هل سترسم الرقاقات الإلكترونية المعالم الجيوسياسية الدولية في المستقبل؟

كوريا الجنوبية وتايوان تحتكران 70 % من الإنتاج العالمي لأشباه الموصلات

رقاقتا ذاكرة من صُنع كوريا الجنوبية داخل جهاز كومبيوتر (رويترز)
رقاقتا ذاكرة من صُنع كوريا الجنوبية داخل جهاز كومبيوتر (رويترز)
TT

هل سترسم الرقاقات الإلكترونية المعالم الجيوسياسية الدولية في المستقبل؟

رقاقتا ذاكرة من صُنع كوريا الجنوبية داخل جهاز كومبيوتر (رويترز)
رقاقتا ذاكرة من صُنع كوريا الجنوبية داخل جهاز كومبيوتر (رويترز)

(خاص)
وراء الحروب والمنافسات الاقتصادية المحتدمة منذ سنوات، والمواجهات العسكرية وما تستتبعه من سباق إلى التسلح، يدور صراع تكنولوجي محموم ستحدد نتائجه معادلات القوة وتوزيع النفوذ في العالم خلال العقود المقبلة.
في هذه المنافسة الضروس، تبرز دولتان آسيويتان، هما كوريا الجنوبية وتايوان اللتان تحتكران وحدهما 70 في المائة من الإنتاج العالمي لأشباه الموصلات، أو ما تُعرف بالرقاقات الإلكترونية، والتي تشكّل الركيزة الأساسية للصناعات الحديثة، وفي طليعتها الحربية، والتي أصبحت الرحى الحقيقية التي يدور حولها الصراع بين الولايات المتحدة والصين على الزعامة الدولية.
وحدها تايوان تستقطب نصف الإنتاج العالمي من الرقاقات الإلكترونية المتطورة عبر شركة «TSMC» التي يتحدث التايوانيون عنها بفخر واعتزاز على أنها «القوة الإلكترونية الأولى في العالم». الأمر الذي يفسّر تنامي قلق الولايات المتحدة من إقدام الصين على ضمّ هذه الجزيرة بالقوة، والتحكّم بهذه السلعة الثمينة التي تعتمد عليها معظم الصناعات الأميركية، والأمن القومي الأميركي لكونها أحد العناصر الأساسية في الصناعات الحربية الحديثة. هذا يعني أن اقتصاد القوة العظمى الأولى في العالم، وقواتها المسلحة التي تشكّل عماد هيمنتها الدولية، يعتمد بنسبة عالية على جزيرة صغيرة لا تزيد مساحتها على 36 ألف كيلومتر مربع، ولا تحظى باعتراف الأسرة الدولية كبلد مستقل.
لكن ما يُقلق الولايات المتحدة بشكل خاص، هو أن الصين التي تعد تايوان جزءاً لا يتجزأ منها، صعّدت مؤخراً مطالبتها باستعادتها، مؤكدة استعدادها لاستخدام القوة إذا ما فشلت مساعي التوحيد سلمياً، كما جاء على لسان الزعيم الصيني شي جينبينغ في خطابه أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الشهر الماضي. وهذا ما دفع واشنطن من جانبها إلى تصعيد مواقفها المعلنة من النزاع حول تايوان، حين أكّد الرئيس الأميركي جو بايدن أن الولايات المتحدة ستدافع عن الجزيرة في حال تعرضها لعمل عسكري من الصين، وذلك على الرغم من أن واشنطن تعترف بمبدأ الصين الواحدة بعدما قطعت علاقاتها الدبلوماسية الرسمية مع الجزيرة واعترفت بجمهورية الصين الشعبية كممثل شرعي وحيد للصين. يضاف إلى ذلك، أن القلق الأميركي يتزايد منذ فترة مع ارتفاع منسوب التوتر الناشئ عن الاستفزازات العسكرية التي تقوم بها كوريا الشمالية ضد جارتها الجنوبية، المركز العالمي الثاني لصناعة الرقاقات الإلكترونية المتطورة، وكان الخبراء والمحللون الاستراتيجيون الأميركيون قد دقّوا ناقوس الخطر منذ سنوات، محذّرين من عواقب هذه «التبعية الإلكترونية» والاعتماد المفرط على مصادر خارجية محدودة لعناصر حيوية بالنسبة للصناعات المتطورة والقدرات الحربية.
وتقدّر دراسة أجرتها مؤخراً لجنة شكّلها مجلس الشيوخ الأميركي، أن انقطاع إمدادات الرقاقات الإلكترونية المتطورة عن السوق الأميركية لسنة واحدة فقط، توازي تكلفته 3.2 في المائة من إجمالي الناتج القومي، وملايين فرص العمل. ولا شك في أن تلك التحذيرات كانت من الأسباب التي دفعت بإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما إلى تحويل مركز الثقل في السياسة الخارجية الأميركية نحو القارة الآسيوية، وتحديداً نحو منطقة المحيط الهادئ التي كانت قد تحوّلت منذ أواخر القرن الفائت إلى القطب العالمي الرئيسي للصناعات الإلكترونية المتطورة، بالتزامن مع صعود الصين السريع، وتمددها الإقليمي، مسخّرة لذلك قدراتها الاقتصادية الهائلة، في وقت كانت تضاعف موازنتها الحربية مرة كل خمس سنوات.
وإلى جانب ذلك، باشر الكونغرس الأميركي مؤخراً مناقشة «قانون الرقاقات والعلوم» الذي يتيح تخصيص مليارات الدولارات لتنشيط صناعة الرقاقات المتطورة في الولايات المتحدة، والاستعداد لنزاع مسلح محتمل في تايوان ومحيطها، من شأنه قطع الإمدادات الإلكترونية الحيوية من الجزيرة والتعرّض لخطر جيوسياسي كبير يسعى المحللون الاستراتيجيون في البنتاغون والبيت الأبيض إلى استدراكه قبل حدوثه.
تجدر الإشارة إلى أن الرقاقات الإلكترونية المتطورة هي اليوم عنصر أساسي في كل الصناعات المتطورة، من الهواتف الذكية إلى الطائرات المدنية المتطورة، ومن الروبوتات إلى أحدث المقاتلات الحربية. وبالتالي، فهي التي ستحدد في المستقبل عافية الاقتصاد العالمي ومعالم المعادلات الجيوسياسية الجديدة. ومشروع القانون الذي يناقشه الكونغرس الأميركي حول هذا الموضوع، يقتبَس في حيثياته من تصريح للمدير التنفيذي لشركة «إينتيل» الإلكترونية العملاقة باتريك جسلينغر، جاء فيه: «إذا كان النفط هو الذي رسم المعالم الجيوسياسية الدولية خلال العقود الخمسة المنصرمة، فإن الرقاقات الإلكترونية المتطورة هي التي سترسم هذه المعالم في العقود الخمسة المستقبلية».
والسباق الدولي اليوم يدور حول إنتاج رقاقات أسرع، وأدقّ، وأقل تكلفة، وأصغر، وذات قدرة استيعابية أكبر.
وجاء في مسوغات مشروع القانون الأميركي أن حالة الشلل الصناعي التي تسببت بها جائحة كوفيد في مراحلها الأولى، كشفت أهمية هذه الرقاقات عندما توقف إنتاجها، أو تراجع بنسبة كبيرة، ما أدّى إلى تعثّر في سلاسل الإمدادات ما زالت معظم الشركات الكبرى تجرّ أذياله إلى اليوم، بعد تكبدها خسائر مالية فادحة.
في بداية العقد الأخير من القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تُنتج 30 في المائة من الرقاقات الإلكترونية في العالم، أما اليوم فلا تتجاوز قدراتها الإنتاجية الـ12 في المائة مقابل 51 في المائة تُنتجها شركة واحدة في الجزيرة التي تهدد بكين بضمّها.
أما شركة «إينتيل» الأميركية التي كانت رائدة الصناعات الإلكترونية المتطورة حتى نهايات القرن الماضي، فقد تجاوزتها بكثير شركتا «TSMC» التايوانية و«سامسونغ» الكورية الجنوبية.
ويكفي بعض الأرقام لتوضيح ضخامة رهانات الدول الكبرى في هذا السباق الإلكتروني الذي تحوّل، كما أظهرت الحرب الدائرة في أوكرانيا والانتكاسات التي يتعرض لها الجيش الروسي أمام المقاومة الأوكرانية، إلى عنصر أساسي في الأمن القومي وتحديد دوائر النفوذ والقوة في العالم.
فقد قررت الولايات المتحدة تخصيص 76 مليار دولار في السنوات الثلاث المقبلة لبلوغ 30 في المائة من الإنتاج العالمي، ومضاعفة هذا المبلغ حتى نهاية العقد الجاري.
كما أعلنت شركة «إينتيل» عن استثمارات بقيمة 40 مليار دولار لبناء مصنعين لإنتاج جيل جديد من الرقاقات في أوهايو وآريزونا، وعن خطة للاستثمار في أوروبا بقيمة 30 مليار دولار اعتباراً من العام المقبل.
في المقابل، أعلنت الصين خطة بقيمة 100 مليار دولار لتطوير صناعة الرقاقات التي ما زالت دون المستوى الذي وصلت إليها جاراتها الآسيوية، والولايات المتحدة التي كانت قد قررت منذ سنوات الانصراف إلى التصميم والبرمجيات المتطورة، تاركةً مهمة الإنتاج لتايوان وكوريا الجنوبية.وفيما يستغرب المحللون كيف أن هذا القطاع الصناعي الذي يلعب دوراً أساسياً منذ سنوات في تشكيل المعادلات الاقتصادية والتوازنات العسكرية في العالم، والذي تزيد قيمته على 550 مليار دولار سنوياً، لم يستقطب اهتماماً كافياً من القوى الصناعية الكبرى مثل الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، يتوقعون له أن يكون أحد محاور الصراع الرئيسية بين واشنطن وبكين، ولا يستبعدون أن يكون عنصراً مفجراً لمواجهات عسكرية في المستقبل.


مقالات ذات صلة

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

تكنولوجيا «أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» تنقل القيادة إلى جون تيرنوس مع احتفاظ تيم كوك بدور رئيس المجلس وسط ضغوط الذكاء الاصطناعي، واختبار المرحلة المقبلة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا يمكن معاينة الاجتماعات وجدول المواعيد بكل سهولة في السيارات الذكية الجديدة

المكتب المتنقل... التقنية تحوّل سيارتك إلى مركز إنتاجية ذكي

لم يعد مفهوم العمل عن بُعد محصوراً في زوايا المنزل أو المقاهي الهادئة، بل انطلق ليعيد صياغة المقصورة الداخلية للسيارة كمساحة احترافية متكاملة.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا أفضل 10 أدوات لتحرير الصور بالذكاء الاصطناعي

أفضل 10 أدوات لتحرير الصور بالذكاء الاصطناعي

في الماضي، كانت الصور الضبابية والإضاءة الرديئة والعناصر العشوائية في الخلفية، تعني أمراً واحداً أي صوراً سيئة. أما اليوم،

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا تقدّم تعلّماً تفاعلياً للغات قائماً على المواقف اليومية بالذكاء الاصطناعي (مختبرات غوغل)

بعد عام على إطلاقها… كيف تعمل تجربة «غوغل» لتعلّم اللغات؟

بعد نحو عام على طرحها، تواصل شركة «غوغل» اختبار تجربة تعليم اللغات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحت اسم «Little Language Lessons»، ضمن منصتها «مختبرات غوغل».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

روسيا وكوريا الشمالية تدشنان أول جسر برّي يربط البلدين

صورة نشرتها وزارة النقل الروسية لعمال في موقع بناء الجسر (أ.ف.ب)
صورة نشرتها وزارة النقل الروسية لعمال في موقع بناء الجسر (أ.ف.ب)
TT

روسيا وكوريا الشمالية تدشنان أول جسر برّي يربط البلدين

صورة نشرتها وزارة النقل الروسية لعمال في موقع بناء الجسر (أ.ف.ب)
صورة نشرتها وزارة النقل الروسية لعمال في موقع بناء الجسر (أ.ف.ب)

أقامت روسيا وكوريا الشمالية مراسم، اليوم (الثلاثاء)، احتفالاً بإنشاء أول جسر برّي يربط البلدين والمقرر فتحه أمام حركة السير هذا الصيف، حسبما أعلنت موسكو.

وحسب وكالة الصحافة الفرنسية، فقد تطوّرت العلاقات بين البلدين الخاضعين لعقوبات دولية خلال الحرب الروسية على أوكرانيا، إذ عمّقت موسكو وبيونغ يانغ علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية.

وحذّرت كوريا الجنوبية الأسبوع الماضي، من أن الدعمين الصيني والروسي يساعدان في إنعاش اقتصاد كوريا الشمالية التي عانت لسنوات في ظل عقوبات دولية واسعة النطاق وعزلة دولية كاملة تقريباً وتركيزها على الاستثمار عسكرياً.

وذكرت وزارة الخارجية الروسية أن افتتاح الجسر سيشكّل «مرحلة تاريخية حقّاً في العلاقات الروسية-الكورية. تتجاوز أهميته بأشواط المهمة الهندسية فحسب».

صورة للجسر نشرتها وزارة النقل الروسية (أ.ف.ب)

وسيكون بمقدور الجسر الذي يعبر نهر تومين الفاصل بين البلدين، التعامل مع 300 مركبة و2850 شخصاً يومياً، حسب وزارة النقل الروسية.

ووقّعت روسيا وكوريا الشمالية معاهدة دفاعية في 2024 تنص على تقديم دعم عسكري حال تعرّض أي من البلدين لهجوم.

وأرسلت بيونغ يانغ في ذلك العام آلاف الجنود إلى روسيا لدعم حربها ضد أوكرانيا. وتم نشرهم في منطقة كورسك (غرب) في مواجهة هجوم استمر عدة شهور من القوات الأوكرانية.

وزار عدد من كبار المسؤولين الروس كوريا الشمالية مؤخراً، بينهم وزير الداخلية الذي يزور البلاد حالياً.

وقالت الخارجية الروسية إن الجسر سيساعد على «تنمية التبادلات التجارية والاقتصادية والإنسانية» بين أقصى الشرق الروسي وكوريا الشمالية.

ولطالما واجهت كوريا الشمالية حالات شح في الأساسيات. وفي منتصف التسعينات، أودت مجاعة بمئات آلاف الأشخاص، فيما تشير تقارير إلى أن كثيرين عانوا من الجوع الشديد جراء وباء كوفيد-19.


«العفو الدولية» تحض الدول على «التصدي للقوى المتوحشة»

لافتة تحمل صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال احتجاجات على الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في سيول (إ.ب.أ)
لافتة تحمل صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال احتجاجات على الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في سيول (إ.ب.أ)
TT

«العفو الدولية» تحض الدول على «التصدي للقوى المتوحشة»

لافتة تحمل صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال احتجاجات على الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في سيول (إ.ب.أ)
لافتة تحمل صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال احتجاجات على الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في سيول (إ.ب.أ)

قالت «منظمة العفو الدولية» في تقريرها السنوي الصادر اليوم الثلاثاء إن العديد من القادة أظهروا «خوفاً» في العام 2025 من مواجهة «قوى متوحشة»، في حين كان ينبغي عليهم «التصدي لها» بدلاً من انتهاج «سياسة الاسترضاء»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبحسب المنظمة غير الحكومية، فإن قادة سياسيين من أمثال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتصرفون في تحدٍ للقواعد والمنظمات الدولية التي تم إنشاؤها بعد الحرب العالمية الثانية، ما ينشئ عالماً «تسود الحروب (فيه)، بدلاً من الدبلوماسية».

صورة مركبة لترمب وبوتين ونتنياهو (أ.ف.ب)

وقالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أنياس كالامار خلال تقديم التقرير السنوي في لندن: «على مدار عام 2025، تربّصت قوى متوحشة نهمة بالموارد العالمية المشتركة، وراحت تقتنص غنائم من دون وجه حق. فقد نفّذ قادة سياسيون، من أمثال ترمب وبوتين ونتنياهو وكثيرين آخرين، غزواتهم بهدف الهيمنة الاقتصادية والسياسية، من خلال التدمير، والقمع، والعنف على نطاق واسع».

وأضافت: «ولكن، بدلاً من مواجهة هذه القوى المتوحشة، اختارت معظم الحكومات في عام 2025 سياسة الاسترضاء، بما في ذلك معظم الدول الأوروبية. بل وسعت بعض الحكومات إلى تقليد هذه القوى المتوحشة. واحتمت حكومات أخرى في ظل هذه القوى. بينما اختارت قلة قليلة فقط التصدي لها».

وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة تشن «عمليات قتل خارج نطاق القضاء، وهجمات غير مشروعة في فنزويلا، وإيران، وتُهدد بالاستيلاء على غرينلاند».

وقالت كالامار لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن إدارة ترمب «فعلت كل ما في وسعها لتقويض سنوات وعقود من الجهود» للدفاع عن حقوق المرأة، مؤكدة أن الرئيسين الأميركي والروسي يشتركان في رؤية عالمية «عنصرية وذكورية للغاية».

كذلك «تستمر الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة بالرغم مما يُسمى وقف إطلاق النار» الذي تم التوصل إليه في أكتوبر (تشرين الأول)، بحسب التقرير.

وفي مواجهة كل ذلك «تجرّأت قلة من الدول فقط برفع أصواتها رفضاً لتغليب هدير المدافع على الجهود الدبلوماسية»، وفق التقرير الذي أشار إلى انضمام «بعض الدول إلى مجموعة لاهاي، وهي تكتل من الدول التي تعهدت تنسيق التدابير القانونية والدبلوماسية فيما بينها دفاعاً عن القانون الدولي، وتضامناً مع الشعب الفلسطيني».

وتابع: «وانضمت دول أخرى إلى دعوى الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل. ودعت كندا القوى المتوسطة إلى التكاتف والعمل على تعزيز الصمود الجماعي. ودأبت دول قليلة، مثل إسبانيا، على التنديد بتفكيك الضوابط المعيارية».

«انزلاق نحو تجاهل القانون»

وبحسب المنظمة، شهدت المؤسسات الدولية أسوأ الهجمات منذ العام 1948، وذلك من خلال العقوبات الأميركية التي فرضت على بعض القضاة والمدعين العامين في المحكمة الجنائية الدولية، وانسحاب الولايات المتحدة من عشرات الاتفاقات.

واعتبرت كالامار أن الصراع الحالي في الشرق الأوسط يوضح «الانزلاق نحو تجاهل القانون»، بدءاً من «الهجمات غير القانونية الأولى التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل»، إلى «الردود العمياء» لإيران.

وأشارت إلى أن هذا الصراع أتى بعد تعرّض المحتجين الإيرانيين «منذ مطلع عام 2026 لما يمكن أن يُعد أكبر عملية قتل جماعي في تاريخ إيران الحديث».

وتحدث التقرير أيضاً عن التعدي على حقوق الإنسان في بورما، حيث «شهد النزاع المسلح مزيداً من التصعيد بعد مرور خمس سنوات على الانقلاب العسكري (...)، وشن عدد قياسي من الغارات الجوية خلال الهجمات العسكرية، من بينها عدة هجمات كبيرة على المدارس أسفرت عن مقتل عشرات الطلاب».

كذلك ذكر التقرير السودان، حيث «تعرضت النساء والفتيات للعنف الجنسي المرتبط بالنزاع على نطاق واسع، وممنهج» من قوات «الدعم السريع» خلال حصار الفاشر الذي استمر 18 شهراً قبل سقوط المدينة في أكتوبر.

لكن المنظمة رأت بصيص أمل في هذه الصورة القاتمة: إنشاء محكمة خاصة للحرب في أوكرانيا، وتسليم الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وأعربت كالامار أيضاً عن أملها في أن يكون رفض بعض الدول الأوروبية الانضمام إلى الهجمات التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بمثابة إشارة إلى بداية «نهوض».

لكنها حذّرت من أن ذلك ليس مجرد «فترة عصيبة أخرى. إنها اللحظة العصيبة التي تُهدد بتدمير كل ما بُني على مدار 80 عاماً. وسننهض، نحن عموم الناس، لمواجهة هذه اللحظة التاريخية».


زيلينسكي يتهم مبعوثَي الولايات المتحدة بعدم احترام أوكرانيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي يتهم مبعوثَي الولايات المتحدة بعدم احترام أوكرانيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مبعوثي الولايات المتحدة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بإظهار نقص في الاحترام تجاه أوكرانيا.

وقال زيلينسكي، يوم الاثنين، في مقابلة مع برنامج إخباري حكومي: «من قلة الاحترام السفر إلى موسكو وعدم القدوم إلى كييف». وأضاف أنه يتفهم صعوبات السفر إلى بلد تمزقه الحرب، لكنه أشار إلى أن آخرين تمكنوا من القيام بالرحلة إلى كييف.

وفي حديثه عن احتمال زيارة ويتكوف وكوشنر لكييف، قال: «نحن لا نحتاج إلى ذلك، هم من يحتاجون إليه»، مؤكداً أن نتيجة المحادثات، وليس مكان انعقادها، هي ما يهمه، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

كما جدد زيلينسكي رفضه لمطلب روسي بانسحاب أوكرانيا من منطقتي لوغانسك ودونيتسك في الشرق، قائلاً: «سيكون ذلك بلا شك هزيمة استراتيجية لنا».

وأوضح أن أوكرانيا ستصبح أضعف من دون تحصيناتها وخطوطها الدفاعية المتطورة، مضيفاً أن الانسحاب المنظم سيؤثر أيضاً سلباً على معنويات الجيش الأوكراني.

وقال إن أسرع طريقة لإنهاء الحرب ستكون عبر وقف إطلاق النار على طول خطوط التماس الحالية.

وتواصل أوكرانيا بدعم غربي محاولة صد الهجوم الروسي منذ أكثر من أربع سنوات، فيما تضغط واشنطن منذ أشهر على طرفي النزاع للتوصل إلى اتفاق سلام. غير أن المفاوضات متوقفة منذ فبراير (شباط) بسبب الحرب مع إيران.

وقبل ذلك، كان ويتكوف وكوشنر قد زارا موسكو عدة مرات لإجراء محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكان من المتوقع أن يقوما بأول زيارة لهما إلى كييف بعد عيد الفصح الأرثوذكسي، الذي وافق يوم 12 أبريل (نيسان)، إلا أن هذه الزيارة لم تتم حتى الآن.