرانيا.
وقال نائب وزير الطاقة الغاني محمد أمين آدم لوكالة «الصحافة الفرنسية» في 5 أكتوبر الماضي، إن الاستثمار الدولي في الطاقة الخضراء في أفريقيا «لا يزال ضئيلاً للغاية»، حيث يمثل نحو 2 في المائة فقط من الإجمالي العالمي.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الدول الأفريقية أيضاً إلى تأمين التمويل لمشاريع النفط والغاز، حيث إن عائدات الوقود الأحفوري ضرورية لتمويل إجراءات التكيف مع المناخ. وأشار آدم إلى البيانات التي تظهر أن معظم منتجي النفط والغاز في أفريقيا يعتمدون بشكل كبير على عائدات التصدير المستمدة من هذه الأنواع من الوقود.
وقال: «إذا تخلينا عن هذا، فكيف يمكننا حتى تمويل قدرتنا على التكيف مع تأثيرات المناخ؟ لا يمكننا ذلك، ما لم يكن لدينا بديل لإيراداتنا».
وعبر وزير الطاقة الجنوب أفريقي جويدي مانتاشي عن موقف شبيه، وقال خلال أسبوع النفط الأفريقي في كيب تاون، إن التخلص من الفحم بسرعة كبيرة ليس في مصلحة البلاد، لأنه سيضر بالاقتصاد ويكلف آلاف الوظائف.
وتعد جنوب أفريقيا منتجاً ومستهلكاً رئيسياً للفحم في القارة، فضلاً عن كونها واحداً من أكبر 12 مصدراً لانبعاثات الكربون في العالم.
وفي العام الماضي، حصلت الحكومة على تعهدات بتقديم 8.5 مليار دولار من القروض والمنح من مجموعة من الدول الغنية لتمويل الانتقال إلى بدائل أكثر مراعاة للبيئة، لكن الاتفاق معلق وسط مفاوضات مشحونة مع الدول المانحة حول كيفية إنفاق الأموال.
وقال مانتاشي: «عندما تأتي إلينا الاقتصادات المتقدمة وتقول سيتم إنفاق جزء من 8.5 مليار دولار على تسريع خروج الفحم، أشعر بأن هذا ليس في مصلحتنا».
وبلهجة بدت أكثر حدة، رفضت جمهورية الكونغو الديمقراطية مطالبات بالتخلي عن حقول النفط والغاز التي طرحتها للمزاد في المناطق الحساسة بيئياً.
وفي أحد المؤتمر التمهيدية لـ«كوب 27» التي عقدت في كينشاسا، تساءلت إيف بازيبا وزيرة البيئة في جمهورية الكونغو الديمقراطية عما إذا كان ينبغي على الحكومة أن تترك الأطفال يموتون بدلاً من جني مواردها الأحفورية، وقالت: «بقدر ما نحتاج إلى الأكسجين، نحتاج أيضاً إلى الخبز».


مقالات ذات صلة

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق حبات البن بعد جمعها من على الشجر قبل تحميصها (بيكسباي)

دراسة تحذر من تأثير موجات الحر على زراعة قهوة «أرابيكا»

في ضوء دراسة جديدة، حذرت المنظمة الأمريكية غير الربحية «كلايمت سنترال» من عواقب محتملة لزيادة أيام الحر على محاصيل القهوة في المناطق الاستوائية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق الغبار والأتربة يحجبان الرؤية لمسافات بعيدة (رويترز)

هل ازدادت حدة العواصف الترابية في مصر خلال السنوات الأخيرة؟

شهدت مصر، الجمعة، أجواء غير مستقرة بسبب هبوب عاصفة ترابية خيَّمت على البلاد وملأت الأجواء بالأتربة، وتسببت في انخفاض الرؤية الأفقية إلى أقل من 500 متر.

أحمد حسن بلح (القاهرة )
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.