مَن هو نتنياهو البراغماتي الذي هزم السياسيين والجنرالات في إسرائيل؟

الأميركي الذي أدار ظهره لأميركا... تحدى اليهود وعادى الديمقراطيين

بنيامين نتنياهو بعد فوزه الانتخابي (أ.ف.ب)
بنيامين نتنياهو بعد فوزه الانتخابي (أ.ف.ب)
TT

مَن هو نتنياهو البراغماتي الذي هزم السياسيين والجنرالات في إسرائيل؟

بنيامين نتنياهو بعد فوزه الانتخابي (أ.ف.ب)
بنيامين نتنياهو بعد فوزه الانتخابي (أ.ف.ب)

عندما ظهرت نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة هذا الأسبوع، تبين أن بنيامين نتنياهو حقق فوزاً ساحقاً بفارق يزيد على أي مرة سابقة. كانت الصدمة كبيرة، ليس عند خصومه فحسب، بل حتى داخل بيته، بقوا مشدوهين وتمتموا: «دعونا ننتظر النتيجة النهائية».
النتيجة فاقت أكثر التوقعات تفاؤلاً، وفوجئ بها أقرب المقربين منه ورقصوا فرحاً. صاح أحدهم: «أنت انتصرتَ؛ ليس على يائير لبيد فحسب، بل على الأم أميركا أيضاً. على كل الخصوم». وعلق أحد المستشارين بأن «الأضواء مشتعلة في كل العواصم ترصد النتيجة، لتعرف إذا كنت يا بيبي عائداً أم لا». لكن نتنياهو نفسه لم ترتسم على ملامحه أي علامات تعبير خاصة بالفرح. كعادته، رسم على الطرف الأيمن من شفتيه بسمة خفيفة. وقال: «هيا إلى العمل».
هو رجل العمل. حتى خصومه وأعداؤه يشهدون له بأنه «نشيط بشكل جنوني»، ويلقبونه بـ«الحراث»، لأنه يختار الأعمال الصعبة. أحباؤه وأعداؤه، على السواء يعترفون له بقدرات غير عادية على العمل، ويقولون إن «شغفه في العمل هو الدافع الأول لانتصاراته السياسية»، وهي كثيرة، بل كثيرة جداً؛ إذ لا يوجد في إسرائيل رجل سياسي خاض معارك حزبية مثله. ولا يوجد رئيس حكومة أمضى سنوات خدمة بمقداره. ولا يوجد فيها قائد هزم خصومه كماً ونوعاً بوتيرته. والأهم: لا يوجد قائد سياسي يمتلك الشغف لمنصب رئيس الوزراء ويستمتع بلقب «دولة رئيس الوزراء» مثله. أمضى حتى الآن 15 عاماً في هذا المنصب، من عام 1996 حتى 1999، ثم مِن عام 2009 حتى 2021. والآن يبدأ دورة جديدة لا أحد يجرؤ على تحديد مدتها.
خلال هذه الحقب، تمكن من هزيمة كبار القادة في إسرائيل، فبعد أن قاد معركة شرسة أمام إسحق رابين أحد كبار الجنرالات فيها، التي انتهت باغتياله برصاص طالب جامعي يميني، هزم شيمعون بيريس، أبا المشروع النووي ومهندس اتفاقيات السلام مع الفلسطينيين والأردن. ومع أن الجنرال إيهود باراك تغلب عليه في الانتخابات لرئاسة الحكومة؛ فقد عرف كيف يقلب الهزيمة، وما هي إلا بضع سنوات حتى صار باراك وزيراً تحت قيادة نتنياهو.
القادة السياسيون، حتى في اليمين، حاربوه بشدة، ولم يثقوا به وحذروا من خطورته على مستقبل الدولة العبرية، مثل إسحق شامير الذي قال عنه إنه «ملاك الخراب»، وأرئيل شارون، الذي اعتبره «متآمراً سرمدياً»، لكنهما اضطرا إلى تعيينه وزيراً في حكومتيهما، وكانا شاهدين على وصوله لمنصب رئيس حكومة.
اتركوا حسابات «الصداقة والعداوة» معه. إنه يملك سراً وربما أسراراً تجعله قادراً على امتلاك ذلك المغناطيس لمقعد رئيس الوزراء. وكل الدلائل تشير إلى أنه سيبقى هناك لسنين أخرى. ومن يريد أن يتعامل معه ومع ما يمثله في إسرائيل، ينبغي أن يعرف مكنون ومكونات شخصيته؛ فكل من يعيش في هذا الشرق، أو في الغرب، بل في هذا العصر، سيواجه هذه الشخصية في مكان وزمان ما.
نتنياهو وزوجته ساره (رويترز)
* ابن الأكاديمي
عمره تجاوز 73 عاماً، وكل مساعديه يصغرونه سنّاً، لكنه يشتغل أكثر منهم جميعاً. ليس اليوم فحسب، بل في كل يوم. منذ أن وعى على هذه الدنيا.
ولد بنيامين نتنياهو في تل أبيب عام 1949، لعائلة متوسطة الدخل لكنها ذات شأن؛ فوالده يعتبر مؤرخا كبيرا ذا سمعة أكاديمية رفيعة في إسرائيل والولايات المتحدة ووالدته تسيلا كانت مربية. وكان لهما تأثير كبير على شخصيته. انتقلت عائلته عام 1963 للعيش في الولايات المتحدة، عندما عُرض على والده المؤرخ والناشط الصهيوني، بن تسيون نتنياهو، وظيفة تدريس في جامعة كورنيل. من هناك اكتسب نتنياهو لغته الإنجليزية الممتازة باللكنة الأميركية التقليدية والمفاهيم السياسية الأميركية، وتحديداً الجمهورية.
في الولايات المتحدة أنهى دراسته الثانوية، ثم عاد إلى إسرائيل ليؤدي خدمته العسكرية. أمضى خمس سنوات في الجيش تركت أثرها البالغ على حياته ومفاهيمه السياسية. وهو يعتز بها كثيراً؛ فقد خدم في وحدة القوات النخبوية لكوماندوس رئاسة أركان الجيش، وتخرج فيها برتبة كابتن، تحت قيادة إيهود باراك، الذي أصبح صديقه وحليفه ثم خصمه السياسي اللدود.
خلال خدمته العسكرية، أُصيب برصاصة طائشة من أحد رفاق السلاح، وكاد يقع مرتين في الأسر؛ مرة عندما حاولت فرقته عبور قناة السويس خلال حرب الاستنزاف، ومرة خلال عملية كوماندوس سرية في الأراضي السورية، عندما حاصرتهم قوة من الجيش السوري لعدة ساعات، وتم إنقاذهم بعملية عسكرية واسعة. وشارك في غارة على مطار بيروت عام 1968، وفي تحرير طائرة مخطوفة في مطار بن غوريون، وشارك في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973. بعدها سرح من الجيش، وعاد إلى الولايات المتحدة، حيث حصل على البكالوريوس والماجستير في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والعلوم السياسية في جامعة هارفارد.
خلال دراسته الجامعية، قُتل شقيقه يونتان عام 1976 أثناء قيادته غارة لإنقاذ رهائن من طائرة مخطوفة في عنتيبي بأوغندا، وكان لذلك أثر عميق على عائلة نتنياهو؛ فقرر والداه العودة إلى البلاد. كان يونتان قائداً عسكرياً واعداً، وأصبح اسمه أسطورياً في إسرائيل. لذا فإن أول نشاط جماهيري لبنيامين نتنياهو كان إقامة معهد لمكافحة الإرهاب إحياء لذكرى شقيقه. لكنه اشتغل في شركة لتسويق الأثاث، بعيداً عن السياسة.
ثم اشتهر عندما أعدَّ مع شقيقه الثاني، عيدو، دراسة حول الرسائل الوطنية لشقيقهما يونتان وحصلا على جائزة من الجيش. وهناك تعرف على البروفسور موشيه ارنس، الذي أصبح وزيراً للخارجية ووزيراً للدفاع لاحقاً. وقد رأى أرنس في نتنياهو قائداً واعداً، وعيَّنه، عام 1982، ملحقاً سياسياً في السفارة الإسرائيلية بواشنطن. وهكذا بدأ طريقه السياسي. وقد تألق هناك وهو يدافع عن الحرب الإسرائيلية في لبنان، وأصبح نجماً إعلامياً في الولايات المتحدة.
بعد ست سنوات، عاد نتنياهو إلى إسرائيل في عام 1988، وانتسب إلى حزب الليكود الحاكم، وفاز بعضوية الكنيست وأصبح نائباً لوزير الخارجية، شامير. وبعد فوز رابين بالحكم سنة 1992 واعتزال شامير، انتخب نتنياهو رئيساً للحزب متفوقاً على ديفيد ليفي، أحد أبرز قادة اليهود الشرقيين.
نتنياهو بين عدد من محازبيه (أ.ب)
* عقد تنازل لزوجته
اشتهر نتنياهو يومها بسبب «ألعوبة سياسية» على الطريقة الأميركية صدمت الإسرائيليين، لكنها وضعته في مركز الحياة السياسية، وكشفت عن وجه غير مألوف في السياسة؛ فقد ظهر وزوجته على شاشة التلفزيون، وقال لها على الملأ: «هناك مؤامرة ابتزاز قذرة يدبرها ضدي خصمي. إنه يروج لشريط فيديو يقول فيه إنه في حوزته يصورني مع امرأة أخرى. أنا فعلاً خنتك لمرة واحدة. وأنا هنا لكي أعتذر لك أمام كل البشر».
وقد أجرت الشرطة تحقيقاً في الموضوع، واتضح أنه لم يكن هناك شريط ولا ابتزاز. وبعد نحو عشرين سنة، تبين أن زوجة نتنياهو لم تكن تلك المرأة الساذجة التي سيقت إلى التلفزيون لتظهر زوجة مخدوعة، بل أبرمت صفقة عن طريق محامٍ مع زوجها، تعهد لها بأن تكون سيدة المنزل في كل شؤون إدارته والوحيدة التي تتصرف بأمواله، وهي التي تعطيه مصروف الجيب والوحيدة التي تحمل بطاقة الائتمان. وتحتوي الاتفاقية على وصية منه يحظر تغييرها إلى الأبد، بموجبها تتحول أمواله كلها إليها في حال انفصالهما.
وتصبح هذه الوثيقة «عقيدة» في حياتهما الزوجية والسياسية، إذ إن المقربين من الزوجين يؤكدون أن سارة زوجته تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياته.
البصمة التي تركتها هذه القصة على حياة نتنياهو، أنه يتقن دور الضحية بشكل مذهل ولديه قدرات تمثيلية يستخدمها كثيراً في حياته السياسية. وتتحول هاتان الصفتان إلى اثنتين من أهم أسرار شعبيته. فقد وقع في غرامه مئات ألوف الإسرائيليين الذين يصدقون كل ما يقوله لهم، وباتوا يؤمنون حتى اليوم بأنه ضحية أمام مراكز القوى التي تسيطر على إسرائيل؛ الصحافة وسلطة القضاء والأجهزة الأمنية.
هكذا سيطر نتنياهو على الشارع، والمظاهرات التي قادها وألهب بها المواطنين ضد اتفاقيات أوسلو وقائدها رابين، تحولت إلى انقسام خطير في المجتمع الإسرائيلي بين معسكرين متعاديين، اليمين واليسار، رفع مؤيدوه فيها صور رابين وهو يرتدي زي ضابط في الجيش النازي. وحتى بعد اغتيال رابين الذي أحدث زلزالاً في إسرائيل، هزم شيمعون بيريس رفيق رابين وشريكه في اتفاقيات أوسلو، وأصبح رئيساً للوزراء سنة 1996.
ومع أنه عادى اتفاقيات أوسلو، وعد بتنفيذها وبدأ فعلاً بضغط من الأميركيين. انسحب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية، لكنه في الوقت نفسه عرف كيف يقزم هذه الاتفاقيات ويمنع إقامة دولة فلسطينية.
كانت إسرائيل يومها ما زالت متحمسة لتسوية الصراع مع الفلسطينيين؛ فسقط نتنياهو في انتخابات 1999، عندما تغلب عليه قائده العسكري وصديقه إيهود باراك. وكانت تلك انتكاسة حقيقية في حياة نتنياهو. ثم أطاح به شارون، فاضطر إلى اعتزال السياسة وانتقل إلى عالم رجال الأعمال وجنى ثروة تُقدَّر بخمسين مليون دولار.
* انتعاشه السياسي
بعد انتخاب شارون رئيساً للوزراء في عام 2001، عاد نتنياهو إلى البلاد وإلى الحياة السياسية. ورغم أن شارون كان يمقته ولا يثق به؛ فقد عينه وزيراً للخارجية ثم وزيراً للمالية في حكومته. كان موالياً لشارون، حتى إنه في عام 2005، صوت لصالح الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في إطار خطة فك الارتباط. ولكن، عندما بدأ شارون يتحدث عن ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، ورأى أن الرجل يواجه معارضة شديدة في اليمين، شعر نتنياهو بأن أمامه فرصة للعودة إلى القيادة؛ فاستقال من الحكومة. وشعر شارون بأن هناك مؤامرة للإطاحة به، فانسحب مع مجموعة كبيرة من الليكود وأسس حزباً جديداً سماه «كديما» (أي «قدما») بالشراكة مع شيمعون بيريس (الذي انشق عن «حزب العمل»).
وهكذا، فاز نتنياهو بقيادة «الليكود»، ومع أن الحزب تحطم في الانتخابات وهبط من 36 إلى 12 مقعداً، فإن نتنياهو بدأ عملية «إعادة بناء الحزب» و«إنعاشه». وبعد ثلاث سنوات من العمل الحثيث في المعارضة، انتصر نتنياهو وانتخب رئيساً للوزراء للمرة الثانية في مارس (آذار) من عام 2009، وظل في منصبه حتى سنة 2021، ليصبح صاحب أطول فترة حكم في هذا المنصب في التاريخ الإسرائيلي.
لم يتقن نتنياهو دور رئيس الحكومة فحسب بل رئيس المعارضة أيضاً. فبعد سنة واحدة في هذا الموقع، ورغم أنه يمتثل للقضاء ويجلس في قفص الاتهام ليحاكم في ثلاث تهم، هي الاحتيال وخيانة الأمانة وتلقي الرشى. ورغم وقوف الإدارة الأميركية والمؤسسة العسكرية والإعلام ضده، ورغم اعتباره مخادعاً وكاذباً وليس له صاحب، تمكن من إعادة الاعتبار لنفسه وتغلب على كل خصومه، واستطاع إسقاط حكومة نفتالي بنيت وتحطيم حزب «يمينا» الذي قادها، وعاد إلى الحكم بتفوق كبير.
احتفال بالفوز الانتخابي (إ.ب.أ)
* البراغماتي
خلال حياته، ظهر نتنياهو بأسلوب عمل براغماتي ولم تكن لديه مشكلة في اتخاذ مواقف متناقضة أيضاً.
فقد أعلن موافقته على حل الدولتين وأدار محادثات سلام مع الفلسطينيين طيلة عشرة شهور، وافق خلالها على تجميد غير مسبوق لبناء المستوطنات في الضفة الغربية، ودخل في صدامات مع قادة المستوطنات المقربين منه. وقاد قبل ذلك وبعده سياسة تجميد المفاوضات وفرض سياسة على الأرض تضع عراقيل في طريق الدولة الفلسطينية. اعتبر العلاقات مع الولايات المتحدة مهمة استراتيجية لإسرائيل.
وصفه كثيرون بأنه أميركي أكثر مما هو إسرائيلي. وقالوا عنه: للولايات المتحدة سفيران في إسرائيل. سفير للإدارة يرسلونه من واشنطن إلى تل أبيب، وسفير للولايات المتحدة الوطن والشعب، بنيامين نتنياهو. لكنه لم يتردد في الدخول في صدام غير مسبوق مع الرئيس باراك أوباما وإدارته، وتلاحم مع الحزب الجمهوري ضد الرئيس الديمقراطي وحزبه. وفي إطار رفضه للاتفاق النووي مع إيران، سمح لنفسه بأن يلتف على الرئيس أوباما ويسافر إلى الولايات المتحدة ويخطب أمام «الكونغرس» ضد سياسة الرئيس في الموضوع الإيراني.
وهو يتبنى حتى اليوم موقفاً حاداً ضد سياسة الحزب الديمقراطي حول الموضوع الإيراني. ولذلك تجندت ضده إدارة الرئيس جو بايدن، وناصرت خصمه يائير لبيد، فيما قام هو بتعزيز علاقاته مع الحزب الجمهوري قبل وبعد عهد الرئيس دونالد ترمب، ودفع ثمن ذلك بالصدام مع يهود الولايات المتحدة.
قاد عقيدة سياسية تكرس الانتماء الإسرائيلي إلى العالم الغربي بعيداً عن الشرق، ولكنه تقبل الشراكة في «اتفاقيات إبراهيم» والحديث عن علاقات استراتيجية مع العالم العربي ودول الشرق.
وفي القضايا الداخلية تجلى في أسلوبه هذا أيضاً، فمع أنه أقام تحالفاً واسعاً من جميع قوى اليمين الصلبة، بمن في ذلك غلاة المتطرفين، إلا أنه بادر في فترة حكمه السابقة، إلى عرض إشراكه حزباً عربياً إسلامياً في حكمه: «القائمة العربية الموحدة للحركة الإسلامية»، بقيادة منصور عباس.
وهو الذي يعتبر أكثر رؤساء الحكومات كرماً في العطاء للجيش واهتماماً بالأجهزة الأمنية، ولكنه في الوقت نفسه يدير معركة ضد قادة هذه الأجهزة بشكل مثابر ويسعى لتقليص تأثيرها عليه. والأمر نفسه يصلح قوله على سياسته تجاه مؤسسات إنفاذ القانون، سلطة القضاء والشرطة والنيابة.
لذلك، فإن نتنياهو ليس ذلك السياسي الذي يصلح لتأطيره في برنامج سياسي معين أو تطويقه في زنزانة أفكار محددة. قد يكون قائداً ضعيفاً يغير رأيه تحت أي ضغط، لكنه يتمتع بما يكفي من قوة لأن يقف بجرأة ويدافع عن رأي كان يرفضه. ويتمتع بموهبة تجعله يلقي خطاباً ملتهباً يدافع عن شيء حاربه قبل يومين. ويجد دائماً مَن يصفق له وليس فقط من يعاديه. ومقابل كثيرين من كارهيه، وبينهم أصدقاء سابقون، تجد من يسير وراءه بشكل أعمى؛ يقدرونه ويبجلونه ويستعدون للتضحية بأي شيء من أجله.


مقالات ذات صلة

الحوار الداخلي في إسرائيل يصل إلى باب مسدود

شؤون إقليمية الحوار الداخلي في إسرائيل يصل إلى باب مسدود

الحوار الداخلي في إسرائيل يصل إلى باب مسدود

في الوقت الذي تدب فيه خلافات داخلية بين كل معسكر على حدة، أكدت مصادر مشاركة في الحوار الجاري بإشراف رئيس الدولة، يتسحاك هيرتسوغ، أن الطرفين المعارضة والحكومة «وصلا إلى باب مسدود». وأكد هذه الحقيقة أيضاً رئيس كتلة «المعسكر الرسمي» المعارضة، بيني غانتس، الذي يعد أكثر المتحمسين لهذا الحوار، فقال: «لا يوجد أي تقدم في المفاوضات».

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي حلفاء نتنياهو يحذرون من سقوط حكومته إذا تراجع عن خطته «الانقلابية»

حلفاء نتنياهو يحذرون من سقوط حكومته إذا تراجع عن خطته «الانقلابية»

في ظل تفاقم الخلافات في معسكر اليمين الحاكم في إسرائيل، ما بين القوى التي تصر على دفع خطة الحكومة لإحداث تغييرات جوهرية في منظومة الحكم وإضعاف الجهاز القضائي، وبين القوى التي تخشى مما تسببه الخطة من شروخ في المجتمع، توجه رئيس لجنة الدستور في الكنيست (البرلمان)، سمحا روتمان، إلى رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، (الأحد)، بالتحذير من إبداء أي نيات للتراجع عن الخطة، قائلا إن «التراجع سيؤدي إلى سقوط الحكومة وخسارة الحكم». وقال روتمان، الذي يقود الإجراءات القضائية لتطبيق الخطة، إن «تمرير خطة الإصلاح القضائي ضروري وحاسم لبقاء الائتلاف».

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي إسرائيل: «حزب الله» وراء انفجار قنبلة شمال البلاد الشهر الماضي

إسرائيل: «حزب الله» وراء انفجار قنبلة شمال البلاد الشهر الماضي

قال مستشار الأمن الوطني الإسرائيلي تساحي هنجبي أمس (الجمعة) إن «حزب الله» اللبناني كان وراء هجوم نادر بقنبلة مزروعة على جانب طريق الشهر الماضي، مما أدى إلى إصابة قائد سيارة في شمال إسرائيل، وفقاً لوكالة «رويترز». وقال الجيش الإسرائيلي إن قوات الأمن قتلت رجلا كان يحمل حزاما ناسفا بعد أن عبر على ما يبدو من لبنان إلى إسرائيل وفجر قنبلة في 13 مارس (آذار) بالقرب من مفترق مجيدو في شمال إسرائيل. وأوضح مسؤولون في ذلك الوقت أنه يجري التحقيق في احتمال تورط «حزب الله» المدعوم من إيران في الانفجار.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية إسرائيل تعتقل نائباً أردنياً بتهمة تهريب سلاح وذهب

إسرائيل تعتقل نائباً أردنياً بتهمة تهريب سلاح وذهب

أكدت مصادر أردنية، اليوم (الأحد)، اعتقال نائب حالي في إسرائيل بتهمة تهريب كميات كبيرة من السلاح والذهب بسيارته التي تحمل رقم مجلس النواب ورخصته، إلى الداخل الفلسطيني عبر الحدود، وسط تقديرات رسمية بأن تأخذ القصة أبعاداً سياسية. وفيما تحفظت المصادر عن نشر اسم النائب الأردني، إلا أنها أكدت صحة المعلومات المتداولة عن ضبط كميات من السلاح والذهب في سيارته التي كانت تتوجه إلى فلسطين عبر جسر اللنبي، وسط مخاوف من استغلال الجانب الإسرائيلي للقصة قضائياً، في وقت تشهد فيه العلاقات الأردنية الإسرائيلية توتراً أمام التصعيد الإسرائيلي، والانتهاكات المستمرة من قبل متطرفين للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي لبنان يعلن تقديم شكوى لمجلس الأمن بعد «الاعتداءات الإسرائيلية جوا وبرا وبحراً»

لبنان يعلن تقديم شكوى لمجلس الأمن بعد «الاعتداءات الإسرائيلية جوا وبرا وبحراً»

عقد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي اجتماعا مع وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بوحبيب، صباح اليوم (السبت)، لمتابعة البحث في الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب وموضوع الصواريخ التي أطلقت من الأراضي اللبنانية، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وأعلن بوحبيب، حسبما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» أنه تقرر توجيه رسالة شكوى إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، عبر بعثة لبنان لدى الأمم المتحدة. ووفق الوكالة، «تتضمن الرسالة تأكيد التزام لبنان بالقرار الدولي 1701، كما تشجب الرسالة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان جوا وبرا وبحرا».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (مهر)
المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (مهر)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (مهر)
المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (مهر)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.


أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

قال دبلوماسيون مطلعون على الملف الإيراني إن حلفاء واشنطن في أوروبا يخشون أن يدفع فريق التفاوض الأميركي، الذي يرونه محدود الخبرة في هذا المسار، نحو اتفاق إطار سريع مع طهران، قد يحقق مكسباً سياسياً آنياً، لكنه يرسّخ مشكلات معقدة بدلاً من حلها.

وأعرب هؤلاء عن قلقهم من أن تسعى واشنطن، في إطار سعيها لتحقيق إنجاز دبلوماسي للرئيس دونالد ترمب، إلى إبرام اتفاق سريع بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات، من دون معالجة جميع القضايا الرئيسية، ما قد يفتح الباب لاحقاً أمام مفاوضات تقنية طويلة ومعقدة تستمر لأشهر حتى لسنوات.

وقال دبلوماسي أوروبي كبير، وهو أحد 8 دبلوماسيين تحدثوا إلى «رويترز» ممن عملوا سابقاً أو حالياً على الملف النووي الإيراني: «القلق ليس من عدم التوصل إلى اتفاق، بل من التوصل إلى اتفاق مبدئي سيئ قد يجلب مشكلات لا حصر لها في المستقبل».

وفي رد على استفسارات بشأن أسلوب التفاوض والفريق الأميركي والأهداف والمخاطر المحتملة لاتفاق سريع، رفض البيت الأبيض هذه الانتقادات. وقالت المتحدثة آنا كيلي إن «الرئيس ترمب يمتلك سجلاً حافلاً في إبرام اتفاقات جيدة لصالح الولايات المتحدة والشعب الأميركي، ولن يقبل سوى باتفاق يضع أميركا أولاً».

ويتكوف يترجل من سيارة قبل مشاركته في محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جنيف فبراير الماضي (أ.ف.ب)

تهميش أوروبي

وقال دبلوماسيون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا — وهي الدول التي بدأت التفاوض مع إيران عام 2003 — إن دورهم تراجع في المرحلة الحالية. وكانت هذه الدول قد شاركت، إلى جانب الولايات المتحدة، في التوصل إلى الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، الذي نص على تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات.

لكن ترمب انسحب من الاتفاق عام 2018 خلال ولايته الأولى، واصفاً إياه بأنه «أحادي الجانب بشكل رهيب».

وبعد حملة عسكرية استمرت 40 يوماً، استأنف المفاوضون الأميركيون والإيرانيون محادثات في إسلام آباد في وقت سابق من هذا الشهر، ركزت مرة أخرى على المقايضة المعهودة: قيود نووية مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية. وتظهر مؤشرات في العاصمة الباكستانية استعدادات لاستئناف المحادثات المباشرة.

ويرى دبلوماسيون أن انعدام الثقة العميق بين الطرفين، إلى جانب التباين الحاد في أساليب التفاوض، يزيد من خطر التوصل إلى إطار هش قد يصعب الحفاظ عليه سياسياً.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي السابقة فيديريكا موغريني خلال مؤتمر في مدينة مكسيكو بالمكسيك 11 سبتمبر 2019 (رويترز)

وقالت المسؤولة السابقة للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغريني، التي نسقت المحادثات بين عامي 2013 و2015: «استغرق الأمر منا 12 عاماً وعملاً تقنياً هائلاً. هل يعتقد أحد فعلاً أن هذا يمكن تحقيقه في 21 ساعة؟».

اتفاق سياسي بلا تفاصيل

وأشار دبلوماسيون إلى أن التوصل إلى اتفاق إطار قد يكون ممكناً، يقوم على حزمتين: نووية واقتصادية. إلا أنهم حذروا من أن الملف النووي يظل الأكثر إثارة للخلاف.

وقال دبلوماسي أوروبي: «يعتقد الأميركيون أنهم يستطيعون الاتفاق على 3 أو 4 نقاط في وثيقة من 5 صفحات، لكن في الملف النووي كل بند يفتح الباب أمام عشرات الخلافات الأخرى».

وتتركز المحادثات على مخزون إيران البالغ نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو مستوى قريب من الاستخدام العسكري في حال رفع نسبة التخصيب.

ويُطرح خيار «تخفيف التركيز» داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية كأحد الحلول المفضلة، إلى جانب خيار هجين يقضي بنقل جزء من المخزون إلى الخارج. وجرى طرح تركيا وفرنسا كوجهتين محتملتين، في حين يرى دبلوماسيون أن نقل المواد إلى الولايات المتحدة سيكون صعب القبول سياسياً بالنسبة لطهران، كما أن واشنطن لا تفضل إرسالها إلى روسيا.

لكن هذه الخيارات، بحسب الدبلوماسيين، ستتطلب مفاوضات تقنية معقدة تشمل التحقق من الكميات، واستعادة المواد التي قد تكون دُفنت بفعل الضربات الجوية، وضمان نقلها بشكل آمن. كما طرحت إيران فكرة تخزين المواد في الخارج لفترة زمنية محددة.

وقال دبلوماسي غربي شارك سابقاً في المفاوضات: «ما يحدث الآن هو مجرد نقطة انطلاق. لهذا السبب بلغ حجم اتفاق 2015 نحو 160 صفحة».

وإلى جانب المخزون، يتمثل الخلاف الأعمق في حق إيران في تخصيب اليورانيوم. فقد دعا ترمب إلى وقف كامل للتخصيب، بينما تؤكد طهران حقها في التخصيب لأغراض مدنية وتنفي سعيها لامتلاك سلاح نووي.

ويُطرح حل وسط محتمل يقوم على وقف مؤقت للتخصيب، يعقبه استئناف عند مستويات منخفضة جداً ضمن شروط صارمة.

وشدد الأوروبيون على ضرورة الحفاظ على الدور المركزي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يشمل عمليات تحقق دقيقة وإمكانية وصول غير مقيدة.

وقال جيرار آرو، كبير المفاوضين الفرنسيين بين 2006 و2009: «المفاوضات مع إيران شديدة التعقيد والدقة، وكل كلمة فيها مهمة. هذا ليس ملفاً يمكن التعامل معه بسرعة».

مسار العقوبات

في المسار الاقتصادي، تتركز المحادثات على رفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة.

وتسعى طهران على المدى القريب إلى الوصول إلى جزء من أموالها المجمدة في الخارج، بينما يتوقع دبلوماسيون أن يتطلب رفع أوسع للعقوبات مشاركة أوروبية، نظراً لأهمية التجارة مع أوروبا بالنسبة لإيران على المدى الطويل.

ويرى مسؤولون أن واشنطن تفصل مجدداً بين الاتفاق من حيث المبدأ والعمل اللاحق على التفاصيل، وهو نهج يعتبرونه غير منسجم مع طبيعة النظام السياسي الإيراني.

وقال دبلوماسي إقليمي مطلع على الموقف الإيراني: «هذه المحادثات ليست صفقة عقارية تُبرم بالمصافحة»، في إشارة لخلفيات مفاوضي ترمب الرئيسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مضيفاً أن العملية تتطلب تدرجاً في رفع العقوبات مقابل خطوات نووية مقابلة.

وأشار دبلوماسيون إلى أن الحرب الأخيرة عززت موقف طهران، التي ترى أنها قادرة على تحمل الضغوط، حتى في ظل سعيها لتخفيف القيود الاقتصادية.

ويتمثل المطلب الرئيسي لإيران في الحصول على ضمانات بعدم تعرضها لهجمات جديدة، بعد أن شهدت ضربات أميركية وإسرائيلية خلال فترات تفاوض سابقة.

ترمب يَعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية _ أ.ب)

ضغوط إقليمية

في الوقت ذاته، تواجه واشنطن ضغوطاً من حلفائها، إذ هي مطالبة إقليمياً بإدراج ملفات الصواريخ الباليستية الإيرانية ونشاط الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران ضمن أي اتفاق، وتضغط إسرائيل باتجاه فرض أقصى قيود ممكنة على إيران.

على خلاف ذلك، ترى طهران أن قدراتها الصاروخية تمثل رادعاً أساسياً، خاصة بعد تراجع قدراتها التقليدية نتيجة الحرب.

ويرى دبلوماسيون أن المطالبة بتفكيك هذه القدرات بشكل كامل تبدو غير واقعية من دون تقديم ضمانات أمنية أوسع.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الخطوط الحمراء لواشنطن تشمل وقف تخصيب اليورانيوم، وتفكيك منشآت التخصيب الكبرى، والحصول على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب اتفاق أوسع للتهدئة يشمل أطرافاً إقليمية.

خبرة تفاوضية محدودة

وأقر مسؤولون أوروبيون بأنهم ساهموا جزئياً في تهميش دورهم، من خلال دعم إعادة فرض عقوبات أممية على طهران العام الماضي، وإدراج «الحرس الثوري» ضمن قوائم الإرهاب. لكنهم أشاروا إلى أن إيران تقدر في المقابل بقاءهم خارج دائرة المواجهة العسكرية.

وقال مسؤول أوروبي: «ببساطة، لا توجد خبرة كافية داخل هذا الفريق الأميركي. لقد عملنا على هذا الملف لعقدين»، مشيراً إلى أن نحو 200 دبلوماسي وخبير نووي ومالي شاركوا في مفاوضات اتفاق 2015.

في المقابل، أكد مسؤول في البيت الأبيض أن ممثلين عن مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع شاركوا في محادثات إسلام آباد، ولا يزالون منخرطين في الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.


ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم)
جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم)
TT

ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم)
جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تمضي في جولة جديدة من المفاوضات مع إيران، معلناً أن مبعوثيه سيتوجهان إلى إسلام آباد، مساء الاثنين، لاستئناف المحادثات بشأن اتفاق ينهي الحرب، في وقت صعّد فيه لهجته باتهام طهران بخرق وقف إطلاق النار في مضيق هرمز، مجدداً تهديده باستهداف البنية التحتية الإيرانية إذا فشلت الجهود الدبلوماسية.

وفي المقابل، قدّم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف رواية مفصلة لمسار التفاوض، قال فيها إن المحادثات أحرزت تقدماً، لكنها لا تزال بعيدة عن اتفاق نهائي، مع بقاء خلافات أساسية حول الملف النووي، ومضيق هرمز، وترتيبات وقف النار في الساحات المرتبطة بالحرب.

وقال ترمب إن ممثلين عنه سيتوجهون إلى إسلام آباد لإجراء «مزيد من المفاوضات» بشأن اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران، مضيفاً أن الولايات المتحدة تعرض على طهران «اتفاقاً معقولاً».

ترمب يترجل من مروحية «مارين ون» في الحديقة الجنوبية عند وصوله إلى البيت الأبيض الجمعة (أ.ب)

وكتب على مواقع للتواصل الاجتماعي: «نطرح اتفاقاً عادلاً ومعقولاً للغاية، وآمل أن يقبلوه لأنهم إذا لم يفعلوا فستدمر الولايات المتحدة كل محطة كهرباء وكل جسر في إيران». وهدد قائلاً: «لن أتعامل بلطف بعد الآن».

كما قال إن ستيف ويتكوف، مبعوثه الخاص، وجاريد كوشنر، صهره والمشارك في ملفات الشرق الأوسط خلال ولايته الأولى، سيتوجهان إلى باكستان هذا الأسبوع، فيما أشار إلى أن نائب الرئيس جي دي فانس، الذي شارك في الجولة السابقة من المحادثات، لن يكون ضمن الوفد في هذه المرحلة.

وإلى جانب إعلان استئناف التفاوض، صعّد ترمب اتهاماته لإيران، قائلاً إنها ارتكبت «انتهاكاً كاملاً» و«انتهاكاً خطيراً» لاتفاق وقف إطلاق النار، في إشارة إلى إطلاق النار على سفن في مضيق هرمز.

وقال إن إيران قررت «إطلاق النار في مضيق هرمز»، مضيفاً أن كثيراً من الطلقات وُجهت، حسب قوله، نحو سفينة فرنسية وناقلة شحن بريطانية. وفي تصريحات نقلتها شبكة «إيه بي سي نيوز»، قال ترمب إن اتفاق السلام «سيتم التوصل إليه، بطريقة أو بأخرى، بالطريقة اللطيفة أو بالطريقة القاسية».

وربط ترمب بين التفاوض والتهديد العسكري المباشر، فقال إن إيران إذا لم تقبل الاتفاق فإن الولايات المتحدة «ستقضي على كل محطة كهرباء وكل جسر في إيران». وأضاف أن «زمن الرجل اللطيف انتهى»، وأن الإيرانيين «سينصاعون سريعاً وبسهولة» إذا لم يقبلوا العرض المطروح.

كما اعتبر أن ما وصفه بسيطرة إيران على مضيق هرمز لا يغيّر شيئاً، قائلاً إن «الحصار الأميركي أغلقه بالفعل». وذهب إلى أن طهران «تساعد واشنطن من دون أن تدري» عبر الإغلاق، لكنها، وفق قوله، هي التي تخسر من شل الممر، مقدراً خسائرها بنحو 500 مليون دولار يومياً، بينما «لا تخسر الولايات المتحدة شيئاً». وأضاف أن سفناً كثيرة تتجه إلى الولايات المتحدة، وخصوصاً إلى تكساس ولويزيانا وألاسكا، لتحميل الشحنات.

وكان ترمب قد قال، السبت، إن المحادثات مع إيران «جيدة جداً»، لكنه اتهم طهران في الوقت نفسه بالتصرف «بقدر من المكر»، وبمحاولة «ابتزاز» الولايات المتحدة عبر التراجع المتكرر في ملف المضيق. كما أشار إلى أن الحرب قد تعود إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قبل الأربعاء، موعد انتهاء هدنة الأسبوعين، بما يعكس استمرار الجمع بين الضغط الدبلوماسي والوعيد العسكري في الخطاب الأميركي.

عمال النظافة يقومون بتنظيف أحد الطرق بينما يقف أحد أفراد الأمن حراسةً بالقرب من فندق سيرينا في إسلام آباد الأحد (أ.ف.ب)

وانتهت محادثات في إسلام آباد، مطلع الأسبوع الماضي، دون التوصل لاتفاق لكن هناك استعدادات فيما يبدو لاستئناف تلك المفاوضات حسب «رويترز». وأوقفت السلطات في المدينة وسائل النقل العام وشاحنات نقل البضائع الثقيلة ووضعت أسلاكاً شائكة قرب فندق سيرينا الذي شهد انعقاد المفاوضات السابقة. وأفاد ممثل للفندق بإبلاغ النزلاء اليوم الأحد بضرورة المغادرة. وفي وسط العاصمة إسلام آباد، كثفت قوات الشرطة والجيش وجودها، لكن الاستعدادات لم تبد ‌على مستوى الإجراءات الأمنية التي اتخذت قبل الجولة السابقة. وقال سعيد خطيب زاده، نائب وزير الخارجية الإيراني في وقت سابق إن الاتفاق يجب أن ⁠يتم أولاً على إطار تفاهم.

«لعبة إلقاء اللوم»

لكن صورة الجولة المقبلة لم تتضح بالكامل بعد، رغم الإعلانات الأميركية المتلاحقة. إذ أفادت شبكة «سي إن إن» نقلاً عن مصادر إيرانية مطلعة إن وفداً إيرانياً يُتوقع أن يصل إلى باكستان، الثلاثاء، لإجراء محادثات مع الجانب الأميركي، مرجحة أن يضم التشكيل نفسه الذي شارك في الجولة السابقة، وبينهم وزير الخارجية عباس عراقجي وقاليباف.
وأضافت المصادر، وفق «سي إن إن» أن هناك توقعات بإعلان رمزي مشترك، الأربعاء، لتمديد وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أنه إذا سارت الأمور بسلاسة وقرر ترمب التوجه إلى إسلام آباد، فقد يقابله الرئيس الإيراني، مع احتمال عقد اجتماع مشترك بين الرئيسين وتوقيع ما وصفته المصادر بـ«إعلان إسلام آباد».
في المقابل، لم يصدر حتى الآن أي تأكيد رسمي من طهران بشأن سفر الوفد الإيراني، رغم إعلان ترمب إرسال وفد أميركي، في حين أظهرت مواقف إعلامية إيرانية رسمية تشككاً واضحاً في عقد جولة جديدة من الأساس.
وفي هذا السياق، نفت وكالة «إرنا» الرسمية وصفته بالتقارير المتداولة بشأن عقد جولة ثانية من المفاوضات في إسلام آباد، مؤكدة أن «الأخبار المنشورة حول الجولة الثانية من المفاوضات غير صحيحة».
وأضافت الوكالة أن «المبالغة في المطالب الأميركية، وطرح مطالب غير معقولة وغير واقعية، إلى جانب التغيير المتكرر في المواقف، والتناقض المستمر في التصريحات، واستمرار ما يسمى بالحصار البحري الذي يُعد خرقاً لتفاهم وقف إطلاق النار، فضلاً عن الخطاب التهديدي، كل ذلك حال حتى الآن دون إحراز تقدم في المفاوضات».
وتابعت «إرنا» أن «هذه الظروف لا توحي بوجود أفق واضح لمفاوضات مثمرة»، معتبرة أن «الأخبار التي تنشرها الولايات المتحدة تندرج ضمن لعبة إعلامية، وفي إطار ما يُعرف بـ(لعبة إلقاء اللوم)، بهدف ممارسة ضغط على إيران».

ناقلات النفط وسفن شحن البضائع السائبة راسية في مضيق هرمز السبت (أ.ب)

وفي مؤشر إضافي على استمرار التباين في المواقف، ذكرت وكالة «تسنيم» المرتبطة بجهاز استخبارات «الحرس الثوري» أن إيران «لا تملك حالياً خطة لإرسال وفد تفاوضي»، مؤكدة أن استمرار الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية يجعل عقد جولة جديدة أمراً غير مطروح في الوقت الراهن.

هرمز بين الشلل والتهديد

وفي ظل هذا الغموض بشأن الجولة المقبلة من المحادثات، ظل مضيق هرمز العامل الأكثر إلحاحاً في المشهد، مع استمرار توقف الملاحة تقريباً، وتبادل الاتهامات بين واشنطن وطهران بشأن المسؤولية عن تقويض الهدنة.

وأظهرت بيانات تتبع السفن أن ناقلتين تحملان غاز البترول المسال، هما «ميدا» و«جي سمر»، عادتا أدراجهما بعد التوجه نحو مخرج المضيق، قبل أن تستديرا جنوب جزيرة لاراك الإيرانية.

وكانت هاتان السفينتان الوحيدتين تقريباً اللتين ظهرتا بأجهزة إرسال نشطة أثناء محاولة المرور، من دون أن تظهر سفن أخرى تعبر في أي من الاتجاهين.

كما أفادت بيانات أخرى بأن الحركة عبر المضيق توقفت عملياً، بعدما كانت ناقلات قليلة قد عبرت صباح السبت خلال فترة الفتح القصيرة. وبحلول الأحد، بدا مدخل الخليج العربي في حالة جمود، مع خلو المضيق من السفن تقريباً.

وأعلنت إيران، يوم الجمعة، أنها فتحت المضيق، الذي أبقته في حكم المغلق أمام كل السفن ما عدا سفنها منذ بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل استهدافها في 28 فبراير (شباط). لكن طهران غيرت موقفها أمس السبت وعاودت فرض سيطرتها على المضيق وأغلقته، واتهمت واشنطن بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار من خلال مواصلة حصارها البحري على الموانئ الإيرانية. وأبلغت سفينتان على الأقل عن تعرضهما لإطلاق نار لدى الاقتراب من المضيق، أمس السبت. وأظهرت بيانات شحن بعد ذلك أن حركة العبور توقفت تماماً من المضيق.

وقالت جهات أمنية بحرية إن الملاحة التجارية تعرضت لهجمات للمرة الأولى منذ بدء الهدنة الحالية، وهو ما عزز حالة الترقب ودفع السفن إلى تغيير مساراتها أو التراجع.

وأعلنت وزارة الخارجية الهندية استدعاء السفير الإيراني بعد حادث إطلاق نار استهدف سفينتين تحملان العلم الهندي، فيما قالت هيئة أمن بحري بريطانية إن «الحرس الثوري» أطلق النار على ناقلة، وتحدثت شركة أمنية عن تهديدات بتدمير سفينة سياحية كانت تغادر الخليج. كما ورد بلاغ عن سفينة أصابها مقذوف مجهول وألحق أضراراً بحاويات الشحن من دون اندلاع حريق.

وقال قاليباف إن «من المستحيل أن يمر الآخرون عبر مضيق هرمز بينما لا تستطيع إيران ذلك»، وربط إعادة فتحه برفع الحصار البحري الأميركي. وأضاف أن بلاده لن تقبل استمرار مرور الآخرين إذا استمر تقييد حركتها، وأن تقييد العبور سيُفرض «بالتأكيد» إذا لم ترفع واشنطن الحصار.

رواية للمفاوضات

وأفاد قاليباف إن المفاوضات مع الولايات المتحدة شهدت تقدماً، لكنها «لا تزال بعيدة عن النقاش النهائي». وأوضح في كلمة متلفزة خاطب بها الإيرانيين، أن الاتصالات بدأت عبر باكستان، التي نقلت مقترحات أميركية أولية من 15 بنداً، جرى بحثها داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، مع رفعها بشكل متواصل إلى القيادة لاتخاذ القرار. وأضاف أن طهران رفضت هذه الصيغة، وقدمت بدلاً منها إطاراً من 10 بنود اعتبرته أساساً للتفاوض، قبل أن تطرح واشنطن لاحقاً مقترحاً من 9 بنود.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الولايات المتحدة اقترحت، عندما التقى المفاوضون الأميركيون والإيرانيون الأسبوع الماضي في إسلام آباد، تعليق جميع الأنشطة النووية الإيرانية 20 عاماً، في حين اقترحت إيران تعليقاً بين ثلاثة وخمسة أعوام وهو ما يرفضه ترمب.

وقال قاليباف إن المفاوضات الفعلية لم تبدأ إلا في آخر 48 ساعة قبل وقف إطلاق النار، بعدما طلبت واشنطن التهدئة. وأوضح أن طهران اشترطت أن يعلن ترمب بنفسه في تغريدة أن طلب وقف إطلاق النار جاء من الجانب الأميركي، حتى يكون واضحاً أن التهدئة لم تُفرض على إيران. وأضاف أن بلاده قبلت وقف إطلاق النار على هذا الأساس، لكن مع بقاء مسائل أساسية غير محسومة.

وفيما يتعلق بمضمون التفاوض، قال قاليباف إن الخلافات لا تزال قائمة حول الملف النووي ودور إيران في مضيق هرمز، وإن بعض المواضيع وصلت إلى «استخلاص نهائي»، بينما بقيت قضايا أخرى من دون حسم.

وأضاف أن الوفدين وصلا إلى «فهم أكثر واقعية» لمواقف بعضهما، لكن ذلك لم يبدد انعدام الثقة الإيراني تجاه واشنطن. وشدد على أن أي اتفاق ينبغي أن يقوم على مبدأ «خطوة مقابل خطوة» و«تعهد مقابل تعهد»، لا على تنفيذ إيراني أحادي في مقابل التزامات غير مضمونة من الطرف الآخر.

وروى قاليباف أيضاً تفاصيل حديثه مع نائب الرئيس الأميركي، قائلاً إنه أبلغه أن طهران جاءت إلى المفاوضات «بحسن نية، لكن في ذروة انعدام الثقة». وأضاف أنه قال له صراحة: «لا نثق بكم إطلاقاً، وأول ما عليكم فعله هو بناء الثقة». كما أشار إلى أنه ذكّر الوفد الأميركي بما قاله ترمب عن بقاء المفاوضين الإيرانيين أحياء من أجل التفاوض، معتبراً أن ذلك يعكس طبيعة السلوك الأميركي خلال الحرب.

وعلى المستوى الميداني، ربط قاليباف قبول وقف إطلاق النار بكون إيران «حققت تفوقاً» منع الطرف الآخر من فرض شروطه. لكنه أقر في الوقت نفسه بأن ميزان القوة العسكرية يميل لصالح الولايات المتحدة، معتبراً أن ما حققته طهران يعود إلى أسلوب القتال غير المتكافئ والتخطيط العملياتي، لا إلى امتلاك قوة عسكرية أكبر من واشنطن.

سجال داخلي

وجاءت رواية قاليباف بعد بيان للأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني شرح مسار مفاوضات إسلام آباد، وقال إن الرسائل الأميركية لوقف إطلاق النار بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، وإن طهران قبلت التفاوض في اليوم الأربعين ضمن إطار من 10 بنود، بعد محادثات امتدت 21 ساعة، من دون التوصل إلى نتيجة نهائية. وأضاف البيان أن مقترحات أميركية جديدة وصلت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد الدراسة.

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

كما أوضح البيان أن فتح مضيق هرمز كان مؤقتاً ومشروطاً لعبور السفن التجارية فقط، وأن استمرار ما وصفه بالحصار الأميركي سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح محدود أو مشروط للمضيق. وشدد على أن إيران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بشكل كامل وتحقيق «سلام مستدام».

واكتسبت تصريحات قاليباف أهمية إضافية لأنها جاءت بعد جدل داخلي أثارته تغريدة وزير الخارجية عباس عراقجي بشأن فتح مضيق هرمز، وما تبعها من انتقادات من وسائل إعلام مقربة من «الحرس الثوري»، رأت أن الرسالة كانت ناقصة وأحدثت التباساً واسعاً حول شروط العبور وآلياته. وفي هذا السياق، بدا ظهور قاليباف محاولة لتقديم رواية أكثر تفصيلاً عن التفاوض والهدنة والمضيق، وربطها بقرار صادر عن مؤسسات عليا لا بموقف فردي من وزارة الخارجية وحدها.

الحصار البحري

من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن ما وصفه بـ«الحصار» الأميركي على الموانئ أو السواحل الإيرانية لا يشكل فقط انتهاكاً لوقف إطلاق النار الذي جرى بوساطة باكستانية، بل يعد أيضاً إجراءً «غير قانوني وإجرامياً».

وأضاف، في منشور على منصة «إكس»، أن هذا الإجراء ينتهك المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة، ويشكل «عملاً عدوانياً» بموجب قرار الجمعية العامة رقم 3314 لعام 1974. وتابع أن فرض «عقاب جماعي» على السكان الإيرانيين يرقى، حسب تعبيره، إلى «جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية».

وفي موازاة ذلك، قال مجيد موسوي، قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري»، إن إيران تسرّع خلال فترة الهدنة تحديث وإعادة تزويد منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة بوتيرة تفوق ما كانت عليه قبل الحرب.

وكان أحد أهداف الحرب الأميركية الإسرائيلية على ⁠إيران، والتي اندلعت في ‌28 ‌فبراير، ​هو ‌القضاء على قدرات ‌إيران الصاروخية.

بحّارة ومشاة البحرية على متن سفينة الإنزال «يو إس إس راشمور» ينفذون عمليات حصار في بحر العرب أمس (سنتكوم)

وأضاف، في تعليق مرفق بمقطع مصور من منشأة صاروخية تحت الأرض، أن «العدو، خلافاً لإيران، لم يتمكن خلال وقف إطلاق النار من إعادة بناء مخزونه من الذخائر»، معتبراً أن هذه المرحلة من الحرب «خسرها أيضاً»، وأنه «خسر المضيق ولبنان والمنطقة».

في وقت سابق من هذا الشهر، قال الجنرال دان كين من سلاح الجو إن القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) «دمرت ما يقرب من 80 في المائة من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، حيث ضربت أكثر من 1500 هدف للدفاع الجوي، وأكثر من 450 منشأة لتخزين الصواريخ الباليستية، و800 منشأة لتخزين الطائرات دون طيار الهجومية ذات الاتجاه الواحد».

أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فقال إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يمكنه حرمان إيران من حقها في برنامج نووي، متسائلاً: «ما نوع السلطة التي يمتلكها ليحرم أمة من حقوقها القانونية؟». كما انتقد إسرائيل والولايات المتحدة، قائلاً إن تل أبيب تعلن عن نيتها اغتيال أشخاص، ثم تتهم واشنطن إيران بالإرهاب.

وأضاف أن إيران «ليست طالبة حرب، بل تدافع عن نفسها»، داعياً منابر المساجد وخطباء الجمعة إلى تجنب الخطابات المثيرة للانقسام، والعمل على مواجهة الشائعات وتعزيز الاستقرار النفسي للمجتمع.

بدوره، قال مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي إن «زمن فرض الأمن من خارج المنطقة انتهى»، معتبراً أن أمن مضيقي هرمز وملقا بات مضموناً عبر قدرات إيران وشركائها، فيما أصبح أمن باب المندب، حسب تعبيره، «في يد الإخوة في أنصار الله». وحذر من أن «أي شيطنة ستقابل برد متسلسل»، منتقداً مواقف بريطانية وفرنسية بشأن أمن الملاحة.

وفي الاتجاه نفسه، قال عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، أبو الفضل زهره‌وند، إن التفاوض والحصول على تعويضات «لا يكتسبان معنى إلا بعد إنهاء الوجود الأميركي في المنطقة».